«فاقوس» المصرية تتفوق بالثانوية العامة... وترسب في «الإقناع»

تقارب درجات الطلاب أثار شكوكاً حول وجود «حالات غش»

تداول نتائج طلاب مدرسة فاقوس الثانوية الرسمية للغات أحدث جدلاً في مصر (صفحة المدرسة على فيسبوك)
تداول نتائج طلاب مدرسة فاقوس الثانوية الرسمية للغات أحدث جدلاً في مصر (صفحة المدرسة على فيسبوك)
TT

«فاقوس» المصرية تتفوق بالثانوية العامة... وترسب في «الإقناع»

تداول نتائج طلاب مدرسة فاقوس الثانوية الرسمية للغات أحدث جدلاً في مصر (صفحة المدرسة على فيسبوك)
تداول نتائج طلاب مدرسة فاقوس الثانوية الرسمية للغات أحدث جدلاً في مصر (صفحة المدرسة على فيسبوك)

في عام 1973، حقق الطالب صديق عبد السلام، ابن مدينة فاقوس بمحافظة الشرقية، المركز الأول في اختبارات الثانوية العامة (الشعبة العلمية) في مصر، ليبدأ رحلة علمية وأكاديمية قادته إلى منصب نائب ريس جامعة الإسكندرية، كما أسس أول رابطة لأوائل الثانوية العامة.

واليوم، ينضم الطالب عبد الله محمود، ابن «فاقوس» أيضاً إلى الرابطة، بعد أن حقق المركز الأول على مستوى الجمهورية (علمي علوم) 2026، بحصوله على الدرجات النهائية كاملة.

بين التاريخين، لم تغب «فاقوس» (143 شمال شرقي القاهرة) عن صدارة مشهد الثانوية العامة، إلا أن بصمة التفوق هذا العام تحوّلت إلى مادة للتشكيك في صحتها، مع تداول قوائم لنتائج طلاب لجنة مدرسة «فاقوس الثانوية الرسمية للغات»، تُبين تقارب نسب نجاح طلابها بحصول أكثرهم على مجموع يزيد على 90 في المائة، وهو ما أحدث جدلاً حول حقيقة التفوق.

وعبّر أولياء أمور عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن عدم الاقتناع بالنتائج، ما دعا بعضهم لاستحضار المثل الشعبي «معندناش خيار وفقوس» (كتعبير عن عدم التمييز)، ليتحول إلى «بقى فيها خيار وفاقوس»، مشيرين من خلاله إلى شبهة وجود «لجان أكابر» بفاقوس، ووجود غش بالسماعات بين الطلاب، بحسب وصفهم.

ويعود مسمى «لجان أولاد الأكابر» إلى اللجان، التي خصصت فيما مضى لأبناء الشخصيات النافذة ببعض المحافظات، لتسهيل حصولهم على درجات كبيرة.

وردت وزارة التربية والتعليم المصرية على هذا الجدل، بتأكيد سلامة نتائج الطلاب، موضحة أنها أجرت مراجعة شاملة للنتائج وللسجل الدراسي للطلاب خلال السنوات السابقة، فتبيّن تحقيقهم نتائج متميزة خلال مرحلة التعليم الأساسي، واستمرار تفوقهم في الصفين الأول والثاني الثانوي، مبرزة أنه بمراجعة الإجراءات المتعلقة بسير الامتحانات داخل لجان المدرسة، بما في ذلك فحص محاضر الغش، لم يتم رصد أي حالات غش أو مخالفات.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم الوزارة، شادي زلطة، خلال تصريحات متلفزة، أن المدرسة تضم 231 طالباً، في حين أن الورقة التي جرى تداولها تضمنت نتائج 70 طالباً فقط، «ما تسبب في تكوين صورة غير مكتملة عن نتائج المدرسة».

محافظ الشرقية يتفقد إحدى لجان الثانوية العامة بالمحافظة (صفحة محافظ الشرقية على فيسبوك)

وحضرت هذه القضية كذلك على مائدة رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال المؤتمر الصحافي للحكومة، الأسبوع الماضي، ليؤكد مُجدداً تفوق طلاب فاقوس، وقال بهذا الخصوص: «يا ريت كل اللجان يكون فيها طلاب متفوقين مثلها».

ورغم هذا النفي فإن «فاقوس وطلابها» لم يتمكنوا من إقناع المشككين بتفوقهم، ما جعلهم في قلب جدل اجتماعي وإعلامي لم يتوقف، ومحوراً لطلبات إحاطة برلمانية تم تقديمها عن نزاهة الاختبارات، وعلى مائدة نقاشات حزبية حول تكافؤ الفرص.

وبحسب البرلماني نبيل العطار، عضو مجلس النواب عن دائرة فاقوس، فإن استمرار التشكيك في نتائج «لجان فاقوس» لا يرتبط بوقائع مثبتة، بل يتغذى على توجهات مختلفة، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك من يسير وراء الشائعات بدافع الإحباط، أو لأن أبناءهم لم يحققوا المجموع المطلوب»، مشدداً على أن هذه الأصوات لا تعكس حقيقة التفوق الذي اعتادت عليه المدينة.

وأكدت علا الشرقاوي، الأربعينية التي تنتمي لـ«فاقوس» وتقطن بالقاهرة، أن التفوق الدراسي بمسقط رأسها جزء من ثقافة اجتماعية راسخة، مشيرة إلى أن الأسر تتابع أبناءها بشكل جاد ومستمر لتحقيق أعلى الدرجات.

وقالت علا لـ«الشرق الأوسط» إن «الطلاب متفوقين وليسوا غشاشين كما يروج البعض»، وتساءلت بسخرية: «هل كانوا كلهم يضعون سماعات من الابتدائي؟».

