من الصفقة إلى التصعيد... واشنطن وأوتاوا تفشلان في احتواء الحرب التجارية

50 % رسوماً أميركية على 20 مليار دولار من الواردات... وكندا تعهدت بالرد «دولاراً مقابل دولار»

لفائف فولاذية مدرفلة موضوعة في ساحة مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ب)
لفائف فولاذية مدرفلة موضوعة في ساحة مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ب)
TT

من الصفقة إلى التصعيد... واشنطن وأوتاوا تفشلان في احتواء الحرب التجارية

لفائف فولاذية مدرفلة موضوعة في ساحة مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ب)
لفائف فولاذية مدرفلة موضوعة في ساحة مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ب)

دخلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وكندا مرحلة جديدة من التوتر، بعدما فشلت مفاوضات اللحظة الأخيرة بين البلدين في التوصل إلى اتفاق يجنب كندا رسوماً أميركية جديدة، لتدخل رسوم بنسبة 50 في المائة حيز التنفيذ بدءاً من اليوم (السبت)، على واردات كندية تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار.

وردّت كندا سريعاً بإعلان استعدادها لمطابقة الرسوم الأميركية «دولاراً مقابل دولار»، في خطوة تنذر بتصعيد جديد بين حليفين تاريخيين يرتبط اقتصادهما بشبكة تجارية ضخمة، وتزيد الضغوط على اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية، المعروف باسم «يو إس إم سي إيه» (USMCA).

مفاوضات حتى اللحظة الأخيرة

جاء فرض الرسوم بعد 3 أيام من المفاوضات المكثفة في واشنطن بين وزير التجارة الكندي مع الولايات المتحدة دومينيك لوبلان، والممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، في محاولة لتضييق الخلافات والتوصل إلى صيغة مقبولة للطرفين.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أرجأ موعد دخول الرسوم حيز التنفيذ 3 أيام، بعدما أشار إلى إحراز تقدم كبير في المحادثات، ما عزز الآمال في إمكانية التوصل إلى اتفاق قبل انقضاء المهلة.

لكن تلك الآمال تبددت مساء الجمعة.

وقال غرير إن كندا «رفضت إتمام الاتفاق» وفق الشروط التي جرى التوصل إليها في وقت سابق من الأسبوع، مشيراً إلى أن الإدارة الأميركية عرضت على أوتاوا تخفيضات كبيرة في الرسوم المفروضة على قطاعات رئيسية، بينها الصلب والألمنيوم والسيارات والأخشاب.

وفي المقابل، حمّل رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، واشنطن، مسؤولية انهيار المفاوضات، مؤكداً أن «التغييرات التي أُدخلت في اللحظة الأخيرة» على الشروط الأميركية كانت «غير عادلة وغير اقتصادية»، وأثارت تساؤلات حول مدى موثوقية أي اتفاق يتم التوصل إليه.

وأعلن كارني تعليق المفاوضات، وتوجيه فريق بلاده التفاوضي بالعودة إلى أوتاوا.

وزير التجارة الكندي المسؤول عن التجارة بين الولايات المتحدة وكندا دومينيك لوبلان يغادر مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة في واشنطن (أ.ف.ب)

20 مليار دولار تحت مقصلة الرسوم

تطال الرسوم الأميركية الجديدة نحو 20 مليار دولار من السلع الكندية؛ أي ما يقارب 5 في المائة أو 5.5 في المائة من صادرات كندا إلى الولايات المتحدة، وتشمل مجموعة واسعة من المنتجات؛ من عصي الهوكي إلى الإسمنت وبعض المنتجات الاستهلاكية والطبية.

ورغم أن هذه النسبة تبدو محدودة مقارنة بإجمالي التجارة بين البلدين، فإن تأثيرها قد يتجاوز قيمتها المباشرة، خصوصاً أنها تأتي فوق رسوم قائمة بالفعل على قطاعات كندية رئيسية؛ بينها السيارات والصلب والألمنيوم والأخشاب.

كما أن الإجراءات الجديدة تطبق حتى على السلع الكندية المؤهلة للاستفادة من المعاملة التفضيلية بموجب اتفاق «يو إس إم سي إيه»، ما يزيد من حالة عدم اليقين التي تواجه الشركات والمستثمرين على جانبي الحدود.

