الرياض تفتح الطريق أمام نقل الطرود بلا سائق

«عبد اللطيف جميل» لـ«الشرق الأوسط»: تشغيل 24 شاحنة ذاتية القيادة بالتعاون مع «سبل» في نوفمبر

إحدى الشاحنات ذاتية القيادة (الشرق الأوسط)
إحدى الشاحنات ذاتية القيادة (الشرق الأوسط)
TT

الرياض تفتح الطريق أمام نقل الطرود بلا سائق

إحدى الشاحنات ذاتية القيادة (الشرق الأوسط)
إحدى الشاحنات ذاتية القيادة (الشرق الأوسط)

في وقت تتغير فيه خريطة التنقل داخل المدن السعودية، تستعد الرياض لخوض تجربة جديدة لا يظهر فيها السائق خلف المقود، ولا يتوقف نجاح الرحلة على مهاراته في التعامل مع الطريق. فبحلول منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، يتوقع أن تبدأ 24 شاحنة ذاتية القيادة اختبار العمل على طرق العاصمة، في تجربة تفتح الباب أمام انتقال التقنية من نقل الركاب إلى نقل الطرود، والبضائع.

وتأتي هذه الخطوة بعد أن رعت الهيئة العامة للنقل في مايو (أيار) الماضي توقيع مذكرة تفاهم بين شركتي «عبد اللطيف جميل للسيارات» و«زيلوس تيك» الصينية المتخصصة في تقنيات القيادة الذاتية، بهدف تبني وتمكين حلول التنقل الذاتي في المملكة.

وتمثل الشاحنات المرتقب تشغيلها في الرياض أحد التطبيقات العملية لهذا التعاون، إذ تركز المرحلة الأولى على اختبار قدرة المركبات ذاتية القيادة على نقل الطرود داخل العاصمة، تمهيداً لتقييم أدائها وكفاءتها قبل الانتقال إلى مراحل أوسع من التشغيل.

وقال المدير العام لمشاريع حلول التنقل في «عبد اللطيف جميل للسيارات»، عمار باتردوك، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن التشغيل التجريبي سيبدأ بعد استكمال الخرائط الجيومكانية، وتدريب أنظمة القيادة الذاتية على الطرق المحلية.

وأوضح أن الأسطول المخصص للمرحلة الأولى يضم 24 شاحنة بأحجام ونماذج مختلفة، وصلت 4 منها بالفعل إلى المملكة، فيما توجد 20 شاحنة أخرى في مرحلة العبور، وسط تحديات لوجستية تواجه عمليات الشحن من الصين بسبب الأحداث التي تشهدها المنطقة.

وتتراوح حمولات الشاحنات بين 0.5 طن و1.5 طن و2.5 طن، وتضم نماذج مبردة، وأخرى غير مبردة، على أن تصل الدفعات المتبقية تباعاً خلال أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر المقبلين.

عمار باتردوك يشرح لأحد الزوار آلية عمل الشاحنة ذاتية القيادة (الشرق الأوسط)

تجارب مجانية مع «سبل»

تنفذ «عبد اللطيف جميل للسيارات» المرحلة التجريبية -بالتعاون مع البريد السعودي «سبل»- لنقل الطرود من المركز الرئيس إلى مراكز الأحياء في الرياض، على أن تقدم الخدمة مجاناً طوال فترة التجربة.

وقال باتردوك إن الشركة مستعدة لتمديد الفترة التجريبية لعدة أشهر إذا اقتضت الحاجة، بهدف جمع بيانات تشغيلية واستثمارية كافية لتقييم أداء الأسطول، وجدواه، وذلك قبل اتخاذ قرار بشأن التوسع التجاري.

وتتيح المرحلة للشركة اختبار المركبات في ظروف القيادة الفعلية داخل العاصمة، بما يشمل قدرتها على التعامل مع الطرق المحلية، وحركة المرور، إلى جانب قياس أدائها خلال ساعات التشغيل المختلفة.

