كيف نجحت «مصدات» السعودية في حماية اقتصادها من نيران الحرب؟

بعد تثبيت «فيتش» تصنيف المملكة الائتماني عند «إيه +»

أعلام سعودية ترفرف على أحد شوارع العاصمة السعودية (الشرق الأوسط)
أعلام سعودية ترفرف على أحد شوارع العاصمة السعودية (الشرق الأوسط)
TT

كيف نجحت «مصدات» السعودية في حماية اقتصادها من نيران الحرب؟

أعلام سعودية ترفرف على أحد شوارع العاصمة السعودية (الشرق الأوسط)
أعلام سعودية ترفرف على أحد شوارع العاصمة السعودية (الشرق الأوسط)

في الوقت الذي دفعت فيه الحرب بين الولايات المتحدة وإيران المنطقة إلى واحدة من أكثر موجات التوتر حدة منذ سنوات، وأعادت إغلاق مضيق هرمز ورفعت أسعار النفط والشحن والتأمين، جاء تثبيت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني للمملكة عند «إيه +» مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، ليطرح سؤالاً أساسياً: كيف تمكن الاقتصاد السعودي من الحفاظ على متانته المالية في قلب الأزمة؟

الإجابة لا ترتبط بارتفاع أسعار النفط وحده؛ بل بمنظومة متكاملة من الإصلاحات التي تراكمت على مدى سنوات، شملت بناء مصدات مالية ولوجستية، وتنويع مصادر التمويل، وتطوير البنية التحتية للطاقة، وتعزيز دور القطاع الخاص، بما جعل الاقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.

وبينما يترقب مجتمع المال والأعمال الدولي صدور التقرير الشامل والمفصل للمجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن مشاورات المادة الرابعة لعام 2026 مع المملكة هذا الشهر، تكشف بيانات بعثة الصندوق، وأرقام البنك المركزي السعودي، وميزان المدفوعات، عن الكيفية التي اجتاز بها الاقتصاد السعودي واحداً من أصعب الاختبارات الجيوسياسية في السنوات الأخيرة.

صورة جوية للعاصمة السعودية (رويترز)

الشرايين البديلة

حين أعلنت طهران إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية، اعتقد كثيرون أن الصادرات النفطية الخليجية ستواجه شللاً واسعاً. إلا أن السعودية كانت قد استعدت لهذا السيناريو منذ عقود، عبر بناء منظومة متكاملة لتأمين صادراتها بعيداً عن المضيق.

وشملت هذه الاستراتيجية تطوير خط أنابيب «شرق-غرب» الذي ينقل النفط إلى موانئ ينبع على البحر الأحمر، وتوسيع طاقته الاستيعابية، إلى جانب إنشاء مراكز تخزين استراتيجية في أسواق رئيسية حول العالم، والحفاظ على أكبر طاقة إنتاجية فائضة عالمياً.

وعندما اندلعت الأزمة، أتاحت هذه المنظومة لـ«أرامكو السعودية» مواصلة الوفاء بالتزاماتها التصديرية؛ إذ دعمت الإمدادات عبر خط الأنابيب، واستفادت من المخزونات الخارجية، ومن قدرتها على تشغيل جزء من طاقتها الإنتاجية الفائضة، ما حدّ من تراجع الشحنات، وخفف أثر إغلاق المضيق على تدفقات النفط السعودية.

لماذا بقي التضخم منخفضاً؟

رغم أن الحرب دفعت أسعار النفط والشحن والتأمين البحري إلى الارتفاع عالمياً، فإن انتقال هذه الصدمة إلى الاقتصاد المحلي بقي محدوداً مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى.

ويعود ذلك إلى كفاءة سلاسل الإمداد، واستقرار سعر صرف الريال المرتبط بالدولار، وارتفاع المخزونات الاستراتيجية من السلع الأساسية، إلى جانب السياسات المالية والنقدية التي حافظت على استقرار الأسواق.

ولهذا، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط التضخم خلال عام 2026، نحو 2.3 في المائة فقط، وهو مستوى يظل منخفضاً مقارنة بمعظم الاقتصادات المتقدمة والناشئة.

