«الهُيام» ليس حباً... بل نوع من الانجذاب الهوسي

شوق عميق لشخص ما وأفكار وسواسية ومتطفلة ورغبة شديدة في التبادل العاطفي

الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)
الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)
TT

«الهُيام» ليس حباً... بل نوع من الانجذاب الهوسي

الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)
الهيام دافع قهري قد يستمر شهوراً وسنوات (بيكسلز)

على مدى 8 سنوات، شعرت جوردان وكأنها واقعة تحت تأثير سحر قوي. كانت تربطها علاقة عابرة بزميل لها في العمل، ولكن رغم عدم معرفتها به جيداً، كانت منجذبة إليه بشدة، ومتيقنة أنه «توأم روحها». وقالت جوردان، البالغة من العمر 35 عاماً التي طلبت عدم ذكر اسمها كاملاً حفاظاً على خصوصيتها: «كنت أفكر فيه كل يوم، طوال الوقت». كانت تفكر فيه مع كل كلمة أغنية. كانت تختلق الأعذار للتواصل معه. كانت تتخيل خيالات مفصلة ينتهي بهما المطاف فيها معاً، كما كتبت ميليندا وينر موير*.

50 % من الناس يمرون به مرة واحدة على الأقل

الهيام هوَس رومانسي

كانت تجربة جوردان شديدة، ولكنها ليست نادرة. وعلى الرغم من قلة البحوث في هذا المجال، فإن توم بيلامي، عالم الأعصاب في جامعة نوتنغهام بإنجلترا، قدَّر أن ما يصل إلى 50 في المائة من الناس يمرون بهذا النوع من الهوس الرومانسي مرة واحدة على الأقل في حياتهم. ويُطلق عليه اسم «الوله» أو «الهيام».

ما هو الهيام؟

الهيام حالة نفسية تتميز بشوق عميق لشخص ما، وأفكار وسواسية ومتطفلة، وسلوكيات قهرية، ورغبة شديدة في التبادل العاطفي، كما أوضحت أورلي ميلر، وهي اختصاصية نفسية مرخصة في نيو ساوث ويلز، بأستراليا. وقد صاغت هذا المصطلح عالمة النفس دوروثي تينوف في سبعينيات القرن الماضي، ولكنَّه غير مُدرج في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وهو المرجع التشخيصي المُستخدم في البحوث والتدريب الطبي والرعاية السريرية.

وبينما يكون الإعجاب العابر عادة عابراً، قد يستمر الهيام أشهراً أو سنوات أو حتى عقوداً، كما أوضحت ميلر. وهو أيضاً أكثر حدة. ويتحول الإعجاب أو الانجذاب إلى هيام عندما يبدأ في التأثير سلباً على قدرة الشخص على أداء وظائفه، كأن يمنعه من العمل أو النوم أو الأكل، على سبيل المثال.

الهيام تجربة نفسية ذاتية مبنية على الخيال والغموض إذ يصبح الشخص الآخر «رمزاً»

الهيام ليس هو الحب

الهيام ليس هو الحب. وتقول ميلر إنه على الرغم من أن كليهما يشتمل على مشاعر قوية، فإن الهيام تجربة نفسية مركزة على الذات، مبنية على الخيال والغموض؛ إذ يصبح الشخص الآخر «رمزاً: (أنت مصدر سعادتي، أنت مصدر اكتمالي)»، كما قال ألبرت واكين، أستاذ علم النفس المتقاعد في جامعة «القلب المقدس» في كونيتيكت.

لا يشترط أن يكون الهيام رومانسياً أو جنسياً، كما أوضحت لين مارشال، عالمة النفس التي تدرس الهيام في جامعة تشيتشستر في إنجلترا. واليك مثال ليلي (46 عاماً) وهي اختصاصية اجتماعية سريرية في ماساتشوستس، التي قالت إنها شعرت أخيراً بمشاعر قوية تجاه صديق. وعندما لم يرُد عليها هذا الصديق برسائل نصية ولا ببريد إلكتروني، انتابها اليأس. وقالت: «كان الأمر مؤلماً للغاية. كنت استيقظ صباحاً وأبدأ في التفكير فيه، وأخلد إلى النوم ليلاً وأظل أفكر فيه». وطلبَت أيضاً عدم ذكر اسم عائلتها حفاظاً على خصوصيتها.