صورة توضيحية لداخل الشاحنة (الشرق الأوسط)

استثمار بالملايين لاختبار الجدوى

تصل تكلفة المرحلة التجريبية إلى ملايين الريالات، وفق باتردوك، وتشمل شراء المركبات، والتخليص الجمركي، والرسوم، والضرائب. وأوضح أن هذا الاستثمار لا يستهدف تحقيق عائد مالي مباشر، وإنما يهدف إلى اختبار الجدوى الاقتصادية والفنية للتقنية، وجمع البيانات اللازمة قبل اتخاذ قرارات بشأن التوسع التجاري، وحجم الأسطول المستقبلي.

ولم تحدد الشركة حجماً ثابتاً للاستثمار المرتقب، إذ يرتبط ذلك باحتياجات السوق، وتطور الطلب، وقال باتردوك: «إذا كانت السوق تحتاج إلى 100 سيارة، فسنوفر 100 سيارة، وإذا كانت تحتاج إلى 500 سيارة، فسنوفر 500 سيارة، وإذا احتاجت السوق إلى التصنيع المحلي، فسنصنع محلياً».

جانب من إقبال الزوار على جناح «جميل» في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية (الشرق الأوسط)

وفورات التشغيل تتجاوز تكلفة الشاحنة

وتراهن الشركة على أن الشاحنات ذاتية القيادة يمكن أن تخفض تكاليف التشغيل مقارنة بالمركبات التقليدية؛ إذ أوضح باتردوك أن سعر الشاحنة ذاتية القيادة يبلغ تقريباً نصف قيمة الشاحنة التقليدية العاملة بالوقود، سواء البنزين، أو الديزل.

وتتسع فجوة التكلفة عند التشغيل مع انخفاض مصروفات العمالة، والصيانة، إلى جانب إمكانية تشغيل الشاحنات على مدار 24 ساعة، باستثناء الفترات اللازمة لإعادة شحنها.

وفي قراءة تحليلية، يرى الخبير اللوجستي حسن آل هليل، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الأثر الاقتصادي الأبرز سيظهر في خفض تكاليف التشغيل، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، مشيراً إلى أن الشاحنات ذاتية القيادة يمكن أن تزيد الاستفادة من الأسطول، وتحسن تخطيط الرحلات، وتتيح التشغيل لفترات أطول، خصوصاً في المسارات المتكررة، والمحددة.

وأضاف آل هليل أنه من المبكر تحديد نسبة ثابتة للخفض في التكاليف اللوجستية داخل السعودية، نظراً إلى اختلاف الوفر بحسب نوع الشحنة، والمسافة، ونموذج التشغيل. وقال إن «أكبر فرص التوفير تكمن في تكلفة العمالة التشغيلية، ورفع معدل استخدام الشاحنة، وتقليل أوقات الانتظار، وتحسين استهلاك الوقود، والصيانة»، مضيفاً أن «القيمة الاقتصادية ستكون في زيادة إنتاجية الأسطول، وتنفيذ رحلات أكثر بكفاءة».

ومن جانب آخر، قال باتردوك إن غياب السائق يتيح نقل عمليات التوريد والتوصيل إلى ساعات الليل، بما يرفع كفاءة استخدام الأسطول في المدن الكبرى -مثل الرياض- من خلال الاستفادة من الفترات التي تكون فيها حركة الطرق أقل كثافة.

ووفق تقديرات الشركة، تمثل تكلفة الكهرباء نحو 20 في المائة فقط من تكلفة الوقود التقليدي، فيما تنخفض مصاريف الصيانة نتيجة غياب المحركات التقليدية، وناقل الحركة، لتتركز أعمال الخدمة الدورية بدرجة أكبر على مكونات مثل الفرامل، والإطارات.

وتعتمد الشاحنات في القيادة الذاتية على أجهزة الاستشعار، والرادارات، بما يمكنها من العمل في ظروف القيادة الليلية دون الاعتماد على الرؤية البشرية.

جاهزية الطرق تحدد مسار التوسع

ورغم هذه المزايا، يرى آل هليل أن تشغيل الشاحنات ذاتية القيادة على نطاق واسع في الرياض يتطلب أكثر من طرق جيدة، إذ يحتاج إلى خرائط عالية الدقة، ومحدثة باستمرار، وأنظمة اتصال موثوقة، وبنية تحتية ذكية، وتنسيق بين الجهات المعنية.

