الشرق الأوسط يدفع ثمن حرب الناقلات... والسعودية تعبر الأزمة عبر شبكة لوجستية بديلة

صندوق النقد خفّض مجدداً توقعاته للنمو العالمي إلى 3 % وسط «صدمة النفط» وطفرة الذكاء الاصطناعي

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
TT

الشرق الأوسط يدفع ثمن حرب الناقلات... والسعودية تعبر الأزمة عبر شبكة لوجستية بديلة

سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

في وقت يصارع فيه الاقتصاد العالمي لتفادي ركود حاد، كشف تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر عن صندوق النقد الدولي عن مشهد شديد الانقسام؛ حيث تحالفت طفرة الاستثمارات في قطاع الذكاء الاصطناعي مع المكاسب الإنتاجية والتخفيضات الضريبية الأميركية لإنقاذ النمو العالمي عند 3 في المائة هذا العام بتراجع طفيف عن توقعاته في أبريل (نيسان) الماضي والبالغة 3.1 في المائة، لتمتص هذه القفزات التكنولوجية جزءاً من صدمة الطاقة العنيفة الناجمة عن حرب إيران وإغلاق مضيق هرمز.

وفي المقابل، كان الثمن الإقليمي باهظاً وغير مسبوق؛ إذ دفع هذا الإغلاق المطوّل لشريان الملاحة الخليجي بالصندوق إلى إجراء مراجعة تراجعية قاسية لاقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ليهبط بها إلى دائرة الانكماش بنسبة 0.5 في المائة، وضعه كأحد أسوأ الأداءات السنوية للمنطقة منذ مطلع القرن الحالي، وسط تفاوت حاد وضع كبار منتجي النفط بين فكي تراجع الإنتاج واضطراب الإمدادات اللوجستية.

وفي قلب هذا الاضطراب، برز الاقتصاد السعودي باعتباره أحد أكثر القوى تماسكاً؛ فرغم تعديل أرقامه هذا العام إلى 1.7 في المائة، رفع صندوق النقد توقعات نمو اقتصاد السعودية العام المقبل إلى 5.5 في المائة، ليتحدى السيناريوهات القاتمة، مستنداً إلى مسارات بديلة حمت زخمه، بينما يواجه كبار المنتجين كالعراق والكويت وقطر انكماشاً مؤقتاً بانتظار الارتداد الشامل للمنطقة في 2027.

لقد أحدثت التطورات العسكرية الأخيرة صدمة لوجستية عنيفة شلت حركة خمس النفط والغاز العالمي. ورغم أن إطلاق الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية والإنتاج التجاري خفف من حدة الأزمة، فإن الأسعار ظلت مرتفعة بنسبة 25 في المائة إلى 32 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل الحرب.

هذه القفزة في تكاليف الطاقة أدت مباشرة إلى تجميد عامين من التقدم العالمي ضد التضخم؛ حيث رفع صندوق النقد توقعاته للتضخم العالمي بمقدار 0.3 نقطة مئوية ليصل إلى 4.7 في المائة في عام 2026، مشيراً إلى أن دورة التيسير النقدي قد شهدت «توقفاً مؤقتاً وليس كسراً للاتجاه العام».

خريطة النمو في المنطقة

يفترض السيناريو الأساسي الجديد لصندوق النقد الدولي أن مضيق هرمز سيبدأ في إعادة الفتح التدريجي منتصف يوليو (تموز) الجاري، على أن يعود لطبيعته بحلول مارس (آذار) 2027. هذا الإغلاق المطول أعاد رسم خارطة النمو في المنطقة على النحو التالي:

  • منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تسجل انكماشاً: خفّض الصندوق تقديراته لاقتصاد المنطقة لعام 2026 للمرة الثانية خلال ثلاثة أشهر، متوقعاً انكماشاً بـ 0.5 في المائة مقارنة بمعدل نمو 1.1 في المائة في تحديثات أبريل. هذا التراجع يجعلها المنطقة الوحيدة في العالم المرشحة لتسجيل تراجع في الناتج المحلي الإجمالي من بين كل النطاقات الجغرافية، قبل أن ترتد بقوة في 2027 مع تعافي الصادرات وعودة حركة التجارة عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها قبل اندلاع حرب إيران. ووصفت رئيسة قسم أبحاث الصندوق، دنيز إيغان، هذا التعافي المتوقع بأنه ارتداد على شكل حرف (V).
  • العراق والكويت وقطر: باعتبارها من أكثر مصدري السلع تأثراً باضطرابات النقل وإنتاج الطاقة، يتوقع الصندوق أن تواجه اقتصاداتها انكماشاً حاداً وموجعاً هذا العام، يليه توسع قفزي ونمو «ثنائي الرقم» (تجاوز 10 في المائة) في عام 2027.
  • *تركيا تتجرع الضغوط: خفّض الصندوق توقعات نمو الاقتصاد التركي لعام 2026 للمرة الثانية هذا العام ليصل إلى 2.9 في المائة (تراجعاً من 3.4 في المائة في أبريل)، بضغط من ضعف الطلب المحلي وارتفاع أسعار الطاقة وتشديد الأوضاع المالية.
  • أما إيران، فرغم مرونة صادراتها النفطية مطلع العام وتعديل توقعاتها صعوداً، إلا أنها ظلت تتجرع وطأة العقوبات والحرب بـ انكماش حاد يقدر بـ5.4 في المائة لعام 2026، بانتظار الارتداد الشامل للمنطقة في 2027.

صورة أرشيفية التُقطت عام 2015 لناقلة الغاز الطبيعي المسال القطرية «الركيات» (رويترز)

مرونة سعودية

في قلب هذا الاضطراب الإقليمي، ظهرت المؤشرات الرسمية للمملكة العربية السعودية أكثر تماسكاً وصموداً؛ حيث أكد صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد السعودي يعد «أقل تأثراً» بالصدمة مقارنة بجيرانه في الخليج. علماً بأن مراجعات الصندوق طالت أرقام المملكة بناءً على التطورات الجيوسياسية الأخيرة مقارنة بتقرير أبريل الماضي، حيث أجرى مراجعة تراجعية لتوقعات نمو الاقتصاد السعودي لعام 2026، بواقع 1.2 في المائة، ليستقر نمو المملكة عند 1.7 في المائة هذا العام. وفي المقابل، حملت التوقعات مراجعة إيجابية متفائلة لعام 2027، حيث زادت بواقع 1 في المائة عن تقديرات أبريل، ليقفز النمو المتوقع للمملكة إلى 5.5 في المائة بالتزامن مع مرحلة الانفراجة وإعادة فتح الممرات المائية.

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع بالسعودية (واس)

أميركا والصين تنجوان... وأوروبا الضحية الأكبر

إلى ذلك، أظهرت المادة التوثيقية للصندوق تبايناً صارخاً في حظوظ القوى الكبرى بناءً على موقعها من طفرة التكنولوجيا ومصادر الطاقة:

  • واشنطن تحلق منفردة: حافظ الاقتصاد الأميركي (الأكبر عالمياً) على صلابته وثبات توقعاته عند 2.3 في المائة في 2026. وتلقى أميركا دعماً مزدوجاً من الطفرة الهائلة لاستثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب مفاعيل التخفيضات الضريبية للرئيس دونالد ترمب لعام 2025، وقوة أسواق الأسهم.
  • بكين تقاوم بالصناعة الدقيقة: حصلت الصين (الاقتصاد الثاني عالمياً) على مراجعة صعودية طفيفة لتنمو بنسبة 4.6 في المائة. فرغم أزمة القطاع العقاري وصدمة الطاقة، تلقت بكين دعماً موازناً من الإنفاق على الأشغال العامة، وازدهار الصادرات، وطفرة صناعات التكنولوجيا العالية.
  • آسيا تقتنص الفرصة التقنية: سجلت الدول الأربع الكبار في تصدير أجهزة ومعدات الذكاء الاصطناعي (تايوان، كوريا الجنوبية، تايلاند، وماليزيا) نمواً مرناً وقوياً يعكس مكاسبها من طفرة الطلب التقني.
  • أوروبا تدفع الفاتورة: في المقابل، وقعت دول منطقة اليورو الـ21 ضحية مباشرة لارتفاع الأسعار؛ حيث هبطت توقعات نموها الجماعي إلى 0.9 في المائة فقط (بينما تقهقرت فرنسا إلى 0.6 في المائة فقط)، نتيجة لتعرضها المباشر لصدمة الطاقة.