فائض الحساب الجاري

قد يبدو للوهلة الأولى أن الحرب كان يفترض أن تضر بالحسابات الخارجية للمملكة، إلا أن بيانات الربع الأول أظهرت العكس. فقد سجل الحساب الجاري فائضاً بلغ 4.1 مليار دولار، وهو أول فائض يُسجل بعد نحو عامين من العجز، مقارنة بعجز قدره 8.2 مليار دولار في الربع الأخير من عام 2025.

وجاء هذا التحول نتيجة معادلة مزدوجة؛ فبينما تراجعت كميات النفط المصدرة بسبب الاضطرابات، عوضت الأسعار المرتفعة جانباً كبيراً من هذا الانخفاض، في الوقت الذي تباطأت فيه الواردات نتيجة اضطرابات الشحن، وتحسن ميزان السفر مع ارتفاع إنفاق الزوار داخل المملكة.

أدوات عززت الاستقرار

لم يكن فائض الحساب الجاري وحده ما عزز متانة الاقتصاد؛ بل دعمه أيضاً عدد من الأدوات المالية التي دخلت بها المملكة الأزمة؛ فقد أظهرت البيانات أن المملكة دخلت الأزمة بأدوات مالية قوية وعوامل ساعدتها في الحفاظ على الاستقرار، تمثلت في العوامل التالية:

  • إعادة توظيف الأصول الخارجية: سجلت العمليات الاستثمارية للجهات الحكومية وصندوق الثروة السيادي السعودي، قفزة قياسية في تصفية الأصول الأجنبية خلال الربع الأول من عام 2026، حيث بلغت قيمة الأصول المباعة والمحولة نحو 22.6 مليار دولار، مقارنة بـ4 مليارات دولار فقط في الربع الأخير من عام 2025 (بنمو 460 في المائة). ويعكس هذا النمو الحاد وتيرة متسارعة في إعادة توجيه السيولة الخارجية نحو الداخل.
  • استقرار الأصول الاحتياطية: في مقابل القفزة في تسييل الأصول الخارجية للجهات الحكومية، حافظت الأصول الاحتياطية لدى البنك المركزي السعودي على مستويات استقرار قوية ومتوازنة، بلغت 1.862 تريليون ريال (ما يعادل 496.5 مليار دولار) بنهاية الربع الأول، مسجلة قفزة سنوية بنسبة 9.32 في المائة. ويوضح هذا المشهد كفاءة توزيع الأدوار التمويلية؛ حيث فضلت الجهات الحكومية الاعتماد على تدوير محافظها الاستثمارية وتسييل جزء من أصولها الأجنبية لتمويل المشاريع المحلية، بدلاً من اللجوء إلى السحب المباشر من الاحتياطيات النقدية الرسمية للمملكة، ما عزز من مصدات الأمن المالي وسند الجدارة الائتمانية للمملكة عالمياً.
  • الجدارة الائتمانية: هذه المؤشرات المحققة في ميزان المدفوعات وحجم الأصول الاحتياطية انعكست مباشرة على الجدارة الائتمانية السيادية للمملكة؛ حيث أكدت وكالات التصنيف الائتماني العالمية الكبرى في مراجعاتها لعام 2026، القوة الهيكلية لمركز الاقتصاد السعودي ومقاومته العالية للصدمات الجيوسياسية الإقليمية؛ فقد ثبتت وكالة «فيتش» و«ستاندرد آند بورز» تقييمهما للمملكة عند «إيه +» مع نظرة مستقبلية «مستقرة»، في حين حافظت وكالة «موديز» على تصنيفها المرتفع عند «إيه إيه 3». ووفقاً للتقارير الصادرة، فإن هذا التثبيت الائتماني يستند بشكل جوهري إلى ضخامة صافي الأصول الأجنبية السيادية والاحتياطيات المالية التي تغطي المدفوعات الخارجية لمدد زمنية طويلة تفوق متوسط الدول ذات التصنيف المماثل، إلى جانب المرونة الاستباقية للأنشطة غير النفطية والقدرة على توفير قنوات تمويل بديلة لتنفيذ مشاريع «رؤية 2030» دون المساس بالغطاء النقدي والاحتياطي الأساسي للدولة.
  • التمويل الاستباقي: استغلت الحكومة قوة مركزها الائتماني وانخفاض مستويات الدين العام (34.4 في المائة من الناتج المحلي) لتأمين تمويل خارجي بقيمة 13 مليار دولار خلال الربع الأول، وفق ما أعلن المركز الوطني لإدارة الدين العام في يناير (كانون الثاني) الماضي، قبل تصاعد الأزمة. كما تم تأمين ما يقارب 14 مليار دولار إضافية عبر إصدار صكوك دولية، وقروض تجارية، وسندات من قبل بنوك وشركات سعودية كبرى مستفيدة بدورها من السقف الائتماني المرتفع للدولة، ليرتفع بذلك إجمالي اقتراض المقيمين من الخارج إلى 27 مليار دولار.
  • التدفقات الاستثمارية: في قطاع الاستثمار، تأكد عمق ثقة المؤسسات العالمية عبر استمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي؛ وعلى خلاف ما تشهده الاقتصادات عادة خلال فترات التوتر الجيوسياسي، لم تسجل السوق المالية السعودية موجة خروج لرؤوس الأموال الأجنبية؛ بل واصل المستثمرون غير المقيمين تسجيل صافي مشتريات في الأسهم السعودية بلغ 2.4 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، لتستقر ملكيتهم الإجمالية فوق حاجز 110 مليارات دولار. ترافق ذلك مع مرونة استثنائية في الاستثمار الأجنبي المباشر الذي سجل تدفقات صافية بلغت 1.8 مليار دولار خلال الربع الأول وحده، مدعوماً بثقة الأسواق المتزايدة في الإصلاحات الاقتصادية والتشريعية المستمرة لـ«رؤية 2030».
  • القطاع المصرفي: أسهمت متانة القطاع المصرفي في تعزيز قدرة الاقتصاد على تجاوز فترة التوتر؛ إذ حافظت البنوك السعودية على مستويات مرتفعة من الرسملة والسيولة، مع استمرار نمو الائتمان للقطاع الخاص، ما وفر التمويل اللازم للشركات والمشروعات رغم اضطرابات الأسواق العالمية. ويرى صندوق النقد أن سلامة القطاع المالي شكلت إحدى الركائز الرئيسية التي دعمت استقرار الاقتصاد خلال الأزمة.