دافع قهري

يشتمل الهيام على دافع قهري للبحث عن علامات تدل على اهتمام الشخص الآخر. وقالت ميلر: «قد يُستخدم شيء عابر (نظرة خاطفة، رسالة نصية، تفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي) لخلق قصص وروايات مُفصَّلة حول ما إذا كان ذلك الشيء العابر يعني الرفض أم التبادل».

التعلق بالأمل

في حالة الهيام، يأمل الشخص أن تكون للطرف الآخر مشاعر، ولكنه يشكُّ في ذلك أيضاً. تقول آبي ميدكال، عالمة النفس المقيمة في كاليفورنيا: «الغموض هو الوقود الذي يُبقي الأمر مستمراً». وفقاً لبيلامي، يُشبه الهيام الإدمان. فعندما يشعر الشخص بالتبادل، يُسجِّله الدماغ كمكافأة. وإذا جاءت هذه المكافآت بشكل غير متوقع، فقد يُزيد ذلك من الرغبة في الاستمرار في البحث عنها.

وتساءل العلماء عما إذا كان بعض الأشخاص أكثر عرضة لتجربة الهيام من غيرهم. وتشير إحدى الدراسات إلى أن البالغين الذين يعانون من اضطراب التعلق القلق -والذين لديهم خوف من الهَجر، وغالباً ما عانوا من رعاية غير موثوقة عاطفياً في طفولتهم- هم أكثر عرضة من غيرهم.

والأشخاص الذين يعانون من الهيام العاطفي غالباً ما يكونون قلقين، وقد يُظهرون سلوكيات قهرية ووسواسية، ولكن هذا لا يعني بالضرورة إصابتهم باضطراب القلق العام أو اضطراب الوسواس القهري.

كسر السحر

على الرغم من أن الهيام العاطفي عادة ما يُسبب التعاسة، فإنه لا يمكن التخلص منه بمجرد التمني، كما قالت ميلر. ومع ذلك، أشار بيلامي إلى أنه قد يكون من المفيد ملاحظة وتصنيف السلوكيات القهرية عند ظهورها، كأن تفكر: «أريد مراسلة هذا الشخص، وهذه رغبة جامحة». كما اقترح التركيز على عيوب الشخص الآخر، أو تخيل ما سيحدث لو اكتشف الآخرون هذا الإعجاب.

وأوضح أن أنجع طريقة هي قطع التواصل مع الشخص الآخر، فحينها ستتوقف تلك الرغبات المتقطعة. ولكنه أضاف أن هذا ليس ممكناً دائماً، وبالتأكيد ليس سهلاً.

التعاون مع معالج نفسي

وأشارت ميلر إلى أن العمل مع معالج نفسي مُلمٍّ بمفهوم التعلق العاطفي الشديد قد يكون مفيداً. وقد تُساعد استراتيجيات العلاج السلوكي المعرفي. وأوضحت أن الناس غالباً ما يشعرون بالتعلق العاطفي الشديد تجاه الآخرين الذين يمتلكون صفات يتوقون إليها أو فقدوها في أنفسهم. وفي جلسات العلاج، يمكنهم تعلم كيفية تحديد هذه الرغبات وتلبيتها، وتحويل التعلق العاطفي الشديد إلى مصدر للشفاء. وأضافت ميلر: «يمكن أن يكون ذلك وسيلة للتحول والتطوير الشخصي».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

ماذا يجري داخل مختبرات أبحاث الطاعون الروسية؟

علوم صورة بالأقمار الاصطناعية لمنشأة إيركوتسك العلمية في سيبيريا

ماذا يجري داخل مختبرات أبحاث الطاعون الروسية؟

من وضع برامج بدائية للقضاء على المرض إلى مشاريع علمية لمنع انتشاره

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم مرض باركنسون ويظهر يساراً إلى الأسفل «مستوى الدوبامين الطبيعي» ويميناً «مستوى الدوبامين في مرض باركنسون»