كندا تتعهد بالرد

لم تنتظر أوتاوا طويلاً للرد على الخطوة الأميركية. وقال كارني إن كندا ستطابق الرسوم الأميركية «دولاراً مقابل دولار» لحماية العمال والشركات الكندية، ما يفتح الباب أمام جولة جديدة من الإجراءات الانتقامية التي قد توسع نطاق النزاع.

وكانت كندا قد أبقت بالفعل على مجموعة من الإجراءات الانتقامية ضد السلع والخدمات الأميركية، وهو ما تعدّه واشنطن أحد أبرز أسباب استمرار الخلاف.

وتقول الإدارة الأميركية إن كندا تفرض معاملة تمييزية على بعض المنتجات الأميركية، بما في ذلك الكحول والسيارات ومنتجات الألبان. وكانت الولايات الكندية قد أزالت في وقت سابق، بعض المشروبات الكحولية والنبيذ الأميركي من متاجر بيع الخمور، في خطوة أثارت غضب واشنطن.

ويرى محللون أن دخول الرد الكندي حيز التنفيذ، سيجعل التراجع عن التصعيد أكثر صعوبة، بعدما أصبح الطرفان ملتزمين علناً بمواقف متشددة.

ترمب يريد إعادة رسم العلاقة مع كندا

يمثل التصعيد الحالي تحولاً لافتاً في العلاقة بين الولايات المتحدة وكندا، اللتين حافظتا لعقود على واحدة من أكثر العلاقات التجارية والسياسية استقراراً في العالم؛ فقد بلغ حجم التجارة بين البلدين في السلع والخدمات نحو 880 مليار دولار العام الماضي، فيما يذهب نحو 70 في المائة من صادرات كندا إلى السوق الأميركية.

لكن سياسة ترمب تجاه كندا غيّرت طبيعة العلاقة بصورة جوهرية، بعدما استخدم الرسوم الجمركية أداة للضغط على أوتاوا، بالتزامن مع تصريحاته المتكررة بشأن إمكانية انضمام كندا إلى الولايات المتحدة باعتبارها «الولاية الحادية والخمسين».

وقال كارني إن كندا أدركت أن «أميركا تغيرت»، وإن العلاقات بين البلدين لن تعود إلى ما كانت عليه سابقاً، بغض النظر عن نتيجة أي اتفاق تجاري منفرد.

ولهذا السبب، بدأت الحكومة الكندية الدفع باتجاه تنويع تجارتها وتقليص اعتمادها على السوق الأميركية، في وقت تعتمد فيه كندا بصورة كبيرة على الولايات المتحدة باعتبارها وجهتها الرئيسية للصادرات.

مصنع أرسيلورميتال دوفاسكو للصلب في هاميلتون بأونتاريو (أ.ف.ب)

لماذا انهارت الصفقة؟

بحسب الرواية الأميركية، قدمت واشنطن عرضاً يتضمن تخفيضات كبيرة للرسوم على قطاعات الصلب والألمنيوم والسيارات والأخشاب، مقابل تنازلات كندية في ملفات أخرى.

لكنّ مسؤولاً أميركياً رفيعاً قال إن كندا طلبت تنازلات إضافية لم تكن الولايات المتحدة مستعدة لتقديمها، فيما اتهم غرير أوتاوا بالتراجع عن بعض الالتزامات التي سبق الاتفاق عليها.

أما الجانب الكندي فيرى أن المشكلة كانت في التغييرات الأميركية الأخيرة على شروط الاتفاق، والتي عدّها كارني غير عادلة وتضعف الثقة في أي اتفاق مستقبلي.

وبين الروايتين، انتهت المفاوضات من دون اتفاق، ولم تُحدد حتى الآن جولة جديدة من المحادثات.

ويرى ريان ماجوروس، المسؤول السابق في وزارة التجارة الأميركية، أن الطرفين سيواجهان ضغوطاً كبيرة خلال الأيام المقبلة للعثور على مخرج من التصعيد، لكنه حذر من أن الرد الكندي على الرسوم الأميركية سيجعل عملية خفض التصعيد أكثر صعوبة.

