ليبيا تواجه خطر تفشي «الحمى القلاعية» بإجراءات احترازية

وسط مخاوف من خسائر اقتصادية كبيرة وإغلاق أسواق المواشي

عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)
عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)
TT

ليبيا تواجه خطر تفشي «الحمى القلاعية» بإجراءات احترازية

عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)
عناصر الشرطة الزراعية في إحدى المزارع المشتبه بوجود إصابات بالحمى القلاعية فيها (الشرطة الزراعية)

وسَّعت السلطات الليبية إجراءاتها الاحترازية لمواجهة مخاوف تفشي مرض الحمى القلاعية بين الأبقار والأغنام، بعد رصد إصابات وحالات اشتباه في عدد من المدن، بالتزامن مع إغلاق أسواق للمواشي، وتشديد الرقابة البيطرية في مناطق بالشرق والغرب.

ويعكس تحرك الحكومتين في طرابلس وبنغازي تصاعد القلق من اتساع نطاق المرض، وما قد يترتب عليه من خسائر اقتصادية، وسط تحذيرات من أن سنوات الانقسام السياسي أضعفت منظومة الصحة الحيوانية، وقلَّصت فاعلية برامج التحصين.

فنيون بفريق بيطري خلال الكشف على أحد الحيوانات المشتبه إصابتها بالحمى القلاعية في مدينة زليتن الليبية (الشرطة الزراعية)

ويرى الدكتور عبد الحميد الشريف، مدير إدارة مكافحة الأوبئة والأمراض المشتركة بـ«المركز الوطني للصحة الحيوانية» في غرب ليبيا، أن المخاوف الحالية لا ترتبط فقط بظهور بؤر جديدة؛ بل أيضاً بتراكم أزمات يعانيها القطاع البيطري منذ سنوات. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات البيطرية تواصل جهود الاحتواء عبر فرق التحقق الوبائي المنتشرة في البلديات، التي تتولى سحب العينات وفحصها داخل البلاد، أو إرسالها إلى مختبرات خارجية عند تعذُّر إجراء التحاليل محلياً.

وازدادت المخاوف في غرب البلاد مع إعلان الشرطة الزراعية، السبت، تسجيل إصابة مؤكدة في قطيع أغنام بمنطقة العمامرة التابعة لبلدية مسلاتة، أسفرت عن نفوق 4 رؤوس وإصابة 86 أخرى، عقب بلاغ من أحد المربين، ومعاينة ميدانية أجراها أطباء بيطريون.

وزير الزراعة والثروة الحيوانية في غرب ليبيا عبد اللطيف الطاهر خلال تفقُّد مقر المركز الوطني للوقاية والحجر الزراعي الأسبوع الماضي (صفحة الوزارة)

وتزامن ذلك مع تصعيد الإجراءات الاحترازية؛ إذ أغلقت بلديات قصر بن غشير والعجيلات وبني وليد أسواق المواشي، وفرضت قيوداً على دخول الحيوانات واللحوم القادمة من المناطق المشتبه بإصابتها، للحد من انتقال العدوى.

كما كثَّف مسؤولون زراعيون، نهاية الأسبوع الماضي، حملات التفتيش في أسواق المواشي بمدن سوق الخميس أمسيحل والأصابعة وغريان، بينما تعاملت الفرق البيطرية في زليتن مع حالات اشتباه، عبر سحب عينات من عدد من المواشي، بينما خلصت لجنة مشتركة في بئر الغنم إلى عدم تسجيل أي إصابات.

وفي شرق البلاد، أعلنت السلطات البيطرية في البيضاء الاشتباه بإصابة قطعان أغنام في منطقتي قندولة ومراوة، بعد ظهور أعراض شملت العَرَج وتقرحات الفم واللسان وحالات نفوق. وسحبت فرق الصحة الحيوانية عينات لإخضاعها للفحوصات المخبرية لتحديد طبيعة الفيروس، واتخاذ التدابير اللازمة لاحتوائه.

