تركيا و«الناتو»... علاقات استراتيجية لا تخلو من الأزمات

أنقرة تسعى من خلال استضافة قمة الحلف إلى تعزيز دورها في الأمن الأوروبي

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والأمين العام لحلف شمال الأطلسي خلال قمته في لاهاي في 2025 (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والأمين العام لحلف شمال الأطلسي خلال قمته في لاهاي في 2025 (رويترز)
TT

تركيا و«الناتو»... علاقات استراتيجية لا تخلو من الأزمات

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والأمين العام لحلف شمال الأطلسي خلال قمته في لاهاي في 2025 (رويترز)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان والأمين العام لحلف شمال الأطلسي خلال قمته في لاهاي في 2025 (رويترز)

تستضيف تركيا القمة الـ36 لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة أنقرة، يومي الثلاثاء والأربعاء، المقبلين، للمرة الثانية بعد 22 عاماً من القمة التي استضافتها في إسطنبول عام 2004.

ومنذ انضمام تركيا إلى «الناتو» عام 1952 شهدت الشراكة بين الجانبين تطوراً ملحوظاً بفعل أزمات وتوترات جيوسياسية. وستكون «قمة أنقرة» بمثابة مرحلة (ناتو 3) بعد مرحلة تأسيس الحلف عام 1949 (ناتو 1) ومرحلة الحرب الباردة وما بعدها (ناتو 2)، وهي تعكس سعي تركيا إلى دور أكثر فاعلية في بنية الأمن الجديدة التي تتشكل في أوروبا، ورغبتها في توظيف قدراتها في الصناعات الدفاعية بشكل ملموس داخل الحلف.

مفترق طرق

تُعقد قمة «الناتو» في أنقرة عند مفترف طرق، في ظلّ مشهدٍ لوّح فيه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بالانسحاب من الحلف بسبب عدم تقديم أوروبا الدعم الكافي في الحرب على إيران، إلى جانب عودة الشرق الأوسط إلى حالة توتر شديد، ومساهمة الدول الأوروبية في تأجيج حرب روسيا وأوكرانيا.

نساء يسرن بجوار أسوار مغطاة بلافتات قمة «الناتو» في أنقرة (رويترز)

والخط الأحمر لترمب هو زيادة جميع دول «الناتو» إنفاقها الدفاعي إلى 5 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي، وسيكون هذا الموضوع أحد البنود الأساسية المدرجة على قمة الحلف في أنقرة، حيث أكد الأمين العام للحلف، مارك روته، أنه يجب على الأعضاء إظهار التزامهم بزيادة الإنفاق خلال القمة، لافتاً إلى أنها ستشهد توقيع صفقات أسلحة بعشرات المليارات من الدولارات.

وقال المحلل السياسي التركي، خيري كوزان، إن «دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء إسبانيا، استجابت بشكلٍ إيجابي لضغوط ترمب بزيادة الإنفاق العسكري إلى 5 في المائة؛ وهي ترفع تدريجياً من نفقات الحرب، حيث يُخصَّص 3.5 في المائة منها مباشرةً للتسليح و1.5 في المائة للبنية التحتية». وأضاف: «لا ينبغي اعتبار كلمة «حرب» غريبة هنا؛ لأن نظراءهم الأميركيين غيّروا اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، وبما أن أوروبا تفتقر حالياً إلى القدرة على الشراء، ومع ازدياد القدرات العسكرية اللازمة لمواكبة هذا التوسع في التسليح، يقدر أن غالبية النفقات ستصب في خزائن احتكارات الأسلحة الأميركية».

ترمب متحدثاً للصحافيين خلال لقائه إردوغان في البيت الأبيض في 25 سبتمبر 2025 (أ.ب)

وأعلن ترمب أنه سيحضر قمة «الناتو» في أنقرة احتراماً للرئيس رجب طيب إردوغان، وأنه لولا إردوغان، لما حضر القمة.

مكانة محورية

وعلى الرغم من بعض الخلافات الدورية داخل «الناتو»، فإن تركيا حافظت على مكانتها المحورية في البنية الأمنية للحلف، ولعبت دوراً حاسماً في النزاعات الإقليمية والتعاون الدفاعي.

