«الموت لتحيا» يسلط الضوء على جذور الصراع الروسي - الأوكراني

مخرجة الفيلم قالت لـ«الشرق الأوسط» إن تصوير العمل استغرق 12 عاماً

ركز الفيلم على استعراض جوانب من حياة أبطاله الثلاثة  (الشركة المنتجة)
ركز الفيلم على استعراض جوانب من حياة أبطاله الثلاثة (الشركة المنتجة)
TT

«الموت لتحيا» يسلط الضوء على جذور الصراع الروسي - الأوكراني

ركز الفيلم على استعراض جوانب من حياة أبطاله الثلاثة  (الشركة المنتجة)
ركز الفيلم على استعراض جوانب من حياة أبطاله الثلاثة (الشركة المنتجة)

يرصد الفيلم الوثائقي الأوكراني «الموت لتحيا (To Die To Live)» رحلة تمتد لأكثر من 12 عاماً داخل واحدة من أكثر الحروب تعقيداً في أوروبا المعاصرة، مستعيداً جذور الصراع الروسي - الأوكراني التي تعود إلى عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم، واندلعت المواجهات المسلحة في إقليمي دونيتسك ولوغانسك شرقي أوكرانيا.

ومن خلال متابعة ثلاثة متطوعين حملوا السلاح في تلك المرحلة، يقدم الفيلم قراءة إنسانية للحرب التي بدأت قبل الحرب الجديدة بـ8 سنوات تاركة آثارها العميقة في حياة جيل كامل من الأوكرانيين. ويستند «الموت لتحيا»، الذي عُرض لأول مرة عالمياً ضمن مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» في التشيك، إلى متابعة وثائقية طويلة المدى لثلاثة رجال انتقلوا من ساحات القتال إلى الحياة المدنية بعد اتفاقيات مينسك، قبل أن يجدوا أنفسهم مجدداً في مواجهة الحرب مع تصاعد العمليات العسكرية عام 2022.

وثق الفيلم على مدار سنوات جانباً من الأزمة الروسية - الأوكرانية (الشركة المنتجة)

ومن خلال هذه الرحلة، لا يكتفي العمل بتوثيق تطورات الصراع، بل يرصد التحولات النفسية والإنسانية التي يعيشها أبطاله وهم يحاولون استعادة حياتهم في ظل حرب لم تغادرهم يوماً، مع اختيار مخرجته التركيز على الجوانب الإنسانية في حياة أبطالها وما تتركه التجربة من آثار في الذاكرة والعلاقات والأسرة.

ورافقت المخرجة الأوكرانية يوليا هونتاروك شخصياتها منذ وجودها على خطوط المواجهة عام 2015، ثم تابعت تفاصيل عودتهم إلى المجتمع ومحاولاتهم بناء حياة جديدة، قبل أن تعيدهم الحرب إلى الجبهة مرة أخرى في عام 2022، لتقدم تجربة سينمائية تسجل شهادة توثق تطور شخصياته بمرور الزمن، بدل الاكتفاء برصد لحظة واحدة من الصراع.

توثيق التحولات

وقالت يوليا هونتاروك، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، عبر تطبيق «زووم»، إن الفكرة لم تولد بوصفها فيلماً مستقلاً، وإنما جاءت امتداداً لما قامت به مع مجموعة من صناع السينما الأوكرانيين بعد أحداث الثورة في عام 2013، حين أسسوا تجمعاً لتوثيق التحولات التي تشهدها البلاد، ومع انتقال المواجهات إلى شرق أوكرانيا، حمل أفراد المجموعة كاميراتهم إلى خطوط القتال، وهناك بدأت ملامح المشروع الذي استغرق أكثر من عقد حتى يكتمل.

وأضافت أن رحلتها مع أبطال الفيلم بدأت في مدينة «ماريوبول» عام 2015، عندما التقت للمرة الأولى سيرغي كوتراكوف، المعروف باسم «شاختا»، إلى جانب «بوتر» و«دانسر». لم تكن تعرف آنذاك أن هؤلاء الرجال سيصبحون محور فيلمها، لكنها شعرت بأن قصصهم تستحق المتابعة، فقررت مرافقتهم بالكاميرا، ليس فقط أثناء وجودهم على الجبهة، وإنما أيضاً بعد عودتهم إلى حياتهم المدنية.

