التحوُّل من الدعم العيني إلى النقدي... لماذا يثير هواجس المصريين؟

مع توجُّه حكومي لإعادة الهيكلة

سلع تباع بأسعار مخفضة داخل سوق من تنظيم وزارة التموين في محافظة الشرقية (وزارة التموين المصرية)
سلع تباع بأسعار مخفضة داخل سوق من تنظيم وزارة التموين في محافظة الشرقية (وزارة التموين المصرية)
TT

التحوُّل من الدعم العيني إلى النقدي... لماذا يثير هواجس المصريين؟

سلع تباع بأسعار مخفضة داخل سوق من تنظيم وزارة التموين في محافظة الشرقية (وزارة التموين المصرية)
سلع تباع بأسعار مخفضة داخل سوق من تنظيم وزارة التموين في محافظة الشرقية (وزارة التموين المصرية)

لا تجد محاسن خميس أي غضاضة في استقبال الجيران أو الأقارب القادمين فجأة إلى منزلها البسيط بمحافظة الإسماعيلية بشرق مصر، ما دام لديها ما يكفي من شاي وسكر لتقديم واجب الضيافة، حتى ولو لم يتوفر عندها ما تعده لأهل بيتها من طعام الغداء.

تعتبر السيدة الستينية أن الشاي والسكر «يستران البيت»، أي لا يكشفان ما فيه من ضيق حال، وهي تحصل عليهما من حصتها التموينية هي وزوجها وابنتها، إضافة إلى ثلاث زجاجات من الزيت وكيس أو أكثر من المعكرونة والشعرية، و45 رغيف خبز كل ثلاثة أيام تفيض أحياناً عن حاجة الأسرة فتستبدل الفائض بعلبة جبن أو حلاوة تتناولها على الإفطار أو العشاء.

محاسن، التي لا تعمل وزوجها مريض يحصل على معاش «تكافل وكرامة»، واحدة من نحو 61 مليون مصري يحصلون على سلع تموينية بقيمة 50 جنيهاً شهرياً لكل فرد (أي دولار واحد تقريباً)، يُصرف بها زجاجة زيت وكيلوغرام من السكر بأسعار مدعمة، إذ يتجاوز سعر السلعتين في السوق 80 جنيهاً، بالإضافة لسلع أخرى مثل المعكرونة والشعرية وغيرهما لكن بأسعار قريبة للسوق؛ ويختار صاحب البطاقة بين السلع المدعمة والأخرى وفق احتياجاته.

وتضم المنظومة التموينية الخبز، فتُصرف خمسة أرغفة يومياً لكل شخص على هيئة نقاط، يمكن استبدالها وصرف سلع أخرى كالشاي والتونة والجبن، في حال عدم استهلاكها كلها.

مظلة حماية

ووفرت هذه المنظومة «مظلة حماية» للأسر المصرية منذ تطبيقها في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وفق الخبير الاقتصادي وائل النحاس، وأصبحت أشبه بـ«حق مكتسب» على حد وصفه.

وقال النحاس لـ«الشرق الأوسط» إن المنظومة «تحمي الأسر الأكثر احتياجاً من تقلبات أسعار السوق، فتضمن لها الحصول على السلع الأساسية، دون الاضطرار إلى شرائها».

غير أن هناك حالياً توجهاً حكومياً للتحول من الدعم العيني (السلع) إلى الدعم النقدي، وهو ما ينضوي على تحرير سعر السلع التموينية، أي أنها ستباع في منافذ التموين بنفس سعرها في السوق، مع زيادة قيمة الدعم.

وزير التموين المصري شريف فاروق خلال جولة ميدانية (وزارة التموين)

وأرجع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي سبب اللجوء إلى المنظومة المرتقب تطبيقها خلال العام المالي الحالي 2026-2027 إلى السعي لـ«ضمان وصول الدعم إلى المستفيدين الحقيقيين، بما يسهم في تعزيز الحماية الاجتماعية وتحقيق الاستخدام الأمثل لموارد الدولة»، وفق تصريحاته خلال مؤتمر صحافي في 24 يونيو (حزيران) الماضي.

وسجل معدل التضخم في مصر على أساس سنوي نحو 14.3 في المائة في يونيو الماضي، مقابل 14.6 في المائة في مايو (أيار).