ولفت إلى أن أبرز التحديات داخل المدن تتمثل في الازدحام، والتغير المفاجئ في المسارات، وأعمال الطرق، والتصرفات غير المتوقعة لبعض المركبات، والظروف الغبارية، إضافة إلى التعامل مع نقاط التحميل والتفريغ. وقال إن «البداية الأكثر واقعية ستكون في الطرق والمسارات اللوجستية المحددة، والمتكررة، قبل الانتقال إلى التشغيل الحضري الأكثر تعقيداً».

أحد الطرقات في العاصمة الرياض (واس)

من نقل الركاب إلى شحن الطرود

وتأتي تجربة الشاحنات في وقت تتوسع فيه السعودية في اختبار تطبيقات التنقل الذاتي، بعد أن بدأت التقنية في الانتقال من نقل الركاب إلى مجالات الشحن، والتوصيل.

وكانت السعودية قد أطلقت العام الماضي مركبات لنقل الركاب ذاتية القيادة، وتعمل حالياً على أكثر من 5 مسارات تشمل منطقة «روشن»، وجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، والمسار الرابط بين «الرياض غاليري» و«حياة مول».

ونقلت هذه الخدمة أكثر من 3100 راكب عبر 1600 رحلة -تحت إشراف الهيئة العامة للنقل- في إطار اختبار تقنيات القيادة الذاتية في البيئة الحضرية السعودية.

ويفتح انتقال هذه التطبيقات إلى قطاع الشحن مجالاً جديداً لاختبار أثر القيادة الذاتية على كفاءة عمليات التوصيل داخل المدن، في وقت تتوسع فيه التجارة الإلكترونية، وتتزايد احتياجات سلاسل الإمداد إلى حلول أكثر كفاءة، ومرونة.

إحدى السيارات ذاتية القيادة التابعة للهيئة العامة للنقل (واس)

من الطرق إلى السماء

ولا تتوقف خطط «عبد اللطيف جميل للسيارات» عند النقل البري، إذ بدأت الشركة دراسة سوق توصيل البضائع عبر الطائرات من دون طيار، استعداداً لدخول هذا المجال مع اكتمال الأطر التنظيمية اللازمة.

وتوقع باتردوك أن تستغرق عملية وضع التشريعات المنظمة لتوصيل البضائع بالطائرات من دون طيار ما بين سنة ونصف و3 سنوات، مشيراً إلى أن الشركة تجري اتصالات مع موردين عالميين لشاحنات وطائرات من دون طيار مخصصة لنقل البضائع، والأفراد.

وتركز الشركة في تقييم هذه الحلول على الجاهزية الفنية، ومدى الطيران، والسرعة، وقدرة المركبات والطائرات على العمل في الظروف الجوية المختلفة، ومقاومة الرياح، بهدف الوصول إلى الجاهزية التشغيلية فور صدور التراخيص الرسمية.

وبذلك لا تقتصر خطة «عبد اللطيف جميل للسيارات» على اختبار شاحنات ذاتية القيادة في الرياض، بل تمتد إلى تطوير منظومة أوسع لحلول التنقل الذاتي، تبدأ بالنقل البري، وتصل مستقبلاً إلى توصيل البضائع جواً، مع اختبار الجدوى الفنية والاقتصادية لكل حل قبل الانتقال من التجربة إلى التوسع التجاري.