سعار البنزين والديزل معروضة على لوحة إلكترونية في محطة وقود في ألمانيا (د.ب.أ)

جمر الصراع لم ينطفئ

رغم أن الاقتصاد العالمي أظهر تماسكاً أفضل مما كان يُخشى، فإن صندوق النقد الدولي اختتم تقريره بلهجة تحذيرية شديدة؛ حيث أشارت إيغان إلى أن تجدد الصراع العسكري والضربات الأخيرة بين أميركا وإيران في الساعات الماضية قد يضعان الاقتصاد العالمي في «موقف أسوأ بكثير».

وحذر الصندوق من أن استنفاد الدول لاحتياطياتها النفطية الاستراتيجية سيقلص هوامش المناورة سريعاً، مما يفتح الباب أمام تقلبات عنيفة لأسعار السلع، تشتت حركة التجارة العالمية، أو حدوث تصحيح مفاجئ ومؤلم في توقعات أسواق التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي المبالغ فيها.


مقالات ذات صلة

«نومورا»: جودة أرباح الشركات مفتاح جذب مزيد من الاستثمار الأجنبي للسوق السعودية

الاقتصاد امرأة سعودية تسير في مقر سوق الأسهم السعودية في الرياض (رويترز)

«نومورا»: جودة أرباح الشركات مفتاح جذب مزيد من الاستثمار الأجنبي للسوق السعودية

تدخل السوق السعودية مرحلة جديدة من الانفتاح على المستثمرين الدوليين، ولكن جذب مزيد من رأس المال الأجنبي لن يتوقف على تخفيف قيود الملكية وحده، وفق «نومورا».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مبنى شركة «بن داود القابضة» الرئيسي في مكة المكرمة (الشركة)

«بن داود القابضة» السعودية تكمل الاستحواذ على 51 % من «وندر بيكري»

أعلنت شركة «بن داود القابضة» السعودية اكتمال إجراءات استحواذها على 51 في المائة من حصص شركة «وندر بيكري» الإماراتية، بقيمة إجمالية بلغت 114.8 مليون درهم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رجل يعبر أمام شعار «تداول» في السوق السعودية (رويترز)

«مورغان ستانلي»: التغيُّر القيادي بـ«الهيئة» يُمهِّد لتدفق 7.4 مليار دولار للأسهم السعودية

تترقب السوق المالية السعودية (تداول) قرارات تنظيمية حاسمة بشأن تعديل قواعد ملكية الأجانب في الشركات المدرجة، وفقاً لمذكرة بحثية حديثة أصدرها «مورغان ستانلي».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد برج «صندوق الاستثمارات العامة» بمركز الملك عبد الله المالي في الرياض (الصندوق)

«السيادي» السعودي لامس تريليون دولار في 2025

واصل «صندوق الاستثمارات العامة» قيادة التنويع الاقتصادي بنجاح؛ إذ قفزت أصوله المُدارة إلى 3.396 تريليون ريال (905.6 مليار دولار) بنهاية 2025،

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد رئيس الإدارة العامة للمالية في صندوق الاستثمارات العامة ياسر بن عبد الله السلمان (إكس)

«السيادي» السعودي: لا اقتراض جديداً في 2026 والعودة لأسواق الدين مطلع 2027

توقع مسؤول كبير في الصندوق السيادي السعودي أن تبقى أسواق الدين الدولية «المصدر الأكبر للتمويل» في المرحلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع صعود النفط وعوائد السندات

لافتة شارع وول ستريت خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع وول ستريت خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع صعود النفط وعوائد السندات

لافتة شارع وول ستريت خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع وول ستريت خارج بورصة نيويورك (رويترز)

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الثلاثاء، مع تضاؤل الآمال في التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، ما دفع أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة إلى الارتفاع، وأعاد المخاوف بشأن التضخم إلى واجهة الأسواق.

