يستضيف «مسرح المدينة» في بيروت، ولليلة واحدة في 20 يوليو (تموز) الحالي، مسرحية «قطر الندى» للكاتبة والمخرجة والممثلة الفلسطينية رائدة طه، التي تؤدي العمل منفردة، متنقلة بين شخصيات عدة تستلهمها من ذاكرتها وتجربتها الفلسطينية. وتستند المسرحية، التي سبق تقديمها في الأردن، إلى لوحات اجتماعية تستعيد تفاصيل الحياة الفلسطينية وتروي حكايات تنبض بالذاكرة والهوية. وتقول رائدة لـ«الشرق الأوسط»: «أحاول من خلالها أن أروي حكاية الشعب الفلسطيني، وأن أستعيد ذاكرة الحياة الطبيعية في القدس خصوصاً، وفي فلسطين عموماً».

وعن سبب اختيار عنوان «قطر الندى»، توضح: «استوحينا الاسم من الأغنية الشعبية التي تُردَّد في حفلات الزفاف: (الحنة يا قطر الندى). وكان اقتراحه من مسؤول الدراماتورجيا عوض عوض، الذي سبق أن تعاونت معه في أعمال عدة». وتضيف: «حرصت على أن يكون الإخراج بسيطاً، لأن قوة العمل تكمن في جمالية النص، في حين ترافق العرض عازفة الكمان رزان الكمان، لتضفي الموسيقى بعداً حسياً يواكب أحداث المسرحية».
وتتنقل رائدة خلال العرض بين شخصيات عدة، في عمل يقترب من المونودراما، فتستحضر والدتها ووالدها وعمتها، إلى جانب شخصيات أخرى شكّلت جزءاً من ذاكرتها وحياتها. وتقول: «سيشاهد الجمهور شخصيات أجسدها بنفسي، وكلها تنتمي إلى عالم فلسطين. أروي حكايات مضحكة وأخرى مؤلمة، وثالثة تحمل رسائل إنسانية، لكنها جميعاً مستوحاة من سير حقيقية. لا يهمني أن أظهر بطلة أو ممثلة عظيمة، بقدر ما أسعى إلى تجسيد لحظات ومواقف نعيشها نحن -الفلسطينيين - والعرب». وتضيف: «سيشعر كل من يحضر العرض بأنه جزء من هذه الحكايات، لأنها تنطلق من الإنسان قبل أي شيء آخر، وتمس تجارب نعرفها ونتشاركها».

وتصف رائدة المسرحية بأنها محاولة لاستعادة الذاكرة، حتى لا تفقد الأجيال المقبلة صلتها بجذورها وهويتها. وتقول: «يرافق الجمهور في العرض قصص حب وحرب سمعتها من عمتي سهيلة، ووالدتي فتحية، ووالدي علي. وهي حكايات تنقل واقع الفلسطينيين، من الاحتلال إلى المصائر المجهولة التي دفعت كثيرين إلى الرحيل».
وتشير إلى أن إحدى الحكايات تدور حول عروس تستعد لليلة زفافها، قبل أن يقلب اقتحام الاحتلال المشهد رأساً على عقب، فتتحول لحظات الفرح إلى العنف والأسر. وتقول: «إننا شعب يحاول أن ينتزع لحظات فرحه رغم كل شيء، لكن الألم كان يقتحم تلك اللحظات ويبدل ملامحها».
وتؤكد رائدة أنها تحرص دائماً على استلهام أعمالها من قصص حقيقية، مضيفة: «لدينا دائماً الكثير لنرويه. قد يمتلك الغرب إمكانات وصناعات تتفوق على ما لدينا، لكنه لا يملك قصصنا ولا التجارب التي مررنا بها. لذلك أحرص في أعمالي على أن نبقى ملتصقين بجذورنا وواقعنا، من دون أن ننسلخ عن هويتنا». وتضيف: «ليست لدي أي مشكلة مع الأعمال الترفيهية أو الكوميدية، فهي جزء أساسي من الفن، لكن في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها، أشعر بأن من واجبنا أيضاً أن نلتفت إلى تاريخنا وقضايانا. فنحن أبناء حضارة عريقة، ونتمسك بالأمل لأننا شعب يحب الحياة».

وإلى جانب الأداء التمثيلي، تخوض رائدة للمرة الأولى تجربة الغناء على خشبة المسرح، فتؤدي الأغنية الشعبية الخاصة بحفلات الزفاف «الحنة»، إلى جانب قصيدة «منتصب القامة أمشي» وأغنية «غلطان بالنمرة» للفنانة الراحلة صباح. وتقول: «كانت والدتي تردد هذه الأغنية باستمرار، وكنت أحب سماعها بصوتها العذب. لا أصنف نفسي مطربة، لكنني رأيت أن تضيف هذه الوصلات الغنائية بعداً فنياً ومساحة وجدانية إلى المسرحية».
وعن اختيارها بيروت لتكون المحطة الأولى لعرض «قطر الندى»، تقول: «عشت طفولتي ومراحل مهمة من حياتي في هذه المدينة التي تعني لي الكثير، ومنها كانت انطلاقتي الفنية الأولى، لذلك كان من الطبيعي أن أبدأ جولتي منها». ومن المقرر أن يُعرض العمل لاحقاً على خشبة مسرح إشبيلية في صيدا، على أن تشمل الجولة مناطق أخرى.
أما عن الأثر الذي تتمنى أن تتركه المسرحية، فتقول إن الهوية تشكل محوراً أساسياً في أعمالها، لكنها تشدد على أن التمسك بها لا يعني التعصب. وتضيف: «التاريخ والجغرافيا والعادات والأرض والجذور، كما الأفراح والأتراح، كلها تشكل هويتنا. أتمنى أن يغادر كل مشاهد العرض وهو أكثر اعتزازاً بهويته، وأن ينتقل هذا الشعور إلى الآخرين كما لو أنه عدوى جميلة».