عرض الفيلم للمرة الأولى في التشيك (الشركة المنتجة)

وأكدت أن تصورها الأول كان يقوم على إنجاز فيلم عن المتطوعين الذين يقاتلون في شرق أوكرانيا، إلا أن الأحداث أخذت منحى مختلفاً مع انتهاء فترة وجودهم على الجبهة وعودتهم إلى منازلهم، موضحة أنها وجدت نفسها أمام مادة مصورة لا تكفي لصناعة فيلم تقليدي عن الحرب، لكنها في المقابل اكتشفت بداية قصة أخرى أكثر عمقاً، تتمثل في محاولة هؤلاء الرجال التأقلم مع حياة لم يعودوا يعرفون كيف يعيشونها بعد سنوات من القتال.

وتشير إلى أن تلك اللحظة دفعتها إلى إعادة النظر في المشروع بالكامل، لتدرك أن الفيلم الحقيقي لا يكمن في المعارك نفسها، بل في الحياة التي تأتي بعدها، لافتة إلى أن السؤال الذي بدأ يشغلها لم يعد كيف يقاتل الإنسان، وإنما كيف يستطيع أن يعيش مجدداً بعدما اعتاد أن يكون الموت جزءاً من يومه، وهو السؤال الذي تحول لاحقاً إلى الفكرة الرئيسية التي بُني عليها «الموت لتحيا».

حرب 2022

ولم تسر الأمور كما خططت لها المخرجة، مع اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية عام 2022 ليقلب مسار الفيلم مرة أخرى ويوثق الفيلم عودة أبطالها إلى جبهة الحرب مجدداً، وهو أمر تراه متسقاً مع طبيعة السينما الوثائقية التي لا تسمح لصانعها بفرض مسار محدد على الأحداث، بل تفرض عليه الإصغاء إلى الواقع وتركه يقوده.

وكشفت المخرجة أن حجم المادة المصورة تجاوز 1000 ساعة، وهو رقم ازداد بعد استئناف التصوير عقب تجدد الحرب الأمر الذي جعل عملية المونتاج واحدة من أكثر مراحل العمل تعقيداً، معتبرة أن التحدي الحقيقي لم يكن في كمية المشاهد، وإنما في اختيار اللحظات القادرة على اختصار 12 عاماً من حياة أبطال تغيروا أمام عدسة الكاميرا، دون أن يفقد الفيلم صدقه أو طبيعته الوثائقية.

أما سيرغي كوتراكوف، المعروف داخل الفيلم باسم «شاختا»، فينظر إلى «الموت لتحيا» باعتباره أكثر من مجرد فيلم وثائقي، إذ يرى في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العمل يعد شهادة على حرب بدأت، من وجهة نظره، قبل سنوات طويلة من التاريخ الذي ارتبط في أذهان العالم بالحرب في 2022، مشيراً إلى أنه عاش وآلاف الأوكرانيين فصولها الأولى منذ عام 2014.

وأكد أن الحرب في شرق أوكرانيا خلال سنواتها الأولى لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي، حتى داخل المجتمع الأوكراني نفسه، إذ كان كثيرون ينظرون إليها باعتبارها معركة تدور في منطقة بعيدة عن حياتهم اليومية، لافتاً إلى أن هذا التصور أسهم في استمرار الصراع واتساعه، قبل أن يتحول لاحقاً إلى حرب شاملة فرضت نفسها على البلاد بأكملها، ثم على اهتمام العالم كله.

ركز الفيلم على استعراض جوانب من حياة أبطاله الثلاثة (الشركة المنتجة)

وفي الختام، تؤكد المنتجة إيفانا خيتسينسكا لـ«الشرق الأوسط» أن السينما الوثائقية تمتلك قدرة خاصة على تقديم ما تعجز عنه نشرات الأخبار، لأنها تمنح الجمهور فرصة للتعرف إلى البشر الذين يعيشون خلف العناوين السياسية والعسكرية، مشيرة إلى أن الهدف الأساسي لفريق العمل كان إيصال رسالة مفادها أن الحرب في أوكرانيا صراع مستمر منذ سنوات، وأن فهم هذه الحقيقة ضروري لفهم ما يعيشه الأوكرانيون اليوم.