وقالت إيران إنها ستتحول إلى وضع عسكري «هجومي شامل» بعدما تعثرت جهود التفاوض الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، وفقاً لمسؤول إيراني رفيع المستوى تحدث إلى «رويترز». كما استبعدت واشنطن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت الذي انتهى في 17 أغسطس (آب).

وأدت التطورات إلى ارتفاع العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 0.4 في المائة، ما يضعها على مسار لتحقيق مكاسب للجلسة الثالثة على التوالي.

وفي سوق السندات، صعد عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوى له منذ عام 2007، في حين استقر عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات قرب أعلى مستوى له منذ يناير (كانون الثاني) 2025. ويؤدي ارتفاع العوائد عادةً إلى الضغط على أسهم شركات التكنولوجيا، إذ يخفض القيمة الحالية للأرباح المستقبلية ويرفع تكاليف الاقتراض.

وقادت «تسلا» و«إنفيديا» خسائر أسهم النمو، مع تراجع سهميهما بأكثر من 1 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق. كما انخفضت أسهم «ميتا بلاتفورمز» و«مايكروسوفت» و«ألفابت».

وتراجعت أسهم شركات أشباه الموصلات والرقائق بعد مكاسب قوية في الجلسة السابقة، إذ انخفضت أسهم «مايكرون تكنولوجي» و«مارفيل تكنولوجي» و«أدفانسد مايكرو ديفايسز» و«إنتل» بنسب تراوحت بين 2.6 و4.8 في المائة.

كما هبطت أسهم شركتي تخزين البيانات «سانديسك» و«ويسترن ديجيتال» بأكثر من 5 في المائة لكل منهما، لتكونا من بين أكبر الخاسرين في تداولات ما قبل السوق.

وارتفع مؤشر التقلبات في بورصة شيكاغو، المعروف باسم «مؤشر الخوف» في «وول ستريت»، إلى أعلى مستوى له في نحو أسبوعين، في إشارة إلى تصاعد حذر المستثمرين.

وبحلول الساعة 4:50 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» 79 نقطة، أو 0.15 في المائة، فيما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 42.75 نقطة، أو 0.55 في المائة. كما هبطت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 351.5 نقطة، أو 1.17 في المائة.

وكان مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» قد أغلق منخفضاً في الجلسة السابقة، متراجعاً عن مستوياته القياسية، مع تجدد المخاوف بشأن التضخم بفعل ارتفاع أسعار النفط.

وأظهرت بيانات الأسواق المالية أن المتداولين ما زالوا يرجحون بنسبة 96 في المائة رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال العام الحالي، رغم تراجع توقعات رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) عقب صدور بيانات تضخم معتدلة الأسبوع الماضي.

ومن المتوقع أن توفر محاضر اجتماع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» لشهر يوليو (تموز)، المقرر صدورها يوم الأربعاء، مزيداً من الإشارات إلى تقييم صناع السياسة للتطورات الاقتصادية ومسار أسعار الفائدة.

كما ستتجه الأنظار إلى خطاب رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، كيفين وارش، في ندوة «جاكسون هول» الأسبوع المقبل، بحثاً عن مؤشرات بشأن توجهات السياسة النقدية المستقبلية.

ترقب نتائج قطاع التجزئة

وفي الوقت نفسه، يقترب موسم إعلان نتائج الشركات للربع الثاني من نهايته، مع ترقب نتائج «هوم ديبوت» قبل افتتاح السوق يوم الثلاثاء.

وقد توفّر نتائج شركة تجارة التجزئة المتخصصة في مستلزمات تحسين المنازل مؤشرات جديدة على قوة المستهلك الأميركي، بعد صدور بيانات ضعيفة لمبيعات التجزئة في يوليو. ومن المقرر أن تعلن «وول مارت»، أكبر شركة تجزئة أميركية، نتائجها يوم الخميس.

