بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)
الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)
TT

بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)
الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)

«يرتبط البريطانيون بعلاقة معقدة مع التغيير. فبينما تُظهر الاتجاهات طويلة الأمد أن المجتمع أصبح أكثر تحرراً على الصعيد الاجتماعي، وأكثر تقبّلاً لأنماط الحياة المتنوعة، فإن السنوات الأخيرة تركت الجمهور في حالة من الإرهاق بسبب الفوضى السياسية، والضغوط الاقتصادية، والشعور بأن البلاد تعاني انقساماً حاداً».

هذه خلاصة توصلت إليها دراسات أجرتها منظمة «مور إن كومون» (More in Common) التي تُعنى بالبحوث وبناء القدرات، والتي أُسست عام 2016 بهدف فهم العوامل التي تؤدي إلى التفكك الاجتماعي والاستقطاب السياسي ومواجهتها. وقد أُطلقت هذه المبادرة تخليداً لذكرى جو كوكس، عضوة البرلمان البريطاني عن حزب «العمّال» التي قُتلت عام 2016، واستذكاراً لخطابها الأول الشهير في البرلمان، حيث قالت: «لدينا ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا».

رئيس الوزراء العمّالي آندي بيرنهام (أ.ب)

والحال أن واقع التفكك الاجتماعي والاستقطاب السياسي لا يزال قائماً، وقد أفضى أخيراً إلى تغيير كبير في قيادة حزب «العمّال»، وبالتالي في رئاسة الحكومة. وهو يسير توازياً مع تبدّل عميق في المشهد السياسي، لأن الحزب الذي أُسس عام 1900، وما لبث أن أخذ موقع حزب الليبراليين في منافسة حزب المحافظين على الحكم، لم يعد يجد نفسه في مواجهة الأخير، بل في مواجهة تركيبة سياسية معقّدة تستحق الدرس.

* «الثورة الثاتشرية»... وعودة العمّال

لن نعود إلى العهد الفيكتوري بحثاً عن جذور ما نراه راهناً؛ بل سنكتفي ببضعة عقود قبل التوقف عند محطة «بريكست»، وما أعقبها من تخبّط.

وشهدت بريطانيا تغيرات اجتماعية وسياسية هائلة في العقود التي سبقت خروجها من الاتحاد الأوروبي (بريكست). وقد أعادت هذه التحولات تشكيل الاقتصاد، ودور الحكومة، والحياة اليومية لملايين الناس في مختلف أنحاء البلاد. وبدأ ذلك كله في عام 1979 مع وصول زعيمة المحافظين مارغريت ثاتشر إلى كرسي رئاسة الحكومة.

مارغريت ثاتشر أحدثت تغييراً كبيراً في بريطانيا (أرشيف - رويترز)

فقد عملت ثاتشر، ابنة البقّال ألفريد روبرتس في مدينة غرانثام الصغيرة، على ضرب نفوذ النقابات التي دأبت على تنفيذ الإضراب تلو الآخر، وخصخصت «السيدة الحديدية» عدداً من القطاعات التي تملكها الدولة، وعززت اقتصاد السوق الحر.

وأتاحت سياستها لملايين المستأجرين من الطبقة العاملة شراء المنازل التي كانوا يستأجرونها من السلطات المحلية، عبر برنامج «الحق في الشراء»، الذي منحهم تخفيضات كبيرة على أسعار تلك المنازل.

وقد أثمر هذا البرنامج زيادة في معدلات تملك المساكن بين البريطانيين، لكنه في المقابل أدّى إلى تراجع عدد المساكن الاجتماعية التي تملكها الدولة، وهو ما أصبح لاحقاً أحد العوامل المرتبطة بأزمة الإسكان في المملكة المتحدة.

* حزب «العمّال» الجديد

عندما ضعفت كيمياء السيدة التي حملت شهادة في الكيمياء من جامعة أكسفورد، وخرجت من الحكم عام 1990 نتيجة انشقاقات داخل الحزب، ضعف المحافظون تدريجياً إلى أن أفلح توني بلير في نقل حزب «العمال» من يساريته القديمة إلى الوسطية وأسبغ عليه صفة «الجديد»، وفاز بانتخابات 1997 بعد 4 هزائم في 4 دورات متتالية.