مقالات ذات صلة

ألمانيا: بدء محاكمة ضابط أوكراني سابق بتهمة التخطيط لهجمات «نورد ستريم»

أوروبا الضابط الأوكراني السابق سيرهي كيه (وسط) يظهر بين محاميه قبل بدء محاكمته بشأن تفجير خط أنابيب «نورد ستريم» (أ.ف.ب)

ألمانيا: بدء محاكمة ضابط أوكراني سابق بتهمة التخطيط لهجمات «نورد ستريم»

مَثل ضابط أوكراني سابق أمام محكمة ألمانية، اليوم الأربعاء، بتهمة المساعدة في التخطيط للهجمات التي استهدفت خطي أنابيب غاز «نورد ستريم».

«الشرق الأوسط» (هامبورغ (ألمانيا))
الاقتصاد لوحة تظهر سعر الديزل في كاليفورنيا بالولايات المتحدة يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027

قالت وكالة الطاقة الدولية، في أحدث تقرير شهري لها عن سوق النفط، الأربعاء، إن نقص إمدادات الديزل يمكن أن يستمر حتى العام المقبل، بسبب انخفاض المخزونات بشكل كبير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا عناصر الإنقاذ يعملون في موقع ضربة روسية بمنطقة كييف (إ.ب.أ)

كييف تتهم واشنطن بـ«مساعدة» موسكو في الحرب... ونفي أميركي

قُتل ستة أشخاص على الأقل خلال غارات روسية على أوكرانيا، ليل الثلاثاء-الأربعاء، وفق ما أفادت السلطات، في وقت واصلت موسكو هجماتها على مناطق عدّة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أشخاص يتابعون الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عبر شاشة كبيرة خلال كلمته أمام منتدى وارسو للأمن في العاصمة البولندية وارسو يوم 12 أكتوبر 2026 (أ.ب)

زيلينسكي: لم نتلقَّ تحذيراً بشأن هجوم كييف... وترمب يؤكد استمرار تبادل المعلومات

قال الرئيس الأوكراني زيلينسكي إن شركاء بلاده لم يحذّروها من هجوم روسي على كييف، بينما أكد الرئيس الأميركي ترمب استمرار مشاركة المعلومات الاستخبارية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)

بريطانيا: تهديدات موسكو وطهران تضاعفت 4 مرات خلال عقد

عدّ رئيس الاستخبارات الداخلية البريطانية أن أكثر ما يثير القلق بشأن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي هو احتمال تمكّن الإرهابيين من تطوير أسلحة بيولوجية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
TT

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو مُنشأً بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه وهو يصارع النمر الذي تسبب في مقتل رجل بريطاني في حديقة حيوان بجنوب يوركشاير.

وفي المقطع، يظهر الرئيس الأميركي مرتدياً بدلة وربطة عنق وهو يطارد النمر ويطرحه أرضاً، قبل أن يبدأ الاثنان في التعانق. وتحاكي بداية مقطع الفيديو -الذي تبلغ مدته 23 ثانية- لقطات حقيقية للحظات الأخيرة في حياة ويليام تشابمان، قبل أن يلقى حتفه إثر هجوم النمر عليه يوم السبت.

وفي مقطع الذكاء الاصطناعي الذي نُشر أمس (الثلاثاء) على منصة «تروث سوشيال» (Truth Social) التابعة للرئيس، يظهر ترمب جالساً على الأرض محاولاً صدّ «ألتاي»، وهو نمر سيبيري يزن 440 رطلاً (نحو 200 كيلوغرام)، بينما يقوم الحيوان بتوجيه ضربات بمخلبه.

ويظهر ترمب في الفيديو المُعدّل وهو يقفز ويركض خلف السنور الكبير، وقد أُرفق الفيديو بأغنية «The Lion Sleeps Tonight» لفرقة «The Tokens».

وشارك الرئيس الأميركي اللقطات الحقيقية للهجوم عبر منصته «Truth Social»، حيث أظهرت اللقطات اللحظات التي سبقت مقتل «تشابمان» إثر تعرضه لهجوم وحشي من النمر في حديقة «يوركشاير» للحياة البرية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

بعد دقيقة واحدة من نشر لقطات الهجوم الحقيقية، نشر ترمب مقطع فيديو مُجمّعاً لحيوانات مفترسة كبيرة تهاجم البشر. وتضمن الفيديو مقطعاً مُولّداً بالذكاء الاصطناعي لأسد يحطم زجاج قفصه لمهاجمة حارس حديقة حيوانات.

