لماذا نتذكر بعض الأحلام وننسى أخرى؟

بعض الأشخاص يكونون أكثر عرضة بصورة طبيعية لتذكّر أحلامهم مقارنةً بغيرهم (بيكسلز)
بعض الأشخاص يكونون أكثر عرضة بصورة طبيعية لتذكّر أحلامهم مقارنةً بغيرهم (بيكسلز)
TT

لماذا نتذكر بعض الأحلام وننسى أخرى؟

بعض الأشخاص يكونون أكثر عرضة بصورة طبيعية لتذكّر أحلامهم مقارنةً بغيرهم (بيكسلز)
بعض الأشخاص يكونون أكثر عرضة بصورة طبيعية لتذكّر أحلامهم مقارنةً بغيرهم (بيكسلز)

هل استيقظت يوماً من النوم وأنت تتذكر تفاصيل حلمك بوضوح، ثم مرّت دقائق قليلة قبل أن تبدأ تلك التفاصيل بالتلاشي؟ وربما استيقظت في أحيان أخرى وأنت متأكد من أنك حلمت، لكنك لم تستطع تذكّر أي شيء مما رأيته. هذه التجربة شائعة جداً، وتحدث لمعظم الناس بدرجات متفاوتة. لكن لماذا نتذكر بعض أحلامنا وننسى أخرى؟ وهل هناك تفسير علمي لهذه الظاهرة؟

تحدث الأحلام عادةً خلال مرحلة نوم حركة العين السريعة (REM)، وهي مرحلة تتكرر عدة مرات خلال الليلة الواحدة. وتتميز هذه المرحلة بحركة العين السريعة، وزيادة حركة الجسم، وتسارع التنفس.

يقول مايك كيش، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة Beddr، وهي شركة ناشئة متخصصة في تكنولوجيا النوم، لموقع «هيلث لاين»، إن الأحلام تحدث غالباً خلال هذه الفترة لأن نشاط موجات الدماغ يصبح أقرب إلى النشاط الذي نراه في حالة اليقظة. وتبدأ هذه المرحلة عادةً بعد نحو 90 دقيقة من النوم، وقد تستمر لمدة تصل إلى ساعة قرب نهاية فترة النوم.

ويضيف الدكتور أليكس ديميتريو، الحاصل على شهادتين في الطب النفسي وطب النوم: «سواء تذكروا أحلامهم أم لا، فإن جميع الناس يحلمون أثناء نومهم. إنها وظيفة أساسية للدماغ البشري، وموجودة أيضاً لدى معظم الكائنات الحية».

إذن، إذا كان الجميع يحلمون، فلماذا لا نتذكر أحلامنا جميعاً؟

قد تختلف الإجابة باختلاف النظرية التي تختارها لتفسير الأحلام؛ إذ توجد نظريات عديدة حول طبيعتها ووظيفتها. ويُعد البحث في الأحلام مجالاً واسعاً ومعقداً، وقد يكون من الصعب دراسة الأحلام داخل المختبر. ويعود ذلك جزئياً إلى أن نشاط الدماغ لا يخبرنا بمضمون الأحلام، ما يجبر الباحثين على الاعتماد بدرجة كبيرة على روايات الأشخاص وتجاربهم الشخصية.

تذكّر الأحلام

يقول الدكتور سوجاي كانساغرا، خبير صحة النوم، لموقع «هيلث لاين»: «بينما يرى البعض أن الأحلام نافذة على اللاوعي، تفترض نظريات أخرى أن الأحلام هي نتيجة غير منطقية للنشاط الذي يحدث أثناء النوم، والذي يعيد تنشيط الدماغ. وإذا كانت حاجتنا إلى الأحلام مؤشراً على مشاركة الدماغ في عملية ترميم، فإن عدم قدرتنا على تذكّر أحلامنا قد يكون ببساطة نتيجة لفرز المعلومات الأساسية وغير الأساسية أثناء النوم».