«ضربة قوية» للتنافسية في أميركا الشمالية

تحذر الشركات من أن استمرار الرسوم لن يقتصر تأثيره على كندا، بل قد ينعكس أيضاً على الاقتصاد الأميركي، نظراً إلى التشابك العميق بين سلاسل الإمداد في البلدين.

وقالت كانديس لاينغ، رئيسة غرفة التجارة الكندية، إن الرسوم تمثل «ضربة قوية للتنافسية في أميركا الشمالية»، محذرة من أنها سترفع التكاليف على المستهلكين الأميركيين، في حين تضغط على الشركات والمستثمرين والعمال الكنديين.

وتتحمل الشركات الأميركية المستوردة الرسوم في البداية، قبل أن تسعى غالباً إلى تمرير جزء من تكلفتها إلى المستهلكين عبر رفع الأسعار، ما يضيف ضغوطاً جديدة على التضخم وتكلفة المعيشة في الولايات المتحدة.

وتزداد حساسية هذه المسألة في وقت يواجه فيه الأميركيون بالفعل ارتفاعاً في تكاليف المعيشة، بينما تستعد الولايات المتحدة لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني).

ترمب يعود إلى قانون من حقبة الكساد

لا تقتصر أهمية الرسوم الجديدة على قيمتها، بل تمتد إلى الأساس القانوني الذي استندت إليه الإدارة الأميركية؛ فبعد أن أبطلت المحكمة العليا الأميركية في فبراير (شباط) الماضي، الرسوم الواسعة التي فرضها ترمب بموجب صلاحيات طوارئ، بدأت الإدارة البحث عن أدوات قانونية بديلة.

وفي حالة كندا، لجأ ترمب إلى المادة 338 من قانون التعرفة الجمركية لعام 1930، وهي مادة تعود إلى الحقبة التي شهدت الكساد الكبير.

وتمنح المادة الرئيس الأميركي صلاحية فرض رسوم تصل إلى 50 في المائة على واردات من دول تعتبر الولايات المتحدة أنها تميز ضد الشركات الأميركية، من دون اشتراط إجراء تحقيق مسبق، كما لا تحدد سقفاً زمنياً واضحاً لاستمرار الرسوم.

ويعيد استخدام هذه المادة إلى الواجهة إرث الرسوم التي ارتبطت بقانون «سموت-هاولي» في ثلاثينات القرن الماضي، والذي يرى اقتصاديون ومؤرخون أنه أسهم في الحد من التجارة العالمية وتفاقم تداعيات الكساد الكبير.

المعركة الكبرى: مستقبل «يو إس إم سي إيه»

وراء الرسوم الحالية معركة تجارية أوسع تتمثل في مستقبل اتفاق الولايات المتحدة والمكسيك وكندا «يو إس إم سي إيه»؛ فالولايات المتحدة وكندا والمكسيك تستعد لمراجعة الاتفاق الذي تفاوض عليه ترمب خلال ولايته الأولى، لكن المحادثات بين واشنطن وأوتاوا لم تبدأ بعد، في حين شرعت الولايات المتحدة بالفعل في مفاوضات رسمية مع المكسيك بشأن تحديث الاتفاق.

ويثير التصعيد الحالي تساؤلات حول إمكانية التوصل إلى تفاهم ثلاثي يحافظ على التدفقات التجارية بين أكبر اقتصادات أميركا الشمالية.

وتكمن أهمية الاتفاق في أن الصناعات في الدول الثلاث تعتمد على سلاسل إمداد مشتركة، لا سيما في السيارات والطاقة والتصنيع والمواد الخام، ما يجعل أي حواجز تجارية واسعة النطاق ذات تكلفة تتجاوز حدود البلد الذي تستهدفه الرسوم.

علاقة تجارية أمام مفترق طرق

تأتي المواجهة الحالية بعد عقود من التعاون الاقتصادي والأمني الوثيق بين واشنطن وأوتاوا؛ فالحدود بين البلدين، التي تمتد لنحو 5,525 ميلاً، تعدّ واحدة من أكثر الحدود نشاطاً في العالم، ويعبرها يومياً مئات الآلاف من الأشخاص وكميات ضخمة من السلع.

