بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)
الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)
TT

بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)
الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)

«يرتبط البريطانيون بعلاقة معقدة مع التغيير. فبينما تُظهر الاتجاهات الطويلة الأمد أن المجتمع أصبح أكثر تحرراً على الصعيد الاجتماعي وأكثر تقبّلاً لأنماط الحياة المتنوعة، فإن السنوات الأخيرة تركت الجمهور في حالة من الإرهاق الشديد بسبب الفوضى السياسية، والضغوط الاقتصادية، والشعور بأن البلاد تعاني انقساماً حاداً».

هذه خلاصة توصلت إليها دراسات أجرتها منظمة «مور إن كومون» (More in Common)، التي تُعنى بالبحوث وبناء القدرات، وأُسست عام 2016 بهدف فهم العوامل التي تؤدي إلى التفكك الاجتماعي والاستقطاب السياسي ومواجهتها. وقد أُطلقت هذه المبادرة تخليداً لذكرى جو كوكس، عضو البرلمان البريطاني عن حزب العمال التي قُتلت عام 2016، واستذكاراً لخطابها الأول الشهير في البرلمان، حيث قالت: «لدينا ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا».

رئيس الوزراء العمّالي الجديد آندي بيرنهام (أ.ب)

والحال أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدتها بريطانيا خلال العقود الماضية أعادت رسم ملامح البلاد بصورة عميقة. فمن اقتصاد تقوده صناعات تقليدية ونفوذ قوي للنقابات، إلى اقتصاد أكثر انفتاحاً واعتماداً على الخدمات والأسواق، ومن مجتمع أكثر تجانساً إلى مجتمع متعدد الأعراق والثقافات، قطعت بريطانيا مسافة طويلة خلال بضعة عقود.

ولا يمكن فهم بريطانيا الحالية من دون العودة إلى بعض المحطات الرئيسية التي ساهمت في تشكيلها.

* «الثورة الثاتشرية»... بداية التحول

لن نعود إلى العهد الفيكتوري بحثاً عن جذور ما نراه راهناً؛ بل سنكتفي ببضعة عقود قبل التوقف عند محطة «بريكست»، وما أعقبها من تخبّط...

شهدت بريطانيا تغيرات اجتماعية وسياسية هائلة في العقود التي سبقت خروجها من الاتحاد الأوروبي (بريكست). وقد أعادت هذه التحولات تشكيل الاقتصاد، ودور الحكومة، والحياة اليومية لملايين الناس في مختلف أنحاء البلاد. وبدأ ذلك كله في عام 1979 مع وصول زعيمة المحافظين مارغريت ثاتشر إلى كرسي رئاسة الحكومة.

مارغريت ثاتشر أحدثت تغييراً كبيراً في بريطانيا (أرشيف - رويترز)

فقد عملت ثاتشر، ابنة البقّال ألفريد روبرتس في بلدة غرانثام، على ضرب نفوذ النقابات التي دأبت على تنفيذ الإضراب تلو الآخر، وخصخصت «السيدة الحديدية» عدداً من القطاعات التي تملكها الدولة، وعززت اقتصاد السوق الحر.

وأتاحت سياستها لملايين المستأجرين من الطبقة العاملة شراء المنازل التي كانوا يستأجرونها من السلطات المحلية، عبر برنامج «الحق في الشراء»، الذي منحهم تخفيضات كبيرة على أسعار تلك المنازل.

وقد أثمر هذا البرنامج زيادة في معدلات تملك المساكن بين البريطانيين، لكنه في المقابل أدّى إلى تراجع عدد المساكن الاجتماعية التي تملكها الدولة، وهو ما أصبح لاحقاً أحد العوامل المرتبطة بأزمة الإسكان في المملكة المتحدة.

* حزب «العمّال الجديد»

عندما ضعفت كيمياء السيدة التي حملت شهادة في الكيمياء من جامعة أكسفورد، وخرجت من الحكم عام 1990 نتيجة انشقاقات داخل الحزب، ضعف المحافظون تدريجياً فيما أفلح توني بلير في نقل حزب «العمال» من يساريته القديمة إلى الوسطية وأسبغ عليه صفة «الجديد»، وفاز بانتخابات 1997 بعد 4 هزائم في 4 دورات متتالية.