مخاوف من «التعقيد»

وتتخوف الخمسينية سميرة إسماعيل (اسم مستعار)، المقيمة في إحدى قرى المنيا بجنوب مصر، من الانتقال للدعم النقدي، وتقول إنها لا تعرف ما إذا كان سيتيح لها شراء سلع أساسية تكفيها كل شهر، وتخشى الدخول في إجراءات معقدة لا تفهمها.

سميرة، التي لا تعرف القراءة والكتابة، تستيقظ مبكراً كل صباح لإعداد الفشار والكشري اللذين تبيعهما للأطفال على مدار اليوم. وهي تحصل على تموين شخصين، حصتها وحصة نجلها الوحيد الباقي معها بعدما رحل زوجها وتزوج أولادها الستة واستقلوا ببطاقات تموينية خاصة بهم.

وتشكو سميرة من عدم كفاية الحصة التموينية، خصوصاً مع استخدام بعض السلع، مثل الزيت، في مشروعها الصغير.

السلع المدعمة توفر حماية للأسر المصرية من تقلبات الأسعار (وزارة التموين المصرية)

أما وفاء أحمد، التي تحصل على سلع تموينية لأربعة أفراد، هي وبناتها الثلاث، فتؤكد أن السلع تساعدها على تمضية الشهر وتقليل عجز ميزانيتها.

تمتلك وفاء مكتبة لبيع المستلزمات الدراسية في منطقة الجمالية بوسط القاهرة، وتصرف من ربحها على بناتها، مع معاش زوجها المتوفى. وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن الدعم النقدي قد يكون أفضل لها لو منحها حرية شراء ما تشاء من سلع وفق احتياجاتها، لكن بشرط أن يرتفع بنسب تواكب زيادات الأسعار.

إشكاليات التطبيق

وكانت الحكومة قد أعلنت حذف نحو 850 ألف مواطن من حاملي البطاقات التموينية من «غير المستحقين»، وفق عملية تنقيحية تستهدف إعادة هيكلة الدعم تستبعد من يسكن في «كومباوند» أو يمتلك سيارة حديثة أو من لديه أبناء في مدارس خاصة.

ويشير الخبير الاقتصادي النحاس إلى أن فكرة التحول من الدعم العيني للنقدي مرَّت بنقاشات وأفكار عديدة، لافتاً إلى أن الأمر «لا يخلو من إشكالية، خصوصاً مع إجبار المستهلك على شراء السلع من المنافذ التموينية الحكومية، ما يجعل الحكومة هنا منافساً للتجار، وتحقق هامش ربح من منظومة الدعم، وتحرم المواطنين من عروض على الشراء بأسعار أقل خارج منافذها».

ورجح ألا يكون الانتقال سهلاً.


مقالات ذات صلة

«النواب» المصري لإلغاء «تمييز» العسكريين في قانون جامعة «كيان»

شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري يوضح بمجلس النواب أسباب اعتراض الرئيس على قانون جامعة «كيان» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

«النواب» المصري لإلغاء «تمييز» العسكريين في قانون جامعة «كيان»

تعد «كيان» أول جامعة تعمل بالصفة المدنية تحت مظلة القوات المسلحة المصرية، وبدأ القبول فيها خلال العام الدراسي الحالي.

أحمد عدلي (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء مع نتنياهو على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة 2017 (الرئاسة المصرية)

تراشق سموتريتش و«مؤثرين» مصريين يُشعل الاحتفال بـ«ذكرى أكتوبر»

تصدر التراشق بين وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش ومصريين المشهد على مواقع التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع احتفالات القاهرة بذكرى انتصار أكتوبر (تشرين الأول).

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا نقابة الصحافيين المصريين تطالب بالإفراج عن 6 صحافيين تابعين لمنصة «متصدقش» جرى توقيفهم بتهمة التبعية لـ«الإخوان» (النقابة)

مصر: جدل حول سير التحقيقات مع صحافيي «متصدقش»

جدل متصاعد في مصر خلَّفه توقيف 6 صحافيِّين، تابعين لمنصة «متصدقش» الإلكترونية، والتي تتهمها السلطات المصرية بالانتماء لجماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال استقباله نظيره الكوري في القاهرة شهر نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

جولة السيسي الآسيوية... دفعة للتعاون الاستراتيجي

بدأ الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، جولة آسيوية، تشمل كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، لتعزيز التعاون الاستراتيجي مع الدول الآسيوية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي (الشرق الأوسط)

