اختار العرض المسرحي المصري «شنب البنات» أن يعالج قضية الهوية من زاوية غير تقليدية، مستفيداً من فرضية فانتازية تمنحه حرية الاقتراب من أسئلة معقدة حول الإنسان وعلاقته بالمجتمع.
فالحكاية، على غرابتها، لا تنشغل بالمفارقة في حد ذاتها، بقدر ما تستخدمها للكشف عن طبيعة الأحكام التي يصنعها الناس تجاه بعضهم بعضاً، وكيف يمكن لتغيير واحد أن يعيد اختبار مفاهيم الهوية والانتماء والقبول.
وتدور أحداث العرض، المشارك ضمن فعاليات الدورة التاسعة عشرة من «المهرجان القومي للمسرح المصري»، حول ثلاث فتيات يعشن مع جدتهن، قبل أن تتبدل حياتهن بفعل لعنة غامضة تحول بعضهن رجالاً، في حين تنجو إحداهن من هذا المصير، ومن هذه اللحظة، تنطلق الأحداث في مسار يجمع بين الكوميديا والدراما، ليضع الشخصيات أمام واقع جديد يفرض عليها مراجعة قناعاتها واكتشاف ذواتها من جديد.

المسرحية التي تخرجها عزة حسن كتبها وقام ببطولتها مينا نبيل إلى جانب كل من محمود بكر، وعبد الرحمن حسن، وأحمد عباس، وعبد الفتاح الديبري، ونورهان عز الدين، وأحمد أسامة، ومحمد أمين الشناوي، وميرنا الجوهري، وميرنا نديم، وعزة حسن وأمل عبد المنعم.
وقالت المخرجة عزة حسن لـ«الشرق الأوسط» إن أكبر مخاوفها منذ بداية العمل على عرض «شنب البنات» كان ألا يتحول عملاً مباشراً أو خطاباً نسوياً تقليدياً، مؤكدة أنها كانت تبحث عن طريقة مختلفة لتقديم أفكار العرض بعيداً عن الشعارات أو الرسائل المباشرة.
وأوضحت أنها لو أرادت تقديم خطاب مباشر لاكتفت بإسناد الأدوار إلى ممثلات يعبرن عن قضايا المرأة بشكل صريح، لكنها فضلت أن تطرح أفكارها من خلال بناء درامي ورمزي يترك للجمهور مساحة للتأويل، بحيث يضحك ويتعاطف مع الشخصيات ويصدقها، وفي الوقت نفسه يخرج وقد استوعب الرسائل التي يحملها العرض من دون أن يشعر بأنه أمام عمل خطابي أو شخصيات تستعرض أزماتها بصورة ميلودرامية.
وأضافت أن «التحدي الأكبر الذي واجهني تمثل في إقناع ممثلين رجال بتجسيد شخصيات نسائية بهذه الدرجة من الصدق، فالفكرة بدت في البداية شديدة الصعوبة، لكنها أصبحت أكثر سهولة بعدما اخترت ممثلين يثقون في قدراتهم الفنية».
وأكدت أن الثقة المتبادلة بيني والممثلين كانت العامل الأهم في الوصول إلى النتيجة التي ظهرت على خشبة المسرح، لافتة إلى أن وجودها كمخرجة، إلى جانب المخرجة المنفذة، وفَّر للممثلين رؤية أنثوية ساعدتهم، مع اجتهادهم الشخصي، على الوصول إلى أداء صادق؛ لأن هدفهم منذ البداية كان الإيمان بالشخصيات وتصديقها قبل التفكير في كيفية تقديمها.
وقالت عزة إن «التجربة استغرقت نحو عامين من التحضير حتى يصل فريق العمل إلى هذه الدرجة من البساطة، من دون الاعتماد على عناصر خارجية أو حلول شكلية»، مؤكدة أن «التمثيل هو البطل الحقيقي للعرض؛ ولذلك استحوذ على النصيب الأكبر من الجهد خلال فترة البروفات والإعداد».

وأضافت أن اختيار النهاية جاء معبراً عن شخصيتها ونظرتها للحياة، موضحة أنها تميل بطبيعتها إلى التفاؤل والتصالح؛ ولذلك رأت أن النهاية السعيدة هي الأنسب لهذا العمل، مؤكدة أن فكرة تقبل الذات كانت السؤال الأهم الذي أرادت طرحه من خلال العرض.
من جهته، قال الناقد المسرحي باسم صادق إن عرض «شنب البنات» يمثل تجربة مسرحية جريئة، رغم انطلاقه من تيمة سبق أن طُرحت في السينما، والمتمثلة في تحول الفتيات رجالاً بفعل لعنة غامضة، موضحاً أن «فريق العمل نجح في توظيف هذه الفكرة بطريقة أتاحت مساحة واسعة للخيال، وفتحت الباب أمام صناعة مفارقات كوميدية ومواقف فانتازية تتجاوز حدود الواقع».
وأضاف لـ«لشرق الأوسط» أن «معالجة الفكرة جاءت بروح شبابية واضحة؛ وهو ما منح العرض حيوية أسهمت في تقديم تجربة قادرة على جذب الجمهور والتواصل معه منذ اللحظات الأولى»، مشيراً إلى أن «أحد أبرز عناصر قوة العرض يتمثل في الأداء الكوميدي للممثلين؛ إذ استطاع أبطال العمل استثمار التناقضات التي فرضها التحول على الشخصيات، وهو ما انعكس في مواقف كوميدية جاءت في معظمها طبيعية وغير مفتعلة».
ولفت إلى أن «هذا الأداء لعب دوراً مهماً في الحفاظ على حيوية العرض وإيقاعه؛ لأن الإيقاع العام ظل متماسكاًً وسريعاً في أغلب المشاهد، وهو ما ساعد على استمرار تفاعل الجمهور مع الأحداث، ومنع الشعور بالملل رغم امتداد الخط الدرامي وتعدد المواقف التي يتضمنها العمل»، على حد تعبيره.
وأشار إلى أن نجاح العرض يعود إلى الفكرة الأساسية وطريقة تعامل فريق العمل معها؛ فهو لم يكتف باستعادة تيمة معروفة، وإنما أعاد تقديمها في إطار مختلف يعتمد على خفة الظل وروح الشباب؛ الأمر الذي جعل العرض يحقق هدفه الترفيهي بقدر كبير من النجاح، ويخلق حالة من التفاعل المستمر داخل قاعة المسرح.
واستدرك صادق بأن العرض، «رغم ما حققه من نجاح على المستوى الكوميدي، وقع في بعض المبالغة في تطوير الأحداث والمواقف الفكاهية»، عادَّاً أن «هذا التوسع جاء أحياناً على حساب الخط الدرامي الرئيسي، فالعمل كان يحمل في جوهره رسالة فكرية تتجاوز فكرة التحول الجسدي؛ إذ سعى إلى مناقشة العلاقة المعقدة بين المجتمع والسلطة الذكورية، والتساؤل حول أيهما يصنع الآخر أو يمنحه شرعيته، إلا أن كثرة التفاصيل والتفرعات الدرامية أدت إلى تراجع هذه الأسئلة إلى الخلفية».
