احتضنت مدينة سرت الليبية لقاءً هو الثاني من نوعه بين أطراف عسكرية متنافسة، في خطوة عدّها سياسيون ومحللون ليبيون جزءاً من جهود توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة بين شرق البلاد وغربها.
واجتمع الفريق خالد حفتر، رئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي، والفريق صلاح النمروش، رئيس أركان قوات حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، الأحد، للمرة الأولى في مدينة سرت.

ووصل النمروش إلى سرت على رأس وفد عسكري؛ حيث عقد لقاءً يُنظر إليه بوصفه خطوة تُعزز الآمال في توحيد المؤسسة العسكرية وتقريب وجهات النظر بين طرفي شرق ليبيا وغربها.
ورحّب صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، بلقاء خالد حفتر والنمروش في سرت، التي وصفها بأنها «مدينة الوطن الجامعة». وضم الاجتماع عدداً من القيادات العسكرية الليبية، من بينهم الأمين العام للقيادة العامة الفريق خيري التميمي، بحضور أعضاء لجنتي: العسكرية المشتركة «5+5» و«3+3»، وبمشاركة البعثة الأممية.
وأشاد صدام حفتر، في منشور عبر حساب شخصي منسوب إليه على «فيسبوك»، بـ«الأجواء الإيجابية التي سادت اللقاء، وما عكسته من روح المسؤولية الوطنية، والحرص الصادق على تغليب المصلحة العليا للوطن».
وقال إن اللقاء يأتي «في سياق المساعي الوطنية الرامية إلى توحيد المؤسسة العسكرية وإنهاء حالة الانقسام، بدعم من الشركاء الدوليين».
كما ثمّن «الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة، بما في ذلك القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، إلى جانب البعثة الأممية، في مساندة المساعي الهادفة إلى بناء مؤسسة عسكرية ليبية موحدة ومهنية، بما يُعزز أمن ليبيا واستقرارها، ويحفظ سيادتها ووحدة أراضيها».

وأكد أن «توحيد المؤسسة العسكرية على أسس وطنية ومهنية يُمثل هدفاً أساسياً لحماية الوطن وصون سيادته». وأضاف: «سنواصل العمل بكل جدية ومسؤولية من أجل بناء مؤسسات قوية وفاعلة، وحماية أراضي ليبيا وحدودها، وترسيخ وحدة الصف الوطني، وصولاً إلى جيش ليبي موحد وقادر على أداء مهامه في الدفاع عن الوطن والمواطن».
ويأتي اجتماع خالد حفتر والنمروش في ظل تحركات دبلوماسية وعسكرية أميركية تهدف إلى توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والاقتصادية في ليبيا، وفق مبادرة يرعاها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وسبق أن تقاتل «الجيش الوطني» مع «قوات غرب ليبيا»، في حرب دامت نحو 13 شهراً، وانتهت على الأبواب الجنوبية لطرابلس، قبل أن تتراجع قوات الجيش إلى محور سرت-الجفرة، خارج الحدود الإدارية للعاصمة في منتصف 2020.
واحتفى سياسيون ليبيون ونشطاء ومدوّنون بلقاء خالد حفتر والنمروش، عادين أنه «خطوة جيدة تحمل دلالات قوية» من شأنها تعزيز فرص توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، مشيرين إلى أهمية الانتقال «من مرحلة الجفاء إلى لغة الحوار البنّاء، وقطع الطريق أمام أي تدخلات خارجية».
ووصف المحلل السياسي عمر بو أسعيدة لقاء خالد حفتر والنمروش في سرت بأنه «خطوة قيادية كبرى نحو تنسيق عسكري موحد يحمي سيادة ليبيا واستقرارها».
وتقع سرت على بُعد نحو 450 كيلومتراً من طرابلس، وفي منتصف المسافة تقريباً بينها وبين بنغازي، وهي مسقط رأس الرئيس الراحل معمر القذافي. وقد سبق أن سيطر عليها تنظيم «داعش» عام 2015، واتخذها أحد أبرز معاقله في شمال أفريقيا.
وكان مصدر عسكري قد تحدث لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة الماضي، عن لقاءات عسكرية تستضيفها سرت هذا الأسبوع، من بينها اجتماع خالد والنمروش، متوقعاً لقاءً آخر يجمع قريباً صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة».

وكان اللقاء الأول الذي احتضنته سرت قد جمع صدام والزوبي على هامش تمرين «فلينتلوك 2026» في 14 أبريل (نيسان) الماضي، في خطوة غير مسبوقة لاقت تفاعلاً واسعًا بين الليبيين، الذين عدّوها «بداية محتملة» نحو توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة.
كما التقى صدام والزوبي مرة ثانية في مايو (أيار)، خلال مشاركتهما في فعالية بمدينة إسطنبول التركية.
وتضم سرت مقر اللجنة العسكرية المشتركة «5+5»، ما يُفسر عقد لقاءات عسكرية بين طرفي شرق ليبيا وغربها في المدينة، التي تتمركز قوات لـ«الجيش الوطني» في محيطها منذ تراجعها عن دخول العاصمة طرابلس في يونيو (حزيران) 2020.
وأثار ظهور النمروش وخالد حفتر معًا في مؤتمر رؤساء أركان الدفاع الأفارقة، الذي عُقد في الثاني من الشهر الحالي بالعاصمة الأنغولية لواندا، واجتماعهما مع قائد «أفريكوم»، داغفين أندرسون، تكهنات بشأن الدفع بالجهود الأميركية نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
وإبان «ثورة 17 فبراير (شباط)» 2011، كانت سرت آخر مدينة شهدت معركة حاسمة بين «كتائب القذافي» وقوات المعارضة، وفيها كُتبت النهاية الدامية للقذافي في أكتوبر (تشرين الأول) 2011؛ حيث قُتل في ضواحيها، ما تسبّب في تعرض أجزاء كبيرة منها لدمار واسع خلال المعارك، لكنها بدأت راهناً «تنهض عمرانياً»، وفق ما تعكسه الحكومة وأطياف مختلفة من سكانها.