فيصل بن فرحان يبحث مع عبد العاطي والصفدي التطورات الإقليمية

بحث الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي مع نظيريه المصري الدكتور بدر عبد العاطي، والأردني أيمن الصفدي، الثلاثاء، مستجدات الأوضاع الإقليمية الراهنة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ليبيا: انتقادات لقرار رفع رواتب الموظفين في ظل تصاعد الغلاء

الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)
TT

ليبيا: انتقادات لقرار رفع رواتب الموظفين في ظل تصاعد الغلاء

الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال اجتماع مع قيادات نقابة المعلمين الليبية في طرابلس الثلاثاء (حكومة الوحدة)

لم يضع قرار حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا، القاضي برفع أجور موظفي الدولة، حداً للاحتجاجات والانتقادات لتردي الأوضاع المعيشية، حيث واصلت قطاعات حكومية عدة التمسك بمطالبها، فيما قرر معلمون الاستمرار في الإضراب، معتبرين أن الزيادة المعلنة «لا تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، ولا تعالج تراجع قدرتهم الشرائية».

وفي خطوة جاءت في خضم الاحتجاجات، أعلنت حكومة «الوحدة»، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الثلاثاء، اعتماد جدول موحد للرواتب لجميع الموظفين في القطاعات والوحدات الإدارية العامة، الممولة من الخزانة العامة، بزيادة قدرها 10 في المائة مقارنة بالجدول السابق، وقالت إن القرار يأتي في إطار «تحقيق العدالة الاجتماعية»، وتحسين أوضاع العاملين في الدولة.

جانب من إضراب المعلمين في طرابلس الأحد الماضي (نقابة معلمي طرابلس المركز)

وبحسب الأرقام المعلنة، يبدأ الراتب الأساسي للدرجة الأولى من 825 ديناراً ليبياً، بينما يصل إلى 4219 ديناراً للدرجة السادسة عشرة. (سعر الدولار يبلغ نحو 6.42 دينار في السوق الرسمية و9.68 دينار في السوق الموازية).

لكن مستويات الأجور الجديدة أثارت انتقادات من اقتصاديين عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام محلية، خصوصاً في ظل ارتفاع أسعار السلع وتراجع القدرة الشرائية للدينار. وفي هذا السياق، قال أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، علي الشريف، إن «الأرقام المتداولة لا تتناسب مع تكاليف المعيشة الحالية»، داعياً إلى مراجعة شاملة لسلم الأجور وربطه بمستويات الأسعار.

أقسام فارغة في بنغازي بسبب إضراب المعلمين (رويترز)

من جهته، اعتبر الباحث الاقتصادي عبد الحميد الفضيل أن متوسط الأجور لا يزال وفق الأرقام المتداولة دون مستوى «الفقر المطلق»، بينما حذر عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً، مراجع غيث، من أن زيادة الأجور من دون معالجة تراجع القوة الشرائية للدينار قد تقود إلى ارتفاع الأسعار، بما يعيد الموظفين إلى المطالبة بزيادات جديدة.

ولم تؤد الزيادة الحكومية المعلن عنها إلى إنهاء إضراب قطاعات من الموظفين، وفي مقدمتها قطاع التعليم، الذي أدى تعليق العمل فيه إلى توقف الدراسة في عدد من المناطق.

ورغم استئناف الدراسة في مصراتة (غرب)، الأربعاء، في المؤسسات التعليمية التابعة للبلدية، وإعلان استئنافها في المدارس العامة والخاصة بمدينة البيضاء (شرق) اعتباراً من الأحد المقبل، فقد تمسك «حراك المعلمين في ليبيا» بمواصلة الإضراب والاعتصام داخل المؤسسات التعليمية إلى حين تنفيذ مطالبه.

ورفض الحراك مخرجات اجتماع ممثليه مع الدبيبة، مؤكداً رفض أي اتفاق لا يتضمن معالجة شاملة وملزمة لمطالب المعلمين، مع المطالبة بقرارات تنفيذية واضحة، وجدول زمني محدد لتنفيذها.