ماذا غيّرت «رؤية 2030»؟

ربما يكون أفضل اختبار لنجاح الإصلاحات هو طرح سؤال افتراضي: ماذا لو وقعت الأزمة الحالية قبل إطلاق «رؤية 2030»؟ في ذلك الوقت، كان الاقتصاد يعتمد بصورة كبرى على الإيرادات النفطية، وكانت أدوات التمويل وإدارة السيولة أكثر محدودية، كما كانت مساهمة الأنشطة غير النفطية أقل بكثير مما هي عليه اليوم. أما اليوم، فقد أصبح الاقتصاد يستند إلى منظومة أكثر تنوعاً تشمل الإيرادات غير النفطية، وسوق الدين المحلية والدولية، والقطاع المصرفي، وصندوق الاستثمارات العامة، إلى جانب احتياطيات نقدية مرتفعة وبنية لوجستية متطورة، وهو ما وفر للمملكة شبكة أمان ساعدتها في امتصاص الصدمة دون اضطرابات كبيرة.

وزير المالية السعودي مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي في اجتماعات الربيع (الصندوق)

تقييم صندوق النقد

جاء البيان الختامي لبعثة صندوق النقد الدولي لعام 2026، ليوثق المؤشرات الإيجابية للاقتصاد السعودي؛ حيث أكد الصندوق أن الاقتصاد أظهر مرونة تكيّفية عالية وقدرة واضحة على الصمود في وجه المتغيرات الخارجية. وعزا البيان هذا الاستقرار إلى قوة المتانة الهيكلية للاقتصاد الوطني، وتطور البنية التحتية اللوجستية، بجانب التوسع المستمر في تنويع القاعدة الإنتاجية والأنشطة غير النفطية.

وفي المقابل، خفض الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي خلال عام 2026، إلى 1.7 في المائة، بانخفاض قدره 0.3 نقطة مئوية عن توقعاته السابقة، لكنه رفع توقعاته لعام 2027 إلى 5.5 في المائة.

ولا يعكس هذا الخفض ضعفاً في الاقتصاد بقدر ما يعكس تأثير البيئة الإقليمية؛ فحتى مع تسجيل الاقتصاد نمواً بنحو 3 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، فإن استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين قد يؤثران في وتيرة النشاط خلال بقية العام.