توني بلير أعاد العمّال إلى الحكم بعد سيطرة طويلة للمحافظين (رويترز)

تولى بلير رئاسة الحكومة 10 سنوات، أجرى فيها تغييرات مهمة؛ أهمها إنشاء برلمان في كل من اسكوتلندا وويلز ضمن سياسة نقل عدد من الصلاحيات من الحكومة المركزية في لندن إلى الأقاليم. كما نجح في إنهاء مسلسل الاضطرابات والعنف بين البروتستانت والكاثوليك في آيرلندا الشمالية، وعقد اتفاق «الجمعة العظيمة» في 1998.

وإضافة إلى ذلك، اعتمدت حكومة بلير أول حد أدنى وطني للأجور في بريطانيا، كما خصصت مستويات قياسية من التمويل لخدمة هيئة الخدمات الصحية الوطنية، بهدف تحسين جودة الرعاية الصحية وتوسيع نطاقها.

وأقرّ مجلس العموم عام 1998 مشروع قانون حقوق الإنسان الذي تقدمت به الحكومة العمّالية لإدراج الحقوق والحريات الأساسية المنصوص عليها في الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان بالقانون البريطاني، مما أتاح للمحاكم البريطانية تطبيق هذه الحقوق مباشرة دون الحاجة للجوء إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في معظم الحالات.

* الاقتصاد والمجتمع

على الصعيد الاقتصادي - الاجتماعي، سُجلت أيضاً تحولات كبيرة، فقد أدى انحسار الصناعات الثقيلة التقليدية، مثل تعدين الفحم والصناعات التحويلية، إلى أضرار كبيرة في فئات الطبقة العاملة خلال ثمانينات القرن العشرين.

وفي الوقت نفسه، تغيرت طبيعة سوق العمل والاقتصاد البريطاني مع نمو قطاع الخدمات والمال والتكنولوجيا وغيرها من القطاعات الحديثة. وأصبحت لندن بصورة متزايدة مركزاً مالياً عالمياً، في حين واجهت مناطق أخرى صعوبات في التكيف مع تراجع الصناعات التي كانت تشكل العمود الفقري لاقتصاداتها المحلية.

وغيّرت الهجرة الواسعة من منطقة الكاريبي وجنوب آسيا، ثم لاحقاً من أوروبا الشرقية بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، طبيعة المجتمع، وجعلت بريطانيا بلداً متعدد الأعراق والثقافات والأديان. ويكفي أن يتجوّل المرء في لندن أو برمنغهام أو مانشستر أو غيرها من المدن الكبرى، ليلمس ذلك، أو أن ينظر إلى التشكيلات الحكومية والمؤسسات العامة في السنوات الأخيرة.

ليس جميع البريطانيين مناهضين للاتحاد الأوروبي (أرشيفية - رويترز)

* زلزال «بريكست»

جاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي نتيجة مسار طويل من الجدل حول علاقة المملكة المتحدة بأوروبا. وبعد الاستفتاء الذي أُجري في 23 يونيو (حزيران) 2016، وصوّت فيه 51.9% من الناخبين لمصلحة مغادرة الاتحاد الأوروبي، خرجت المملكة المتحدة رسمياً من التكتل في 31 يناير (كانون الثاني) 2020.

كان «بريكست» نقطة تحول كبيرة في تاريخ بريطانيا الحديث، لأنه لم يغيّر علاقتها بالاتحاد الأوروبي فحسب، بل أعاد طرح أسئلة أساسية حول السيادة والاقتصاد والحدود والهجرة وموقع البلاد في العالم.

وترافقت عملية الانسحاب مع تغيرات واسعة في العلاقات التجارية والاقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي، ومع ترتيبات جديدة تتعلق بحركة الأشخاص والبضائع والخدمات.