جانب من إضراب المعلمين في طرابلس أواخر الشهر الماضي (أ.ف.ب)

وأعلن رئيس الحراك أشرف الهادي استمرار موقف المعلمين، بعد اتفاق ممثلين عن مناطق الشرق والوسط والجنوب والغرب على مواصلة الإضراب، وتنظيم وقفات احتجاجية. كما أعلن «حراك معلمي الزاوية» رفضه مخرجات الاجتماع الذي جمع النقابة العامة للمعلمين والحكومة.

في السياق ذاته، أعلنت النقابة العامة للتفتيش والتوجيه التربوي استمرار تعليق العمل الميداني إلى حين تلبية مطالب العاملين في القطاع.

وكان الدبيبة قد أعلن، الثلاثاء، استئناف العملية التعليمية اعتباراً من الأربعاء، عقب اجتماعه مع النقابة العامة لمعلمي ليبيا، مؤكداً أولوية حق الطلاب في التعليم وضرورة انتظام الدراسة. وقال خلال الاجتماع إن حكومته بدأت «المباشرة في تحقيق العدالة في المرتبات، وفق رؤيتنا لتحقيق العدالة الاجتماعية».

وفي وقت لاحق، الأربعاء، أعلنت النقابة العامة للمعلمين إحالة المخصصات المالية الخاصة بعلاوة الحصة للمعلمين وعلاوة مديري المدارس، ونوابهم من وزارة التربية والتعليم إلى وزارة المالية، لاستكمال الإجراءات المالية تمهيداً لصرفها.

ولا تقتصر الاعتراضات على قطاع التعليم؛ إذ امتدت إلى قطاعات أخرى، بينها الصحة، حيث وجه «اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا» رسالة إلى الحكومة، اعتبر فيها أن اعتماد جدول جديد للمرتبات لا يعني بالضرورة تحسن مستوى معيشة الموظفين.

وذهب «الاتحاد» إلى القول إن الموظف لا ينظر إلى قيمة الراتب «على الورق»، وإنما إلى قدرته على تلبية احتياجاته، في ظل ارتفاع تكاليف الإيجارات والنقل والغذاء والالتزامات الأسرية، منتقداً طرح زيادة المرتبات بمعزل عن معالجة الأسعار وسعر صرف الدينار.

واعتبر أن «الزيادة التي لا تحسن حياة الموظف لا تعتبر حلاً»، مطالباً بتحسين القوة الشرائية، وإصلاح الاقتصاد وخفض الأسعار، بدلاً من الاكتفاء بتغيير الأرقام الواردة في جداول الأجور.

يشار إلى أن الموظفين الحكوميين في ليبيا باتوا يمثلون أكثر من 85 في المائة من إجمالي القوى العاملة في البلاد، بحسب تقديرات ديوان المحاسبة (أكبر جهاز رقابي ليبي)، وهم يفوقون بمراحل المعدل العالمي البالغ 11 في المائة فقط، بحسب الديوان.

واستحوذت رواتب موظفي القطاع الحكومي على نحو 53.6 في المائة من إجمالي الإنفاق العام في ليبيا خلال 2025، إذ بلغت نحو 73.3 مليار دينار، من إجمالي إنفاق قدره 136.8 مليار دينار، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي.


رئاسة عبد النبي للبرلمان الليبي تعمّق خلافات النواب

رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
TT

رئاسة عبد النبي للبرلمان الليبي تعمّق خلافات النواب

رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

عمّق انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب الليبي، خلفاً لعقيلة صالح، خلافات داخل المؤسسة التشريعية، بعدما رفض عدد من النواب نتائج جلسة بنغازي، وأعلنوا التوجه لعقد جلسة في طرابلس الأسبوع المقبل لبحث إعادة انتخاب هيئة الرئاسة، في خطوة تثير تساؤلات حول ما إذا كان الخلاف سيبقى داخل المجلس أم سيتطور إلى مسار انقسامي.

وانتُخب عبد النبي خلال جلسة عُقدت في بنغازي، الثلاثاء، بحضور 111 نائباً، كما انتخب المجلس طارق الأشتر نائباً أول للرئيس، ومصباح دومة نائباً ثانياً، وزايد هدية مقرراً، ومحمد تامر نائباً للمقرر، إلى جانب ثلاثة مراقبين للمجلس.

رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

وجاء انتخاب هيئة الرئاسة الجديدة بعد تصويت 98 نائباً من أصل 102 حضروا جلسة سابقة يوم الاثنين على تعديل اللائحة الداخلية للمجلس، في خطوة مهّدت لإعادة تشكيل هيئة الرئاسة، وإنهاء الترتيب السابق الذي ظل قائماً منذ انتخاب أول هيئة للمجلس في عام 2014، ولم تخلُ من جدل برلماني.