مقالات ذات صلة

هونغ كونغ ترسم أول خطة خمسية لاقتصادها

الاقتصاد الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)

هونغ كونغ ترسم أول خطة خمسية لاقتصادها

كشفت هونغ كونغ عن أول خطة خمسية في تاريخها، واضعة التكنولوجيا والابتكار والإسكان في صدارة أولوياتها الاقتصادية حتى عام 2030.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

بنك اليابان يتجه لرفع الفائدة إلى قمة 31 عاماً

يتجه بنك اليابان إلى رفع أسعار الفائدة يوم الجمعة إلى أعلى مستوى في 31 عاماً بخطوة جديدة للابتعاد عن عقود من السياسة النقدية شديدة التيسير

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد سفينة تمر أمام مصفاة نفطية في منطقة صناعية جنوب العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

قفزة واردات اليابان تعمق ضغوط الطاقة والتضخم

قفزت واردات اليابان خلال أغسطس بأسرع وتيرة في نحو أربع سنوات، بعدما أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة فاتورة الطاقة

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد مستثمرون يتابعون شاشة تعرض حركة الأسهم في شركة للتداول بالعاصمة الصينية بكين (رويترز)

التكنولوجيا تقود تعافي الأسهم الصينية واليوان يستقر

أنهت الأسهم الصينية وأسهم هونغ كونغ تعاملات الأربعاء على ارتفاع نتيجة مكاسب قوية في قطاع التكنولوجيا

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (إ.ب.أ)

النفط والإنفاق يعيدان تسعير المخاطر في أسواق اليابان

تحركت أسواق اليابان يوم الأربعاء تحت تأثير مزيج من المخاوف المالية وارتفاع أسعار النفط وترقب قرارات البنوك المركزية.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

هونغ كونغ ترسم أول خطة خمسية لاقتصادها

الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)
الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)
TT

هونغ كونغ ترسم أول خطة خمسية لاقتصادها

الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)
الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)

كشفت هونغ كونغ عن أول خطة خمسية في تاريخها، واضعة التكنولوجيا والابتكار والإسكان في صدارة أولوياتها الاقتصادية حتى عام 2030، في خطوة تعزز مواءمة المركز المالي العالمي مع الاستراتيجية التنموية للصين، مع تأكيد السلطات أن تبنِّي التخطيط طويل الأجل لن يغير النظام الرأسمالي للمدينة.

وأعلن الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ، جون لي، الخطة، الأربعاء، بعد مشاورات حكومية استمرت شهرين مع المشرعين والسكان، وتشمل الاقتصاد والاستثمار والأراضي والإسكان والوظائف والتعليم والصحة، بالتوازي مع تعزيز مكانة المدينة في التمويل والتجارة والخدمات.

وتأتي الخطة بعد إقرار بكين في مارس (آذار) خطتها الخمسية الوطنية حتى عام 2030، في وقت تضع فيه الصين الاكتفاء الذاتي العلمي والتكنولوجي ضمن أهم أولوياتها، مع استثمارات كبيرة في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة.

وتستهدف هونغ كونغ زيادة الإنفاق على البحث والتطوير إلى ما يعادل 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بعد عام 2030، مقارنة بـ1.63 في المائة في 2024، في تحوُّل يعكس رغبتها في توسيع قاعدة اقتصادها خارج الأنشطة المالية والعقارية التقليدية.

وقال لي إن المدينة ستسرِّع مواءمتها مع الاستراتيجيات الوطنية الرئيسية في التكنولوجيا، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي والروبوتات والإلكترونيات الدقيقة والطاقة الجديدة والتصنيع المتقدم والمواد الجديدة، إضافة إلى التكنولوجيا المرتبطة بالرعاية الصحية وأنماط الحياة.

وفي الوقت نفسه، تسعى الخطة إلى ترسيخ مكانة هونغ كونغ مركزاً مالياً وبحرياً وتجارياً عالمياً، وتعزيز دورها كأحد أهم المراكز الخارجية لتداول الرنمينبي، فضلاً عن تطوير خدماتها القانونية الدولية وتسوية المنازعات. ووصف لي هونغ كونغ بأنها ستعمل بوصفها «حلقة وصل فائقة» بين الصين والعالم، مع زيادة التكامل مع منطقة «الخليج الكبرى». وشدد على أن اعتماد الخطة الخمسية لا يعني الانتقال إلى نموذج الاقتصاد الموجه، مؤكداً استمرار النظام الرأسمالي الذي ميَّز المدينة بوصفها بوابة للأسواق والاستثمارات الدولية.