كما تغيرت أنماط الهجرة. ففي الوقت الذي انخفضت فيه الهجرة من دول الاتحاد الأوروبي بصورة ملحوظة، شهدت بريطانيا ارتفاعاً في الهجرة من خارج التكتل بفضل نظام جديد للتأشيرات يعتمد على النقاط.

وأدت الحواجز والإجراءات الجمركية الجديدة إلى زيادة البيروقراطية وتعقيد بعض عمليات الاستيراد والتصدير، كما أثرت في سلاسل التوريد والعلاقات التجارية.

وفي الوقت نفسه، ظل الجدل قائماً حول الآثار الاقتصادية البعيدة لـ«بريكست»، وحول ما إذا كانت المملكة المتحدة قد استفادت من الحرية التنظيمية والتجارية التي اكتسبتها مقابل التكاليف الاقتصادية والتجارية التي ترتبت على الخروج من الاتحاد الأوروبي.

احتفال للهندوس في لندن (أ.ب)

* تحوّلات وانقسامات

لم تكن السنوات التي أعقبت «بريكست» سهلة على بريطانيا. فقد تزامنت مرحلة الانسحاب وإعادة بناء العلاقات مع أوروبا مع اضطرابات اقتصادية واجتماعية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتداعيات جائحة «كوفيد-19»، ثم أزمة الطاقة والتضخم.

وأدت هذه التطورات إلى شعور متزايد لدى قطاعات واسعة من البريطانيين بأن البلاد تمر بمرحلة من عدم الاستقرار، وأن النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي ساد خلال العقود الماضية لم يعد قادراً على تقديم الإجابات نفسها التي كان يقدمها في السابق.

كما أصبحت قضايا مثل أزمة الإسكان، وكلفة المعيشة، ومستقبل الخدمات العامة، والهجرة، والعلاقة بين لندن والمناطق الأخرى، من أبرز الملفات التي تشغل المجتمع البريطاني.

وبذلك لم يعد التغيير في بريطانيا مجرد انتقال من حكومة إلى أخرى، بل أصبح تحولاً في علاقة المواطنين بالدولة، وفي توقعاتهم من المؤسسات العامة، وفي نظرتهم إلى الاقتصاد والمجتمع وموقع بلادهم في العالم.

منطقة سكنية في مدينة ليفربول الواقعة في شمال غرب إنجلترا (رويترز)

* بريطانيا أمام مرحلة جديدة

قد يكون أهم ما يميز بريطانيا الجديدة أن التحولات التي شهدتها لم تحدث في اتجاه واحد.

ففي الوقت الذي أصبح فيه المجتمع أكثر تنوعاً وانفتاحاً على أنماط حياة مختلفة، ازداد أيضاً الشعور لدى قطاعات أخرى بالقلق من سرعة التغيير وبأن أجزاء من البلاد لم تستفد بالمقدار نفسه من التحولات الاقتصادية.

وفي الوقت الذي أصبحت فيه بريطانيا أكثر اندماجاً في الاقتصاد العالمي، ظهرت أصوات تطالب بمزيد من الحماية للصناعات المحلية والمناطق التي تضررت من التحولات الاقتصادية.

وبينما تعززت مكانة المدن الكبرى، ولا سيما لندن، استمرت الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين بعض المناطق والمراكز الحضرية وبين أجزاء أخرى من البلاد.

لهذا تبدو بريطانيا اليوم كأنها تقف عند تقاطع عدة تحولات في وقت واحد: تحول اقتصادي بدأ منذ عهد ثاتشر، وتحول اجتماعي وثقافي تسارع بفعل الهجرة والعولمة، وتحول مؤسساتي ارتبط بنقل الصلاحيات إلى الأقاليم، وتحول استراتيجي أعاد «بريكست» من خلاله تعريف علاقة المملكة المتحدة بأوروبا.

والسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت بريطانيا قد تغيرت، فهذا أمر محسوم، بل إلى أين يقودها هذا التغيير.