وباختصار، تشير هذه النظرية إلى أن الأحلام تحدث في الوقت الذي يعالج فيه الدماغ المعلومات، متخلصاً من المعلومات غير الضرورية، وناقلاً الذكريات قصيرة المدى المهمة إلى الذاكرة طويلة المدى. وبناءً على ذلك، قد يختلف الأشخاص الذين يتذكرون أحلامهم عن غيرهم في قدرتهم على الحفظ والتذكر عموماً.

البحث في الأحلام يُعد مجالاً واسعاً ومعقداً (بيكسلز)

إضافةً إلى ذلك، قد يقوم الدماغ بحجب الحلم مؤقتاً حتى لا نتذكره في اليوم التالي. ويقول ديميتريو: «قد يكون نشاط الحلم واقعياً وكثيفاً إلى درجة أن أدمغتنا تخفيه أو تحجبه، فلا يختلط بواقعنا في حالة اليقظة. لذلك، من الطبيعي أن ننسى الأحلام في معظم الأحيان».

هل سبق لك أن حلمت حلماً واقعياً إلى درجة أنك لم تكن متأكداً مما إذا كانت أحداثه قد وقعت بالفعل؟ إنها تجربة مزعجة وغريبة حقاً. وفي مثل هذه الحالة، قد يساعدنا الدماغ على نسيان الحلم حتى نتمكن من التمييز بصورة أفضل بين عالم الأحلام والعالم الحقيقي.

ومن ناحية أخرى، قد يجعل نشاط الدماغ من السهل على الشخص تذكّر حلمه. وتوضح جولي لامبرت، خبيرة النوم المعتمدة، أن في الدماغ منطقة تُسمى «الوصلة الصدغية الجدارية»، وهي مسؤولة عن معالجة المعلومات والمشاعر. كما تساعد هذه المنطقة على وضع الشخص في حالة من اليقظة أثناء النوم، مما يتيح للدماغ تخزين الأحلام وتذكّرها بصورة أفضل.

وأشارت دراسة نُشرت في مجلة «علم الأدوية النفسية العصبية» إلى أن الأشخاص الذين أفادوا بقدرة عالية على تذكّر أحلامهم كان لديهم نشاط أكبر في منطقة الوصلة الصدغية الجدارية، مقارنةً بالأشخاص الذين لم يتذكروا أحلامهم بشكل متكرر.

لماذا يتذكر البعض أحلامهم بينما ينسى آخرون؟

تقول لامبرت لموقع «هيلث لاين» إنه إذا لم يحصل الشخص باستمرار على قسط كافٍ من النوم، فإن كمية نوم حركة العين السريعة (REM) لديه ستنخفض، مما يجعل من الصعب عليه تذكّر أحلامه في اليوم التالي.

ولا تقتصر العوامل المؤثرة في تذكّر الأحلام على النوم وحده؛ إذ قد تكون بعض سمات الشخصية مؤشراً أيضاً على قدرة الشخص على تذكّر أحلامه.

وتضيف لامبرت: «درس الباحثون أيضاً أكثر سمات الشخصية شيوعاً لدى الأشخاص الذين يتذكرون أحلامهم. وبشكل عام، يميل هؤلاء الأشخاص إلى أحلام اليقظة، والتفكير الإبداعي، والتأمل الذاتي. وفي الوقت نفسه، يميل الأشخاص الأكثر واقعية وتركيزاً على ما هو خارج ذواتهم إلى مواجهة صعوبة أكبر في تذكّر أحلامهم».

وقد يعني ذلك أن بعض الأشخاص يكونون أكثر عرضة، بصورة طبيعية، لتذكّر أحلامهم مقارنةً بغيرهم، بغض النظر عن جودة نومهم.

كما أن هناك عوامل أخرى يمكن أن تؤثر في وضوح الأحلام وسهولة تذكّرها. فالتوتر، على سبيل المثال، أو التعرض لصدمة نفسية، قد يتسببان في رؤية أحلام واضحة أو كوابيس تكون أكثر حضوراً في الذاكرة، وبالتالي يسهل تذكّرها في اليوم التالي.