تحديات لا تزال قائمة

رغم قوة المصدات المالية واللوجستية، فإن استمرار التوترات الإقليمية لفترة طويلة قد يفرض تحديات إضافية، من بينها ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتباطؤ التجارة العالمية، واحتمال تأجيل بعض الاستثمارات، فضلاً عن الضغوط المحتملة على المشاريع الكبرى إذا استمرت أسعار الطاقة والخدمات اللوجستية عند مستويات مرتفعة. ولهذا، يؤكد صندوق النقد أن مواصلة الإصلاحات الهيكلية، وزيادة مساهمة القطاع الخاص، وتعزيز الإنتاجية، ستظل عوامل أساسية للحفاظ على النمو خلال السنوات المقبلة.

مشارك في مؤتمر نظمه صندوق النقد الدولي بالتعاون مع وزارة المالية في الرياض (تركي العقيلي)

المرونة أصبحت سياسة اقتصادية

تكشف تجربة الأشهر الماضية أن ما واجهته المملكة لم يكن مجرد أزمة نفط أو اختبار جيوسياسي عابر؛ بل اختبار شامل لقدرة الاقتصاد على إدارة الصدمات؛ فالتزامن بين تحقيق فائض في الحساب الجاري، وإعادة توظيف الأصول الخارجية، والحفاظ على احتياطيات قوية، وتأمين تمويل منخفض التكلفة، واستمرار تدفقات الاستثمار، يوضح أن إدارة السيولة السيادية أصبحت جزءاً من استراتيجية اقتصادية متكاملة، لا مجرد استجابة ظرفية للأزمات.

ومع انتظار التقرير النهائي لصندوق النقد الدولي، تبدو الرسالة التي تقدمها التجربة السعودية واضحة: الاستثمار في المرونة الاقتصادية أصبح أحد أهم الأصول السيادية للمملكة، وربما الأكثر قيمة في عالم تتزايد فيه الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية.


مقالات ذات صلة

تعميق الأرصفة يتيح استقبال أكبر سفينة سكر في «ميناء جدة الإسلامي»

الاقتصاد «ميناء جدة الإسلامي» (موانئ)

تعميق الأرصفة يتيح استقبال أكبر سفينة سكر في «ميناء جدة الإسلامي»

استقبل «ميناء جدة الإسلامي» أول سفينة سكر من السفن ذات الحمولات الكبيرة، تحمل اسم «إن كي آر أليس»، بحمولة تُقدَّر بنحو 60 ألف طن من السكر...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد المدير الإداري وكبير مسؤولي المعرفة في مجموعة البنك الدولي باسكال دونوهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

البنك الدولي: السعودية مُصدِّرة للمعرفة التنموية

لم يعد التحول السعودي يقتصر على تحقيق أرقام قياسية في سوق العمل، بل بات، وفق البنك الدولي، نموذجاً تنموياً يجذب اهتمام العالم. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط».

هلا صغبيني (الرياض)
عالم الاعمال «أملاك العالمية» تطلق منتج «شراء المديونية» بتمويل يصل إلى 1.6 مليون ريال

«أملاك العالمية» تطلق منتج «شراء المديونية» بتمويل يصل إلى 1.6 مليون ريال

أعلنت «أملاك العالمية للتمويل» عن إطلاق منتجها الجديد «شراء المديونية»، ضمن جهودها لتطوير حلول تمويلية رقمية أكثر مرونة، تتيح للعملاء نقل المديونية الحالية إلى…

خاص أوراق مالية من فئة الخمسمائة ريال والمائة ريال (رويترز)

خاص السعودية تعيد تنظيم خدمات الاستقطاع والتمويل عبر «اعتماد»

أعادت السعودية تنظيم خدمات الاستقطاع من رواتب موظفي الدولة والتمويل وبيع المستحقات المالية عبر منصة «اعتماد».