فالدولة التي عرفت خلال نصف القرن الأخير انتقالاً من الاقتصاد الصناعي إلى اقتصاد الخدمات، ومن مجتمع أكثر تجانساً إلى مجتمع متعدد الثقافات، ومن مركزية قوية إلى مقدار أكبر من توزيع الصلاحيات، ومن العضوية الأوروبية إلى علاقة جديدة مع القارة، تجد نفسها أمام تحدي التوفيق بين هذه التحولات كلها.

وهنا تكمن ملامح «بريطانيا الجديدة»: ليست بريطانيا التي تخلت ببساطة عن ماضيها، ولا بريطانيا التي استقرت على نموذج جديد نهائي، بل بلد لا يزال يعيش عملية تحول مفتوحة، تتداخل فيها الاقتصاديات والمجتمعات والمؤسسات وأنماط الحياة، وتعيد رسم صورته تدريجياً.


مقالات ذات صلة

جدل في بريطانيا بعد تلقّي حزب نايجل فاراج تبرعات قياسية

أوروبا ملصق إعلاني في لندن ينتقد التبرعات التي تلقاها حزب نايجل فاراج (رويترز)

جدل في بريطانيا بعد تلقّي حزب نايجل فاراج تبرعات قياسية

أعلن ملياردير في مجال العملات المشفرة، الجمعة، أنه تبرع بمبلغ 36 مليون جنيه إسترليني لحزب «ريفورم يو كاي» (إصلاح المملكة المتحدة) اليميني المتشدد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا جلسة سابقة للبرلمان البريطاني (أرشيفية - رويترز)

برلمان بريطانيا يرفض مشروع قانون الموت الرحيم

رفض المشرعون في بريطانيا، اليوم (الجمعة)، مشروع قانون يتعلق بالسماح بإجراء الموت الرحيم للبالغين الميؤوس من شفائهم في إنجلترا وويلز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي عناصر من القوات الإسرائيلية تعتقل فلسطينياً في أحد شوارع بلدة عناتا بالضفة الغربية المحتلة الثلاثاء (أ.ب) p-circle

إسرائيل تغلق قنصلية بريطانيا في القدس رداً على معاقبة المستوطنات

في حين كانت إسرائيل تنتظر قرارات بريطانية فرنسية ضد المستوطنات، جُوبهت بتحالف يضم 12 دولة أكدت عزمها على فرض قيود على تجارة السلع مع المستوطنات بالضفة الغربية.

كفاح زبون (رام الله)
يوميات الشرق الأمير البريطاني هاري وزوجته ميغان ماركل (رويترز)

هاري وميغان «متفاجئان» بعد قرار ملكي يحسم مستقبلهما داخل العائلة المالكة

عبَّر دوق ودوقة ساسكس عن «استغرابهما» من تأكيد الملك تشارلز أنهما سيظلان خارج قائمة الأعضاء العاملين في العائلة المالكة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا زعيم حزب «إصلاح المملكة المتحدة» نايجل فاراج (أ.ف.ب)

بريطانيا: حزب فاراج يعلق عضوية مسؤولين بارزين بسبب «التمويل الأجنبي»

علّق حزب «إصلاح المملكة المتحدة» اليميني المناهض للهجرة، الجمعة، عضوية اثنين من كبار مسؤوليه بعد تصويرهما وهما يناقشان قبول أموال من متبرع أجنبي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ميرتس يقر بـ«كارثة» لحزبه إثر تقدُّم اليمين المتطرف بانتخابات محلية في ألمانيا

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)
TT

ميرتس يقر بـ«كارثة» لحزبه إثر تقدُّم اليمين المتطرف بانتخابات محلية في ألمانيا

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ب)

أقرَّ المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم (الأحد)، بـ«كارثة» لحزبه «الاتحاد المسيحي الديمقراطي» الذي مُني بخسارة كبيرة في انتخابات محلية، في وجه اليمين المتطرِّف، ولكنه تعهد المضي قدماً بالإصلاحات المعلنة، وفق ما أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكَّد ميرتس مساء اليوم: «الإصلاحات متواصلة. وأنا أتحمَّل المسؤولية الكاملة؛ لأنني أريد الدفع ببلدنا قدماً».