مقالات ذات صلة

هل تنام وهاتفك بجوارك؟ 5 مخاطر صحية محتملة ينبغي أن تعرفها

صحتك الاحتفاظ بالهاتف بجوارك أثناء النوم قد يضر بصحتك (بيكسلز)

هل تنام وهاتفك بجوارك؟ 5 مخاطر صحية محتملة ينبغي أن تعرفها

بالنسبة للكثيرين، يُعد تفقد الهاتف آخر ما يفعلونه قبل النوم، وأول ما يلجأون إليه عند الاستيقاظ، ما يدفعهم إلى الاحتفاظ به بالقرب منهم طوال الليل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق لماذا تتحول الأدوار التي يعطيها الأهل لأبنائهم مصدراً للغيرة والاستياء؟ (بكسلز)

يزرع الغيرة والاستياء بين الإخوة... احذروا هذا الخطأ التربوي الشائع

يعتقد الأهل أنهم يعلّمون أبناءهم المسؤولية أو كيفية التعامل مع الآخرين، لكنهم قد يوزعون عليهم، من دون قصد، أدواراً محددة داخل الأسرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق لا يُشترط لاستعادة البهجة إجراء تغييرات كبيرة (بيكسلز)

طرق بسيطة لاستعادة البهجة عند شعورك بفقدان الشغف والأمل

لا تشترط استعادة البهجة إجراء تغييرات كبيرة أو انتظار أحداث استثنائية، إذ يمكن لبعض الطرق البسيطة أن تُحدث فارقاً في الحالة النفسية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ القرار يأتي وسط نقاش أوسع نطاقاً حول دور التطبيقات في التأثير على الصحة النفسية لصغار السن (رويترز) p-circle

محكمة تسمح لولاية أميركية بمنع الأطفال من استخدام منصات التواصل الاجتماعي

سمحت محكمة استئناف فيدرالية، الأربعاء، لفلوريدا بتطبيق قانون للولاية يمنع الأطفال دون سن 14 عاماً من استخدام منصات التواصل الاجتماعي مثل «إنستغرام» و«تيك توك».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق وفق البحوث العلمية فإنّ بعض الأطعمة يساعد على تجاوز حزن ما بعد الانفصال (بكسلز)

الحُبُّ كسرَ قلبك؟ دَع الطعام يرمِّمه ويُداويك

من الشوكولاتة الداكنة إلى الخرشوف، مروراً بحساء الدجاج وغيرها من الأطعمة... كيف يداوي ما يدخل البطن فقدان مَن خرج من القلب؟

كريستين حبيب (بيروت)

تركي آل الشيخ يطلق دليل «موسم الرياض» السابع

«موسم الرياض» يقدم مجموعة واسعة من الأحداث والتجارب المحلية والعالمية في مجالات الترفيه والرياضة والفنون (هيئة الترفيه)
«موسم الرياض» يقدم مجموعة واسعة من الأحداث والتجارب المحلية والعالمية في مجالات الترفيه والرياضة والفنون (هيئة الترفيه)
TT

تركي آل الشيخ يطلق دليل «موسم الرياض» السابع

«موسم الرياض» يقدم مجموعة واسعة من الأحداث والتجارب المحلية والعالمية في مجالات الترفيه والرياضة والفنون (هيئة الترفيه)
«موسم الرياض» يقدم مجموعة واسعة من الأحداث والتجارب المحلية والعالمية في مجالات الترفيه والرياضة والفنون (هيئة الترفيه)

أطلق المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه السعودية (GEA)، دليل «موسم الرياض» في نسخته السابعة التي تنطلق يوم الأربعاء المقبل، ليقدم للجمهور مرجعاً متكاملاً لمناطقه وفعالياته.

ويستعرض الدليل أبرز الأحداث المنتظرة خلال الموسم، وفي مقدمتها «WWE Crown Jewel»، وبطولة «Six Kings Slam» للتنس، ونزال «المكسيك ضد العالم» الذي يجمع كانيلو ألفاريز وكريستيان مبيلي، إلى جانب «Zuffa Boxing 1» و«Zuffa Boxing 2»، وبطولة UFC، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي.