الطالب عبد الله محمود أول الثانوية العامة (علمي علوم) يتلقى تكريماً من وزير التربية والتعليم المصري (وزارة التربية والتعليم المصرية)

وبنما ظهر مشهد تكريم وزير التربية والتعليم لأوائل الثانوية العامة بداية الأسبوع الحالي، امتدت انتقادات بعض أولياء الأمور للوزارة التي أكدت سلامة النتائج دون أن تقدم دليلاً على تفوقهم. بينما طالب حزب «المصريين الأحرار»، في بيان، بالتحقق الكامل من أي وقائع أثارت الجدل حول نتائج الثانوية العامة، مؤكداً أن الشفافية الكاملة هي الطريق لإغلاق باب الشائعات.

وفيما تداولت مواقع إخبارية وحسابات «سوشيالية» نتائج طلاب فاقوس خلال دراستهم بالشهادة الإعدادية، والتي أظهرت تفوقهم؛ أكد النائب نبيل العطار أن «الوزارة قامت بالفعل بما يلزم لتأكيد نزاهة النتائج؛ إذ أصدرت بياناً رسمياً، بينّت فيه أن مسيرة الطلاب الدراسية تعكس اجتهادهم الحقيقي». وقال بهذا الخصوص إن الوزارة «عرضت ما لديها من حقائق، فماذا يمكن أن تفعل أكثر من ذلك؟».

ومع توعد وزارة التعليم باتخاذ إجراءات قانونية ضد المشككين في نزاهة النتائج أو يسيئون للمتفوقين دون سند؛ يُشير أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، تامر شوقي، إلى أن سرعة الوزارة في الدفاع عن النتائج أسهمت في تغذية الشكوك لدى البعض. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «طبيعة النتائج غير المعتادة غذّت أيضاً حالة الشكوك، لكن ذلك لا يعني بالضرورة وجود غش أو تلاعب».

في المقابل، ظهرت مطالبات مواطنين بتعميم ما أسموه «التجربة الفاقوسية»، لافتين إلى أن ما تحقق فيها يستحق التعميم على مستوى مصر، وطالبوا كذلك بتكريم معلمي وإدارة المدرسة، على غرار تكريم المنتخب الوطني المصري لكرة القدم.

إدارة مدرسة فاقوس الرسمية للغات تكرم طلابها من أوائل الثانوية العامة (صفحة المدرسة على فيسبوك)

ويصف الخبير التربوي، حسن شحاتة، الانتقادات التي وجهت لطلاب فاقوس بأنها مجرد أقوال مُرسلة لا تستند إلى دليل، مؤكداً أن وزارة التعليم تعاملت هذا العام بحزم مع «لجان الأكابر»، حيث تم استبعاد أي مخالفات دون تردد أو خوف من أصحاب النفوذ. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن استمرار التشكيك لا يخدم سوى أصحاب المصالح الضيقة، أو من يسعون إلى إثارة البلبلة.

وبين التشكيك والمطالب بتعميم التجربة، ومع بدء الإجازة البرلمانية إلى حين افتتاح دور الانعقاد التالي؛ يستقر «المشهد الصاخب» على اعتبار أن ما حدث هو تفوق حقيقي، رغم عدم اقتناع «الجماهير» المُتابعة، فيما «يُغلق الستار» بـ«كلمة نهاية» أوردتها المدرسة على حساباتها، الثلاثاء: «تنبيه مهم: على جميع طلاب الصف الثالث الثانوي سرعة التوجه إلى المدرسة لتسلم استمارات النجاح... يرجى عدم التأخير».


مقالات ذات صلة

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

جانب من المؤتمر الصحافي لوزير الري وبجواره رئيس الهيئة العامة للاستعلامات في القاهرة مساء الأحد (الشرق الأوسط)

مصر توافق على بناء «سد جنوب السودان» وتحدد شروطاً للتفاوض مع إثيوبيا

كشفت مصر، الأحد، عن موافقتها على بناء سد في جنوب السودان، واعتبرت سد النهضة الإثيوبي «غير شرعي» في ضوء استمرار أديس أبابا في إجراءاتها الأحادية.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا مصر تنفذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط (هيئة ميناء دمياط)

طفرة بالموانئ المصرية تعزز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت

في إطار تعزيز التحول إلى مركز إقليمي للنقل والترانزيت حققت مصر طفرة في موانئها أخيراً فضلاً عن تنفيذ 8 ممرات لوجستية دولية تربط البحرين الأحمر والمتوسط

عصام فضل (القاهرة )
العالم العربي لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري ونظيرته اليمنية في القاهرة (الخارجية اليمينة)

«لا شبهة جنائية» في وفاة عسكري يمني بارز بأسوان

أعلنت السفارة اليمنية في القاهرة وفاة العميد محمد علي مهدي هادي في أحد فنادق مدينة أسوان (جنوب مصر)، واستبعدت «أي شبهة جنائية في الحادث».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا سودانيون بمصر في طريق العودة للسودان (لجنة الأمل للعودة الطوعية)

مصر: الضغوط الاقتصادية تجدد الجدل حول «أعباء الوافدين»

جدّدت الضغوط الاقتصادية التي تعيشها مصر حالة الجدل المرتبطة باستضافة ملايين الوافدين وتكلفة إقامتهم فيها

رحاب عليوة (القاهرة )
العالم العربي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (الرئاسة المصرية)

مصر وأميركا لمزيد من التنسيق لخفض التصعيد بالمنطقة

لقاء مصري أميركي على مستوى رئاسي استخباراتي عالي المستوى، احتضنته القاهرة وسط تصعيد بمنطقة الشرق الأوسط، وأزمات متواصلة بالسودان وقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.