وكانت أرباح قوية لعدد من القطاعات، بينها شركات كبرى في مجال الذكاء الاصطناعي، قد ساعدت مؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» على تسجيل مستويات قياسية في وقت سابق من هذا الشهر. ويترقب المستثمرون الآن نتائج «إنفيديا» الأسبوع المقبل بوصفها الاختبار الأبرز المقبل لأداء أسهم الذكاء الاصطناعي.

وشهدت أسهم شركات التكنولوجيا الأميركية تقلبات حادة خلال الأشهر الماضية، في ظل استمرار مخاوف المستثمرين بشأن جدوى الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي.

وفي سياق متصل، أفادت تقارير إعلامية بأن الإيرادات السنوية لشركة «أنثروبيك»، المطورة لبرنامج «كلود»، تجاوزت 65 مليار دولار بنهاية يوليو، في مؤشر على النمو السريع للشركة قبل طرح أسهمها للاكتتاب العام المرتقب في وقت لاحق من العام.


اليوان يتراجع والأسهم الصينية تراوح في مكانها

مشاة أمام مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مشاة أمام مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
TT

اليوان يتراجع والأسهم الصينية تراوح في مكانها

مشاة أمام مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مشاة أمام مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

دخلت الأسواق الصينية جلسة الثلاثاء تحت تأثير معادلة متباينة؛ إذ تراجع اليوان بعدما أعادت البيانات الاقتصادية الضعيفة المخاوف بشأن قوة الطلب المحلي، بينما أنهت أسواق الأسهم في البر الرئيسي وهونغ كونغ التداولات دون تغيرات كبيرة، مع تعويض مكاسب أسهم الطاقة والروبوتات خسائر شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وتراجع اليوان في السوق المحلية إلى نحو 6.7439 يوان للدولار، منخفضاً 22 نقطة عن الإغلاق السابق، بعدما حدد «بنك الشعب (المركزي الصيني)» السعر المرجعي اليومي عند 6.7905 يوان للدولار، أي أضعف بنحو 453 نقطة من تقديرات السوق.

وتكتسب إشارة «البنك المركزي» أهمية خاصة بعد المكاسب الأخيرة للعملة الصينية. فاليوان لا يزال مرتفعاً بنحو 0.6 في المائة منذ بداية أغسطس (آب) الحالي، و3.7 في المائة منذ بداية العام، مستفيداً بدرجة كبيرة من تراجع الدولار. ويرى محللو «هواتاي فيوتشرز» أن صعود اليوان الأخير كان «سلبياً إلى حد كبير»، بمعنى أنه نتج أساساً عن ضعف العملة الأميركية وليس عن تحسن كبير في أساسيات الاقتصاد الصيني. وأشاروا إلى تراكم صافي مراكز شراء الدولار عند نحو 50 مليار دولار؛ مما قد يزيد حساسية السوق لأي انتعاش مفاجئ للعملة الأميركية. وتبدو بكين حريصة على تجنب ارتفاع سريع لعملتها قد يضر بالصادرات في وقت يحتاج فيه ثاني أكبر اقتصاد بالعالم إلى القطاع الخارجي لتعويض ضعف الطلب الداخلي. ويعزز تحديد السعر المرجعي عند مستويات أضعف من توقعات السوق الاعتقاد بأن السلطات تفضل ارتفاعاً تدريجياً ومنضبطاً لليوان.

* بيانات تضعف شهية المخاطرة

وتأتي تحركات العملة بعد سلسلة بيانات أكدت فقدان الاقتصاد الصيني بعض زخمه مع بداية النصف الثاني. فقد تباطأ نمو الإنتاج الصناعي في يوليو (تموز) الماضي إلى 4.5 في المائة على أساس سنوي من 5.3 في المائة خلال يونيو (حزيران) الماضي، بينما ارتفعت مبيعات التجزئة 0.6 في المائة فقط، مقابل نمو واحد في المائة خلال الشهر السابق.