كما يعرض محتوى الموسم مقسماً بحسب مناطقه، وفي مقدمتها «بوليفارد وورلد» بما تضمه من ثقافات وتجارب عالمية متنوعة، و«بوليفارد سيتي» التي تجمع الفعاليات والعروض والتجارب الترفيهية، إلى جانب «وندر جاردن» بتجاربها وألعابها وأجوائها العائلية، و«فيا رياض» بما تقدمه من تجارب فاخرة في المطاعم والتسوق والترفيه، و«ذا جروفز» التي تجمع تجارب الضيافة والمطاعم والأجواء الترفيهية في مساحة واحدة.

ويتناول الدليل «حديقة السويدي» بما تقدمه من تجارب ثقافية وترفيهية متنوعة، و«حديقة الحيوانات» بما تضمه من تجارب مرتبطة بالحياة البرية والحيوانات، وشتاء الديرة بأجوائها المستوحاة من الطابع المحلي والتراثي، إضافة إلى «سوق المزارعين» الذي يقدم تجربة تجمع المنتجات المحلية والأطعمة والأنشطة المصاحبة.

ويشمل الدليل أيضاً برنامج الحفلات الغنائية والعروض المسرحية والكوميدية، والمعارض والمهرجانات، إلى جانب التجارب الترفيهية والعائلية، بما يتيح للجمهور التعرف على أبرز ما ينتظرهم خلال النسخة السابعة والتخطيط لتجاربهم في مختلف مناطق الموسم.

ويأتي إطلاق الدليل ضمن الاستعدادات لانطلاق «موسم الرياض» بفعاليات تجمع مجموعة واسعة من الأحداث والتجارب المحلية والعالمية في مجالات الترفيه والرياضة والفنون.


رشيد مشهراوي: «حرب غزة» غيّرت أولوياتي في صناعة السينما

رشيد مشهراوي في مهرجان الجونة السينمائي (الشرق الأوسط)
رشيد مشهراوي في مهرجان الجونة السينمائي (الشرق الأوسط)
TT

رشيد مشهراوي: «حرب غزة» غيّرت أولوياتي في صناعة السينما

رشيد مشهراوي في مهرجان الجونة السينمائي (الشرق الأوسط)
رشيد مشهراوي في مهرجان الجونة السينمائي (الشرق الأوسط)

قال المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي إن الحرب الإسرائيلية على بلاده غيّرت أولوياته بصفته سينمائياً، فأرجأ جميع مشروعاته، لكنه على الطرف الآخر قاد مبادرات سينمائية عدة، على غرار مشروع «أفلام من المسافة صفر» الذي عُرضت أعماله بنحو 350 مكاناً بالعالم.

وأضاف مشهراوي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن «فلسطين كسبت الحرب الإعلامية على إسرائيل، بفضل السينما ووسائط إعلامية، بعدما نقلت الأفلام كثيراً من حكايات الحرب في غزة»، مؤكداً أن «صورة الاحتلال الصهيوني باتت سيئة بمختلف دول العالم، وأن الحرب حَتّمت عليهم بصفتهم فلسطينيين طرح صورة وصوت غزة في جميع دول العالم».

ويشارك مشهراوي منتجاً لفيلم «المواطن أسامة» الذي ينافس في المسابقة الطويلة للأفلام الوثائقية بالدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي المنعقدة حالياً، ويكشف عن حماسه للفيلم قائلاً: «أردنا أن نحكي من خلاله قصة أكثر من 250 صحافياً غزياً استشهدوا جراء استهداف متعمّد خلال الحرب على غزة، ورأينا أن نتخذ من المواطن أسامة نموذجاً لنحكي قصة هؤلاء الصحافيين الذين يتعامل معهم الإعلام بوصفهم أرقاماً، وأنا لست منتجاً وصاحب شركة، بل سينمائي بالأساس وأشارك بالفكرة وتطويرها، ورأينا أن نطرح من خلال بطله حياته بوصفه إنساناً لديه أسرة، وعليه أن يفي باحتياجاتها في ظل الحرب، وأن يؤدي عمله لينقل الحقيقة، وكنت مع الفيلم خلال عرضه الأول بمهرجان فينيسيا، وقد لاقى ردود فعل داعمة».