لكن الرسوم الجديدة تشير إلى أن الخلاف لم يعد مجرد نزاع محدود حول الصلب أو الأخشاب أو الألبان، بل أصبح جزءاً من إعادة صياغة أوسع للعلاقة الاقتصادية بين البلدين.

وبينما تسعى واشنطن إلى استخدام الرسوم للضغط من أجل الحصول على تنازلات تجارية وصناعية، تحاول أوتاوا تقليل اعتمادها على السوق الأميركية وبناء بدائل تجارية جديدة.

وهكذا، تحولت مفاوضات كانت تهدف إلى تفادي الرسوم إلى مواجهة جديدة قد تمتد آثارها إلى التضخم وسلاسل الإمداد والاستثمار ومستقبل اتفاق التجارة في أميركا الشمالية.

وفي ظل غياب موعد جديد للمفاوضات، يبدو أن السؤال لم يعد ما إذا كانت واشنطن وأوتاوا ستتوصّلان إلى صفقة؛ بل متى سيتمكن الطرفان من العثور على مخرج يمنع الرسوم الانتقامية من التحول إلى حرب تجارية أوسع.


مقالات ذات صلة

«صندوق النقد» يتحرك لإعداد برنامج تمويل جديد للعراق

الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي على مبناه في واشنطن (أ.ب)

«صندوق النقد» يتحرك لإعداد برنامج تمويل جديد للعراق

أعلن صندوق النقد الدولي أنه بدأ التواصل مع السلطات العراقية لبرنامج تمويل جديد فيما يستهدف التوصل لاتفاق بشأن المراجعة الأخيرة لمصر قبل منتصف ديسمبر

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)

«وول ستريت» تتراجع وسط تساؤلات بشأن استدامة طفرة التكنولوجيا

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، خلال تعاملات الخميس، مع عزوف المستثمرين عن أسهم الشركة الأم لـ«غوغل».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد يتسوّق زبائن لشراء المواد الغذائية بمتجر «وول مارت» كبير في نورث بيرغن بنيوجيرسي (رويترز)

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» إلى 3.6 % في سبتمبر

ارتفع المؤشر المفضل لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لقياس التضخم بنسبة 3.6 % على أساس سنوي في سبتمبر، وفق ما أعلنت وزارة التجارة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لافتة «نحن نوظّف» على واجهة صالون لتصفيف الشعر في مدينة ميدفورد بمنطقة بوسطن الكبرى بولاية ماساتشوستس (رويترز)

طلبات إعانة البطالة الأميركية تهبط إلى أدنى مستوى منذ منتصف يوليو

انخفض عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة، الأسبوع الماضي، إلى 194 ألف طلب، وهو أدنى مستوى منذ منتصف يوليو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سياح يتسوقون داخل أحد المتاجر في ساحة تايمز سكوير بمدينة نيويورك (رويترز)

الاقتصاد الأميركي يتجاوز التوقعات وينمو 3.4 % في الربع الثالث

قال مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة في تقديره الأولي إن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بمعدل سنوي بلغ 3.4 % خلال الربع الماضي 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«صندوق النقد» يتحرك لإعداد برنامج تمويل جديد للعراق

شعار صندوق النقد الدولي على مبناه في واشنطن (أ.ب)
شعار صندوق النقد الدولي على مبناه في واشنطن (أ.ب)
TT

«صندوق النقد» يتحرك لإعداد برنامج تمويل جديد للعراق

شعار صندوق النقد الدولي على مبناه في واشنطن (أ.ب)
شعار صندوق النقد الدولي على مبناه في واشنطن (أ.ب)

يتحرك صندوق النقد الدولي على ثلاثة مسارات اقتصادية متزامنة في المنطقة والاقتصاد العالمي، في وقت تزداد فيه الضغوط الناجمة عن الحرب مع إيران وتداعياتها على أسواق الطاقة والمالية العامة؛ إذ بدأ التواصل مع السلطات العراقية للإعداد لبرنامج تمويل جديد، فيما يستهدف التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة الأخيرة لبرنامج مصر قبل منتصف ديسمبر (كانون الأول)، بالتوازي مع تأكيده أهمية اعتماد مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على البيانات الاقتصادية في تحديد مسار السياسة النقدية.