جين شائع يكشف سرّ سرعة تطور مرض باركنسون

أظهرت دراسة حديثة أن متغيرات وراثية في جين «إم سي 1 آر» (MC1R) ترتبط بتسارع تدهور الأعراض الحركية لدى المصابين بمرض باركنسون.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
صحتك الذكاء الاصطناعي يساعد في تحديد الطفرات الجينية المسببة للصرع

الذكاء الاصطناعي يساعد في تحديد الطفرات الجينية المسببة للصرع

للتفريق بين مسار الطفرة «الحميدة» والطفرة «الخبيثة»

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
علوم الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

الذكاء الاصطناعي قد يضاعف ​​عمر الإنسان

يوسع نطاق ما يمكن للعلماء اكتشافه وقياسه

علوم من المعروف أن المخ يتكون من نصفين دماغ أيمن ودماغ أيسر (بيكسلز)

دراسة حديثة: الدماغ البشري ليس عضواً واحداً بل اثنان!

تشير دراسة جديدة إلى أن الدماغ البشري نشأ من عضوين منفصلين، وهو اكتشاف قد يؤثر على خيارات العلاج المستقبلية للأمراض التنكسية العصبية واضطرابات الدماغ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الجينات وحدها لا تفسّر سلوكنا

الجينات وحدها لا تحدد السلوك
الجينات وحدها لا تحدد السلوك
TT

الجينات وحدها لا تفسّر سلوكنا

الجينات وحدها لا تحدد السلوك
الجينات وحدها لا تحدد السلوك

كشفت دراسة دولية واسعة عن أن التأثيرات الجينية المرتبطة بالسلوك الاجتماعي لدى الإنسان تختلف تبعاً للعمر والبيئة الاجتماعية، وباختلاف الشخص الذي يصف السلوك ويقيّمه. وهذا ما يؤكد أن فهم السلوك البشري يتطلب النظر إلى الجينات والسياق الذي يتطور فيه هذا السلوك معاً.

تحليل 500 ألف ملاحظة سلوكية جُمعت من أكثر من 73 ألف شخص

وحلّل باحثون بقيادة معهد «ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي» في مدينة نايميخن الهولندية نحو 500 ألف ملاحظة سلوكية جُمعت من أكثر من 73 ألف شخص. وأظهرت الدراسة المنشورة في مجلة «Nature Human Behaviour» في 21 سبتمبر (أيلول) 2026 أن الأنماط الجينية المرتبطة بالسلوك الاجتماعي تختلف عبر مراحل النمو وبين تقييمات الوالدين والمعلمين والتقارير الذاتية للأفراد.

وتسلّط النتائج الضوء على أهمية السياق الاجتماعي في دراسة الأسس الجينية للسلوك وعلاقته باضطرابات النمو العصبي، بما فيها التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

تتبّع السلوك عبر مراحل النمو

وركّز الباحثون على جانبين من السلوك الاجتماعي: الأول مدى استعداد الفرد لمساعدة الآخرين ومشاركة ما لديه معهم ومواساتهم عند الحاجة. أما الثاني، فهي الصعوبات التي قد يواجهها في تكوين الصداقات والتواصل مع أقرانه والحفاظ على العلاقات معهم.

وشملت التقييمات أشخاصاً تتراوح أعمارهم بين عامين و29 عاماً مع تكرار تقييم بعض المشاركين في مراحل عمرية مختلفة. كما قارن الباحثون بين تقارير الوالدين والمعلمين والتقييمات الذاتية للمشاركين.

وعلى خلاف الدراسات الجينية التقليدية التي تجمع النتائج في تقدير عام استخدم الباحثون أسلوباً إحصائياً يُعرف باسم «الانحدار التَّلَوِي Meta-regression» يتيح مقارنة نتائج دراسات متعددة وتحليلها مع مراعاة العوامل التي قد تؤثر فيها. وساعدهم هذا الأسلوب على الكشف عن كيفية اختلاف الارتباطات الجينية بالسلوك الاجتماعي تبعاً لنوع السلوك وعمر الفرد والشخص الذي يقيّمه بدلاً من التعامل مع هذه الاختلافات بوصفها نمطاً واحداً ثابتاً.

6 مناطق جينومية مرتبطة بالسلوك

وحدّد التحليل ست مناطق جينومية مرتبطة بالسلوك الاجتماعي وأظهرت جميعها اختلافات في ارتباطاتها تبعاً لنوع السلوك والعمر والجهة التي أبلغت عنه.