ويلفت إلى أن مخرج الفيلم أحمد حسونة صنع معه فيلماً قصيراً وجميلاً بعنوان «عذراً أيتها السينما» ضمن «أفلام المسافة صفر»، وقبل ذلك كان قد أخرج فيلمه الروائي الطويل «استروبيا» ثم «المواطن أسامة»، لكنه، مثل كل مخرجي غزة، لا يستطيع الخروج من القطاع، مشيراً إلى مشاركة الفيلم في مهرجانات أخرى، ومن بينها «شيكاغو» و«لوس أنجليس» و«سان فرانسيسكو» في الولايات المتحدة، كما يخوض منافسات «الأوسكار» لعام 2027 ممثلاً لفلسطين عن فئتَي «أفضل فيلم دولي» و«أفضل وثائقي».

يُعد رشيد مشهراوي صاحب مبادرات عديدة للدفع بأجيال جديدة من السينمائيين في غزة، ومن بينها «أفلام من المسافة صفر» التي أطلقها مع بدء الحرب في 2023، وأسفرت عن أفلام عديدة. كما أطلق بعدها «أفلام المسافة صفر وأقرب»، وأنشأ مدرسة «مشهراوي للسينما» في غزة التي يقوم بالتدريس بها سينمائيون من مختلف دول العالم، ويقول إن «الدفعة الأولى منها شاركت في ورشة تحت عنوان (صباح الخير يا غزة) أنتجت 11 فيلماً لشباب غزي، كما أُقيم مهرجان سينمائي للأطفال ليكون بمثابة دعم نفسي لهم».

فيلم «المواطن أسامة» يُعرض في الجونة (الشرق الأوسط)

ويضيف: «الحرب امتدت كثيراً والأخبار تتكرر، والناس تعتاد، ولذا يهمنا أن يظل المشروع الفلسطيني مطروحاً في أفلامنا، وأنا أحكي سينمائياً، يظل المشروع الفلسطيني معروضاً، أرغب وأرغب في تطوير السينما والسينمائيين في غزة، وأشارك في حكاياتها عبر السينما مع العالم».

وحول مدى تأثير الحرب إيجابياً على السينما الفلسطينية، يقول مشهراوي: «لو أنني في حالة اختيار فسأقول ليت ما كانت الحرب ولا فقدنا كل هؤلاء الضحايا ولا البلد ولا عشنا هذا الدمار والصدمات النفسية، لكن الحرب غيّرتنا بصفتنا سينمائيين، وجعلتنا نعمل على أن تصل غزة صوتاً وصورة للعالم، فقد عُرضت أفلام (من المسافة صفر) في أكثر من 350 مهرجاناً ومنظمة دولية على غرار (اليونيسكو) و(هيئة الأمم المتحدة) وجامعات عالمية، وبخلاف الحرب التي تصير على الأرض، فقد كسبنا الحرب الإعلامية بيننا وبين الاحتلال خارج فلسطين، وبات وضع الاحتلال الصهيوني سيئاً في كل العالم، بفضل السينما والوسائط الإعلامية».

ويُبدي مشهراوي سعادته بدعم أفلام النازحين واللاجئين عبر مبادرة «الملاذ الآمن» التي انضم إليها مهرجان «الجونة السينمائي»، مؤكداً أنها نافذة مهمة للغاية، لأن السينمائيين الذين يعيشون اللجوء والنزوح ليس لديهم وطن يستندون إليه مثل صناع الأفلام المستقرين في بلادهم، من هنا تأتي أهمية هذه المبادرة التي تُسهم في إظهار أعمالهم للنور.