وتعكس هذه الملفات تفاوت التحديات التي تواجه الاقتصادات المعنية؛ فالعراق يواجه ضغوطاً تمويلية حادة بفعل اعتماده الكبير على صادرات الطاقة واضطراب طرق نقلها، بينما يسعى الصندوق إلى استكمال برنامجه القائم مع مصر مع التركيز على التشديد النقدي والانضباط المالي والإصلاحات الهيكلية. وفي الولايات المتحدة وأوروبا، يبرز استمرار حالة عدم اليقين بوصفها عاملاً رئيسياً في قرارات البنوك المركزية.

العراق يطلب دعماً جديداً

أعلن صندوق النقد الدولي، الخميس، أنه يتواصل مع السلطات العراقية تمهيداً لإعداد برنامج تمويل جديد، في وقت تعرض فيه اقتصاد البلاد لضغوط كبيرة جراء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت أواخر فبراير (شباط)، وأدت إلى اضطرابات إقليمية واسعة، شملت تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية.

ويعتمد العراق بدرجة كبيرة على صادرات النفط، التي يمر معظمها عبر المضيق، ما يجعله عُرضة بصورة مباشرة لأي اضطراب في حركة الشحن أو تراجع في الإيرادات النفطية. وتأتي هذه التداعيات في وقت كانت فيه البلاد تواجه بالفعل قيوداً مالية حادة قبل اندلاع الحرب.

وقالت جولي كوزاك، مديرة الاتصالات في صندوق النقد الدولي، خلال إحاطة صحافية دورية في واشنطن، إن الصندوق يعتزم العمل مع السلطات العراقية لفهم أولوياتها بصورة أفضل، وتحديد كيفية معالجة مواطن الضعف في الاقتصاد، ثم الاتفاق على أفضل السبل التي يمكن للصندوق من خلالها تقديم الدعم عبر برنامج جديد.

وأضافت كوزاك أن العراق يعاني قيوداً شديدة في التمويل، مشيرة إلى أن ضيق قاعدة الإيرادات غير النفطية يزيد الضغوط على التوازنات المالية للدولة.

وكان الصندوق قد توقع، في أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، انكماش الاقتصاد العراقي بنسبة 16 في المائة خلال العام الحالي، في تقدير يعكس حجم التداعيات الاقتصادية للحرب واضطراب صادرات الطاقة.

وكانت المديرة العامة للصندوق كريستالينا غورغييفا قد كشفت، خلال الاجتماعات السنوية للصندوق في بانكوك في وقت سابق من الشهر، أن العراق طلب من المؤسسة الدولية إعداد برنامج جديد. ويأتي ذلك بعد انتهاء آخر البرامج الثلاثة الأخيرة التي أبرمها العراق مع الصندوق في عام 2019.

وتُظهر بيانات الصندوق أن العراق يُستحق عليه نحو 428 مليون دولار من مدفوعات الفوائد للصندوق بحلول عام 2030، في وقت تزداد فيه حاجته إلى إدارة ضغوط التمويل والمالية العامة.

وخلال الاجتماعات السنوية نفسها، أشادت غورغييفا بقدرة النمو الاقتصادي العالمي على الصمود في مواجهة الحروب في إيران وأوكرانيا، لكنها حذرت من تفاوت آثار هذه الصدمات، موضحة أن الاقتصادات الأكثر هشاشة تتعرض لضغوط أشد.

مصر تسابق الوقت لاستكمال المراجعة الأخيرة

وفي مصر، قال صندوق النقد الدولي إن بعثته الحالية تستهدف التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء، وإحالته إلى المجلس التنفيذي للصندوق للموافقة عليه قبل منتصف ديسمبر، وذلك في إطار المراجعة الأخيرة للبرنامج القائم الذي تنتهي مدته في 15 ديسمبر.

وأوضحت كوزاك أن المناقشات ستركز على الحفاظ على سياسة نقدية متشددة، ومواصلة خطة ضبط أوضاع المالية العامة، بهدف حماية الاستقرار الاقتصادي الكلي الذي عملت مصر على تحقيقه.

وأضافت أن الإصلاحات الهيكلية ستظل محوراً أساسياً في المباحثات، مشيرة إلى أن الغاية منها هي دعم نمو اقتصادي أقوى تقوده استثمارات القطاع الخاص.