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله (المالي الصندوق)

«السيادي السعودي» و«آي سكويرد كابيتال» يبحثان استثمارات تصل إلى ملياري دولار

وقَّع صندوق الاستثمارات العامة السعودي وشركة «آي سكويرد كابيتال» العالمية، مذكرة تفاهم تستهدف بحث فرص استثمارية تصل قيمتها إلى ملياري دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

صدمة إيرادات «آي بي إم» تهبط بسهمها 20 % وتضغط على قطاع البرمجيات

يظهر شعار شركة «آي بي إم» على منصة للتداول في قاعة «بورصة نيويورك» (أ.ب)
يظهر شعار شركة «آي بي إم» على منصة للتداول في قاعة «بورصة نيويورك» (أ.ب)
TT

صدمة إيرادات «آي بي إم» تهبط بسهمها 20 % وتضغط على قطاع البرمجيات

يظهر شعار شركة «آي بي إم» على منصة للتداول في قاعة «بورصة نيويورك» (أ.ب)
يظهر شعار شركة «آي بي إم» على منصة للتداول في قاعة «بورصة نيويورك» (أ.ب)

هزّت شركة «آي بي إم» قطاع التكنولوجيا يوم الثلاثاء، بعدما توقعت إيرادات للربع الثاني جاءت دون تقديرات المحللين، مشيرة إلى أن الشركات باتت تُفضل توجيه إنفاقها نحو البنية التحتية لمراكز البيانات على حساب البرمجيات، في أوضح إشارة حتى الآن إلى التأثير المتنامي لطفرة الذكاء الاصطناعي على القطاع.

وتراجعت أسهم «آي بي إم» بنسبة 20 في المائة خلال تداولات ما قبل افتتاح السوق؛ مما ضغط على أسهم شركات البرمجيات الأخرى والعقود الآجلة لمؤشر «داو جونز». كما انخفض «صندوق المؤشرات المتداولة»، المختص بأسهم شركات البرمجيات والتكنولوجيا، بأكثر من 4 في المائة، وفق «رويترز».

ولطالما أبدى مستثمرو شركات البرمجيات مخاوف من أن أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على أتمتة المهام الروتينية قد تُشكل تهديداً جوهرياً للصناعة. إلا إن إعلان «آي بي إم» كشف عن أن الطفرة في الإنفاق على الخوادم والرقائق ومعدات الشبكات الخاصة بالذكاء الاصطناعي بدأت بالفعل تستنزف مخصصات الإنفاق على البرمجيات.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «آي بي إم»، أرفيند كريشنا، في رسالة إلى المستثمرين: «خلال الأسابيع الأخيرة من يونيو (حزيران) الماضي، لاحظنا أن العملاء أعادوا توجيه إنفاقهم الرأسمالي الفصلي نحو شراء الخوادم ووحدات التخزين والذاكرة؛ لتأمين البنية التحتية التي تعاني من محدودية المعروض؛ تحسباً من ارتفاع الأسعار المتوقع».

وأضاف: «ضمن توقعاتنا؛ كنا نتوقع بعض التأثيرات المرتبطة بسلاسل التوريد، لكننا لم نتوقع هذا الحجم من إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الرأسمالي». وأقر بأن الشركة «لم تتكيف بالسرعة الكافية»، مشيراً إلى أن «عدداً من الصفقات الكبيرة» لم يُنجز كما كان متوقعاً.

ووفقاً للنتائج الأولية، فإن الشركة تتوقع تحقيق إيرادات بقيمة 17.2 مليار دولار خلال الربع الثاني، مقارنة بتقديرات المحللين البالغة 17.86 مليار دولار، وفق بيانات «مجموعة بورصة لندن».

كما يُتوقع أن يبلغ صافي ربح السهم المعدل 2.93 دولار، مقابل تقديرات عند 3.02 دولار.

وقال كريس بيوشامب، كبير محللي الأسواق في مجموعة «آي جي»: «تمثل هذه لحظة صعبة لـ(آي بي إم) وأسهم شركات البرمجيات، والسؤال الأهم هو: إلى متى سيستمر تحول الإنفاق نحو البنية التحتية والأمن السيبراني؟».

وأضاف: «قد يكون هذا الوضع مقبولاً بضعة أشهر أخرى، لكن إذا استمر أطول، فستعود التساؤلات الجدية بشأن آفاق أسهم شركات البرمجيات».

وتراجعت أسهم «مايكروسوفت»، و«سيرفس ناو»، و«سيلزفورس»، و«إنتويت» بنسب تراوحت بين 3 و5 في المائة.