وكشف المخرج الفلسطيني عن أنه يتطلع إلى أن يستعيد نشاطه مخرجاً من خلال مسلسل عن غزة مكون من 10 حلقات بعنوان «ولاد البلد»، يجري الإعداد له حالياً في مرحلة الكتابة، «وهو إنتاج مشترك مع مصر، ويضم ممثلين من مختلف الدول العربية»، حسبما يؤكد.

وتظل غزة حاضرة في حديثه الذي يختتمه بقوله: «وُلدت بها وأنتمي إليها، وكل ذكرياتي فيها، وبيتي الذي تعرض للقصف بها خلال العام الماضي، سأجعله مقراً لمدرسة السينما، لأن الاحتلال يريد إغلاق أفواهنا، لكننا سنفتح عبر أفلامنا ملايين الأفواه».


غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: ترميم تراثنا المتضرّر قد يستغرق جيلاً كاملاً

أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت (وزارة الثقافة)
أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت (وزارة الثقافة)
TT

غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: ترميم تراثنا المتضرّر قد يستغرق جيلاً كاملاً

أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت (وزارة الثقافة)
أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت (وزارة الثقافة)

صور العائلة ومنازلها، ومقاطع الفيديو، والرسائل المكتوبة، إلى جانب المقابلات والحوارات والأغنيات القديمة، باتت تجد مساحة جديدة للحفظ عبر منصة رقمية أطلقتها وزارة الثقافة اللبنانية مؤخراً تحت عنوان «أرشفة تراث لبنان»، لتجمع ذكريات الأفراد والعائلات وتصونها بوصفها جزءاً من الذاكرة الجماعية للبلاد.

أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية، وتهدف إلى إنشاء أرشيف عالمي رقمي للتراث اللبناني، يُعنى بحفظ التراث المادي وغير المادي، والطبيعي والشخصي، ونقله إلى الأجيال المقبلة.

ويأتي المشروع ثمرة تعاون بين وزارة الثقافة والمعهد الدولي للتراث وجهات دولية أخرى. وهو عبارة عن أرشيف رقمي مفتوح أمام مساهمات اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وكذلك أمام كل من يمتلك شهادات عن تاريخ البلاد، في مبادرة تهدف إلى تكريم الذاكرة الجماعية وحمايتها من الاندثار. وقد عُرض المشروع بحضور الوزير غسان سلامة، والسفير الإيطالي في لبنان فابريزيو مارسيلي، ورئيس هيئة التراث العالمي سيرجيو إيوفينو، والمدير العام للآثار في لبنان سركيس خوري.

كنوز لبنان مخبأة في المنازل

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد الوزير سلامة أن الحرب الأخيرة ألحقت أضراراً بالتراث المادي وغير المادي، وطالت مواقع أثرية وتراثية وأسواقاً تاريخية. ويضيف: «لا يمكنني حصر هذه الخسائر برقم معيَّن، إذ إنها تتجاوز بالتأكيد ملايين الدولارات، وقد يستغرق ترميمها جيلاً كاملاً».

ويرى سلامة أن آثار الحرب طالت جميع اللبنانيين، بصورة أو بأخرى. ويصف ذلك بأنه «سرقة للتاريخ الحميم، وهو تاريخ لا يُقدّر بثمن».

وزير الثقافة غسان سلامة يلقي كلمة بالمناسبة (وزارة الثقافة)

وعن ضرورة مواصلة المسيرة بما تبقّى من التراث، يوضح سلامة أن المسألة لا تُطرح من هذا المنطلق، بل من باب الحفاظ على ما نملكه من تراث، باستخدام تقنيات جديدة من شأنها إطالة عمر الصورة أو الوثيقة.

كما يلفت سلامة إلى أن ما يمتلكه الأفراد من عناصر ووثائق تراثية قد يفوق، من حيث الأهمية، ما تحتفظ به بعض الجهات الرسمية. ويوضح: «خلال تحضيراتنا لإقامة معرض (بين سطور الدستور)، بمناسبة المئوية الأولى للدستور اللبناني، اكتشفنا وثائق مهمة يحتفظ بها أفراد. وقد احتفظوا بها بحكم وظيفة أو عمل كان يمارسه الجد أو العم أو الأب. فهي بمثابة كنوز مخبّأة في البيوت ولدى العائلات. ولذلك يجب تقدير حجمها لأنه يفوق ما نملكه من تراث ملموس».