كما انكمش الاستثمار في الأصول الثابتة 6.7 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام، في حين سجل الإقراض المصرفي باليوان انكماشاً قياسياً خلال يوليو الماضي؛ مما يعكس استمرار ضعف شهية الأسر والشركات للاقتراض.

ورغم تلك الضغوط، فإن بعض المؤسسات لا تزال ترى مجالاً لارتفاع العملة. ويتوقع محللو «إم يو إف جي» وصول اليوان إلى 6.65 للدولار بنهاية العام، بدعم من قوة الصادرات واحتمالات جذب استثمارات أجنبية مرتبطة بإعادة تقييم أصول التكنولوجيا الصينية. لكنهم يتوقعون أن يكون الارتفاع تدريجياً بسبب التحديات التي تواجه النمو المحلي.

* الأسهم بين التكنولوجيا والطاقة

وفي سوق الأسهم، أغلق مؤشر «سي إس آي300» منخفضاً 0.3 في المائة، بينما ارتفع مؤشر «شنغهاي المركب» 0.2 في المائة، وصعد مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ 0.1 في المائة. لكن هدوء المؤشرات الرئيسية أخفى تحركات حادة بين القطاعات. فقد تراجع مؤشر الذكاء الاصطناعي الصيني 1.5 في المائة، وانخفض مؤشر اتصالات الجيل الخامس 1.4 في المائة، بينما خسرت شركات التكنولوجيا الكبرى المدرجة في هونغ كونغ نحو 0.9 في المائة. وتراجع سهم شركة «تشانغشين تكنولوجي» لرقائق الذاكرة 4.2 في المائة، بعد قفزة بلغت 12 في المائة في الجلسة السابقة أوصلته إلى مستوى قياسي. ومع ذلك، يتوقع محللو «هوا آن سيكيوريتيز» استمرار قوة سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي، خصوصاً إذا أكدت نتائج الشركات خلال موسم إعلان أرباح منتصف أغسطس قوة الطلب.

في المقابل، برزت شركات النفط والفحم بين الرابحين مع ارتفاع أسعار الخام على خلفية المخاوف من تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. وصعد سهم «بتروتشاينا» بأكثر من اثنين في المائة. كما قفز مؤشر صناعة الروبوتات 2.5 في المائة، وارتفع سهم «ليدر هارمونيوس درايف سيستمز» 5.1 في المائة، قبيل الظهور المرتقب لشركة الروبوتات البشرية «يونيتري» في السوق.

أما أسهم السلع الاستهلاكية الأساسية فارتفعت 0.9 في المائة رغم ضعف بيانات الإنفاق، في وقت يترقب فيه المستثمرون نتائج عدد من الشركات الكبرى للحصول على مؤشرات أوضح بشأن صحة المستهلك الصيني.


«جواز سفر إلى المستقبل»... اكتشاف «بتروبراس» يُحيي رهان البرازيل النفطي

الرئيس البرازيلي يُظهر يديه الملطختين بالنفط خلال زيارة لمنصة حفر تُجري عمليات حفر استكشافية في بئر «مورفو» (أ.ف.ب)
الرئيس البرازيلي يُظهر يديه الملطختين بالنفط خلال زيارة لمنصة حفر تُجري عمليات حفر استكشافية في بئر «مورفو» (أ.ف.ب)
TT

«جواز سفر إلى المستقبل»... اكتشاف «بتروبراس» يُحيي رهان البرازيل النفطي

الرئيس البرازيلي يُظهر يديه الملطختين بالنفط خلال زيارة لمنصة حفر تُجري عمليات حفر استكشافية في بئر «مورفو» (أ.ف.ب)
الرئيس البرازيلي يُظهر يديه الملطختين بالنفط خلال زيارة لمنصة حفر تُجري عمليات حفر استكشافية في بئر «مورفو» (أ.ف.ب)

يفتح اكتشاف «بتروبراس» هيدروكربونات قبالة سواحل ولاية أمابا، شمال البرازيل، الباب أمام جبهة نفطية جديدة قد تعيد رسم خريطة إنتاج البلاد خلال العقود المقبلة، في وقت تبحث فيه أكبر قوة نفطية في أميركا اللاتينية عن موارد جديدة لتعويض الاحتياطيات والحفاظ على مكانتها منتجاً ومصدراً رئيسياً للنفط. ويكتسب الاكتشاف أهمية أكبر مع احتدام الرهان على «الهامش الاستوائي» الذي تنظر إليه «بتروبراس» باعتباره إحدى أهم مناطق الاستكشاف الواعدة خارج نطاق حقول «ما قبل الملح» التي أرست الأساس لصعود البرازيل النفطي.