وأظهرت الاستطلاعات الأولى أن نسبة الأصوات التي حصل عليها حزب ميرتس اليميني الوسطي بالكاد بلغت عتبة الخمسة في المائة اللازمة لدخول البرلمان، في ولاية مكلنبورغ- فوربومرن (شمال شرق)، في مقابل قرابة 38 في المائة لحزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرِّف.


مصير المستشار الألماني معلَّق على نتائج انتخابات محلية اليوم

ناخب ألماني يدلي بصوته في صندوق الاقتراع في أحد المراكز الانتخابية في العاصمة برلين (أ.ف.ب)
ناخب ألماني يدلي بصوته في صندوق الاقتراع في أحد المراكز الانتخابية في العاصمة برلين (أ.ف.ب)
TT

مصير المستشار الألماني معلَّق على نتائج انتخابات محلية اليوم

ناخب ألماني يدلي بصوته في صندوق الاقتراع في أحد المراكز الانتخابية في العاصمة برلين (أ.ف.ب)
ناخب ألماني يدلي بصوته في صندوق الاقتراع في أحد المراكز الانتخابية في العاصمة برلين (أ.ف.ب)

تحوَّلت الانتخابات المحلية في ألمانيا إلى كابوس بالنسبة للمستشار الألماني فريدريش ميرتز الذي يجد نفسه بعد أقل من عام ونصف على تسلمه منصبه، أمام امتحانات متكررة لشعبيته. ورغم أن ميرتز لم يحظَ يوماً بشعبية مرتفعة، لكنها انخفضت في الأشهر الماضية إلى مستويات قياسية؛ إذ لا تتعدى نسبة الرضا عنه اليوم الـ10 في المائة.

وبعد أسبوعين على خسارة حزبه أمام «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف في انتخابات محلية في أحد معاقله التقليدية، ولاية ساكسونيا أنهالت، يواجه ميرتز يوماً آخر مؤلماً ينتظر فيه نتائج الانتخابات المحلية في ولايتين: العاصمة برلين وماكلنبورغ فورمومرن الشرقية. وقد تكون النتائج التي ستظهر في نهاية اليوم الانتخابي، بداية نهاية رحلة ميرتز في المستشارية.

المستشار الألماني فريدريش ميرتز مع المرشح عن حزبه في ولاية برلين شتيفان إفرز وخلفها شعار «برلين ابقِ ثابتة» في دعوة لسكان العاصمة لإعادة انتخاب حزبه في الانتخابات المحلية (أ.ف.ب)

برلين تلغي نيويورك

لعل الدليل الأكبر على أهمية تلك النتائج بالنسبة لمستقبل المستشار، قراره قبل أيام بإلغاء مشاركته في الاجتماعات السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وحتى تخلفه عن تسلُّم جائزة كان من المفترض أن يتسلمها خلال وجوده هناك.

وأعلن المتحدث باسمه أن ميرتز سيلغي سفرته ويبقى في برلين حيث «وجوده ضروري» بعد انتخابات الأحد. وبالفعل، فقد استدعى ميرتز كل رؤساء الحكومات المحلية الذين ينتمون لحزبه ويبلغ عددهم 8 من أصل 16 ولاية ألمانية، لترقب النتائج ومناقشة تبعاتها.

وبعد الهزيمة المؤلمة التي مني بها الحزب المسيحي الديمقراطي بزعامة ميرتز في ولاية ساكسونيا أنهالت، حيث انخفضت أصواته إلى النصف، بدأ نقاش داخل الحزب حول استبدال المستشار بسياسي آخر لإكمال ولايته. ولكن «التمرد» هدأ سريعاً، ووقَّع رؤساء الولايات الـ8 بياناً يعلنون فيه تأييدهم للمستشار. ولكن خسارة أخرى في أعقاب الأولى ستعيد إشعال الجدل مرة جديدة.