وظهر أقوى ارتباط جيني في منطقة CADM2 وهو جين يسهم في تنظيم الاتصالات بين الخلايا العصبية. وكان الارتباط أكثر وضوحاً في حالات انخفاض السلوك الاجتماعي الإيجابي وفقاً للتقييم الذاتي في أواخر الطفولة وبداية المراهقة. وسبق أن رُبطت تغيرات جينية في هذه المنطقة بالتوحّد وسمات أخرى.

وقدّرت الدراسة أن الاختلافات الجينية الشائعة تفسّر ما بين 2 و7 في المائة من التباين في السلوك الاجتماعي. كما حدّد الباحثون أربعة عوامل جينية مترابطة ارتبط اثنان منها بمجالي السلوك المدروسين بينما عكس الآخران الاختلافات بين تقييمات الوالدين والمعلمين.

وتشير النتائج إلى أن سلوك الطفل في المنزل قد يختلف عن طريقة تفاعله في المدرسة أو مع أقرانه، مما يستدعي مراعاة هذه الاختلافات عند دراسة النمو.

وأوضحت لوسيا دي هويوس، الباحثة الأولى في الدراسة من قسم اللغة وعلم الوراثة في معهد «ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي» في هولندا، أن الطبيعة المتغيرة للنمو البشري تستدعي اعتماد مناهج جينومية قادرة على رصد التغيرات عبر مراحل النمو. من جانبها أكدت بياته سانت بوركاين، الباحثة الرئيسية في الدراسة من القسم نفسه، أهمية مراعاة اختلاف تجارب الأطفال الاجتماعية عند تحليل التأثيرات الجينية بدلاً من اختزالها في تقدير عام واحد قد يغفل الفروق بين السياقات والأعمار.

روابط بالصحة النفسية

ولاختبار دقة التنبؤات الجينية أنشأ الباحثون درجات متعددة الجينات تجمع تأثيرات عديد من المتغيرات الجينية واختبروها لدى 16305 أشخاص من أصول أوروبية وأفريقية. وتحسّنت التنبؤات عندما تطابق السياق الاجتماعي المستخدم في تطوير هذه الدرجات مع السياق الذي طُبّقت فيه.

كما درس الفريق العلاقات الجينية بين السلوك الاجتماعي في الطفولة وسمات لاحقة منها التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وأظهرت النتائج أن هذه العلاقات يمكن رصدها في مراحل عمرية مختلفة حسب السلوك والسياق المدروسين.

الجينات لا تحدد المصير

وشدّد الباحثون على أن النتائج لا تعني إمكانية التنبؤ بسلوك طفل بعينه، إذ يتأثر السلوك بتفاعل العوامل الجينية مع التنشئة والبيئة الاجتماعية والدعم الذي يتلقاه الفرد.

وقال توماس بورجيرون، المشارك في الدراسة والباحث في معهد «باستور» بفرنسا، إن الجينات تؤدي دوراً مهماً لكنها لا تحدد مصير الإنسان، مشيراً إلى أن توفير البيئة المناسبة والدعم والفرص يساعد الأفراد على التكيف وتطوير قدراتهم.

وتندرج الدراسة ضمن مشروع «المخاطر والمرونة في التنوع النمائي والصحة النفسية (R2D2-MH)»، وهو مبادرة بحثية تمتد خمس سنوات بتمويل مشترك من المفوضية الأوروبية وتهدف إلى تحديد العوامل التي تزيد مخاطر اضطرابات النمو العصبي أو تساعد على التكيف معها بما يشمل التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والإعاقة الذهنية.

ويخطط الفريق لمواصلة أبحاثه من خلال دراسة الاختلافات الجينية بين الذكور والإناث بهدف تعميق فهم تطور السلوك الاجتماعي وعلاقته بالصحة النفسية.


عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
TT

عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته

​في 21 سبتمبر (أيلول) 2026، رفضت محكمة الاستئناف الخامسة في تكساس التماساً من شركة «أكلارينت» (Acclarent)، التي أضافت قدرات الذكاء الاصطناعي إلى نظام «ترو دي» لمساعدة الجرَّاحين في جراحات الأنف والجيوب الأنفية. وتعلَّق الالتماس بالكشف عن أجزاء محجوبة من وثائق دعوى قضائية. ولم يكن القرار إدانة للشركة، ولا إثباتاً لتسبُّب تقنيتها في إصابة مريض؛ بل تناول ضرورة إتاحة الوثائق خلال التقاضي.

وتكمن أهمية هذه القرارات في أن التحقيق في الخطأ الطبي قد يتجاوز تصرف الطبيب إلى: ما الذي عرفته الشركة عن نظامها؟ وكيف اختبرته؟ وما الذي أوضحته لمستخدميه عن قدراته وحدوده؟ فعندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى غرفة العمليات، قد تصبح وثائق تطويره وتقييم سلامته أدلة لفهم ما حدث وتحديد المسؤولية.

«ترو دي» خريطة داخل الجسم

يعمل نظام «ترو دي» (TruDi) كخريطة رقمية داخل الأنف والجيوب الأنفية؛ إذ يستعين بصور الأشعة وتتبع الأدوات، ليُظهر للجرَّاح موضع أداته بالنسبة إلى الأنسجة المحيطة؛ خصوصاً قرب أجزاء حساسة، مثل قاعدة الجمجمة والشرايين المغذية للدماغ، فالجرَّاح يحرك الأداة، والنظام يساعده على توجيهها.

وفي عام 2021، أعلنت «أكلارينت» إضافة قدرات للذكاء الاصطناعي تساعد على التعرُّف على أجزاء تشريحية، واقتراح مسار للأداة بين نقطتين يختارهما الطبيب. ويشبه ذلك تطبيق الخرائط الذي يساعد السائق على تحديد موقعه واختيار الطريق، ولكنه لا يتولى القيادة عنه.

وإذا اختلف الموقع المعروض عن الموقع الفعلي للأداة، فقد يتأثر تقدير الجرَّاح. ولكن تحديد السبب يحتاج إلى تحقيق: هل هو يرتبط بوظائف الذكاء الاصطناعي؟ أم بتتبع الأدوات؟ أم بإعداد النظام واستخدامه؟

إصابات تصل إلى المحاكم

سلَّط تحقيق لوكالة «رويترز»، نُشر في 9 فبراير (شباط) 2026، الضوء على دعوتين تتعلقان باستخدام «ترو دي». ففي مايو (أيار) 2023، خضعت دونا فيرنيهو لجراحة للجيوب الأنفية، وتقول دعواها إن إصابة الشريان السباتي، أحد الشرايين الرئيسية المغذية للدماغ، أدت إلى سكتة دماغية. وفي يونيو (حزيران) 2022، خضعت إيرين رالف لجراحة مشابهة، وادَّعت أن النظام أعطى الجرَّاح معلومات غير دقيقة عن موضع أدواته، ما أدى إلى إصابة الشريان السباتي وسكتة دماغية.

ونفت «أكلارينت» الادعاءات؛ إذ أكدت الشركة المالكة لها: «إنتيغرا لايف ساينسز» (Integra LifeSciences)، عدم وجود دليل يربط الذكاء الاصطناعي بالإصابات المذكورة. ويبقى حسم السبب رهناً بالأدلة: هل أسهم خلل في النظام في الضرر؟ أم طريقة استخدامه؟ أم عوامل أخرى؟ فحدوث الإصابة أثناء استخدام التقنية لا يثبت وحده أنها تسببت فيها.

حين تؤثر الخوارزمية في تغطية العلاج

ولا تقتصر النزاعات على غرفة العمليات. ففي 9 مارس (آذار) 2026، وافقت محكمة فيدرالية في مينيسوتا الأميركية جزئياً على إلزام مجموعة «يونايتد هيلث» (UnitedHealth Group) بتقديم وثائق عن سياسات تغطية الرعاية واستخدام خوارزمية «إن إتش بريديكت» (nH Predict)، في دعوى أقامها ممثلو تركة الراحل جين لوكن وآخرون.