محرك للنمو

ويشكِّل مشروع «المتروبوليس الشمالية» أحد أكبر مكونات الاستراتيجية الجديدة. ويمتد المشروع على نحو 30 ألف هكتار بالقرب من الحدود مع البر الرئيسي، ويُراد له أن يصبح مركزاً للتكنولوجيا والأعمال والإسكان ومحركاً جديداً للنمو. وكانت الحكومة قد طرحت المشروع للمرة الأولى في 2021، وتستهدف توفير مساكن لنحو 2.5 مليون شخص عند اكتماله، في محاولة لمعالجة النقص المزمن في الوحدات السكنية، إلى جانب إنشاء منطقة أعمال جديدة وثلاثة مواقع لمجمعات جامعية.

وتقدر السلطات أن المشروع سيوفر نحو 650 ألف وظيفة عند اكتمال تطويره. كما سيغطي في نهاية المطاف نحو ثلث مساحة هونغ كونغ، ما يجعله أحد أكبر مشروعات إعادة تشكيل الاقتصاد والعمران في المدينة.

لكن المشروع يواجه أيضاً تحديات تتعلق بكلفته وتأثيره في المالية العامة والبيئة؛ خصوصاً في وقت تعاني فيه هونغ كونغ من تداعيات تراجع سوق العقارات التي شكلت لسنوات مصدراً رئيسياً للإيرادات الحكومية من خلال مبيعات الأراضي.

اندماج اقتصادي أعمق

وقالت كريستين لو، المسؤولة الحكومية والمشرعة السابقة، إن الخطة تمنح هونغ كونغ أداة للحوكمة تساعدها على تنفيذ تخطيط استراتيجي طويل الأجل.

ويرى ديلان لو، الأستاذ المشارك في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، أن الهدف الأساسي يتمثل في مزامنة استراتيجية هونغ كونغ مع الخطة الوطنية للصين، بما يرجح تسارع التشابك الاقتصادي بين المدينة والبر الرئيسي. وتحاول هونغ كونغ من خلال الاستراتيجية الجديدة تحقيق معادلة مزدوجة: الحفاظ على مزاياها التقليدية بوصفها مركزاً مالياً دولياً واقتصاداً مفتوحاً، وفي الوقت نفسه الاستفادة بصورة أكبر من أولويات النمو الصينية في التكنولوجيا والتصنيع والابتكار.

ويجعل نجاح «المتروبوليس الشمالية» وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير من السنوات المقبلة اختباراً لقدرة هونغ كونغ على بناء محركات نمو جديدة، من دون التخلي عن الخصائص الاقتصادية التي منحتها تاريخياً دورها بوصفها إحدى أبرز بوابات رأس المال بين الصين والأسواق العالمية.


بنك اليابان يتجه لرفع الفائدة إلى قمة 31 عاماً

رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يتجه لرفع الفائدة إلى قمة 31 عاماً

رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

يتجه بنك اليابان إلى رفع أسعار الفائدة يوم الجمعة إلى أعلى مستوى في 31 عاماً، في خطوة جديدة للابتعاد عن عقود من السياسة النقدية شديدة التيسير، وسط تصاعد مخاطر التضخم الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط وضعف الين، بينما تترقب الأسواق بحذر إشارات المحافظ كازو أويدا بشأن المسار المقبل للتشديد.

ومن المتوقع أن يرفع البنك سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 1.25 في المائة من واحد في المائة، في ختام اجتماعه الذي يستمر يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول). وستكون الزيادة الأولى منذ ثلاثة أشهر، بعدما أبقى البنك الفائدة دون تغيير في يوليو (تموز).

وتأتي الخطوة المرتقبة في وقت تتجه فيه بنوك مركزية كبرى إلى تشديد السياسة لمواجهة ضغوط الأسعار، مع ارتفاع تكاليف الطاقة. وبالنسبة لليابان، فإن رفع الفائدة يمثل أيضاً خطوة إضافية نحو إنهاء حقبة طويلة من تكاليف الاقتراض المنخفضة للغاية، التي جعلت الين إحدى أبرز عملات التمويل الرخيص عالمياً.