توني بلير أعاد العمّال إلى الحكم بعد سيطرة طويلة للمحافظين (رويترز)

تولى بلير رئاسة الحكومة 10 سنوات، أجرى فيها تغييرات مهمة؛ أهمها إنشاء برلمان في كل من اسكوتلندا وويلز ضمن سياسة نقل عدد من الصلاحيات من الحكومة المركزية في لندن إلى الأقاليم. كما نجح في إنهاء مسلسل الاضطرابات والعنف بين البروتستانت والكاثوليك في آيرلندا الشمالية، وعقد اتفاق «الجمعة العظيمة» في 1998.

وإضافة إلى ذلك، اعتمدت حكومة بلير أول حد أدنى وطني للأجور في بريطانيا، كما خصصت مستويات قياسية من التمويل لخدمة هيئة الخدمات الصحية الوطنية، بهدف تحسين جودة الرعاية الصحية وتوسيع نطاقها.

وأقرّ مجلس العموم عام 1998 مشروع قانون حقوق الإنسان الذي تقدمت به الحكومة العمّالية لإدراج الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان بالقانون البريطاني، مما أتاح للمحاكم البريطانية تطبيق هذه الحقوق مباشرة دون الحاجة للجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في معظم الحالات.

* الاقتصاد والمجتمع

على الصعيد الاقتصادي - الاجتماعي، سُجلت أيضاً تحولات كبيرة، فقد أدى انحسار الصناعات الثقيلة التقليدية، مثل تعدين الفحم والصناعات التحويلية، إلى أضرار كبيرة في فئات الطبقة العاملة خلال ثمانينات القرن العشرين.

وغيّرت الهجرة الواسعة من منطقة الكاريبي وجنوب آسيا، ثم لاحقاً من أوروبا الشرقية بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، طبيعة المجتمع، وجعلت بريطانيا بلداً متعدد الأعراق والثقافات والأديان. ويكفي أن يتجوّل المرء في لندن أو برمنغهام أو مانشستر أو غيرها من المدن الكبرى، ليلمس ذلك، أو أن ينظر إلى التشكيلات الحكومية في السنوات الأخيرة.

ليس جميع البريطانيين مناهضين للاتحاد الأوروبي (أرشيفية - رويترز)

* زلزال «بريكست» وتراجع المحافظين

بعد إجراء استفتاء في 23 يونيو (حزيران) 2016، صوّت فيه 51.9 في المائة من الناخبين لمصلحة مغادرة الاتحاد الأوروبي، خرجت المملكة المتحدة رسمياً من التكتل في 31 يناير (كانون الثاني) 2020.

وجاءت الدعوات إلى «بريكست» نتيجة عقود من التشكيك في جدوى عضوية الاتحاد الأوروبي، وارتكزت على 3 دوافع رئيسية، أولها استعادة السيادة؛ إذ كان المؤيدون للخروج يرغبون في «استعادة السيطرة» على القوانين البريطانية، ورفض خضوع المملكة المتحدة لاختصاص محاكم الاتحاد الأوروبي والبيروقراطية الأوروبية في بروكسل.

أما السبب الثاني فكان ضيق البريطانيين من مبدأ حرية التنقل الذي يسمح لأي مواطن من دول الاتحاد بالإقامة والعمل في المملكة المتحدة، وقد طالب مؤيدو الخروج بفرض سيطرة وطنية صارمة على الحدود.

والسبب الثالث كان اقتصادياً؛ إذ جادل مؤيدو «بريكست» بأن التحرر من لوائح الاتحاد الأوروبي سيمنح المملكة المتحدة حرية إبرام اتفاقات تجارية دولية مستقلة وأكثر جدوى.

وجدير بالذكر أن رئيس الوزراء آنذاك ديفيد كاميرون، دعا إلى الاستفتاء بهدف إنهاء الانقسامات داخل حزب المحافظين، متوقعاً أن يفوز معسكر البقاء في الاتحاد الأوروبي. إلا أن حساباته وتوقعاته كانت خاطئة.

وبعد دخول «بريكست» حيّز التنفيذ في عهد بوريس جونسون، تغيرت العلاقات الاقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي التي بات عددها 27، وارتكزت على اتفاق التجارة والتعاون بين الاتحاد والمملكة المتحدة. ولم يعد بإمكان المواطنين البريطانيين العيش أو العمل أو الدراسة في دول الاتحاد الأوروبي تلقائياً. وتقتصر الزيارات القصيرة على 90 يوماً خلال أي فترة مدتها 180 يوماً دون الحاجة إلى تأشيرة.