وجاء الاكتشاف في بئر «مورفو»، ضمن «الهامش الاستوائي» البرازيلي، وهو نطاق بحري واسع يمتد على الساحل الشمالي والشمالي الشرقي للبلاد، من سواحل أمابا قرب مصب نهر الأمازون إلى مناطق أخرى على المحيط الأطلسي. وتحولت هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أبرز جبهات الاستكشاف النفطي في البرازيل، بعدما أثارت توقعات بوجود موارد كبيرة، وفي الوقت نفسه جدلاً حاداً بشأن المخاطر البيئية للتنقيب قرب منطقة الأمازون.

تبعد بئر «مورفو» الاستكشافية 175 كيلومتراً عن شواطئ أويابوكي ومسافة تقارب 500 كيلومتراً من مصب نهر الأمازون (بتروبراس)

ويكتسب اكتشاف «مورفو» أهمية خاصة، لأنه يمثّل أول اكتشاف لـ«بتروبراس» قبالة سواحل أمابا، ويقدم إلى الشركة أول مؤشر عملي على الإمكانات النفطية لهذه الجبهة الجديدة. وتقع البئر على بُعد نحو 175 كيلومتراً من الساحل، وفي مياه يبلغ عمقها 2886 متراً، فيما لا تزال أعمال الحفر والتقييم مستمرة لتحديد حجم التراكم ونوعية الهيدروكربونات وإمكانات استخراجه تجارياً.

وهنا تبدأ قصة «مورفو» الحقيقية؛ فالعثور على الهيدروكربونات لا يعني بعد اكتشاف حقل نفطي قابل للإنتاج. فما زال يتعين على «بتروبراس» استكمال عمليات الحفر وجمع البيانات الجيولوجية وتقييم المكمن، قبل أن تتمكّن من تحديد ما إذا كان الاكتشاف يمكن أن يتحول إلى مشروع تجاري واسع النطاق.

لكن بالنسبة إلى الشركة، فإن مجرد ظهور مؤشرات الهيدروكربونات في هذه المنطقة يمثّل دفعة مهمة لرهانها على «الهامش الاستوائي». فقد خصّصت نحو 2.5 مليار دولار للاستكشاف في المنطقة ضمن خطتها للفترة 2026-2030، مع برنامج يتضمّن حفر 15 بئراً استكشافية، في مسعى لتعويض الاحتياطيات والحفاظ على قاعدة الإنتاج مستقبلاً.

معادلة استراتيجية دقيقة

ويأتي هذا الرهان في وقت تواجه فيه «بتروبراس» معادلة استراتيجية دقيقة؛ فالبرازيل رسّخت مكانتها بصفتها واحدة من أبرز القوى النفطية العالمية بفضل نجاحها في استغلال مكامن «ما قبل الملح»، وهي مكامن ضخمة من النفط والغاز تقع تحت طبقات سميكة من الملح في أعماق المحيط قبالة سواحلها، وأصبحت ركيزة أساسية لإنتاج البلاد. إلا أن الحفاظ على هذه المكانة مستقبلاً يتطلّب مواصلة الاستكشاف وتعويض الاحتياطيات، مع نضوج بعض الحقول القائمة وتراجع إنتاجها تدريجياً.