وبحسب مراقبين، قاد فريق من النواب تحركاً رافضاً لانتخاب هيئة الرئاسة الجديدة، برز من بينه عضو مجلس النواب عن الزاوية علي بوزريبة، الذي وصف جلسة بنغازي، وما نتج عنها من قرارات، بأنها «غير شرعية»، معلناً عن جلسة في طرابلس الأسبوع المقبل لبحث إعادة انتخاب هيئة الرئاسة، مع توقع مشاركة أكثر من 60 نائباً، وفق تصريحات لقناة محلية.

من جهته، انتقد النائب عبد النبي عبد المولى ما اعتبره تدخلاً في خيارات النواب من جانب أطراف في السلطة في شرق البلاد. وقال، في تصريحات صحافية، إن إصلاح المجلس يجب أن يتم من داخله، رافضاً أي ضغوط خارجية، ومشدداً على ضرورة خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة التشريعية.

من عملية فرز أصوات النواب الليبيين خلال جلسة انتخاب رئيس جديد للمجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي للمجلس)

ويمثل هذا التحرك أول اختبار للرئاسة الجديدة، ليس فقط لجهة قدرتها على تثبيت نتائج جلسة بنغازي، وإنما أيضاً في التعامل مع كتلة نيابية، ترى أن تغيير هيئة الرئاسة جرى وفق إجراءات غير قانونية.

ورغم الهوة بين كتلتين في مجلس النواب، فإن تقديرات سياسيين ومحللين تستبعد أن يتجه المشهد البرلماني للانقسام بين طرابلس وبنغازي، علماً بأن ليبيا تعيش تنازعاً على السلطة بين طرفين في المدينتين الرئيسيتين في غرب البلاد وشرقها منذ أكثر من 12 عاماً.

وجهة النظر السابقة تبناها المحلل السياسي الليبي عمر أبو سعيدة، الذي أدرج مواقف النواب الرافضين في إطار «الضغط والمناورة» لتحسين شروط التفاوض بشأن توزيع المناصب واللجان وآليات إدارة المجلس، أكثر من كونها خطوة أولى لتقسيم المؤسسة التشريعية.

وبحسب أبو سعيدة، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن الدعوة إلى عقد جلسة في طرابلس يمكن أن تستخدم لإظهار قدرة بعض الكتل على تحريك المشهد السياسي في غرب ليبيا، والضغط على الرئاسة الجديدة، عبر مسألة النصاب ومكان انعقاد الجلسات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة السعي إلى إنشاء جسم برلماني موازٍ.

الرؤية نفسها التي تستبعد حدوث انقسام برلماني أيدها أيضاً المستشار السابق للمجلس الأعلى للدولة السنوسي إسماعيل، الذي نسب إلى مصدر لم يسمه القول بأن عقيلة صالح هنأ الصالحين عبد النبي بتولي رئاسة المجلس، ورفض أي انقسام داخله، وأوضح أنه يعتزم الاستمرار عضواً في المجلس والعمل مع زملائه وهيئة الرئاسة الجديدة بصورة اعتيادية.

وبحسب ما نسبه السنوسي إسماعيل إلى المصدر، فإن صالح يرفض أيضاً عقد اجتماع في طرابلس لمناقشة ما جرى، كما يرفض أي وساطة دولية للتدخل في الخلاف، المتعلق بإبعاده من رئاسة المجلس.

ووسط هذه التطورات التي بدا أنها كانت متوقعة، حاول الرئيس الجديد لمجلس النواب توجيه رسالة احتواء مبكرة إلى أعضاء المجلس، مؤكداً أنه سيكون «رئيساً لكل أعضاء مجلس النواب»، وأنه حريص على أن تكون المؤسسة التشريعية «جامعة»، وأن تعبّر عن تطلعات الليبيين بمختلف مكوناتهم.

لكن اختيار طرابلس لعقد الجلسة يضيف بُعداً آخر إلى الخلاف، في ظل الترتيبات السياسية الأوسع التي تشهدها ليبيا. وهنا يرى الباحث السياسي حسام فنيش أن اللقاءات التي أجراها أعضاء من مجلس النواب مع ممثلين عن حكومة عبد الحميد الدبيبة حول عقد جلسة في طرابلس لا ينبغي تفسيرها تلقائياً باعتبارها مشروعاً لتقسيم المجلس.