وطلبت شرطة جنوب يوركشاير من الجمهور عدم مشاركة «لقطات مؤلمة» لوفاة تشابمان.

تم استدعاء خدمات الطوارئ بعد الساعة 1:30 ظهراً بقليل يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد أن تسلق تشابمان إلى قفص النمر وتعرض للهجوم. وأُعلن عن وفاته في مكان الحادث بعد ذلك بوقت قصير.

نعت عائلة تشابمان فقيدها مساء أمس (الثلاثاء)، واصفةً إياه بأنه «ذكي، وودود، وجذاب». وفي بيانٍ لها، قالت العائلة إنه كان يعاني من «مرض نفسي حاد» لسنوات عديدة، وكان يتناول «أدوية قوية». وتابع البيان: «إن العائلة مفجوعة تماماً بفقدانه، وتكافح لاستيعاب ما حدث». وأعرب والدا تشابمان عن أملهما في أن «تبذل السلطات المختصة قصارى جهدها لكشف ملابسات ما فعله ابننا الرائع».

كان تشابمان قد نشر مقطع فيديو على صفحته في «إنستغرام» من داخل حظيرة الحيوان قبل لحظات من الهجوم، حيث صوّر نفسه وهو يقترب ببطء من السنور الضخم، وكان يُسمع صوت تنفسه الثقيل بوضوح.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها صحيفة «التلغراف» إلى أن تشابمان كان ممثلاً طفلاً سابقاً، وقد درس في «مدرسة جاكي بالمر للمسرح» (Jackie Palmer Stage School) في منطقة «هاي ويكومب» بمقاطعة باكينغهامشير.


مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
TT

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

الحبّ في مسرحية «بعدك» لرالف معتوق ليس مجرّد قصة رومانسية عابرة. فالمخرج يذهب إلى ما هو أعمق من معنى الحبّ، ويؤكد أنّ الحبّ وحده لا يكفي، وأنّ العلاقة السليمة بين الشريكين ترتكز على المصارحة. من هذا المنطلق، ينسج معتوق، كاتب العمل ومنتجه وبطله أيضاً، نصّاً إنسانياً مؤثّراً يضيء على موضوعات تشكّل الظلّ الذي يرافق أيّ علاقة بين اثنين. فكما تنطبق تعقيدات الحبّ على العلاقات بين الأم والأب والابن والأخ، تنسحب على العلاقة بين الشريكين والحبيبين أيضاً. ومن خلال معالجة هذه الموضوعات، يفتح العمل نافذة على علاقات تتصدّع لأسباب مختلفة، وعلى تجارب انفصال تتعدّد وجوهها، ويبقى الموت أقساها.

تتقلّب أحداث المسرحية بين تفاصيل صغيرة ومحطّات أساسية في حياة زوجين، اختار أحدهما الرحيل بقرار ذاتي. فنحن أمام قصة يُغلّفها الحبّ، بينما تختبئ تحت طبقاتها مشاعر الألم والصراع والهواجس والعُقَد. وبأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا والتعبير عمّا يدور في داخلنا. فلماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح ونعترف ونضع النقاط على الحروف، في محاولة لإنقاذ علاقة ما؟ أليس الأجدى أن نلجأ إلى المصارحة والحوار والاعتراف، لنرتقي بمشاعرنا إلى فضاء أكثر وعياً ونضجاً؟

«بعدك»... تجربة مسرحية مختلفة (رالف معتوق)

تستضيف خشبة مسرح «ديستريكت 7» في بيروت هذا العمل، من بطولة رالف معتوق ويمنى بو حنّا. ويجسّد الاثنان، بأداء متناغم ونبض شبابي، قصة حبّ رومانسية تحمل في طيّاتها خلفيات وأبعاداً طالما غضضنا النظر عنها.