وعن آلية تسلّم المواد وحفظها وضمان حقوق أصحابها، يوضح سلامة: «نأخذ نسخة من الوثيقة أو الصورة أو أي مادة تراثية أخرى، لا أصلها. وإذا رغب المتبرّع في تقديم الأصل، يُسلَّم إلى المكتبة الوطنية لحفظه بأمان. كذلك، نوقّع تعهداً خطياً يصون حقوقه في الملكية الفكرية، فتبقى محفوظة له وحده، مع حقه في سحب المادة من المنصة متى شاء».

المتبرّع يختار مستوى السرية وإتاحة المواد

يتمتع المتبرِّع بحرية اختيار مستوى السرية ومدى إتاحة المواد التي يقدّمها. ويشير رئيس هيئة التراث العالمي سيرجيو إيوفينو إلى أن إطلاق هذه المبادرة يعني تسليم مفاتيح بناء حصن رقمي حقيقي، ليس لملايين اللبنانيين في الاغتراب فحسب، بل أيضاً لجميع أصدقاء لبنان ومواطنيه في أنحاء العالم. ويتابع: «سيكون الأرشيف متاحاً لكل من يرغب في مشاركة مواده. ويحتفظ المتبرّعون بالملكية الكاملة لذكرياتهم، كما يمكنهم اختيار مستوى السرية الذي يناسبهم، بدءاً من حفظها في أرشيف محمي وخاص تماماً، وصولاً إلى منح الإذن بنشرها».

ذكرياتنا تسهم في إنقاذ ما تبقّى

من ناحيته، يرى المدير العام للآثار في لبنان المهندس سركيس خوري أن ما نفقده من تراث بسبب الحروب لا ينبغي أن يحبطنا. ويقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «قصتنا لا تتوقف عند هذا الفقدان أو عند الأضرار التي تلحق بتراثنا المادي أو غير المادي. فنحن من نصنع تراثنا، وهذا ما فعلناه عبر التاريخ. وذكرياتنا هي التي تسهم في إنقاذ ما تبقّى».

إيطاليا تواصل دعم ترميم المعالم التراثية في لبنان

الوزير سلامة مع السفير الإيطالي فابريزيو مارسيلي في حفل إطلاق المنصة (وزارة الثقافة)

وفي كلمة ألقاها بالمناسبة، أكد السفير الإيطالي في لبنان فابريزيو مارسيلي أن إيطاليا التزمت، في أكثر من مناسبة، دعم التراث اللبناني والمساهمة في ترميمه. واستشهد بمشاركتها في ترميم متحف بيروت ومتاحف أخرى تضرَّرت جراء انفجار المرفأ، مشيراً إلى مشاركتها مؤخراً في ترميم محطة القطار التاريخية في مار مخايل، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وأضاف مارسيلي: «هذه مشروعات مختلفة تماماً، لكنها تشترك في هدف واحد، هو الحفاظ على الشهادات التاريخية وإتاحتها للجمهور. أما المبادرة الحالية، فتنقلنا إلى عالم مختلف، إذ تنتقل بنا من تاريخ المعالم والمؤسسات إلى تاريخ الأفراد والعائلات والمجتمعات».

ويتابع أن التاريخ المُصغَّر يحتل بدوره أهمية كبيرة، لأنه لا يُركِّز حصرياً على التطورات السياسية الكبرى، أو الحروب، أو المؤسسات، أو الشخصيات البارزة، بل يدرس تجارب الأفراد والمجتمعات التي ينتمون إليها.

ويختم مارسيلي قائلاً: «تقوم الفكرة الأساسية على أن دراسة حدث يبدو هامشياً، أو شخص عادي، أو مجتمع صغير، يمكن أن تكشف أموراً مهمة عن كيفية عمل مجتمع بأكمله».