عقيلة صالح (النواب)

ويربط فنيش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، هذا التحرك بالسياق السياسي لاتفاق «4+4»، الذي وقعته أطراف الصراع في نهاية أغسطس (آب) الماضي، ويتضمن ترتيبات بشأن عقد جلسات مجلس النواب والسلطة التنفيذية بصورة دورية بين طرابلس وبنغازي وسبها.

ومن هذه الزاوية، قد يكون عقد جلسة في طرابلس جزءاً من تهيئة سياسية ومؤسسية لمسار أوسع، يتعلق بتوزيع نشاط مؤسسات الدولة بين المدن الليبية، وفق فنيش، ومن دون أن يمثل بالضرورة تطبيقاً مباشراً للاتفاق أو إعلاناً عن انقسام المجلس.

وتبقى المسألة الأهم هي ما إذا كانت جلسة طرابلس، في حال انعقادها، ستظل تحركاً سياسياً داخل المؤسسة التشريعية، أم تتحول إلى مسار مؤسسي مستقل عن رئاسة المجلس المنتخبة في بنغازي.

وهنا يرى أبو سعيدة أن حسم هذه المسألة يرتبط بمدى الالتزام بالقواعد الإجرائية للمجلس، مستخلصاً أن أي جلسة أو قرارات جديدة تحتاج إلى توافر الشروط القانونية للنصاب والانعقاد حتى تكتسب أثراً مؤسسياً.


«الجيش الوطني» لاحتواء خلافات قبلية محدودة بالجنوب الليبي

من اجتماع لجنة المصالحة في الجنوب الليبي الثلاثاء (المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان)
من اجتماع لجنة المصالحة في الجنوب الليبي الثلاثاء (المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان)
TT

«الجيش الوطني» لاحتواء خلافات قبلية محدودة بالجنوب الليبي

من اجتماع لجنة المصالحة في الجنوب الليبي الثلاثاء (المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان)
من اجتماع لجنة المصالحة في الجنوب الليبي الثلاثاء (المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان)

أقر «الجيش الوطني الليبي» تشكيل لجنة للمصالحة في جنوب البلاد، بهدف احتواء الخلافات الفردية والمحدودة، التي تنشأ بين أبناء قبائل إقليم فزان، في خطوة تستهدف الحد من تداعيات النزاعات المحلية، لكنها تواجه تحدياً أكبر يتمثل في التعامل مع خلافات قبلية قديمة امتدت لسنوات، وتداخلت فيها عوامل اجتماعية وسياسية وأمنية.

وعقدت اللجنة أول اجتماعاتها الثلاثاء، بعد ترشيح أعضائها وتزكيتهم من «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان»، وبحثت آليات البدء في عملها وفتح ملف المصالحة في المنطقة الجنوبية، التي شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات مسلحة بين مجموعات وقبائل على خلفيات متعددة.

القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

وقال إبراهيم أبو بكر نصر، رئيس «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» وأحد أعضاء اللجنة، لـ«الشرق الأوسط»، إن مهمة اللجنة التي نالت موافقة من القيادة العامة للجيش تتركز في «احتواء الخلافات المحدودة»، موضحاً أنها قد تتدخل، على سبيل المثال، في قضية قتل تقع بين أبناء قبيلتين، بهدف الإسراع في حلها، واحتواء تداعياتها قبل أن تتسع دائرة الخلاف.

لكنه رأى أن الانتقال من معالجة القضايا الفردية إلى تحقيق مصالحة شاملة بين قبائل الجنوب «أمر معقد»، وذلك بسبب تراكم ملفات قديمة لم تجد طريقها إلى التسوية النهائية، فضلاً عن ارتباط بعضها بالتجاذبات السياسية، التي شهدتها البلاد منذ عام 2011.

وأوضح نصر أن اللجنة يمكن أن تؤدي دوراً في «احتواء القضايا الصغيرة والمحدودة»، لكنه شدّد على أن الملفات ذات الطابع القبلي والسياسي الأوسع تحتاج إلى معالجة مختلفة، وقال إن الوصول إلى مصالحة شاملة «يحتاج إلى حكومة موحدة وتشريعات للمصالحة وجبر الضرر»، إلى جانب تفعيل آليات التعويض للمتضررين.