وتدور أحداث العمل حول يمنى التي تعاني فقدان زوجها عاصي. فقد عاشا معاً 7 سنوات قبل أن يقرّر وضع حدّ لحياته بين عشية وضحاها. وبعد مرور 3 سنوات على رحيله، تقرّر العودة إلى الغناء، وهي هواية رغبت في ممارستها إلى جانب مهنتها الأساسية مهندسةً داخلية. لكنّ التوتر والقلق يسكنانها؛ فهي لم تعتلِ الخشبة منذ غيابه، وكانت تحتاج إلى دعمه الدائم. فتستحضره في حوار يميل إلى البوح والفضفضة، ويستعيدان معاً شريط حياتهما، طارحين أسئلة لطالما شغلت تفكيرهما، لكنّ أياً منهما لم يتجرّأ على تناولها، لاعتقادهما أنّ كلاً منهما يعرف الآخر. ومع تقدّم الأحداث، نكتشف معهما عُقَداً رافقت زواجهما، وأسراراً كبتاها في أعماقهما، ولو تمكّنا معاً من فتح صفحاتها، لربما استطاعا إنقاذ علاقتهما من الفقدان.

يقول المخرج وكاتب العمل رالف معتوق إنّ فكرة المسرحية وُلدت من أسئلة كان يطرحها على نفسه كلّما سمع بخبر فقدان أحد الشريكين للآخر. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتخيّل لقاءهما، وعمّا يمكن أن يتحدّثا، وما الذي قد يعترف به كلّ منهما للآخر. فالناس عادةً ما تتناول هذه المواضيع من باب النميمة وتأليف الأخبار، لكنها لا تغوص في العمق، ولا تبحث عمّا وراء كلّ قصة فقدان ووحدة».

تخيّل معتوق الموقف برمّته انطلاقاً من تصوّره الشخصي له، وكتبه بقلم تسيل منه المشاعر قبل الحبر. وكان هدفه أن يلامس الناس بصدق، ويدفعهم إلى الاهتمام بالحبّ قولاً وفعلاً. واختار أن يعالج العلاقة الثنائية، مشدّداً على أهمية الصحة النفسية، وفاتحاً الباب أمام تفاصيل صغيرة قد لا يعيرها المرء اهتماماً.

ويطلّ على موضوعات اجتماعية وعائلية، متوقّفاً بصورة رئيسية عند الطفولة، إذ إنّ ما نحمله من تعقيدات ومخاوف وصراعات يبدأ في تلك المرحلة. فالزوج الراحل في المسرحية كان يعاني ترسّبات نفسية، وخضع لجلسات علاج نفسي، لكنه توقّف عنها، ممّا أعاده إلى حالة من الصراع مع الذات.

وانطلق معتوق في قصته من واقع يعيشه اللبنانيون، إذ إنّ 65 في المائة منهم يعانون اضطراباً نفسياً، وإنّ شخصاً واحداً يُقدم على الانتحار كلّ يومين. وهي أرقام موثّقة، وفق النص، من جمعية «إمبرايس» (Embrace)، التي تهدف إلى تقديم الدعم النفسي والوقاية من الانتحار. وقد استند إليها معتوق في كتابة نصّ العمل.

يضيف مسرح «ديستريكت 7» بُعداً حميمياً إلى القصة. فمساحته التي لا تتجاوز 4 أمتار تولّد تفاعلاً لا شعورياً بين الممثلين والحضور، وهو ما شجّع معتوق على اختياره، لأنه يناسب قصة من هذا النوع، وكذلك تفادياً لتشتّت انتباه المشاهد. ويوضح: «اختياري (ديستريكت 7) لم يأتِ مصادفة. فالقرب من الجمهور، ومن مسافة مختصرة جداً، يزيد من متابعة العمل بدقّة».

تحضر يمنى بو حنّا في المسرحية بمواهب متعدّدة من بينها الغناء (رالف معتوق)

وتترك المسرحية أثرها في مشاهديها، إذ توقظ لديهم وعياً بأهمية العلاقات الإنسانية عموماً. وهو ما يؤكده معتوق، قائلاً: «سعدتُ بهذه النتيجة، إذ تلقّيت ردود فعل مباشرة من الحضور. فقد أكّدت لي إحدى السيدات أنها، ما إن تصل إلى بيتها بعد العرض، حتى تذهب لتقبيل أطفالها النائمين، كي لا يفوتها التعبير عن حبّها لهم. واعترفت سيدة أخرى بأنّها لن تؤجّل بعد اليوم احتضان أخيها وشقيقتها ومعانقتهما. فالحبّ يكون بالقول والفعل، ويأتي قبل الخبز أحياناً». أمّا عن أهمية المسرحية من الناحية المهنية في مشوار رالف معتوق، فيوجزها: «لا تشبه أيّ عمل آخر سبق أن كتبته أو أخرجته. انطلقتُ من موضوع حميم ودافئ، ليشكّل العمل تجربة خاصة لكلّ مَن يشاهده».


لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
TT

لوحة لفان غوخ تطلّ بعد 60 عاماً... و180 مليون دولار في انتظارها

شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)
شجرة كستناء تُزهر على حافة العمر الأخير لفان غوخ (رويترز)

تزاحم المئات في هونغ كونغ، الثلاثاء، لمشاهدة لوحة لفنسنت فان غوخ لم تُعرض على الجمهور منذ أكثر من 6 عقود، وذلك قبيل بيعها في مزاد تنظّمه دار «سوذبيز» في نيويورك، إذ يُتوقّع أن تُحقّق نحو 180 مليون دولار.

ووفق «رويترز»، من المقرّر أن يختبر المزاد، الذي سيُنظّم في 18 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، متانة سوق الفنّ الراقية، التي ظلّ فيها هواة الاقتناء يتنافسون على الأعمال النادرة المرموقة، من دون أن تثنيهم حالة عدم اليقين الاقتصادي السائدة.

وتُعدّ لوحة «شاتينييه إن فلور» أو «أشجار الكستناء المزهرة»، التي رُسمت في مايو (أيار) 1890، من أبرز أعمال الفنان الهولندي في أيامه الأخيرة في قرية أوفير سور واز الفرنسية، التي لفظ فيها أنفاسه بعد نحو شهرين، وهو في الـ37 من عمره.

واللوحة على وشك تسجيل رقم قياسي جديد في المزادات لأعمال فان غوخ، وفق سكوت نيشيل من قسم الفنّ الحديث والمعاصر في دار «سوذبيز» بنيويورك.

في اللوحة ربيعٌ لا يشبه خريف صاحبها (رويترز)

وقال: «هذا عمل يتجلّى فيه تفاؤل استثنائي وطاقة محمومة وحماسة وشغف وألوان زاخرة في مسيرة الفنان الإبداعية».

واللوحات التي أنجزها فان غوخ في مرحلة «أوفير سور واز» الأخيرة، بُعيد خروجه من مصحّة للأمراض النفسية في «سان ريمي دو بروفانس»، نادراً ما تُطرح في المزادات، وسيستقطب هذا الحدث اهتمام هواة الاقتناء والمتاحف والمستثمرين.

وقالت عاشقة الفن البالغة من العمر 50 عاماً، لي شانشان، التي قطعت نحو ساعتين ونصف الساعة قادمةً من مدينة شنتشن الجنوبية لمشاهدة اللوحة: «لم أسمع بهذه اللوحة من قبل، فأردت أن أراها بعيني».

وستُباع اللوحة، التي تُصوّر شجرة كستناء ضخمة مزهرة بتاجٍ من الأزهار يهيمن على التكوين بأسره، ضمن مجموعة من 12 لوحة طال غيابها عن الأنظار، تضمّ أعمالاً لبول سيزان وكلود مونيه.

وشملت الأعمال الخمسة التي كُشف عنها في دار «سوذبيز» بلندن أواخر سبتمبر (أيلول) الماضي لوحة «هارلكين» للفنان سيزان، ولوحة «حديقة التويلري» للفنان مونيه.

وبعد رحيل فان غوخ في يوليو (تموز) 1890، انتقلت لوحة «شاتينييه إن فلور» إلى شقيقه ثيو، ثم إلى أرملة الأخير يوهانا فان غوخ بونغر وابنهما فنسنت ويليم.

ثم آلت ملكيتها إلى الناشر الألماني صامويل فيشر، مؤسّس دار «إس فيشر فيرلاغ»، قبل أن تنتقل إلى مجموعة جورج «بادي» ديسيلفا، كاتب الأغنيات الأميركي ومنتج الأفلام والمؤسِّس المشارك لشركة «كابيتول ريكوردز».

وعام 1953، اقتنت اللوحة جامعة الأعمال الفنية هارييت هاريس جوناس، التي كانت مجموعتها تحظى بأهمية دفعت متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك إلى تنظيم زيارات لرعاته لمشاهدة أعمالها في شقتها على جادة فيفث أفينيو.

وعام 1975، انتقلت اللوحة إلى عائلة بلاكييه، التي اقتنتها من تاجر الفن وايلدنشتاين.