زيارة غير متوقَّعة إلى قرى الشريط الحدودي تنسجها رنا بستاني في معرضها «اللون يتحدى الصمت». ففي غاليري «آرت ديستريكت» بمنطقة الجمّيزة في بيروت، لا ينقص سوى عبارة «ابتسم... أنت في الجنوب» ليصبح الحلم واقعاً والوهم حقيقة. ومن خلال مجموعة لوحات تزهو بألوان مُبهجة، يصحب المعرض زائره في جولة إلى تلك البقعة اللبنانية. وتنظر بستاني بعين متفائلة تؤمن بقدرة الجمال على مداواة الذاكرة، لذا اختارت أن تواجه الجراح والدمار بلغتها التشكيلية المُشبَّعة بالرجاء. فوسّعت حضور الزهري والأحمر والأخضر والأزرق والذهبي، لتتحوّل هذه الألوان مفرداتٍ بصريةً تعكس رؤيتها، وتستحضر جنوباً ينهض بالحياة رغم كلّ ما أصابه.

تشمل هذه الرحلة البصرية 20 قرية ومدينة من الشريط الحدودي، من بينها يارون، وتبنين، ومركبا، وصُور، والنبطية، ومارون الراس، وأرنون... وغيرها. وفي كلّ محطة، تحاول رنا بستاني أن تبعث نبض الحياة في مكان أنهكته الحروب، فتنسج عالماً بصرياً يستلهم الذاكرة والتراث، مُستعيدةً خصوصية كلّ بلدة وتاريخها. وتستحضر في لوحاتها المعالم الأثرية والينابيع والساحات والأزقّة، لترسم جنوباً نابضاً بالحياة، كما تحفظه الذاكرة ويستحقه المستقبل، لا كما شوَّهته الحروب وآثار الدمار.
تقول رنا بستاني لـ«الشرق الأوسط»: «رغبتُ في تكريم الجنوب، مدنه وبلداته وقراه، بلغتي الخاصة؛ لغة اللون. فهذه المنطقة يطالعنا وجهها اليوم مشوَّهاً عبر الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، بينما تختزن في حقيقتها جمالاً استثنائياً. لذلك قرّرت أن أعيد إليها حقّها في الظهور كما هي؛ بأرضها وجبالها وسهولها وملامحها الآسرة. حاولتُ في لوحاتي أن أبرز الوجه الحقيقي للجنوب؛ لإيماني بأنّ الدمار والركام ينبغي ألا ينتصرا على ذاكرتنا أو يسيطرا على صورتنا عنه».
استمدّت رنا بستاني صور لوحاتها من مَشاهد طبيعية علقت في ذاكرتها خلال زيارات سابقة إلى الجنوب. كما راحت تبحث عن معالم وخصائص أخرى لم تتح لها فرصة اكتشافها من قرب. لكنها لم تنقل هذه المواقع والآثار بحرفيتها، بل أعادت تفكيكها وتركيبها ضمن رؤيتها الفنية، فنثرت عناصرها على مساحات لوحاتها لتولد منها مَشاهد جديدة تنبض بالحياة.

وتوضح: «في لوحة صُور مثلاً، استحضرت جزءاً من القلعة ليشكّل خلفيتها الأساسية، ثم أضفتُ إليها الشمس والبحر والجامع والكنيسة، فضلاً عن البيوت المتراصة في أزقتها الضيقة. لهذه المدينة رونقها الخاص، وشوارعها، كما أهلها، مطبوعة بالبساطة والفرح. ولا يمكن أن نغفل (شارع الألوان) فيها، الذي استوحيتُ منه كثيراً من ملامح هذه اللوحة».
ومن صُور، تنتقل بستاني إلى الناقورة، حيث تصبغ صخورها بالزهري والذهبي، فيما تكسو تلالها تدرّجات الأخضر. واعتمدت في تنفيذ هذه اللوحة تقنية الأكريليك بطبقات متراكمة، ممّا يضفي عليها ملمساً مخملياً آسراً.
أما مرجعيون؛ البلدة الجنوبية المتربِّعة على كتف جبل، فترسمها بألوان دافئة يطغى عليها الأحمر والأخضر، تاركةً في أحد ممراتها الضيّقة رجلاً يقود دراجة هوائية. وتوضح: «تبدو جميع هذه البلدات خالية من الحركة. فهي اليوم شبه مهجورة، وبالكاد تعبرها السيارات. لذلك أردتُ مرور هذا الرجل على دراجته ليكون إشارة إلى أنّ مرجعيون لا تزال تحتفظ بنبض الحياة، ولو بخجل».

وتطول الجولة بين بلدات الشريط الحدودي، وصولاً إلى مارون الراس، حيث تصبغ السماء بالأحمر. وتقول: «إنها من أشد البلدات الجنوبية التي عانت ودفعت ثمناً باهظاً، لذلك اخترتُ الأحمر ليغطّي سماءها تكريماً لشهدائها».
وفي لوحة الصرفند، يلفت النظر مشهد الزوارق وسط بحر هائج، فيما يسود الصمت لوحة قرية معركة، التي يتوسّط إحدى طرقاتها هرٌّ شارد، في مشهد يختصر آثار الغياب. أما مركبا ودير سريان وكفرتبنيت، فتغلب عليها مساحات الأخضر، في إشارة إلى الأرض الزراعية التي تُشكل مصدر رزق لأهلها. وتشرح: «أضفتُ اللون الذهبي إلى بعض الأحجار، تعبيراً عن إيماني بأن هذه الأراضي ستعود إلى أصحابها، لتستعيد دورها مصدراً للرزق والحياة».
وتستوقف الزائر لوحة بعنوان: «ممالك صامتة تتحدّث بالألوان»، مستوحاة من مدينة صيدا. وتقول عنها: «لها مكانة خاصة في قلبي، فهي تعيدني إلى جزء من طفولتي؛ لأنني أنتمي إلى بلدة الجيّة القريبة منها. رسمت أزقّتها وطرقاتها ومعالمها التي لا تزال محفورة في ذاكرتي. أما المرأة التي تسير على الطريق الرمادية وهي تحمل سلالاً ثقيلة، فتجسّد قوة نساء صيدا وصلابتهن. ورغم ثقل الأعباء، فإنهن يواصلن الطريق بثبات، فيتحوَّلن رمزاً لتمكين المرأة، التي لا يستطيع النزوح ولا الدمار أن يثنياها عن مواصلة تحقيق أهدافها».

واللوحة التي تختتم بها معرضها، «الرقص خارج الصمت»، تحمل رسائل كثيرة عن الجنوب الصامد، وتستعيد فيها بستاني مختلف عناصر الحياة والفرح. فنُشاهد مجموعة من الشباب يؤدّون الدبكة اللبنانية، وخلفهم بيوت قرميديّة تنتمي إلى العمارة اللبنانية التراثية، فيما تحضر شجرة الزيتون في الجهة اليسرى من اللوحة رمزاً للجذور والاستمرارية.
وتشرح بستاني: «إنها إشارة إلى استمرارية العيش في الجنوب مهما بلغت التضحيات، وأنّ هذا المكان سيستعيد عافيته ويشهد غداً أنصع إشراقاً».