ويقول المدَّعون إن الشركة استخدمت الخوارزمية في قرارات أوقفت تحمُّل تكاليف رعاية مرضى ما زالوا بحاجة إليها، مثل التأهيل والتمريض المتخصص بعد العلاج في المستشفى. وتناولت طلبات الوثائق استخدام الأداة وتدريب الموظفين والرقابة عليها. ولم يحسم القرار صحة الاتهامات؛ بل أتاح الحصول على أدلة لفحصها.

وتكشف القضية أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يمتد إلى قرار شركة التأمين بشأن استمرار دفع تكاليف العلاج. وبالنسبة إلى المريض، قد يعني توقف التغطية صعوبة استكمال الرعاية التي يحتاج إليها.

من يتحمل المسؤولية؟

تدفعنا هذه القضايا إلى سؤال أوسع من: «أي طبيب أخطأ؟». فقبل استخدام النظام، تشارك جهات عدة في تطويره واختباره وتسويقه وشرائه واعتماده داخل المستشفى. وقد ينشأ الخلل في أي مرحلة؛ من تصميم البرنامج إلى تدريب العاملين ومراقبة أدائه.

ومن منظور الحوكمة، ينبغي توضيح واجبات كل طرف؛ إذ على الشركة أن تشرح قدرات النظام وحدوده والمخاطر المعروفة، وعلى المستشفى أن يتحقق من ملاءمته لمرضاه ومن أنه يوفر التدريب والمتابعة، وعلى الطبيب أن يستخدمه ضمن الغرض المخصص له، ويبلِّغ عن الخلل. أما المسؤولية القانونية فتتحدد وفق الأدلة وسبب الضرر والقانون المعمول به.

ولا يكفي القول إن النظام يعمل «تحت إشراف الطبيب». فالإشراف يتطلب فهم حدود الأداة، وامتلاك الوقت والصلاحية لمراجعة توصيتها ورفضها عند الحاجة، والتحقق حين تتعارض معلوماتها مع حالة المريض. فوجود الطبيب في نهاية سلسلة القرار لا يجعله مسؤولاً وحده عن كل خلل سبقها، كما أن استخدام التقنية لا يلغي واجبه في التحقق.

درس للمؤسسات الصحية العربية

تقدم هذه القضايا درساً للمؤسسات الصحية السعودية؛ والعربية عموماً: تبدأ حماية المريض قبل إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العيادة، بالتحقق من أدائه محلياً، وتدريب مستخدميه، وتعيين مسؤول عن سلامته، ووضع إجراءات للإبلاغ عن الأخطاء، وإيقاف استخدامه عند ظهور أخطار تستدعي التحقيق.

ومن الضروري حفظ سجل يوضح نسخة البرنامج المستخدمة، والمعلومات التي قدمها، وكيف تعامل معها الفريق الطبي؛ لفهم مصدر الخلل حتى بعد تحديث البرنامج. وينبغي أن تضمن عقود الشراء تعاون الشركة في التحقيق وإتاحة السجلات اللازمة، مع حماية بيانات المرضى.

ويحتاج المريض إلى جهة واضحة للسؤال والشكوى، فالثقة تنمو بقدرة المؤسسة على اكتشاف الخطأ وتصحيحه وإنصاف المتضرر. وعندما يصل النزاع إلى المحكمة، يجب أن يكون ممكناً تتبع ما حدث؛ فالقرار قد يمر عبر أطراف كثيرة، ولكن المسؤولية يجب ألا تضيع بينها.


كردستان العراق توثق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية المهددة

مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)
مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)
TT

كردستان العراق توثق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية المهددة

مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)
مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)

شهد إقليم كردستان شمال العراق الأسبوع الماضي تدشين «مشروع التنوع البيولوجي في كردستان» عند سد باستورا، الذي تقول عنه حكومة أربيل إنه خطوةً جوهريةً ضمن جهود الإقليم الرامية إلى توثيق وحماية الحياة النباتية والحيوانية فيه، وخصوصاً المهددة.

الحياة البرية في كردستان العراق (مؤسسة كردستان)

قاعدة بيانات وطنية جديدة

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال هندرين غازي، مدير البرامج في «مؤسسة كردستان»: «يمثل الموقع الإلكتروني (www.biodiversity.krd) الركيزة الأساسية للمشروع؛ إذ يُعدّ قاعدة بيانات وطنية جديدة تضم معلوماتٍ موثقةً علمياً حول الحياة النباتية والحيوانية في إقليم كوردستان»، مضيفاً أن «الباحثين في مؤسسة كردستان جمعوا هذه البيانات من خلال العمل الميداني، وهي الآن متاحة في منصة واحدة للطلاب والعلماء وصنّاع السياسات، ولكل المهتمين بالثروة الطبيعية في كردستان».

