يرصد الفيلم الوثائقي الأوكراني «الموت لتحيا (To Die To Live)» رحلة تمتد لأكثر من 12 عاماً داخل واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في أوروبا المعاصرة، مستعيداً جذور الصراع الروسي - الأوكراني التي تعود إلى عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، واندلعت المواجهات المسلحة في إقليمي دونيتسك ولوغانسك شرقي أوكرانيا.
ومن خلال متابعة ثلاثة متطوعين حملوا السلاح في تلك المرحلة، يقدم الفيلم قراءة إنسانية للحرب التي بدأت قبل الحرب الجديدة بـ8 سنوات تاركة آثارها العميقة في حياة جيل كامل من الأوكرانيين. ويستند «الموت لتحيا»، الذي عُرض لأول مرة عالمياً ضمن مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» في التشيك، إلى متابعة وثائقية طويلة المدى لثلاثة رجال انتقلوا من ساحات القتال إلى الحياة المدنية بعد اتفاقيات مينسك، قبل أن يجدوا أنفسهم مجدداً في مواجهة الحرب مع تصاعد العمليات العسكرية عام 2022.

ومن خلال هذه الرحلة، لا يكتفي العمل بتوثيق تطورات الصراع، بل يرصد التحولات النفسية والإنسانية التي يعيشها أبطاله وهم يحاولون استعادة حياتهم في ظل حرب لم تغادرهم يوماً، مع اختيار مخرجته التركيز على الجوانب الإنسانية في حياة أبطالها وما تتركه التجربة من آثار في الذاكرة والعلاقات والأسرة.
ورافقت المخرجة الأوكرانية يوليا هونتاروك شخصياتها منذ وجودها على خطوط المواجهة عام 2015، ثم تابعت تفاصيل عودتهم إلى المجتمع ومحاولاتهم بناء حياة جديدة، قبل أن تعيدهم الحرب إلى الجبهة مرة أخرى في عام 2022، لتقدم تجربة سينمائية تسجل شهادة توثق تطور شخصياته بمرور الزمن، بدل الاكتفاء برصد لحظة واحدة من الصراع.
توثيق التحولات
وقالت يوليا هونتاروك، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عبر تطبيق «زووم»، إن الفكرة لم تولد بوصفها فيلماً مستقلاً، وإنما جاءت امتداداً لما قامت به مع مجموعة من صناع السينما الأوكرانيين بعد أحداث الثورة في عام 2013، حين أسسوا تجمعاً لتوثيق التحولات التي تشهدها البلاد، ومع انتقال المواجهات إلى شرق أوكرانيا، حمل أفراد المجموعة كاميراتهم إلى خطوط القتال، وهناك بدأت ملامح المشروع الذي استغرق أكثر من عقد حتى يكتمل.
وأضافت أن رحلتها مع أبطال الفيلم بدأت في مدينة «ماريوبول» عام 2015، عندما التقت للمرة الأولى سيرغي كوتراكوف، المعروف باسم «شاختا»، إلى جانب «بوتر» و«دانسر». لم تكن تعرف آنذاك أن هؤلاء الرجال سيصبحون محور فيلمها، لكنها شعرت بأن قصصهم تستحق المتابعة، فقررت مرافقتهم بالكاميرا، ليس فقط أثناء وجودهم على الجبهة، وإنما أيضاً بعد عودتهم إلى حياتهم المدنية.

وأكدت أن تصورها الأول كان يقوم على إنجاز فيلم عن المتطوعين الذين يقاتلون في شرق أوكرانيا، إلا أن الأحداث أخذت منحى مختلفاً مع انتهاء فترة وجودهم على الجبهة وعودتهم إلى منازلهم، موضحة أنها وجدت نفسها أمام مادة مصورة لا تكفي لصناعة فيلم تقليدي عن الحرب، لكنها في المقابل اكتشفت بداية قصة أخرى أكثر عمقاً، تتمثل في محاولة هؤلاء الرجال التأقلم مع حياة لم يعودوا يعرفون كيف يعيشونها بعد سنوات من القتال.
وتشير إلى أن تلك اللحظة دفعتها إلى إعادة النظر في المشروع بالكامل، لتدرك أن الفيلم الحقيقي لا يكمن في المعارك نفسها، بل في الحياة التي تأتي بعدها، لافتة إلى أن السؤال الذي بدأ يشغلها لم يعد كيف يقاتل الإنسان، وإنما كيف يستطيع أن يعيش مجدداً بعدما اعتاد أن يكون الموت جزءاً من يومه، وهو السؤال الذي تحول لاحقاً إلى الفكرة الرئيسية التي بُني عليها «الموت لتحيا».
حرب 2022
ولم تسر الأمور كما خططت لها المخرجة، مع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية عام 2022 ليقلب مسار الفيلم مرة أخرى ويوثق الفيلم عودة أبطالها إلى جبهة الحرب مجدداً، وهو أمر تراه متسقاً مع طبيعة السينما الوثائقية التي لا تسمح لصانعها بفرض مسار محدد على الأحداث، بل تفرض عليه الإصغاء إلى الواقع وتركه يقوده.
وكشفت المخرجة أن حجم المادة المصورة تجاوز 1000 ساعة، وهو رقم ازداد بعد استئناف التصوير عقب تجدد الحرب الأمر الذي جعل عملية المونتاج واحدة من أكثر مراحل العمل تعقيداً، معتبرة أن التحدي الحقيقي لم يكن في كمية المشاهد، وإنما في اختيار اللحظات القادرة على اختصار 12 عاماً من حياة أبطال تغيروا أمام عدسة الكاميرا، دون أن يفقد الفيلم صدقه أو طبيعته الوثائقية.
أما سيرغي كوتراكوف، المعروف داخل الفيلم باسم «شاختا»، فينظر إلى «الموت لتحيا» باعتباره أكثر من مجرد فيلم وثائقي، إذ يرى في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العمل يعد شهادة على حرب بدأت، من وجهة نظره، قبل سنوات طويلة من التاريخ الذي ارتبط في أذهان العالم بالحرب في 2022، مشيراً إلى أنه عاش وآلاف الأوكرانيين فصولها الأولى منذ عام 2014.
وأكد أن الحرب في شرق أوكرانيا خلال سنواتها الأولى لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي، حتى داخل المجتمع الأوكراني نفسه، إذ كان كثيرون ينظرون إليها باعتبارها معركة تدور في منطقة بعيدة عن حياتهم اليومية، لافتاً إلى أن هذا التصور أسهم في استمرار الصراع واتساعه، قبل أن يتحول لاحقاً إلى حرب شاملة فرضت نفسها على البلاد بأكملها، ثم على اهتمام العالم كله.

وفي الختام، تؤكد المنتجة إيفانا خيتسينسكا لـ«الشرق الأوسط» أن السينما الوثائقية تمتلك قدرة خاصة على تقديم ما تعجز عنه نشرات الأخبار، لأنها تمنح الجمهور فرصة للتعرف إلى البشر الذين يعيشون خلف العناوين السياسية والعسكرية، مشيرة إلى أن الهدف الأساسي لفريق العمل كان إيصال رسالة مفادها أن الحرب في أوكرانيا صراع مستمر منذ سنوات، وأن فهم هذه الحقيقة ضروري لفهم ما يعيشه الأوكرانيون اليوم.