ويأتي هذا المسار في وقت تواجه فيه مصر تحديات تتعلق باستدامة الاستقرار الاقتصادي، وسط ضغوط إقليمية وتقلبات في أسواق الطاقة، ما يجعل استكمال المراجعة في الموعد المستهدف مهماً لمسار البرنامج القائم والتفاهمات مع الصندوق.

«النقد الدولي» يؤيد ترقب «الفيدرالي» للبيانات

وعلى صعيد السياسة النقدية الأميركية، قال صندوق النقد الدولي إن مجلس الاحتياطي الفيدرالي يتصرف على نحو مناسب من خلال متابعة البيانات الاقتصادية عن كثب عند تحديد توجهاته النقدية، وذلك بعد يوم من قرار البنك المركزي الأميركي الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير.

وقالت كوزاك إن الصندوق يؤيد بالكامل تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش بشأن تركيز البنك على استقرار الأسعار.

وأضافت أن كلاً من مجلس الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي يعمل في بيئة تتسم بدرجة مرتفعة من عدم اليقين، بعد أن أبقى البنكان أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعات السياسة النقدية هذا الأسبوع، مشددة على ضرورة متابعة البيانات الاقتصادية بعناية عند اتخاذ القرارات المقبلة.

ويعكس موقف الصندوق أهمية الموازنة بين احتواء التضخم ومراعاة تطورات النمو والظروف المالية، في وقت لا تزال فيه تداعيات الحرب واضطرابات أسواق الطاقة تزيد صعوبة التنبؤ بمسار الاقتصاد العالمي.


«المركزي المصري» يرفع الفائدة 100 نقطة أساس لأول مرة منذ مارس 2024

البنك المركزي المصري وسط القاهرة (الشرق الأوسط)
البنك المركزي المصري وسط القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«المركزي المصري» يرفع الفائدة 100 نقطة أساس لأول مرة منذ مارس 2024

البنك المركزي المصري وسط القاهرة (الشرق الأوسط)
البنك المركزي المصري وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

رفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة الأساسية بواقع 100 نقطة أساس، الخميس، في أول زيادة منذ مارس (آذار) 2024، ليصل سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 20 في المائة، وسعر عائد الإقراض إلى 21 في المائة.

وقال البنك، في بيان، إن لجنة السياسة النقدية قررت رفع سعر العملية الرئيسية إلى 20.5 في المائة، مقارنة بالمستويات السابقة البالغة 19 في المائة للإيداع و20 في المائة للإقراض.

ويأتي القرار في إطار تحركات البنك المركزي لإدارة السياسة النقدية في ظل التطورات الاقتصادية.


وزير المالية البريطاني يتعهد بخفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية

وزير المالية البريطاني جون هيلي يتحدث مع متدربين خلال زيارة لمصنع «رولز رويس» في ديربي وسط إنجلترا يوم 29 أكتوبر 2026 (رويترز)
وزير المالية البريطاني جون هيلي يتحدث مع متدربين خلال زيارة لمصنع «رولز رويس» في ديربي وسط إنجلترا يوم 29 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

وزير المالية البريطاني يتعهد بخفض الإنفاق على الرعاية الاجتماعية

وزير المالية البريطاني جون هيلي يتحدث مع متدربين خلال زيارة لمصنع «رولز رويس» في ديربي وسط إنجلترا يوم 29 أكتوبر 2026 (رويترز)
وزير المالية البريطاني جون هيلي يتحدث مع متدربين خلال زيارة لمصنع «رولز رويس» في ديربي وسط إنجلترا يوم 29 أكتوبر 2026 (رويترز)

قال وزير المالية البريطاني جون هيلي إن الحكومة ستعمل على خفض الإنفاق على إعانات الرعاية الاجتماعية، في مسعى لمعالجة أحد أبرز التحديات التي لا تزال تواجه المالية العامة، عقب إعلانه أول موازنة حكومية.

وقال هيلي، في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «علينا خفض فاتورة الإعانات، لكن لا يمكن تحقيق ذلك من خلال تخفيضات عشوائية».