«سوفت بنك»: الذكاء الاصطناعي بحاجة لاستثمارات سنوية بـ5 تريليونات دولار

ماسايوشي سون الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك» في مؤتمر بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
ماسايوشي سون الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك» في مؤتمر بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

«سوفت بنك»: الذكاء الاصطناعي بحاجة لاستثمارات سنوية بـ5 تريليونات دولار

ماسايوشي سون الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك» في مؤتمر بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
ماسايوشي سون الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك» في مؤتمر بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

وصف ماسايوشي سون، الرئيس التنفيذي لمجموعة «سوفت بنك»، المخاوف بشأن فقاعة في استثمارات الذكاء الاصطناعي بأنها سخيفة، مستهزئاً بهذه الشكوك ووصفَها بالتخلف، ومماثلة للتشكيك في جدوى السيارات والطائرات.

وقال سون للمديرين التنفيذيين في فعالية سنوية للشركة في طوكيو: «إن التساؤل عما إذا كان الذكاء الاصطناعي فقاعة هو سؤال أحمق. سيُغير الذكاء الاصطناعي حياتنا تماماً، وسيفعل ذلك بطريقة تُدرُّ أرباحاً». وأضاف أن «أولئك الذين يرفضون التطور يُغلقون عالمهم. وأولئك الذين يُدينون الذكاء الاصطناعي يُشوِّهون الواقع»، حسب وكالة «أسوشييتد برس» الأميركية.

وقد اجتاحت الأسواق المالية مؤخراً موجات من القلق من أن الارتفاع الصاروخي في أسعار أسهم شركات مثل «إنفيديا»، والاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات، قد لا تُحقق عوائد تُضاهي الآمال المعقودة على الأرباح الهائلة من الذكاء الاصطناعي.

ويُذكر أن سون أسس «سوفت بنك» قبل أكثر من 4 عقود، وهو رائد في مجال الاستثمارات التكنولوجية في اليابان. وكان من أوائل الداعمين للذكاء الاصطناعي، واستثمر عشرات المليارات من الدولارات في شركات ذات صلة.

وقال سون إنه يُقدِّر أن هناك حاجة إلى استثمارات سنوية وعالمية تُقارب 5 تريليونات دولار لتوسيع مراكز البيانات، وزيادة إنتاج رقائق الكومبيوتر، وتوفير أنظمة الطاقة وغيرها من البنى التحتية اللازمة للذكاء الاصطناعي.

وأضاف: «في عام 2040، سيتم تحويل ما يقرب من 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي لصناعات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، عالم الذكاء الخارق».

وتُشرف «سوفت بنك» على مجموعة واسعة من الشركات من خلال «صناديق الرؤية». وتشمل أعمالها الأخرى الاتصالات والطاقة.

وكانت مجموعة «سوفت بنك»، ومقرها طوكيو، قد أعلنت سابقاً عن ارتفاع أرباحها للسنة المالية المنتهية في مارس (آذار) بنحو 5 أضعاف لتصل إلى 5 تريليونات ين (32 مليار دولار) مقارنة بالعام السابق، وذلك بفضل عوائد استثماراتها في الذكاء الاصطناعي.

واستثمرت عملاقة التكنولوجيا 34.6 مليار دولار في «أوبن إيه آي». وباعت حصتها في شركة «إنفيديا» لصناعة رقائق الكومبيوتر العام الماضي، لتوفير سيولة لمزيد من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

كما أطلقت شركة «سوفت بنك» مؤخراً مشروعاً لإنتاج البطاريات في اليابان، بهدف بناء بنية تحتية متطورة للطاقة الكهربائية، تحسباً لتزايد الطلب على الكهرباء نتيجة لاستخدام الذكاء الاصطناعي.