صراع على البقاء

حتى الآن، فإن حزب ميرتز يصارع للإبقاء على ولاية برلين التي يقودها حالياً في حكومة ائتلافية إلى جانب الحزب الاشتراكي. ولكن فوزه غير مؤكد بتاتاً، خاصة بعد انسحاب العمدة الحالي كاي فاغنر من السباق قبل أسابيع، في أعقاب فضيحة إمضائه ساعات يلعب التنس في وقت كان يعيش عشرات الآلاف من سكان المدينة من دون كهرباء، وسط عاصفة ثلجية قاسية، بعد عملية تخريب كابلات. وفي المقابل، يتقدم حزب «دي لينكا» من أقصى اليسار في استطلاعات الرأي التي جرت قبل الانتخابات، ويتبعه حزب ميرتز بفارق ضئيل. وحتى في برلين اليسارية، نجح حزب «البديل من أجل ألمانيا» بمضاعفة أصواته، وهو يحصل على 18 في المائة من نسبة الأصوات في استطلاعات الرأي.

والصورة أسوأ في ولاية ماكلنبورغ فورمومرن بالنسبة لحزب ميرتز؛ فالولاية الشرقية التي يقودها حالياً الحزب الاشتراكي في حكومة ائتلافية مع حزب «دي لينكا»، قد تخرجه من البرلمان بشكل كامل، مما قد يكون سابقة للحزب الذي لم يفشل في السابق بدخول أي برلمان محلي.

سبق يغذيه الامتعاض

ويتعين على الأحزاب الفوز بنسبة 5 في المائة من الأصوات لدخول البرلمان، وحتى الآن تشير الاستطلاعات إلى فوزه بنسبة 7 في المائة. ويتسابق على الفوز الحزب الاشتراكي مع حزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي يطمح لتكرار فوزه الكبير في ولاية ساكسونيا أنهالت قبل أسبوعين حيث حصل على 44 في المائة من نسبة الأصوات. ولكن نسبة التأييد له في ولاية ماكلنبورغ فورمومرن لا تصل إلى ذلك وهي كانت قبل الانتخابات عند عتبة الـ36 في المائة مقابل 37 في المائة للحزب الاشتراكي.

صور انتخابية للحزبين المتنافسين الاشتراكي من اليسار الوسط و«البديل من أجل ألمانيا» من اليمين المتطرف في انتخابات ولاية ماكلنبورغ فورمومرن الشرقية (رويترز)

ويزداد الامتعاض من حكومة ميرتز بسبب تخلفه عن الوفاء بالكثير من التزاماته وتعهداته التي أطلقها قبل الانتخابات العامة التي أوصلته إلى المستشارية. فهو كان تعهَّد مثلاً بتقليص تقدم حزب «البديل من أجل ألمانيا»، ولكن في المقابل نجح الحزب في مضاعفة أصواته حتى على المستوى الوطني وليس فقط في الولايات المحلية الشرقية التي تعد معقله. كما تعهد ميرتز بتحسين الوضع الاقتصادي وإعادة إطلاق العجلة الاقتصادية بعد سنوات من الركود بسبب الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار المحروقات؛ ولكن الوضع الاقتصادي ازداد سوءاً وارتفعت أسعار المحروقات، بشكل أساسي بسبب الحرب في إيران وإغلاق مضيق هرمز. ولكن المستشار يتهم كذلك بإدخال تعديلات غير شعبية على النظام الصحي ونظام التقاعد، تسببت في مظاهرات كبيرة. ومع ذلك بقي ميرتز متمسكاً بتطبيقها ومصمماً على أن الإصلاحات أساسية لجعل ألمانيا قادرة على المضي قدماً والحفاظ على مكتسباتها في النظام الاجتماعي.

وقد تكون المشكلة الأكبر الآن في إيجاد بديل عن ميرتز في حال قرر حزبه المضي في استبداله، وهي خطوة غير محبذة في ألمانيا ولا تعتبر من التقاليد السياسية على عكس بريطانيا. وحتى الآن، يعتبر رئيس ولاية بافاريا وزعيم الحزب المسيحي الاجتماعي الشقيق ماركوس زودر المرشح الأبرز، خاصة وأنه كان له طموح في أن يحصل على ترشيح الحزب مكان ميرتز لكي يصبح المستشار.