وأطلق نقيب المهن الطبية البيطرية بمدينة المرج، الدكتور مروان العسبلي، تحذيراً من خطورة الحمى القلاعية؛ مشيراً إلى أنها تتميز بسرعة انتشارها وقدرتها على الانتقال عبر الهواء لمسافات بعيدة، فضلاً عن انتقالها بواسطة المعدات، ووسائل النقل والأشخاص المتنقلين بين الحظائر. وأوضح في تصريحات سابقة لوكالة «الأنباء الليبية» (وال) أن «المرض رغم انخفاض معدلات نفوقه بين الحيوانات البالغة، يتسبب في خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة تراجع إنتاج الحليب والإجهاض والهزال، بينما ترتفع معدلات نفوق المواليد من الحملان والعجول إلى ما بين 50 و70 في المائة، بسبب إصابة عضلة القلب».

ويتكرر ظهور مرض الحمى القلاعية في ليبيا منذ سنوات، وتقابله في كل مرة إجراءات من جانب السلطات في شرق البلاد وغربها، غير أن الشريف يعزو تكرار موجات التفشي إلى تأثير محتمل لتداعيات الانقسام السياسي. ويوضح أن «نقص الإمكانات، وعدم انتظام وصول اللقاحات في مواعيدها، والخلل في تنفيذ برامج التحصين، كلها عوامل أسهمت في زيادة انتشار المرض»، مبرزاً أن «الصراعات التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الأخيرة أدت أيضاً إلى توسع استيراد المواشي واللحوم، في ظل ضعف بعض مؤسسات الدولة، الذي ربما ساهم في دخول بؤر جديدة للمرض، وجعل الحمى القلاعية تظهر بصورة شبه سنوية».

من عمليات الكشف على أغنام في أحد المزارع بغرب ليبيا (الشرطة الزراعية)

لكن تكرار ظهور المرض لا يعود -حسب الشريف- إلى سنوات الانقسام وحدها، وأوضح في هذا السياق أن ليبيا شهدت منذ ثمانينات القرن الماضي بؤراً متفرقة للمرض في الشرق والغرب، وكانت الإصابات تظهر كل 5 سنوات تقريباً، قبل أن يتم احتواؤها عبر «التطعيم الحلقي»، الذي يعتمد على التخلص من الحيوانات المصابة، وتحصين المواشي في نطاق البؤرة؛ مشيراً إلى أن آخر حملة تطعيم شاملة على مستوى ليبيا نُفذت عام 2013، قبل أن ترتفع وتيرة الإصابات بين عامي 2015 و2019، لتتحول من موجات متباعدة إلى حالات تفشٍّ شبه سنوية.

ويُعد مرض الحمى القلاعية من أكثر الأمراض الفيروسية عدوى بين الحيوانات ذات الظلف المشقوق، مثل الأبقار والأغنام والماعز، ويسبب ارتفاعاً في درجات الحرارة، وتقرحات بالفم والحوافر تؤدي إلى العَرَج وانخفاض إنتاج الحليب، وينتقل عبر المخالطة المباشرة والهواء والأدوات الملوثة، بينما تظل إصابة الإنسان به نادرة.

ويوصي متخصصون بالالتزام ببرامج التحصين الدورية، وتطبيق إجراءات الأمن الحيوي داخل الحظائر، وفرض الحجر الصحي على الحيوانات الجديدة، والتخلص الآمن من الحيوانات النافقة. كما أكد العسبلي أن الإبلاغ المبكر عن الحالات المشتبه بها يمثل أحد أهم عوامل احتواء المرض.

غير أن مدير إدارة مكافحة الأوبئة والأمراض المشتركة شدد على أن القضاء على الحمى القلاعية بصورة نهائية «لا يرتبط فقط بالإجراءات البيطرية؛ بل يتطلب معالجة جذور الأزمة، عبر استعادة مؤسسات الدولة قدراتها، وضمان انتظام برامج التحصين، وتشديد الرقابة على حركة استيراد المواشي».


مقالات ذات صلة

ليبيون يراهنون على اتفاق سياسي يمهد للانتخابات رغم المخاوف

شمال افريقيا هانا تيتيه خلال مشاركتها في اجتماع لجنة «4+4» الليبية بتونس الاثنين (البعثة الأممية)

ليبيون يراهنون على اتفاق سياسي يمهد للانتخابات رغم المخاوف

تتجه الأنظار في ليبيا إلى العاصمة التونسية، حيث يُنتظر أن يوقع ممثلو شرق البلاد وغربها، هذا الأسبوع الصيغة النهائية لتفاهمات لجنة «4+4» بشأن القوانين الانتخابية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي مستقبلاً السفير الفرنسي لدى ليبيا تيري فالات (المجلس الرئاسي)

المنفي يبحث عن دعم فرنسي لـ«المبادرة الثلاثية» بشأن ليبيا

جدد محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، تمسكه بـ"المبادرة الثلاثية" التي سبق أن أطلقها مع رئيسي مجلسي النواب، عقيلة صالح، و"الأعلى للدولة"، محمد تكالة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا بولس والطرابلسي يتوسطان الصورة والقائم بالأعمال الأميركي إلى اليسار (حساب بولس على «إكس»)

هل تجمع سرت أفرقاء ليبيا لوضع خريطة «توحيد الجيش»؟

بدا لكثير من الليبيين أن سرت، المطلة على البحر المتوسط، مقبلة على احتضان اجتماعات عسكرية وأمنية خلال الأيام المقبلة، تستهدف بحث آليات إنهاء الانقسام المؤسسي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا من عملية إنقاذ مهاجرين من 4 دول أفريقية (الإدارة العامة لأمن السواحل)

إنقاذ 43 مهاجراً أفريقياً من الغرق في «المتوسط» قبالة ليبيا

تتّهم الأجهزة الليبية المعنية بمكافحة الهجرة غير المشروعة عصابات «الاتجار بالبشر» بالدفع بمئات المهاجرين إلى البحر في قوارب متهالكة بعد تلقّي الأموال منهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مراسم استقبال النمروش في إيطاليا (رئاسة الأركان العامة بغرب ليبيا)

«الوحدة» الليبية تعمّق تعاونها العسكري مع إيطاليا بـ«خطة تدريبية شاملة»

عمّقت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة علاقاتها العسكرية مع إيطاليا، عبر «خطة تدريبية شاملة» لـ«قواتها الخاصة» مستفيدة من تعاون سياسي واقتصادي بين البلدين.

جمال جوهر (القاهرة )

تصاعد الانتقادات البرلمانية لـ«غربلة» مستحقي الدعم في مصر

نواب يطالبون الحكومة المصرية بمراجعة قرارات حذف غير المستحقين من منظومة الدعم (وزارة التموين المصرية)
نواب يطالبون الحكومة المصرية بمراجعة قرارات حذف غير المستحقين من منظومة الدعم (وزارة التموين المصرية)
TT

تصاعد الانتقادات البرلمانية لـ«غربلة» مستحقي الدعم في مصر

نواب يطالبون الحكومة المصرية بمراجعة قرارات حذف غير المستحقين من منظومة الدعم (وزارة التموين المصرية)
نواب يطالبون الحكومة المصرية بمراجعة قرارات حذف غير المستحقين من منظومة الدعم (وزارة التموين المصرية)

طالب برلمانيون الحكومة المصرية بمراجعة إجراءات حذف غير المستحقين من قوائم الدعم، وشددوا على ضرورة توفر بيانات تفصيلية عن الأسر المستحقة مع تعدد الشكاوى من خروج مواطنين يرون أن لهم أحقية في الحصول على «الدعم العيني» الذي ما زالت تطبقه الحكومة، مع اتجاهها نحو التحول إلى «الدعم النقدي» خلال العام المالي الذي بدأ من يوليو (تموز) الحالي.

وبدأت الحكومة المصرية الشهر الماضي إجراءات لتنقية بطاقات التموين، وأعلنت حذف نحو 850 ألف مواطن من حاملي هذه البطاقات، وسط انتقادات واسعة وتحذيرات من تأثيرات اجتماعية سلبية تطول قطاعات واسعة من المصريين الذين يعتمدون على «الدعم التمويني» لمواجهة الأعباء المعيشية.

وتصاعدت خلال الأيام الماضية انتقادات برلمانية للقرارات الحكومية المرتبطة بالدعم، وطالب نواب بإعلان معايير الحذف ومراجعتها لتجنب استبعاد مواطنين يحتاجون إلى الدعم.

والسبت، قدّم عضو مجلس النواب عن «الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي» حسين غيته، طلب إحاطة موجّهاً إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزير التموين والتجارة الداخلية، بشأن «غياب الشفافية في قرارات استبعاد المواطنين من منظومة الدعم التمويني، وتكرار حالات الحذف العشوائي للبطاقات».

وطالب النائب بـ«نشر المعايير والضوابط الخاصة بالحذف بشفافية، وإخطار المواطنين مسبقاً، ومنحهم مهلة لتصحيح بياناتهم قبل تنفيذ القرار»، كما شدد على أهمية إجراء «مراجعة شاملة لقرارات الحذف الأخيرة، وإعادة المستحقين فوراً، إلى جانب تطوير قواعد البيانات وربطها إلكترونياً، وإنشاء منظومة رقابية لمنع تكرار الحذف العشوائي».

وسبق أن أعلنت وزارة التموين مجموعةً من المعايير التي يُستند إليها في استبعاد المواطنين من منظومة الدعم، والتي شملت أصحاب الأجور أو المعاشات المرتفعة، ومالكي السيارات الحديثة مرتفعة القيمة (موديل 2018 فأحدث)، وأصحاب الشركات التي تتجاوز قيمتها 10 ملايين جنيه (يعادل الدولار نحو 50 جنيهاً).

ومن ضمن المعايير أيضاً من صدرت بحقهم أحكام نهائية في مخالفات البناء أو التعدي على الأراضي الزراعية، ومن تم تحرير محاضر رسمية ضدهم بسرقة التيار الكهربائي، وأولياء أمور الطلاب بالمدارس الخاصة الذين تتجاوز المصروفات الدراسية لأبنائهم 20 ألف جنيه سنوياً، وكذلك أصحاب الحيازات الزراعية التي تزيد على 10 أفدنة، ونهاية بشاغلي الوظائف القيادية والمناصب العليا بالدولة.

شكاوى من حذف مواطنين مستحقين للدعم من منظومة التموين المصرية (وزارة التموين المصرية)

وقال عضو مجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) فريدي البياضي لـ«الشرق الأوسط»، إنه تلقى «عشرات الشكاوى من مواطنين تم حذفهم بلا أسباب، ومن بين هذه الشكاوى مواطن تم حذفه بدعوى امتلاكه سيارة فارهة رغم أنه لا يمتلك أي سيارات، وذهب إلى إدارة المرور للحصول على خطاب بذلك».

وأكد البياضي، الذي سبق أن تقدم بطلب إحاطة برلماني حول مخاطر التحول إلى «الدعم النقدي»، أن «المعايير التي حددتها الحكومة للحذف غير واضحة وفضفاضة، وستؤدي إلى أزمة كبيرة لملايين المواطنين».

وطالب بـ«إيقاف إجراءات الحذف إلى أن يتم إجراء حوار مجتمعي يحدد معايير عادلة»، وتساءل: «لماذا تقوم الحكومة بحذف المواطنين ولا تسمح بإعادتهم مرة أخرى في حال ثبوت أنهم يستحقون الدعم؟ ولماذا لا يتم إضافة أي مستحقين جدد؟».

ويزيد عدد المستفيدين من الدعم التمويني على 65 مليون مواطن، بحسب بيانات وزارة التموين. وتطبق الحكومة منظومة لدعم السلع الضرورية منذ عقود طويلة، بهدف خفض نفقات المعيشة لـ«الفئات الأولى بالرعاية»، ويحصل المواطن على السلع المدعمة من خلال البطاقات التموينية.

ورفعت مصر قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة، التي طُبقت بداية من يوليو الحالي، إلى 832.3 مليار جنيه، وفق وزارة المالية، بينها نحو 170 مليار جنيه مخصصة لدعم السلع التموينية ورغيف الخبز.

الحكومة المصرية تمهد للانتقال إلى الدعم النقدي بتنقية قوائم المستحقين (وزارة التموين المصرية)

وفي رأي عضو مجلس النواب عاطف مغاوري، فإن الإجراءات الأخيرة تشي باتجاه الحكومة نحو تقليص الدعم، بل احتمال إلغائه، مطالباً بـ«إيقاف إجراءات حذف المواطنين من بطاقات التموين، إلى حين وضع معايير واضحة، وإجراء حوار مجتمعي ودراسات حول التحول إلى الدعم النقدي».

وأكدت وزارة التموين والتجارة الداخلية في بيان سابق لها، أن «جميع أعمال تنقية قواعد بيانات المستحقين للدعم التمويني والخبز تتم دون المساس بـ(الفئات الأكثر فقراً) و(الفئات الأَولى بالرعاية)، مع الالتزام الكامل بفحص جميع التظلمات بكل شفافية وحيادية، وبما يحقق العدالة الاجتماعية، ويحافظ على حقوق المواطنين المستحقين للدعم».

وكانت الوزارة أكدت أنه تمت إتاحة التظلمات اعتباراً من 14 يونيو (حزيران) الماضي أمام كل من تم استبعاده من منظومة الدعم، ويرى عدم انطباق أي من محددات العدالة الاجتماعية عليه.


لماذا لا يلمس المصريون نتائج تباطؤ مؤشرات التضخم؟

مصرية تشتري طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)
مصرية تشتري طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)
TT

لماذا لا يلمس المصريون نتائج تباطؤ مؤشرات التضخم؟

مصرية تشتري طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)
مصرية تشتري طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)

لا تشعر الخمسينية المصرية سمية أحمد، التي تعمل مدرسة في محافظة بني سويف (جنوب العاصمة القاهرة) بـ«وجود تراجع في أسعار السلع التي تشتريها بشكل منتظم».

وتقول سمية، التي تعيل اثنين من الأبناء بعد وفاة زوجها، إن «أسعار بعض الخضراوات تزداد وعندما تنخفض يرتفع سعر نوع آخر»، وتشير إلى أن «فاتورة الكهرباء الخاصة بها زادت لنحو الضعف خلال الشهر الماضي على الرغم من أن استهلاكها لم يتغير وليس لديها سوى تكييف واحد بالمنزل».

ومثل سمية، يشتكي كثيرون من ارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية ولا يلمسون أي نتائج بسبب «تباطؤ» مؤشرات التضخم في البلاد.

وسجلت معدلات التضخم في مصر تباطؤاً للشهر الثالث على التوالي في يونيو (حزيران) الماضي، بعدما سجل معدل التضخم السنوي في المدن 14.3 في المائة مقارنة بـ14.6 في المائة في الشهر السابق، وفق بيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

وتوقع البنك المركزي أن يبلغ التضخم ذروته في الربع الثالث من العام الحالي قبل أن يبدأ في التراجع للوصول إلى معدلات أحادية الرقم خلال النصف الثاني من العام المقبل، وهو المعدل الذي كان يستهدف البنك تحقيقه، لكن الحرب الإيرانية والمتغيرات السياسية دفعتا لجنة «السياسة النقدية» لإعلان إرجاء التوقيت المستهدف، للعام المقبل.

ويسعى «المركزي» إلى الوصول بمعدلات التضخم لـ7 في المائة (زائد أو ناقص 2 في المائة) وهي النسبة التي تم الإعلان عنها بالتزامن مع برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تنفذه الحكومة مع «صندوق النقد الدولي» وجرى بموجبه تحرير سعر الصرف.

وقال عضو مجلس النواب، عصام العمدة لـ«الشرق الأوسط»، إن «مستهدفات التضخم ليست في أولويات المواطن العادي، لكن هناك مشكلة حقيقية تتمثل في عدم الشعور بنتائج أي إجراء اقتصادي يتم اتخاذه في ظل زيادة الأسعار بشكل مستمر». ويلفت إلى أنه على الرغم من استقرار سعر صرف الدولار بشكل كبير، فإن زيادات الأسعار استمرت.

الحكومة المصرية توفر بعض السلع بأسعار مخفضة لمواجهة الغلاء (صفحة وزارة التموين على فيسبوك)

ويضيف عضو مجلس النواب، أن «الزيادات التي جرت بأسعار المحروقات والكهرباء خلال الشهور الماضية، ساهمت في زيادة الأسعار بشكل ملحوظ». ويعرب عن أمله في «أن يلمس المواطنين تحسناً في الأسعار مع صرف الزيادات الجديدة بالرواتب نهاية الشهر الحالي وعدم وجود أي زيادات جديدة مرتقبة بأسعار الخدمات أو المحروقات».

وتدخل الشهر الحالي قرارات زيادة الأجور السنوية حيز التنفيذ، بعدما رفعت الحكومة الحد الأدنى لأجور العاملين بالقطاع الحكومي ليصل إلى 8 آلاف جنيه (الدولار يساوي 49.6 جنيه)، فيما زادت مخصصات الأجور بالموازنة لنحو 21 في المائة، مع منح الموظفين الرسميين علاوة دورية 15 في المائة، بحسب تصريحات سابقة لرئيس الوزراء مصطفى مدبولي.

لكن الخبير الاقتصادي، كريم العمدة يقول لـ«الشرق الأوسط»، إن الأرقام الحكومية تشير لتراجع وتيرة ارتفاع الأسعار، لكن لا تزال الأرقام كبيرة حتى الآن بما يجعل أي حديث عن انخفاض الأسعار غير منطقي.

ويلفت إلى أنه في الشهور الماضية جاءت غالبية الضغوط التضخمية نتيجة ارتفاع أسعار المحروقات وأسعار الكهرباء التي انعكست على مختلف السلع.

مصريون يشتكون من عدم انخفاض الأسعار رغم تراجع معدلات التضخم (صفحة وزارة التموين على فيسبوك)

وزادت مصر من أسعار الغاز والوقود بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة في مارس (آذار) الماضي بعد اندلاع الحرب الإيرانية، بالإضافة إلى تطبيق زيادات في شرائح الكهرباء المختلفة والموافقة على رفع أسعار خدمات الاتصالات بنسب تصل إلى 15 في المائة.

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن «المواطن لا يشعر بتأثير تراجع معدلات التضخم لأن الأسعار نفسها لم تنخفض، لكن تباطأت معدلات زيادتها، وفي المقابل لا توجد أي مؤشرات لعودة الأسعار إلى ما كانت عليه قبل 4 سنوات على سبيل المثال».


ليبيون يراهنون على اتفاق سياسي يمهد للانتخابات رغم المخاوف

هانا تيتيه خلال مشاركتها في اجتماع لجنة «4+4» الليبية بتونس الاثنين (البعثة الأممية)
هانا تيتيه خلال مشاركتها في اجتماع لجنة «4+4» الليبية بتونس الاثنين (البعثة الأممية)
TT

ليبيون يراهنون على اتفاق سياسي يمهد للانتخابات رغم المخاوف

هانا تيتيه خلال مشاركتها في اجتماع لجنة «4+4» الليبية بتونس الاثنين (البعثة الأممية)
هانا تيتيه خلال مشاركتها في اجتماع لجنة «4+4» الليبية بتونس الاثنين (البعثة الأممية)

تتجه الأنظار في ليبيا إلى العاصمة التونسية، حيث يُنتظر أن يوقّع ممثلو شرق البلاد وغربها، الأسبوع المقبل، الصيغة النهائية لتفاهمات لجنة «4+4» بشأن القوانين الانتخابية، وإعادة تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، وسط رهانات على أن تمثّل الخطوة انفراجة في الأزمة السياسية، التي عطّلت الاستحقاقات الانتخابية، في بلد يعاني انقساماً مؤسسياً وعسكرياً، وغابت فيه الانتخابات العامة منذ أكثر من 12 عاماً.

رئيس حكومة الوحدة في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

ويُنظر إلى التفاهمات المرتقبة، باعتبارها «محاولة لكسر الجمود الذي حال دون إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية منذ انهيار خطة تنظيمها في ديسمبر (كانون الأول) 2021»؛ إلا أن استمرار التكتم على بنودها يثير مخاوف لدى قوى سياسية من طبيعة التسوية المنتظرة، واحتمال إقصاء الأحزاب من المعادلة الانتخابية، في وقت تتصاعد فيه الدعوات إلى إعلان تفاصيل الاتفاق قبل اعتماده رسمياً.

وقال مصدر مقرب من اللجنة لـ«الشرق الأوسط» إن «كل النقاط العالقة منذ سنوات بشأن قوانين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية تم الاتفاق عليها»، مرجحاً أن يتم التوقيع الرسمي على التفاهمات. وتشير هذه التأكيدات إلى تجاوز أبرز الخلافات التي عطّلت الانتخابات، التي كانت مقررة في ديسمبر 2021، وفي مقدمتها شروط الترشح للانتخابات الرئاسية، لا سيما ما يتعلق بترشح العسكريين وحاملي الجنسية المزدوجة.

وكان ممثل حكومة «الوحدة» في «4+4»، عبد الجليل الشاوش، قد أعلن أن اللجنة التي من المقرر أن توقع الاتفاق، الثلاثاء المقبل، تمكّنت من معالجة «جميع العوائق» التي تضمّنتها القوانين الانتخابية السابقة، وتوصلت إلى حلول للنقاط الخلافية كافّة، لافتاً إلى أن ذلك يمهد لـ«مرحلة جديدة من الاستقرار»، وأنه «لم يعد هناك مجال لتأجيل أو عرقلة إجراء الانتخابات»، كما أكد في تصريحات لوسائل إعلام محلية.

وبشأن إعادة تشكيل «مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات»، قال المصدر المقرب من اللجنة ذاته إن «ترشيح رئيس مجلس المفوضية من قبل النائب العام، الصديق الصور لم يصل حتى الآن، ونتوقع وصوله خلال هذا الأسبوع ليكتمل تشكيل المجلس بالكامل».

الصديق الصور النائب العام الليبي (مكتب النائب العام)

وكانت بعثة الأمم المتحدة قد أعلنت، أواخر أبريل (نيسان) الماضي، توصل «4+4» في اجتماعها بروما إلى اتفاق لإعادة تشكيل «مجلس المفوضية»، يتضمن ترشيح النائب العام أحد القضاة المعروفين بالكفاءة والنزاهة لرئاستها، إلى جانب 6 أعضاء ممثلين لمجلسي النواب و«الأعلى للدولة».

ورغم اقتراب موعد التوقيع، ما تزال تفاصيل التفاهمات التي جرى التوصل إليها خلال خمس جولات من الاجتماعات في تونس وروما بعيدة عن الأضواء؛ إذ اتفق أعضاء اللجنة، حسب عضوين تحدثا سابقاً إلى «الشرق الأوسط»، على إبقاء مضمونها سرياً إلى حين استكمال الإجراءات القانونية والتوقيع الرسمي.

وأثار هذا التكتم انتقادات داخل الأوساط السياسية، كما دفع مجلسي النواب و«الأعلى للدولة» إلى عقد اجتماع مشترك بعد فترة طويلة من الانقطاع، في محاولة للتوافق على منصب رئيس المفوضية، في خطوة عدّها مراقبون استباقاً للتفاهمات المنتظر توقيعها.

غير أن التخوف الأكبر بدا واضحاً في موقف «التجمع الوطني للأحزاب الليبية»، وهو تحالف حزبي عدّ «أي تسوية سياسية يجب أن تقوم على المشاركة الوطنية والتعددية السياسية»، محذراً في بيان الأسبوع الماضي من «تجاوز الأحزاب في رسم مستقبل العملية السياسية»، ورافضاً «أي ترتيبات تحرمها من حقها في الترشح أو المشاركة في المجلس التشريعي أو السلطة التنفيذية».

الموقف السابق عدّه القيادي في حزب «ليبيا النماء»، حسام فنيش، «تجسيداً لقلق حزبي من العودة إلى القانون الصادر عام 2014، الذي أُجريت على أساسه انتخابات مجلس النواب، الذي أقر النظام الفردي في الانتخابات، بما يعني استبعاد الأحزاب السياسية مستقبلاً من المعادلة الانتخابية».

قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

وإذ أقر فنيش بمحدودية وجود فعلي ومؤثر للأحزاب السياسية في الشارع الليبي، لكنه قال لـ«الشرق الأوسط» إن «إقصاءها يعني الموت النهائي للعمل الحزبي في ليبيا، وهو العمود الفقري لأي ممارسة سياسية حديثة»، متسائلاً: «كيف يُطلب منا الوجود في الشارع، في حين يتم تجاهل حقنا في الترشح والمشاركة؟».

وأشار فنيش إلى أن «من بين المخاوف أيضاً تجاهل مطلب عدد كبير من الأحزاب بإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، فضلاً عن استمرار الغموض والخلاف بشأن آلية الطعون الانتخابية، وإمكانية عرض التعديلات في قانون الانتخابات على مجلسي النواب والأعلى للدولة».

وسبق أن انتقد عضو مجلس النواب، فهمي التواتي، استمرار سرية أعمال اللجنة، معتبراً في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» أنه «من غير الطبيعي أن تكون أعمال اللجنة سرية»، داعياً إلى نشر مضمون التفاهمات قبل إحالتها إلى مجلس النواب، حتى يتمكّن أعضاؤه من مناقشتها وإقرارها، أو تعديلها بما يحقق توافقاً سياسياً أوسع ويزيد فرص تنفيذها.

يُشار إلى أن لجنة «4+4» تضم ممثلين عن «الجيش الوطني» في شرق ليبيا وحكومة «الوحدة» في غربها، إضافة إلى عضوين من مجلس النواب وعضوين من المجلس الأعلى للدولة.