محافظ «بنك إنجلترا»: التوترات الأميركية - الإيرانية تزيد الضبابية الاقتصادية

محافظ «بنك إنجلترا» آندرو بيلي خلال مقابلة مع «رويترز» في لندن يوم 1 أبريل 2026 (رويترز)
محافظ «بنك إنجلترا» آندرو بيلي خلال مقابلة مع «رويترز» في لندن يوم 1 أبريل 2026 (رويترز)
TT

محافظ «بنك إنجلترا»: التوترات الأميركية - الإيرانية تزيد الضبابية الاقتصادية

محافظ «بنك إنجلترا» آندرو بيلي خلال مقابلة مع «رويترز» في لندن يوم 1 أبريل 2026 (رويترز)
محافظ «بنك إنجلترا» آندرو بيلي خلال مقابلة مع «رويترز» في لندن يوم 1 أبريل 2026 (رويترز)

قال آندرو بيلي، محافظ «بنك إنجلترا»، الثلاثاء، إنه يشعر بالقلق إزاء عودة التوترات بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الأخيرة، لكنه أوضح أن تداعيات ذلك لم تُحدث حتى الآن تأثيراً ملموساً على توقعات التضخم في المملكة المتحدة.

وكان بيلي قد صوّت الشهر الماضي، إلى جانب غالبية 7 - 2 في «لجنة السياسة النقدية» بالبنك، لمصلحة الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، مشيراً آنذاك إلى أن مخاطر الحرب في إيران تندرج ضمن السيناريوهات الأقل احتمالاً التي يضعها «البنك المركزي» في حساباته، وفق «رويترز».

وقال بيلي أمام «لجنة الخزانة» البرلمانية: «أود أن أضيف تحذيراً مهماً، وهو أن الوضع لا يزال غير مستقر، وأن وقف إطلاق النار هش».

وأضاف: «أعتقد أن موقفي الحالي هو أن حالة عدم الاستقرار قد تحققت بالفعل، وهذا يؤكد أن هذه العملية ستظل غير مستقرة في المستقبل المنظور».

النمو يبقى التحدي الأكبر

وأشار محافظ «بنك إنجلترا» إلى أن البيانات الاقتصادية حتى الآن لا تُظهر تأثيراً كبيراً للصراع على التضخم في بريطانيا، قائلاً: «ما زلنا نرى مؤشرات محدودة نسبياً على انتقال هذه التطورات إلى أسعار المستهلكين في المملكة المتحدة».

وارتفعت عوائد السندات الحكومية البريطانية في وقت سابق من يوم الثلاثاء إلى أعلى مستوياتها منذ مايو (أيار) الماضي، في حين عزز المستثمرون رهاناتهم على احتمال رفع «بنك إنجلترا» أسعار الفائدة، بعد أن دفعت التوترات بين الولايات المتحدة وإيران أسعار النفط إلى الصعود، بالتزامن مع إشارات من مسؤول في «بنك الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)» إلى احتمال ارتفاع تكاليف الاقتراض قريباً.

وبشأن تأثير التغييرات السياسية المرتقبة في بريطانيا على الاستقرار المالي، امتنع بيلي عن التعليق على الشؤون السياسية، لكنه أكد أن آفاق الاقتصاد البريطاني تستند إلى الإطار المالي للحكومة، إلى جانب السياسة النقدية التي يحددها «بنك إنجلترا».

يأتي ذلك في وقت تعهد فيه أندي بيرنهام، عمدة مانشستر السابق والمرشح لتولي رئاسة الوزراء خلفاً لكير ستارمر الأسبوع المقبل، بالتزام القواعد المالية الحكومية، رغم مخاوف بعض المستثمرين من توجهه نحو زيادة الإنفاق العام.

وشدد بيلي على أن تعزيز النمو الاقتصادي يمثل الأولوية الرئيسية لبريطانيا، قائلاً: «القضية الأهم هي نمو الاقتصاد. وأعتقد أنه يمكننا بذل أقصى جهودنا لتحقيق الاستقرار المالي».

وخلال جلسة الاستماع، دافع بيلي عن نهج «بنك إنجلترا» في عدد من الملفات التي تخضع لتدقيق واسع، بما في ذلك متطلبات رأس المال المصرفي، ونسب الرافعة المالية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي.

ورداً على دعوات من القطاع المصرفي إلى تخفيف متطلبات رأس المال بهدف دعم النمو، قال بيلي: «ذكريات الأزمة المالية تتلاشى الآن... لكن لن يكون لدينا اقتصاد قوي من دون استقرار مالي».

كما حذر من المخاطر التي يمثلها الذكاء الاصطناعي على القطاع المصرفي، مؤكداً أن «(بنك إنجلترا) ينخرط بشكل نشط» مع البنوك لتعزيز قدراتها الدفاعية في مجال الأمن السيبراني.