ولم يحدد هيلي موعداً لبدء تراجع الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، رداً على سؤال عما إذا كان ذلك سيحدث قبل الانتخابات المقبلة، المقررة في موعد أقصاه منتصف عام 2029.

وفي تصريحات للصحافيين لاحقاً، قال رئيس الوزراء آندي بيرنهام إن الحكومة «تعمل بأقصى طاقتها» لخفض فاتورة الإعانات بأسرع ما يمكن.

وتضمنت خطط هيلي الضريبية والإنفاقية دعماً قصير الأجل للأسر المتضررة من ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإيرانية، على أن يُموّل جزء من هذا الدعم من خلال زيادة الضرائب على البنوك والمدخرين ومُلّاك العقارات.

لكن الموازنة لم تتناول تحديات طويلة الأجل، من بينها كيفية رفع الإنفاق الدفاعي إلى ما يعادل 3 في المائة من الناتج الاقتصادي، وتعويض أثر التضخم على الإنفاق العام، واحتواء فاتورة الرعاية الاجتماعية المتنامية، التي تشمل معاشات التقاعد، إلى جانب الإعانات المقدمة للأشخاص الذين يُعتبرون غير قادرين على العمل بسبب أوضاعهم الصحية.

ومن المتوقع أن تتجاوز تكلفة الإنفاق على الرعاية الاجتماعية 11 في المائة من الناتج الاقتصادي البريطاني خلال العام الحالي.

ويرى حزب المحافظين المعارض وبعض المستثمرين في السندات أن هذا المستوى من الإنفاق يعكس، حسب تقديراتهم، افتقار حزب العمال بقيادة بيرنهام إلى الإرادة اللازمة لخفض الاقتراض الحكومي.

ومع ذلك، تفاعلت الأسواق عموماً بإيجابية مع الموازنة التي أعلنها هيلي، فيما تراجعت تكاليف الاقتراض الحكومي البريطاني لأجل عشر سنوات، الخميس، إلى أدنى مستوياتها في شهر.

مواجهة بطالة الشباب

وركز هيلي على مشكلة البطالة بين الشباب، قائلاً: «هذا النظام غير مستدام. وأشعر بواجب أخلاقي يفرض عليّ التعامل مع هؤلاء الشباب الذين جرى التخلي عنهم».

وأضاف أن الحكومة ستساعد الشباب العاطلين عن العمل، مع إلزامهم بالاستفادة من الفرص المتاحة أمامهم.

وقال إدوين لاتيمر، كبير الاقتصاديين الباحثين في معهد الدراسات المالية، إن هذا النهج قد يحقق وفورات في الإنفاق، لكنه «أكثر عرضة لعدم اليقين من الخفض المباشر للاستحقاقات أو شروط الأهلية»، مرجحاً أن يستغرق تحقيق الوفورات وقتاً أطول، إذا أمكن تحقيقها فعلياً.

ومن المقرر نشر نتائج مراجعة حكومية لأوضاع الشباب غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب المهني، إلى جانب مراجعة أخرى لنظام إعانات الإعاقة، خلال الشهر المقبل.

في المقابل، وجّهت مؤسسة «ريزوليوشن فاونديشن» البحثية، ذات التوجه اليساري، انتقادات إلى هيلي، عادّةً أن الحكومة وزّعت الدعم الرئيسي في الموازنة على نطاق واسع أكثر مما ينبغي، إذ قررت خفض فواتير الطاقة بمقدار 100 جنيه إسترليني (133 دولاراً) لنحو 20 مليون أسرة، للتخفيف جزئياً من الزيادة الحادة في الفواتير الناجمة عن الصراع الأميركي الإيراني.

وقالت روث كيرتس، الرئيسة التنفيذية للمؤسسة، إن «حتى الأسر التي ستحصل على المساعدة ستواجه فواتير طاقة أعلى مما كانت عليه خلال صدمة أسعار الطاقة السابقة».

وأضافت المؤسسة أن متوسط فواتير الطاقة للأسر من المتوقع أن يرتفع خلال السنة المالية الحالية إلى 1750 جنيهاً إسترلينياً سنوياً، بعد احتساب الدعم الحكومي، بزيادة قدرها 4 في المائة مقارنة بالمستويات المسجلة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.