تسجيل وتوثيق 2252 نوعاً رسمياً

وأوضح غازي أنه «بحلول يوم إطلاق المشروع، تم تسجيل وتوثيق 2252 نوعاً رسمياً على الموقع الإلكتروني، منها 1408 أنواع نباتية و844 نوعاً حيوانياً. وبالإضافة إلى ذلك، تم تحديد 19 منطقة رئيسية للتنوع البيولوجي موزعة على محافظات إقليم كردستان الأربع».

واستطرد أن «إقليم كردستان يتميز بتنوع تضاريسه التي تشمل الجبال، والوديان النهرية، والأراضي الرطبة، والسهول؛ إلا أن المعلومات الموثوقة حول الكائنات التي تعيش في هذه المناطق كانت -لفترة طويلة- إما مشتتة أو غير متوفرة على الإطلاق. وقد أُنشئت قاعدة بيانات هذا المشروع لسد هذه الفجوة، وتوفير أساس علمي متين لأعمال الحفاظ على البيئة والتخطيط البيئي».

الحفاظ على الحياة البرية في كردستان

وتجدر الإشارة إلى أن رئيس وزراء إقليم كردستان، مسرور بارزاني، قال خلال كلمته بحفل تدشين المشروع: «يُعدّ هذا المشروع خطوةً بالغة الأهمية نحو الحفاظ على المناخ والحياة البرية في كردستان. وإن أبعاد هذا المشروع تتجاوز الحدود الإدارية لإقليم كردستان العراق»، داعياً إلى «توثيق الأصناف الحيوية في أي بقعة من جغرافيا كردستان التاريخية، بما فيها الدول المجاورة؛ بغية إثراء المخزون العلمي المشترك»، مؤكداً على أن «حماية هذه الثروة الطبيعية وصونها يمثلان مسؤولية تضامنية يتقاسمها كل محب للبيئة»، حسب تعبيره.

تم توثيق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية في المشروع (مؤسسة كردستان)

مبادرات مناخية وبيئية

ووفقاً لهندرين غازي، يُعدّ «مشروع التنوع البيولوجي في كردستان» جزءاً من أعمال مبادرة «Climate.KRD» -التابعة لـ«مؤسسة كردستان»- التي تركز على المبادرات المناخية والبيئية، بالشراكة مع وحدة تغير المناخ بمكتب رئيس حكومة إقليم كرردستان، منوهاً إلى أن مؤسسة كردستان تخطط خلال الأشهر المقبلة، لتوسيع قاعدة البيانات، وتنفيذ برامج توعوية، والتعاون مع الجامعات والشركاء لتوسيع نطاق المشروع.، حسبما قال.

وشدد غازي على أن هذا المشروع مفتوح للزوار من خلال الموقع الإلكتروني الذي استقبل ما يقرب من 9000 زائر خلال الـ24 ساعة الأولى من إطلاقه.

مراحل المشروع

وختم بأن المشروع يعتمد على 3 مراحل، الأولى جمع البيانات المتوفرة ودمجها في الموقع الإلكتروني، وهو ما تم بالفعل، والثانية، استكمال جميع الاكتشافات المتوفرة بما في ذلك موقعها ووصفها وأسماؤها العلمية، وحالتها لدى الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، والأخيرة افتتاح مركز للتنوع البيولوجي في كردستان وتطوير مركز لإعادة التأهيل وحماية الأنواع بالتنسيق مع الباحثين والأساتذة الأكاديميين.

وكان رئيس وزراء إقليم كردستان أطلق المشروع بحضور عدد من الوزراء وكبار المسؤولين الحكوميين في كردستان، وأرين بارزاني، رئيس «مؤسسة كردستان» المؤسسة المشرف على المشروع، كما شارك في حفل الإطلاق نشطاء في مجال المناخ، وباحثون، وعناصر من شرطة الغابات والبيئة.