وفي موازاة ذلك، ورغم انخفاض الهجرة من دول الاتحاد الأوروبي بشكل ملحوظ، شهدت بريطانيا ارتفاعاً كبيراً في الهجرة من خارج التكتل بفضل نظام جديد للتأشيرات يعتمد على النقاط.

وأدت الحواجز والإجراءات الجمركية إلى بيروقراطية معقدة واضطراب سلاسل التوريد وتأخير عمليات الاستيراد والتصدير.

وتشير تحليلات مستقلة موثوقة إلى أن حجم الاقتصاد البريطاني أصبح أقل بنسبة تتراوح بين 4 في المائة و8 في المائة، مما كان سيصبح عليه لو بقيت المملكة المتحدة عضواً في الاتحاد الأوروبي، وهو ما انعكس على الإنتاجية والاستثمارات التجارية.

كيمي بادينوك وإلى يمينها المسؤول في حزب المحافظين كريس فيلب يستمعان إلى ضابط شرطة يشرح عملية ضد تجار المخدرات في مقاطعة ساري بجنوب إنجلترا (د.ب.أ)

* تحوّلات وانقسامات

أدت مفاوضات الانسحاب وما تبعها إلى انقسامات داخلية حادة وعدم استقرار سياسي كبير، وإجراء عدة انتخابات مبكرة وسقوط رؤساء الوزراء المحافظين الواحد تلو الآخر؛ فبعد تنحي ديفيد كاميرون، تولى المنصب كل من تيريزا ماي، وبوريس جونسون، وليز تراس، وريشي سوناك الذي واجه صعاباً في التعامل مع ارتفاع معدلات التضخم وركود النمو الاقتصادي. وفي منتصف عام 2024، دعا إلى إجراء انتخابات مبكرة، أسفرت عن هزيمة ساحقة أنهت 14 عاماً من حكم حزب المحافظين.

ولا شك في أن حزب المحافظين يواجه تراجعاً هيكلياً حاداً وضغوطاً متزايدة، ويجهد للحفاظ على وجوده تحت قيادة كيمي بادينوك النيجيرية الأصل. وقد مُني الحزب بهزائم تاريخية في الانتخابات العامة والمحلية، فخسر مئات المقاعد في المجالس المحلية، وفقد السيطرة على عدد من البلدات والمدن التي احتفظ بها لسنوات طويلة.

ولا يعود ذلك إلى صعود «العمّال» بمقدار ما يعود إلى صعود حزب الإصلاح (Reform UK) الذي قسم قاعدة الناخبين اليمينيين، مع خروج عدد من النواب البارزين من حزب المحافظين وانضمامهم إلى الحزب الذي أسسه نايجل فاراج، والذي سيطر على بعض المجالس المحلية.

نايجل فاراج قسم اليمين البريطاني (رويترز)

* ماذا في الأفق؟

15 أغسطس (آب) 2029 هو الموعد الأقصى لإجراء انتخابات عامة في المملكة المتحدة، فماذا في الأفق؟

يُظهر متوسط استطلاعات الرأي الأخيرة أن حزب المحافظين يحظى بتأييد يتراوح بين 19 في المائة و20 في المائة على المستوى الوطني، ويحتل المركز الثالث خلف حزب «العمال» و«حزب الإصلاح»، وذلك وفقاً لمؤشر يعدّه موقع «بوليتيكو» الإلكتروني.

أما حزب «العمال» فيسلك اتجاهاً تصاعدياً في استطلاعات الرأي؛ إذ يتراوح متوسط تأييده بين 25 و28 في المائة. ويأتي هذا التعافي عقب تولّي آندي بيرنهام قيادة الحزب ورئاسة الوزراء بدل كير ستارمر.

ويحتل حزب «الإصلاح» المركز الثاني بحصة من 23 إلى 24 في المائة من الأصوات رغم غرق مؤسسه، فاراج، في مشكلات قانونية واستقالته من مجلس العموم في يوليو (تموز) الماضي، على خلفية تدقيق بشأن التبرعات السياسية والشخصية غير المُعلَن عنها، بما في ذلك هبة مقدارها 5 ملايين جنيه إسترليني (7 ملايين و600 ألف دولار).

بناءً على ذلك، إذا أُجريت الانتخابات الآن فستتوزّع مقاعد مجلس العموم الـ650 على النحو الآتي:

- حزب «العمال»: نحو 274 مقعداً (انخفاضاً من 412 مقعداً، وهو أقل من 326 مقعداً المطلوبة لتشكيل الحكومة بمفرده).

- حزب «الإصلاح البريطاني»: نحو 118 مقعداً (مقارنةً بـ5 مقاعد فقط فاز بها في عام 2024).

- حزب المحافظين: نحو 111 مقعداً (انخفاض طفيف مقارنةً بـ121 مقعداً التي حصل عليها في عام 2024).

- حزب الديمقراطيين الأحرار: نحو 68 مقعداً.

- الحزب الوطني الاسكوتلندي: نحو 36 مقعداً.

- حزب «الخضر»: نحو 5 مقاعد.

- حزب بلايد كامري في ويلز وأحزاب أخرى: نحو 38 مقعداً (بما في ذلك أحزاب آيرلندا الشمالية).

وفي المحصلة، لم تعد السياسة البريطانية محكومة بالتنافس التقليدي بين المحافظين و«العمال»، بل دخلت مرحلة جديدة عنوانها التعددية الحزبية والتشرذم الانتخابي. وهذا يعني أن تشكيل الحكومات المقبلة قد يعتمد، للمرة الأولى منذ عقود، على ائتلافات سياسية معقدة، في مشهد يقترب أكثر فأكثر من النماذج السائدة في فرنسا وألمانيا وإيطاليا، وهي مفارقة لافتة بالنسبة إلى دولة اختارت قبل سنوات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي.


مقالات ذات صلة

بيرنهام يدعو إلى وضع دستور مكتوب لبريطانيا

أوروبا رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام (د.ب.أ) p-circle

بيرنهام يدعو إلى وضع دستور مكتوب لبريطانيا

أيَّد رئيس الوزراء البريطاني الجديد أندي بيرنهام تبنِّي دستور مكتوب للمملكة المتحدة، التي على النقيض من غالبية الدول، لا تملك قانوناً أساسياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا شرطي يسير أمام مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت بلندن (رويترز)

تسهيلات لموظفي الحكومة البريطانية إذا وافقوا على العمل خارج لندن

تتسارع خطوات الحكومة البريطانية نحو إعادة توزيع مراكز صنع القرار خارج العاصمة لندن في إطار مشروع يُعد من أبرز التغييرات الإدارية في السنوات الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
حصاد الأسبوع آندي بيرنهام

آندي بيرنهام... من «مانشستر الكبرى» إلى رئاسة الحكومة البريطانية

يخلف آندي بيرنهام، الاثنين، كير ستارمر في رئاسة الحكومة البريطانية، بعد مسار سياسي بدا في أسابيعه الأخيرة خاطفاً، وإن كان في حقيقته ثمرة نحو ربع قرن أمضاها الرجل بين البرلمان والحكومة والمعارضة، قبل أن يعيد بناء حضوره السياسي بعيداً عن لندن ومنصب عمدة «مانشستر الكبرى»؛ إذ لم تمضِ سوى أسابيع على عودة بيرنهام (56 سنة) إلى مجلس العموم، حتى فُتحت أمامه أبواب «10 داونينغ ستريت». وبات في طريقه لتسلّم زعامة حزب العمال ثم رئاسة الحكومة، الاثنين، بعدما حصد دعم 349 نائباً عمالياً، ما جعل من المتعذر على أي منافس بلوغ العتبة اللازمة لخوض السباق ضده.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أندي بيرنهام يتحدّث بعد تأكيده كزعيم جديد لحزب العمال ورئيس الوزراء القادم للبلاد خلال «المؤتمر الخاص لحزب العمال» في وسط لندن في 17 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

انتخاب بيرنهام رئيساً لحزب العمال البريطاني تمهيداً لتوليه رئاسة الحكومة

أعلن حزب العمال البريطاني رسمياً تولي أندي بيرنهام زعامة الحزب، وسوف يتولى رئاسة الحكومة البريطانية اعتباراً من يوم الاثنين المقبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية صورة لقادة في «الحرس الثوري» خلال لقاء مع المرشد الإيراني (أرشيفية - موقع خامنئي)

بريطانيا تصنّف «الحرس الثوري» تهديداً للأمن القومي

أعلنت الحكومة البريطانية تصنيف «الحرس الثوري» الإيراني تهديداً للأمن القومي، واستخدام الصلاحيات الجديدة التي يتيحها قانون الأمن القومي لحظر دعمه.

«الشرق الأوسط» ( لندن)