الأسواق تنتظر أويدا

ومع تسعير المستثمرين زيادة الفائدة بدرجة شبه كاملة، تحول الاهتمام من قرار الجمعة نفسه إلى المؤتمر الصحافي لأويدا، وما إذا كان سيقدم مؤشرات بشأن توقيت الزيادات التالية وسرعتها.

وقال كاتسوتوشي إينادومي، كبير الاستراتيجيين لدى «سوميتومو ميتسوي تراست لإدارة الأصول»، إن الأسواق منقسمة بشأن أثر الرسائل التي قد يبعث بها البنك. فالبعض يرى أن لهجة أكثر تشدداً قد تخفض عوائد السندات عبر تبديد المخاوف من تأخر بنك اليابان في مكافحة التضخم، بينما يرى آخرون أنها قد ترفع العوائد من خلال زيادة توقعات المستوى النهائي للفائدة.

وأضاف أن حالة عدم اليقين بشأن رد فعل الأسواق قد تجعل الخيار الأفضل للبنك هو تجنب إعطاء إشارات شديدة الوضوح حول خطواته المقبلة.

ويشير محللون إلى احتمال أن يعارض عضو مجلس الإدارة تويتشيرو أسادا رفع الفائدة مجدداً، بعدما اعترض على زيادة يونيو (حزيران). وفي المقابل، ترجح تقديرات داخل البنك الاكتفاء بزيادة ربع نقطة مئوية بدلاً من خطوة أكبر، لإتاحة الوقت لتقييم تأثير الزيادات السابقة على الاقتصاد والأسواق المالية.

التضخم يغير الحسابات

أنهى بنك اليابان في 2024 برنامج التحفيز النقدي الذي استمر نحو عقد، وبدأ منذ ذلك الحين رفع أسعار الفائدة تدريجياً. لكنه يواجه الآن بيئة مختلفة مع ارتفاع أسعار الوقود، وزيادة تكلفة الواردات بفعل ضعف الين، إلى جانب الطلب القوي المرتبط بالاستثمارات في الذكاء الاصطناعي.

وكان أويدا قد قال في وقت سابق من سبتمبر إن التضخم الأساسي أصبح «قريباً للغاية» من مستهدف البنك البالغ 2 في المائة، مؤكداً ضرورة إيلاء اهتمام أكبر لمخاطر ارتفاع الأسعار.

ويتوقع اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم وصول الفائدة إلى 1.25 في المائة هذا الشهر، ثم إلى 1.5 في المائة بنهاية مارس (آذار) المقبل، قبل ارتفاعها إلى 1.75 في المائة خلال الربع الثاني من 2027. ويرى معظمهم أن دورة التشديد لن تنتهي قبل وصول الفائدة إلى 1.75 في المائة على الأقل.

معادلة الين والسندات

لكن التحدي الأكبر أمام أويدا سيكون كيفية صياغة رسالته. فالإصرار على نهج حذر يعتمد على البيانات، من دون إعطاء إشارات إلى زيادات أخرى، قد يعيد الضغوط البيعية على الين، بما يؤدي إلى زيادة تكلفة الواردات ويغذي التضخم.

وفي المقابل، فإن تبني لهجة شديدة التشدد قد يضيف ضغوطاً جديدة إلى سوق السندات الحكومية، التي شهدت بالفعل موجة بيع دفعت العوائد إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة عقود وسط مخاوف بشأن المالية العامة.

كما أن رفع الفائدة إلى 1.25 في المائة سيدخلها ضمن النطاق الذي يقدره بنك اليابان للفائدة الاسمية المحايدة، بين 1.1 و2.5 في المائة، وهو المستوى الذي لا يحفز الاقتصاد ولا يكبحه، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول المسافة المتبقية أمام دورة التشديد.

ورغم أن أويدا يؤكد عدم وجود مستوى محدد مسبقاً لنهاية دورة رفع الفائدة، فإن مصادر مطلعة على توجهات البنك تشير إلى أن عدداً من المسؤولين لا يزال يرى مجالاً لزيادات إضافية. ويقدر عضو مجلس الإدارة ناوكي تامورا، المعروف بميله إلى التشديد، مستوى الفائدة المحايدة بنحو 2 في المائة.