لافتة انتخابية تظهر صورة كاريكاتيرية للمستشار الألماني مع كلمات «ارحل ميرتز» في تجمع انتخابي لحزب من أقصى اليسار (إ.ب.أ)

ولكن زودر الذي يحظى بشعبية كبيرة في ولايته، كرر بأنه يفضل أن يبقى في بافاريا. وكذلك الأمر بالنسبة لمرشح آخر تداولت الصحافة الألمانية اسمه، هو رئيس ولاية شمال الراين وستلفاليا هاندريك فوست الذي يحظى كذلك بشعبية واسعة داخل حزبه وبين الألمان، ولكنه هو أيضاً نفى نيته الانقلاب على ميرتز وأعلن دعمه له.

ولكن نتائج سيئة في الولايتين قد تغيِّر الحسابات وتدفعان بزودر أو بفوست إلى الخروج من مظلة ميرتز وإعلان طموحهما خلافته وإطلاق العجلة لتحقيق ذلك.


في رسالة لترمب... ماكرون وكارني يجتمعان في أرخبيل فرنسي بالمحيط الأطلسي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)
TT

في رسالة لترمب... ماكرون وكارني يجتمعان في أرخبيل فرنسي بالمحيط الأطلسي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقى ترحيباً من المستقبلين لدى وصوله إلى سان بيير (أ.ف.ب)

يزور إيمانويل ماكرون رئيس فرنسا أرخبيل سان بيير وميكلون اليوم (الأحد)، حيث من المقرر أن يلتقي رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، بعد أسابيع من نشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب صورة على وسائل التواصل الاجتماعي تظهر الأرخبيل الفرنسي وهو مغطى بالعَلم الأميركي.

تأتي زيارة ماكرون للأرخبيل، وهي الأولى لرئيس فرنسي منذ زيارة فرانسوا هولاند في 2014، في وقت تسعى فيه كندا إلى توثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وسط توتر تجاري مع الولايات المتحدة وتدهور العلاقات مع واشنطن في عهد ترمب، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

خريطة نشرها الرئيس ترمب على منصة «تروث سوشال» أثارت غضب الحلفاء

ويقع أرخبيل سان بيير وميكلون قبالة ساحل كندا على المحيط الأطلسي، وهو الإقليم الوحيد المتبقي تحت سيطرة فرنسا في أميركا الشمالية. وصرَّح مسؤولون فرنسيون بأنَّ الزيارة ستؤكد سيادة باريس على الأرخبيل وتسلط الضوء على علاقتها الوثيقة مع أوتاوا.

وقال مسؤول في الرئاسة الفرنسية للصحافيين: «بالنسبة لمنطقة لا يتجاوز عدد سكانها 5800 نسمة، من النادر أن تجتمع في بقعة بهذا الحجم قضايا كثيرة تهم فرنسا بأكملها: الحضور الجيوسياسي لفرنسا في شمال المحيط الأطلسي، عند تخوم الولايات المتحدة والقطب الشمالي، والسيادة البحرية، والتكيف مع تغير المناخ والتعاون مع كندا».

وقال دبلوماسيون إن الزيارة، التي يقوم بها ماكرون وهو في طريقه لحضور الاجتماع السنوي لقادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ستحمل أيضاً دلالةً رمزيةً بعد أن نشر ترمب خريطةً تظهر الولايات المتحدة وكندا وغرينلاند وآيسلندا والمكسيك وأميركا الوسطى ومنطقة البحر الكاريبي مغطاة بالعَلم الأميركي ومكتوباً عليها «الولايات المتحدة الأميركية».

وتضمنت الصورة سان بيير وميكلون وعدداً من الأراضي الفرنسية في منطقة البحر الكاريبي.

واختارت فرنسا عدم الرد علناً على المنشور في ذلك الوقت.

ومن المتوقع أن يناقش ماكرون وكارني أزمة الطاقة والتقارب المتزايد بين كندا والاتحاد الأوروبي، بعد أن فتح التكتل الباب أمام أوتاوا لتصبح أول عضو منتسب فيه.