ويشهد جنوب ليبيا منذ أكثر من عقد خلافات قبلية، وصلت في بعض مراحلها إلى الاقتتال، ومن أبرزها مواجهات بين قبيلتي التبو وأولاد سليمان، إلى جانب نزاعات بين أولاد سليمان والقذاذفة، وأخرى بين القذاذفة والمقارحة. وخلفت تلك المواجهات قتلى وجرحى وأضراراً مادية، فيما بقيت بعض القضايا المرتبطة بها دون تسوية نهائية.

ويربط نصر بين استمرار هذه الخلافات وبين الانقسام السياسي، الذي رافق المرحلة الانتقالية في ليبيا، قائلاً إن أطرافاً سياسية مختلفة «دعمت أطرافاً من النزاعات» منذ عام 2011، الأمر الذي أسهم، وفق تقديره، في إطالة أمد بعض الخلافات، في ظل بيئة سياسية وأمنية هشة.

ويقول القيادي القبلي لـ«الشرق الأوسط» إن استمرار الانقسام لم يجعل النزاعات القبلية منفصلة عن المشهد السياسي، بل أضاف إليها أبعاداً جديدة، موضحاً أن بعض الخلافات التي بدأت، بوصفها قضايا محلية، تحولت مع مرور الوقت إلى ملفات تتقاطع فيها الاعتبارات القبلية مع مواقف الأطراف السياسية وموازين القوى الأمنية.

وأضاف القيادي ذاته موضحاً أن المصالحة في الجنوب لا يمكن أن تقتصر على التدخل العرفي لإنهاء الخلافات الطارئة، لأن الملف «يحتاج إلى حكومة موحدة وتشريعات للمصالحة وجبر الضرر»، عادّاً أن إصدار مثل هذه التشريعات «يرتبط بوجود مجلس نواب منتخب» يتولى وضع الإطار القانوني لمعالجة آثار النزاعات السابقة. ومشيراً إلى أهمية تفعيل جبر الضرر والتعويضات، بوصفهما جزءاً من أي تسوية أوسع للخلافات القبلية، خصوصاً في المناطق التي شهدت مواجهات مسلحة، وخسائر بشرية ومادية خلال السنوات الماضية. كما أوضح أن معالجة آثار النزاع لا تتوقف عند وقف القتال أو عقد اتفاقات اجتماعية، وإنما تشمل أيضاً حقوق المتضررين، وما ترتب على الصراعات من خسائر.

ويعكس هذا الطرح حدود الدور، الذي يمكن أن تضطلع به لجنة ذات طبيعة اجتماعية وقبلية، مقارنة بالملفات التي تتطلب قرارات سياسية وتشريعات رسمية، ذلك أن التدخل السريع من جانب المشايخ والأعيان قد يساعد في منع تطور حادث فردي إلى مواجهة أوسع، لكنه لا يوفر بالضرورة إطاراً نهائياً لتسوية نزاع ارتبط بسنوات من الخصومة، أو خلف ضحايا ونازحين وخسائر مادية.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في فزان، بالنظر إلى اتساع رقعتها الجغرافية، وتداخل تركيبتها الاجتماعية والقبلية، فضلاً عن موقعها الحدودي مع دول عدة، وما يرتبط بذلك من تحديات أمنية واقتصادية. وتفرض هذه المعطيات على أي مسار للمصالحة التعامل مع قضايا محلية مختلفة في طبيعتها، بدلاً من افتراض وجود صيغة واحدة، يمكن تطبيقها على جميع النزاعات.

وتأتي الخطوة في وقت لا تزال فيه مدن ومناطق في الجنوب تشهد من حين إلى آخر توترات ذات طابع قبلي، بما يعكس صعوبة الفصل بين النزاعات المحلية القديمة، والتفاعلات السياسية والأمنية، التي رافقت انقسام مؤسسات الدولة الليبية.

وكانت مدينة الكفرة قد شهدت أخيراً توترات قبلية بين التبو وقبيلة الزوية، في واقعة أعادت إلى الواجهة هشاشة الوضع الاجتماعي والأمني في مناطق الجنوب، وأظهرت استمرار قابلية بعض الخلافات المحلية للتحول إلى توترات أوسع، إذا غابت قنوات التسوية المبكرة.