السياسة المالية تزيد التعقيد

وتضيف السياسة المالية التوسعية لحكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي بُعداً آخر إلى حسابات البنك، خصوصاً مع تصاعد المخاوف بشأن الدين والإنفاق الحكومي.

وكانت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا قد حذرت من أن مستويات الدين المرتفعة وحزم الدعم المالي الكبيرة قد تزيد مخاطر ارتفاع توقعات التضخم، ما يفرض على البنوك المركزية التحرك بقوة أكبر للحفاظ على استقرار الأسعار ومصداقية السياسة النقدية.

وهكذا، يبدو رفع الفائدة يوم الجمعة أقل تعقيداً من الرسالة التي سترافقه. فبنك اليابان يحتاج إلى إظهار استعداده لمواجهة التضخم من دون دفع الأسواق إلى تسعير دورة تشديد أسرع مما يريد، أو إشعال موجة جديدة من التقلبات في الين والسندات.


شيمشك: مستهدف التضخم التركي لعام 2027 واقعي إذا انتهت حرب إيران

وزير المالية محمد شيمشك يتحدث خلال اجتماع رابطة الصناعة والأعمال التركية في إسطنبول (رويترز)
وزير المالية محمد شيمشك يتحدث خلال اجتماع رابطة الصناعة والأعمال التركية في إسطنبول (رويترز)
TT

شيمشك: مستهدف التضخم التركي لعام 2027 واقعي إذا انتهت حرب إيران

وزير المالية محمد شيمشك يتحدث خلال اجتماع رابطة الصناعة والأعمال التركية في إسطنبول (رويترز)
وزير المالية محمد شيمشك يتحدث خلال اجتماع رابطة الصناعة والأعمال التركية في إسطنبول (رويترز)

قال وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك إن مستهدف التضخم لعام 2027 الوارد في البرنامج الاقتصادي متوسط الأجل يُعد واقعياً من وجهة نظر الأسواق، شرط ألا تستمر الحرب في إيران خلال العام المقبل، في وقت تتوقع فيه الحكومة تراجع التضخم إلى 21 في المائة في 2027، بعد بلوغه 28.4 في المائة هذا العام.

وأضاف شيمشك، في مقابلة مع قناة «خبر ترك» الأربعاء، أن تركيا ينبغي في الظروف الطبيعية أن تعمل وفق نظام سعر صرف عائم، لأنه يوفر الأساس للاستجابة بصورة صحيحة للصدمات الاقتصادية.

وتتوقع الحكومة التركية أن يتراجع التضخم إلى خانة الآحاد في عام 2029، أي بعد نحو عامين من الموعد الذي كانت تستهدفه سابقاً.

وقال شيمشك إن الحكومة لطالما ضمنت للعاملين في القطاع العام والمتقاعدين زيادات في الأجور لا تقل عن معدل التضخم، مؤكداً أنها ستواصل اتباع هذه السياسة.

سعر الصرف

وأوضح الوزير أن تركيا قد تلغي إلزام المصدرين ببيع جزء من حصيلة صادراتهم بمجرد انخفاض التضخم إلى خانة الآحاد، تمهيداً للانتقال إلى نظام أكثر حرية.

وأضاف أن الظروف اللازمة لإلغاء هذا الإلزام لم تتحقق بعد، وأن الحكومة ستعيد النظر في الأمر عندما تتوافر الشروط المناسبة.

القطاع المصرفي

وفيما يتعلق بالقطاع المصرفي، قال شيمشك إن بنك «غولدن غلوب ياتيريم» الخاضع لعقوبات أميركية مؤسسة صغيرة، ولا يشكل خطراً نظامياً على القطاع المالي التركي. ودعا البنوك الأخرى إلى الالتزام باللوائح الدولية، وتعزيز إجراءات الامتثال.

وتأتي تصريحات شيمشك في وقت تواجه فيه تركيا مخاطر إضافية على مسار التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، ما يزيد أهمية تطورات أسعار النفط وسعر الصرف بالنسبة إلى مسار الأسعار المحلية.