ومن هنا لا يُنظر إلى «الهامش الاستوائي» بوصفه مجرد منطقة استكشاف أخرى، بل بوصفه رهاناً على الجيل التالي من الاحتياطيات البرازيلية. وإذا أثبتت عمليات التقييم أن «مورفو» تحتوي على كميات تجارية، فقد يشجع ذلك «بتروبراس» على تسريع أعمالها في المنطقة، ويفتح الباب أمام اكتشافات إضافية يمكن أن تدعم إنتاج البلاد على المدى الطويل.

مصفاة تابعة لـ«بتروبراس» في ولاية ميناس جيرايس بالبرازيل (أ.ف.ب)

نفط لتمويل التحول الأخضر

لكن المفارقة أن هذا الرهان النفطي يأتي في الوقت الذي تقدم فيه البرازيل نفسها بوصفها قوة في التحول إلى الطاقة النظيفة، وتسعى إلى توسيع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة وخفض الاعتماد العالمي على الوقود الأحفوري.

الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا اختصر هذه المعادلة عندما وصف الاكتشاف بأنه «جواز سفر إلى المستقبل»، مؤكداً في الوقت نفسه أنه لا يتخلى عن هدفه المتمثل في التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. وتقوم رؤيته على أن عائدات النفط يمكن أن توفر الموارد اللازمة لتمويل التحول في قطاع الطاقة وتعزيز أمن الطاقة البرازيلي.

لكن هذه الرؤية تصطدم بمعارضة بيئية قوية. فالتنقيب في «الهامش الاستوائي» يقع بالقرب من منطقة الأمازون، إحدى أغنى مناطق العالم بالتنوع الحيوي، ما يجعل أي توسع نفطي هناك موضع تدقيق من المنظمات البيئية التي تحذّر من المخاطر المحتملة على النظم البيئية البحرية والساحلية.

الرئيس البرازيلي يلقي كلمة خلال حفل تنصيب الرئيس الجديد لـ«بتروبراس» عام 2024 (أ.ب)

ولهذا فإن «جواز سفر إلى المستقبل» الذي تحدث عنه لولا يحمل معنى يتجاوز الاحتفال باكتشاف نفطي. فهو يعكس رهاناً برازيلياً على استخدام موارد الوقود الأحفوري لتمويل الانتقال إلى اقتصاد أقل اعتماداً عليه، وهي معادلة تبدو جذابة اقتصادياً، لكنها محفوفة بتحديات بيئية وسياسية.

من اكتشاف إلى مشروع تجاري

وفي الوقت الراهن، لا تزال كلمة الفصل لدى البيانات التي ستخرج من بئر «مورفو». فقد أكدت «بتروبراس» وجود الهيدروكربونات من خلال السجلات الكهربائية ومؤشرات في الصخور، لكنها لم تحدد بعد حجم التراكم أو نوعية الخام أو الموارد القابلة للاستخراج.

وقالت رئيسة «بتروبراس»، ماغدا تشامبريارد، إن الشركة تحتاج إلى نحو 15 إلى 20 يوماً إضافياً من الحفر لتكوين صورة أوضح عن حجم الاكتشاف.

وإذا أثبتت النتائج اللاحقة وجود احتياطيات تجارية كبيرة فقد تكون «مورفو» أكثر من مجرد بئر ناجحة؛ إذ يمكن أن تصبح بوابة إلى مقاطعة نفطية جديدة تساعد البرازيل على إطالة عمر إنتاجها وتعويض الاحتياطيات المستنزفة.

أما إذا جاءت الكميات أقل من التوقعات فسيظل الاكتشاف مهماً باعتباره أول دليل على الإمكانات الهيدروكربونية قبالة أمابا، لكنه لن يتحول بالضرورة إلى قصة إنتاج كبيرة.

وبين الاحتمالَين، تبدو أهمية «مورفو» اليوم في أنها نقلت «الهامش الاستوائي» من خانة التوقعات إلى خانة الاختبار الفعلي، وفتحت أمام البرازيل سؤالاً أكبر من حجم البئر نفسها: هل تستطيع البلاد الاستفادة من ثروة نفطية جديدة للحفاظ على قوتها الاقتصادية وتمويل تحولها الأخضر، من دون أن تدفع ثمناً بيئياً باهظاً؟

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended