تباينات ليبية حول قدرة «الوحدة» على تجاوز تداعيات أزمة الكهرباء

في ظل ازدياد الاحتجاجات الشعبية والدعوات لعصيان مدني

الدبيبة يفتتح مدرسة «عودة الحياة» للتعليم الأساسي والثانوي في زليتن يوم 18 يوليو (مكتب الدبيبة)
الدبيبة يفتتح مدرسة «عودة الحياة» للتعليم الأساسي والثانوي في زليتن يوم 18 يوليو (مكتب الدبيبة)
TT

تباينات ليبية حول قدرة «الوحدة» على تجاوز تداعيات أزمة الكهرباء

الدبيبة يفتتح مدرسة «عودة الحياة» للتعليم الأساسي والثانوي في زليتن يوم 18 يوليو (مكتب الدبيبة)
الدبيبة يفتتح مدرسة «عودة الحياة» للتعليم الأساسي والثانوي في زليتن يوم 18 يوليو (مكتب الدبيبة)

منذ توليها السلطة قبل 5 سنوات، واجهت حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، المتمركزة بطرابلس، تحديات متتالية بمواجهة الاحتجاجات الشعبية؛ تارة لأسباب سياسية، وأخرى بسبب تردي المعيشة، وهو ما يتكرر اليوم مع المظاهرات الغاضبة، التي فجرتها أزمة انقطاع الكهرباء في البلاد.

انتشار قوات تابعة لحكومة «الوحدة» بعد الاحتجاجات الأخيرة (أ.ف.ب)

ومع تواصل الاحتجاجات، تجددت تساؤلات المراقبين حول قدرة الحكومة ورئيسها على امتصاص الغضب في غرب ليبيا، رغم كثرة الخصوم، وفي ظل الانقسام الحكومي والسياسي.

وفي قراءة المشهد، تباينت التقديرات. فمن جهته شكك رئيس «حزب التجديد» الليبي، سليمان البيوضي، منذ بداية الاحتجاجات في قدرة الدبيبة على احتوائها بآلياته المعتادة في «تقديم المال لترضية البعض»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الاحتجاجات، هذه المرة، «نتيجة غضب متراكم ضد سلطة الدبيبة، وحصاد نتائج ممارساته».

في المقابل، رأى المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، أن «غياب القيادة الموحدة والرؤية الواضحة قد يكون كفيلاً بإنهاء الحراك تدريجياً، رغم مصداقيته»، ورأى أن «حكومة «الوحدة» في موقف ضعيف، وقد ظهر ذلك من خلال محاولتها استمالة المحتجين عبر الإعلان عن صرف قروض سكنية لنحو 6 آلاف شاب»، عاداً ذلك «انعكاساً لافتقادها حلولاً حقيقية في ملف الكهرباء وغيره».

وأوضح العبدلي أن الحراك الذي يقود الاحتجاجات «لا يملك قيادات معروفة، ولا رؤية واضحة لتصعيد مطالبه وتحقيقها على الأرض، بعد تحولها للشق السياسي، فضلاً عن تمركزه في مناطق معروفة بولائها لقوى وشخصيات مناوئة للدبيبة».

وفند المحلل السياسي سقف المطالب المطروحة، قائلاً: «رحيل كل الأجسام السياسية أمر صعب في ظل الانقسام الحالي، والعصيان لن يكون مؤثراً ما لم يمتد إلى عموم البلاد؛ أما الدعوة لإسقاط حكومة الوحدة فتفتقر للواقعية في ظل غياب خطة لليوم التالي».

ورأى العبدلي أن «السيناريو الأرجح هو الاحتواء المؤقت، عبر زيادة تأمين الحكومة للمنشآت الحيوية، ومحاصرة الحراك إعلامياً، مع وعود بمعالجة أزمة الكهرباء إلى حين إتمام (المبادرة الأميركية)، التي قد تبقي على الدبيبة أو تستبدله».

وتعيش ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومتين متنافستين: الأولى «الوحدة الوطنية»، والثانية مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، وتدير الشرق وأجزاءً من الجنوب، بدعم من القائد العام لـ«الجيش الوطني»، خليفة حفتر.

تردي المعيشة وارتفاع الغلاء كانا من بين أسباب اندلاع الاحتجاجات الشعبية في طرابلس (أ.ف.ب)

وعلى الأرض، ترجمت دعوات العصيان المدني إلى شلل شبه كامل أصاب طرابلس وغرب البلاد؛ حيث أقام المحتجون سواتر ترابية لإغلاق وزارات الخارجية والمالية والحكم المحلي والمواصلات، وديوان المحاسبة ومصرف ليبيا المركزي وشركتي «ليبيانا» و«المدار».

بدوره، توقع رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، «نجاح الدبيبة في تفادي الموجة الاحتجاجية الراهنة بحكم خبرته ومرونته، وأيضاً رغبة واشنطن في الإبقاء عليه لتمرير المبادرة الأميركية».

ورأى الشبلي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «مخاوف المحتجين من التوظيف السياسي للاحتجاجات من قبل خصوم الدبيبة، شرقاً وغرباً، قد تدفع فئات للتراجع تفادياً لأن تكون أداة في صراع الكبار على السلطة والثروة».

وفي هذا السياق، أشار الشبلي إلى محدودية أعداد المحتجين، وغياب التنظيم، وكيف أن حصر تحركاتهم بساعات الليل جعلها «أقرب لردات فعل مؤقتة»، مذكراً بأن ميادين العاصمة والغرب امتلأت قبل سنوات بمئات الآلاف، عقب تسريب لقاء وزيرة خارجية «الوحدة»، نجلاء المنقوش، بنظيرها الإسرائيلي، دون إسقاط الحكومة حينذاك لغياب القيادة المنظمة أيضاً.

من جانبه، توسط عضو مجلس النواب، عمار الأبلق، الآراء السابقة، مؤكداً أن «جميع السيناريوهات تظل مفتوحة بين تصعيد الحراك أو إنهائه». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «عجز حكومة (الوحدة) عن تقديم حلول للأزمة، رغم إنفاق المليارات على قطاع الطاقة، يضعف موقف الدبيبة بشدة، إلى جانب إحجامه عن إقالة محمد المشاي، رئيس شركة الكهرباء، رغم انتقاده علناً»، مرجحاً «خضوع الدبيبة لضغوط قادة أجهزة أمنية مسلحة حليفة، تدعم بقاء المشاي».

ويرى الأبلق أن أي «حلول فنية تطرحها الحكومة الآن قد لا تكفي لإنهاء الاحتجاجات، خصوصاً مع ظهور مؤشرات توضح أنها مدروسة بعناية، ويتم دعمها مالياً من قادة في الخفاء، يوجهون الشباب الغاضب لإغلاق وزارات ومؤسسات سيادية بعينها بهدف زيادة الضغط على الدبيبة».

وإلى جانب المعالجة الفنية للأزمة، توقع الأبلق أن تلجأ السلطة في طرابلس إلى مسارين: «الأول عقد تفاهمات وترضيات خلف الكواليس مع الأطراف الحقيقية المحركة للاحتجاجات، والثاني هو ما تمارسه الماكينة الإعلامية المؤيدة لها حالياً من تخويف المحتجين، عبر الترويج لسيناريوهات الفوضى حال سقوطها، واستمرار بقية الأجسام السياسية الأخرى».

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وتقوم «المبادرة الأميركية» على توحيد المؤسسات والتمهيد للانتخابات، وسط تسريبات بشأن منح صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مقابل بقاء الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.


مقالات ذات صلة

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

شمال افريقيا جانب من إعادة الإعمار الذي شهدته مدينة بنغازي بعد دحر الإرهاب (القيادة العامة للجيش الوطني)

بنغازي بعد 12 عاماً على مواجهة «داعش»... رحلة التعافي من الحرب

بعد 12 عاماً على اندلاع «معركة الكرامة»، تستعيد بنغازي ذكرى المواجهات مع التنظيمات الإرهابية، وما شهدته من دمار طال مناطق واسعة، قبل أن تنطلق في مسار الإعمار.

جمال جوهر
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في نيويورك الأربعاء الماضي (البعثة الأممية)

تلويح أميركا بالعقوبات يختبر فرص التسوية السياسية في ليبيا

يختبر التلويح الأميركي بفرض عقوبات على «معرقلي» العملية السياسية في ليبيا مدى استعداد واشنطن للانتقال من التحذير إلى الفعل، وسط خلافات متصاعدة بشأن اتفاق «4+4».

علاء حموده
شمال افريقيا وقفة احتجاجية أمام مراقبة التربية والتعليم في تاجوراء بغرب ليبيا نهاية سبتمبر الماضي (حراك المعلمين)

«قانون التظاهر» في غرب ليبيا... تنظيم للاحتجاج أم أداة لتقييده؟

أعاد تحذير أمني بالعاصمة الليبية من تنظيم مظاهرات دون إخطار مسبق الجدل حول حدود الحق في الاحتجاج.

جاكلين زاهر
شمال افريقيا تيتيه المبعوثة الأممية لدى ليبيا أمام مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)

من اتفاق «الصخيرات» إلى «4+4».... ليبيا رهينة «معرقلِي الحل»

بين اتفاق «الصخيرات» وآلية «4+4»، تتوالى المبادرات وتتكرر التعطيلات، ليبقى المشهد الليبي أسيراً لتجاذبات القوى النافذة وتصفية حسابات المصالح الضيقة.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا أسامة حماد رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان شرق ليبيا (حكومة الاستقرار)

سلطات شرق ليبيا أعدمت 31 شخصاً منذ أغسطس الماضي

أفادت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، الأربعاء، بأن السلطات العسكرية في الشرق الليبي أعدمت 31 شخصاً على الأقل منذ أواخر أغسطس الماضي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هل تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)
TT

هل تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان في العلمين خلال أكتوبر الحالي (الرئاسة المصرية)

تلميحات متبادلة بين مصر وإثيوبيا، شهدتها جلسة بمجلس الأمن بشأن الحرب المندلعة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، وسط خلافات مستمرة بين القاهرة وأديس أبابا بسبب ملفي «سد النهضة» و«المنفذ البحري».

وتتباين آراء مختصين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» حول إمكانية أن تصبح «الحرب في السودان» مساراً جديداً للتصعيد بين مصر وإثيوبيا. ويرون أن الأمر «يتوقف على مدى انخراط الجانبين في هذا الملف وتطوراته على الأرض».

ومنذ بداية الحرب في السودان، تقف مصر داعمة للمؤسسات الشرعية بالسودان، على رأسها الجيش السوداني، وترفض تحركات الميليشيا، وتدعو إلى «ضرورة وقف الحرب والبدء في عملية سياسية شاملة تجمع مختلف مكونات المجتمع»، مقابل اتهامات من الخرطوم لأديس أبابا بـ«دعم قوات الدعم السريع».

وفي الجلسة التي أقيمت، الجمعة، دعا مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة إيهاب عوض إلى «عدم تغاضي المجتمع الدولي ومجلس الأمن عن التعامل الجاد مع الأدلة والشواهد التي تشير إلى تورط دولة مجاورة للسودان في إشعال الصراع»، وحث على «توجيه تحذير مباشر إليها لوقف تأجيج النزاع وتعريض المدنيين والمنشآت المدنية للخطر».

وأدان الانتهاكات التي ترتكبها «قوات الدعم السريع»، ودعا إلى محاسبة المسؤولين عنها والتصدي للشبكات التي تسهم في تأجيج الحرب، وفق إعلام محلي.

بالمقابل، قال مندوب إثيوبيا الدائم لدى الأمم المتحدة تيفيرا دريبو، إن «بلاده تحترم سيادة السودان ووحدة أراضيه واستقلاله السياسي»، مؤكداً أن «بلاده تحتفظ بأدلة بشأن أسلحة تهرب إلى إثيوبيا»، دون تفاصيل أكثر.

وأعرب دريبو عن قلق بلاده إزاء تقارير إعلامية قال إنها «تفيد بانخراط دولة مجاورة للسودان بصورة مباشرة في الحرب، بما في ذلك عبر إطلاق الطائرات المسيرة، فضلاً عن تقارير بشأن ضربات جوية وقصف مدفعي من دولة مجاورة تسببا في مقتل مدنيين داخل الأراضي السودانية».

غير أن مندوب السودان الحارث إدريس اتهم أديس أبابا، قائلاً إن «الجيش السوداني أسقط طائرة مسيرة إثيوبية في 30 مايو (أيار) الماضي بمنطقة خور الذهب الحدودية»، مضيفاً أنها «كانت تقوم بتصوير مواقع وطرق داخل الأراضي السودانية على عمق 45 كيلومتراً».

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، اتهم رئيس أركان الجيش السوداني الفريق أول ياسر العطا، إثيوبيا بالسعي إلى استغلال الحرب في بلاده للتوسع داخل الأراضي السودانية والسيطرة على مناطق حدودية، وربط بين اتهامات الخرطوم السابقة لأديس أبابا بدعم «قوات الدعم السريع» وما وصفه بمخطط إثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر.

المحلل السوداني المتخصص في الشؤون الأفريقية، عبد المنعم أبو إدريس، يقول إنه «منذ بداية الحرب في السودان وهي ساحة تنافس، حيث تدعم إثيوبيا (الدعم السريع) بينما تساند مصر الجيش؛ لكن هذا التنافس كان يجري دون الإفصاح عنه بصورة علنية، إلا أنه يبدو أن مداخلات مندوبي الدولتين في مجلس الأمن عبرت علنية عن موقفي العاصمتين، ما سيجعل هذا التنافس يمضي خطوة إلى الأمام».

وأكد أبو إدريس أنه «في حال تطورت الأوضاع في المنطقة وصار التنافس أكثر حدة بين القوتين فسيستخدم كل منهما ما لديه من أدوات، وفي حال سارت التطورات في منطقة النيل الأزرق جنوب شرقي السودان والتي تجري فيها مواجهات عسكرية كبيرة بين الجيش السوداني و(الدعم السريع)، قد تضطر مصر إلى اتخاذ خطوات أكبر في الصراع السوداني»، بحسب رأيه.

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان خلال لقاء سابق مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في أغسطس 2019 (رويترز)

في المقابل، يرى الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية، موسى شيخو، أن «القاهرة تسعى إلى توجيه القرار السياسي والأمني السوداني بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي يثير مخاوف من تقليص استقلالية القرار السوداني وتحويل السودان إلى امتداد للسياسة المصرية»، وفق رأيه.

وبحسب شيخو، «يمكن تفسير التحركات الإثيوبية باعتبارها استجابة دفاعية للنفوذ المصري المتزايد في السودان، وليست بالضرورة سعياً إلى توسيع الصراع أو التدخل في الشؤون السودانية، فضلاً عن أنها ترتبط بحسابات أديس أبابا في حماية حدودها الغربية، وأمن سد النهضة، ومنع استخدام الأراضي السودانية ضمن ترتيبات إقليمية تستهدف مصالحها».

كما يرى أن «محاولة احتكار التأثير على القرار السوداني، بدلاً من احترام استقلاليته، قد تدفع إثيوبيا إلى اتخاذ إجراءات سياسية وأمنية لحماية مصالحها»، لافتاً إلى أنه «لا يتمثل جوهر التنافس في رغبة إثيوبيا في مزاحمة مصر داخل السودان، بل في رفض تحويل السودان إلى أداة في الصراع الإقليمي، ويبقى احترام السيادة السودانية واستقلال قرارها أساساً لأي استقرار مستدام».

لكن نائب «المجلس المصري للشؤون الأفريقية» السفير صلاح حليمة يؤكد أن «الموقف المصري تجاه السودان ثابت لا حياد فيه، ويقوم على أساس راسخ استهدف دوماً الحفاظ على وحدة السودان وسلامته الإقليمية ومؤسساته الوطنية، ورفض أي تدخلات خارجية في شؤونه الداخلية أو محاولات تفتيته».

ويشير إلى وجود شراكة استراتيجية متكاملة تربط البلدين في المجالات الأمنية، والعسكرية، والسياسية والاقتصادية، معتبراً أن أمن السودان واستقراره يمثلان «خطاً أحمر» بالنسبة للقاهرة.

ويحذر حليمة من «الدور الإثيوبي السلبي والمتواطئ في الأزمة السودانية، متمثلاً في تقديم تسهيلات عسكرية، وتدريبات، ودعم لوجيستي لـ(قوات الدعم السريع)، وهو ما أسفر عن انتهاكات جسيمة وجرائم حرب ضد الإنسانية»، وفق قوله.

ويضيف أن «الأمن القومي لكل من مصر والسودان يمثل وجهين لعملة واحدة، والقاهرة لن تتردد في الالتزام بخطوطها الحمراء لحماية أمنها القومي».

كما يلفت حليمة إلى أن «استمرار النهج الإثيوبي الأحادي في زعزعة أمن القرن الأفريقي، والبحر الأحمر، وتجاهل المواثيق الدولية، فضلاً عن مساعيها للوصول إلى منافذ بحرية عبر سياسات الصدام مع دول الجوار مثل الصومال وإريتريا، يضع المنطقة على حافة مواجهة شاملة، إذا لم تتراجع أديس أبابا عن سياساتها».


انفجارات تهز الخرطوم... وتصعيد بالمسيّرات في دارفور وكردفان

صورة وزعها الجيش السوداني لقصف استهدف مراكز قيادة «الدعم السريع» في نيالا (فيسبوك)
صورة وزعها الجيش السوداني لقصف استهدف مراكز قيادة «الدعم السريع» في نيالا (فيسبوك)
TT

انفجارات تهز الخرطوم... وتصعيد بالمسيّرات في دارفور وكردفان

صورة وزعها الجيش السوداني لقصف استهدف مراكز قيادة «الدعم السريع» في نيالا (فيسبوك)
صورة وزعها الجيش السوداني لقصف استهدف مراكز قيادة «الدعم السريع» في نيالا (فيسبوك)

هزّت انفجارات قوية العاصمة السودانية الخرطوم، السبت، وسط أنباء عن تصاعد أعمدة الدخان من محيط منشأة عسكرية شمال مدينة بحري، من دون أن تتضح أسبابها، بالتزامن مع تصاعد حرب المسيّرات بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في إقليمَي دارفور وكردفان، وسقوط عشرات القتلى والجرحى في هجمات استهدفت مناطق مدنية.

وأفاد شهود عيان بسماع دوي انفجارات في مناطق متفرقة من ولاية الخرطوم، مشيرين إلى تصاعد أعمدة الدخان من محيط سلاح الأسلحة التابع للجيش السوداني في منطقة الكدرو، شمال بحري. ولم يصدر تعليق رسمي فوري بشأن الحادث، فيما تداولت منصات التواصل الاجتماعي روايات عن احتمال تعرض الموقع لهجوم بطائرة مسيّرة، من دون توفر تأكيد مستقل لهذه المعلومات. وفي غرب البلاد، أعلن الجيش السوداني تنفيذ غارات جوية مكثفة على مواقع عسكرية ومراكز قيادة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، قال إنها أسفرت عن مقتل العشرات من عناصرها وتدمير عدد من مراكز القيادة.

وقال مكتب المتحدث الرسمي باسم الجيش، في بيان صدر الجمعة - السبت، إن القوات الجوية نفذت «ضربات مركزة» على تمركزات «الدعم السريع» في المدينة، مؤكداً استمرار العمليات ضد تجمعاتها ومراكز قيادتها. وأكد الجيش أنه سيواصل استهداف تجمعات «الدعم السريع» ومراكز قيادتها، ونشر على صفحته في «فيسبوك» صوراً قال إنها توثق غارات استهدفت ثلاثة مواقع تابعة للقوات في المدينة.

صورة وزعها الجيش السوداني لقصف استهدف مراكز قيادة «الدعم السريع» في نيالا (فيسبوك)

وتتخذ «قوات الدعم السريع» مدينة نيالا مقراً لحكومتها الموازية، ما يجعل استهداف مراكز القيادة فيها تطوراً لافتاً في المواجهة العسكرية بين الطرفين.

وكانت «قوات الدعم السريع» قد كثفت، خلال الأشهر الماضية، استخدام المسيّرات البعيدة المدى لاستهداف مواقع عسكرية ومطارات ومنشآت تابعة للجيش، بما في ذلك مواقع في العاصمة الخرطوم.

اتهامات متبادلة

وتبادل الطرفان المتحاربان الاتهامات باستهداف المدنيين، واتهم تحالف «تأسيس»، الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، الجيش السوداني بشن غارات جوية استهدفت سوقاً للمواشي في مدينة نيالا، الجمعة. ونقلت مصادر محلية وشهود عيان حصيلة أولية تفيد بمقتل أكثر من 30 شخصاً وإصابة عشرات آخرين من جراء القصف، من دون توفر تأكيد مستقل لأعداد الضحايا أو ملابسات الهجوم.

وتثير هذه الاتهامات مخاوف متزايدة بشأن اتساع نطاق الضربات الجوية لتشمل الأسواق والتجمعات المدنية، في ظل صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة والتحقق من الحصائل المعلنة. وفي تطور موازٍ، أعلنت الشركة السودانية للموارد المعدنية، وهي مؤسسة حكومية، تعرض سوق منجم باجون لتعدين الذهب في ولاية جنوب كردفان لهجوم بطائرات مسيّرة، الجمعة، اتهمت «قوات الدعم السريع» بتنفيذه.

وقالت الشركة، في بيان نشرته على «فيسبوك»، إن الهجوم تسبب في أضرار مادية جسيمة، مشيرة إلى أن التقارير الأولية لم تسجل وقوع قتلى أو مصابين. وأضافت أنها تتابع تداعيات الهجوم بالتنسيق مع الجهات المختصة، لحصر الخسائر وتقييم الأضرار التي لحقت بالسوق.

وتشهد ولاية جنوب كردفان تصاعداً في المواجهات البرية والهجمات بالمسيّرات، بالتزامن مع سعي طرفي الحرب إلى تعزيز مواقعهما العسكرية والسيطرة على مناطق استراتيجية.

المسيّرات تحصد المدنيين

ويأتي التصعيد الأخير بعد أيام من غارات استهدفت مناطق للتعدين الأهلي في أقصى شمال السودان، قرب الحدود المصرية، وسط تقارير عن سقوط عشرات الضحايا، ما أعاد تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه العاملين في قطاع التعدين التقليدي.

وخلال الأشهر الماضية، تحولت المسيّرات الاستراتيجية والانتحارية إلى إحدى أبرز أدوات القتال في الحرب السودانية، مع اعتماد الطرفين المتزايد عليها لضرب أهداف بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة.

وامتدت الهجمات إلى مناطق مدنية في دارفور وكردفان، حيث تعرضت أسواق ومستشفيات ومدارس ومنشآت خدمية للقصف، وسط تحذيرات أممية متكررة من ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين.

ووثقت الأمم المتحدة هجمات عديدة بالمسيّرات أسفرت عن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين خلال الأشهر الماضية، في مؤشر إلى تفاقم التداعيات الإنسانية للحرب واتساع دائرة المناطق المعرضة للقصف.


لماذا لا تنعكس التصنيفات الإيجابية للاقتصاد المصري على وضع الجنيه؟

مؤسسة «موديز» ترفع التصنيف الائتماني لمصر   (الشرق الأوسط)
مؤسسة «موديز» ترفع التصنيف الائتماني لمصر (الشرق الأوسط)
TT

لماذا لا تنعكس التصنيفات الإيجابية للاقتصاد المصري على وضع الجنيه؟

مؤسسة «موديز» ترفع التصنيف الائتماني لمصر   (الشرق الأوسط)
مؤسسة «موديز» ترفع التصنيف الائتماني لمصر (الشرق الأوسط)

أثارت تصنيفات إيجابية بشأن الاقتصاد المصري تساؤلات حول انعكاس ذلك على وضع العملة الرسمية (الجنيه) التي تشهد تراجعاً أمام الدولار الأميركي.

ورفعت مؤسسة «موديز» التصنيف الائتماني لمصر إلى «B3» مع نظرة مستقبلية إيجابية، وهو ما وصفته وزارة المالية المصرية بأنه «يعكس التقدم في الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وتحسن قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات ومواصلة النمو».

وقالت «المالية» في بيان، السبت، إن التصنيف الإيجابي يأتي «مدعوماً بتراجع الدين الحكومي إلى 81.9 في المائة من الناتج المحلي في يونيو (حزيران) الماضي، وارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 57 مليار دولار في سبتمبر (أيلول) الماضي، وزيادة الإيرادات الضريبية دون أعباء إضافية على المواطنين والمستثمرين».

وأكدت أن مصر تعمل على «مواصلة الانضباط المالي، وخفض أعباء خدمة الدين، وتبسيط الإجراءات وتحسين بيئة الأعمال لزيادة الاستثمار الخاص والإنتاجية والصادرات، بما يتيح مساحة مالية أكبر للإنفاق على الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية التي هي أكثر استهدافاً».

في المقابل، يواصل الدولار ارتفاعاً مستمراً أمام الجنيه؛ إذ وصل، السبت، إلى نحو 53.5 جنيه، وقبل الحرب الإيرانية كان سعر الدولار نحو 47 جنيهاً، ومع استمرار الحرب سجَّل مستويات قياسية تجاوزت 54 جنيهاً، ثم انخفض تحت 49 جنيهاً في أبريل (نيسان) الماضي قبل أن يعاود الارتفاع مجدداً.

مقر البنك المركزي المصري في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويرى أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان عمرو سليمان أنه على الرغم مما يبدو من تناقض بين إيجابية التصنيفات الاقتصادية واستمرار تراجع الجنيه، فإن الأمر له أسباب تتعلق بـ«الفلسفة والرؤية الاقتصادية بمصر».

ويقول إن «سياسة البنك المركزي المصري لا تستهدف سعر الصرف، بل معدلات التضخم؛ فمرونة الجنيه أدت إلى تدفق النقد الأجنبي وارتفاع الدخل الدولاري بالبلاد، ونتيجة لذلك وصلت مصر إلى أعلى معدلات الاحتياطي من النقد الأجنبي، وأيضاً تحويلات المصريين المغتربين».

وبحسب «المركزي المصري»، ارتفع صافي احتياطي النقد الأجنبي ليسجل نحو 57.350 مليار دولار بنهاية سبتمبر الماضي، وهو ما عدّه «المركزي» في بيان الأسبوع الماضي «المستوى الأعلى تاريخياً»، كما ارتفع صافي الأصول الأجنبية لدى القطاع المصرفي في أغسطس (آب) الماضي ليسجل 31.2 مليار دولار، وهو «المستوى الأعلى منذ عام 2011». أيضاً وصلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى 33.9 مليار دولار خلال الشهور الثمانية الأولى من العام الحالي، وفق بيانات البنك المركزي.

ويوضح سليمان لـ«الشرق الأوسط» أن «التصنيفات الائتمانية لأي اقتصاد يتم وضعها استناداً إلى عوامل اقتصادية وسياسية، منها الاستقرار الذي ينعكس على ضمان الحفاظ على الثروات، وتقليل معدلات المخاطر... وهي محددات تتوافر في حالة مصر».

كما يشير إلى أنه من العوامل الأخرى التي أدت إلى رفع تصنيف مصر إلى «B3»، وهو أعلى تصنيف حصلت عليه خلال العشرين سنة الماضية، «برنامج الإصلاح الاقتصادي» الذي أدى إلى «تحسن أداء الاقتصاد وزيادة الموارد المالية العامة، بجانب التزام مصر بسداد المستحقات أو الديون الأجنبية والمحلية».

مواطن يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

وفي 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي ثبتت مؤسسة «ستاندرد آند بورز» تصنيف مصر الائتماني عند «B/B» مع نظرة مستقبلية مستقرة، وأكدت وزارة المالية حينها استمرار «العمل على تحقيق التوازن بين تحفيز النشاط الاقتصادي، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز الانضباط المالي، وخفض معدلات الدين».

ويعتقد الخبير الاقتصادي وائل النحاس أنه «لا يوجد تأثير للتصنيفات الإيجابية للاقتصاد المصري على وضع الجنيه»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «التصنيفات الائتمانية للمؤسسات الدولية للتعبير فقط عن استقرار الوضع الاقتصادي والسياسي بالبلاد».

ويلفت النحاس إلى أن وضع الجنيه المصري يتأثر بعوامل أخرى، منها «مصروفات الدولة وإيراداتها، والوفرة الدولارية في الأسواق وليس في شكل احتياطي نقدي، وأيضاً معدلات الطلب على الدولار، فإذا زاد الطلب على العملة الأميركية دون توفرها بالأسواق؛ ترتفع قيمتها وينخفض الجنيه».