وقبل انضمامها إلى الحلف، وقّعت تركيا اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة عام 1951، وبدأ بناء قاعدة «إنغرليك» الجوية في أضنة (جنوب تركيا) في العام نفسه، وافتُتحت للاستخدام المشترك من قِبل القوات المسلحة التركية والقوات الجوية الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام.

قاعدة إنغرليك الجوية في أضنة جنوب تركيا (إعلام تركي)

وعندما انضمت تركيا إلى «الناتو» في العام التالي، صُممت القاعدة وفقاً لخطط وأهداف الحلف الدفاعية، ووقّعت تركيا والولايات المتحدة اتفاقية استخدام مشترك للقاعدة في ديسمبر 1954، ومع اشتداد الحرب الباردة عام 1955، بدأت القاعدة العمل تحت اسم «قاعدة أضنة الجوية»، وأُعيدت تسميتها إلى إنغرليك عام 1958، وأصبحت أحد مراكز استراتيجية الـ«ناتو» لاحتواء الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط.

أزمات متعددة

أدت العملية التي أطلقت عليها تركيا اسم «عملية سلام قبرص» عام 1974، والتي وصفتها لاحقاً هيئات مختلفة تابعة للأمم المتحدة بأنها «غزو»، إلى واحدة من أعمق وأطول الأزمات في علاقات تركيا مع «الناتو» خلال حقبة الحرب الباردة.

وأدى انتهاء الحرب الباردة إلى تغيير جذري في علاقات تركيا مع «الناتو»، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، ساد اعتقاد بأن تركيا ستفقد أهميتها الجيوسياسية، لكن مع الأزمات وعدم الاستقرار في مناطق البلقان والقوقاز والشرق الأوسط، انتقلت تركيا تدريجياً من كونها دولة هامشية إلى أن أصبحت فاعلاً مركزياً في الحلف.

وتأسس «مركز تدريب الشراكة من أجل السلام» التابع للقوات المسلحة التركية في أنقرة عام 1998 بهدف توفير التدريب لأفرادها من حلف «الناتو» والدول الشريكة وفقاً للمعايير العالمية.

وشغلت تركيا مناصب قيادية في مهمة «الناتو» في أفغانستان التي استمرت 20 عاماً، واختير رئيس برلمانها ووزير خارجيتها الأسبق، حكمت شتين، كأول ممثل مدني رفيع المستوى للحلف في أفغانستان من الفترة من 2003 إلى 2006، وبصفتها ثاني أكبر دولة ذات وجود عسكري في الناتو بعد أميركا، تشغل أيضاً مناصب مهمة في هيكل قيادة الحلف.

اقتناء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية «إس 400» تسبب في أزمة مع «الناتو» (إعلام تركي)

أما أحدث أزمات تركيا مع الحلف فاندلعت خلال عام 2017، ولا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم، وتتعلق باتفاقية اقتناء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية (إس 400) الموقّعة في ذلك العام، والتي جلبت رداً قوياً من حلفاء «الناتو»، وعلى رأسهم أميركا، بحجة أن المنظومة غير متوافقة مع منظومة الحلف، وتُهدد أمنه.

وتم استبعاد تركيا من برنامج مقاتلات «إف- 35»، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها بموجب قانون «مكافحة خصوم أميركا بالعقوبات» (كاتسا)، فضلاً عن عدم قدرتها حتى الآن على نشر المنظومة التي حصلت عليها بالفعل في صيف عام 2019.

عناصر من شرطة الخيالة التركية تجوب شوارع أنقرة في إطار التدابير الأمنية الخاصة بانعقاد قمة «الناتو» (أ.ف.ب)

وبالتزامن، أدى الدعم الذي قدمه عديد من الدول الأعضاء في «الناتو»، وفي المقدمة أميركا، إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وفرض حظر على توريد الأسلحة إلى تركيا بسبب عملياتها العسكرية ضدها في شمال وشرق سوريا، إلى توتر العلاقات مع الحلف استغلت فيه تركيا ورقة توسيع الحلف بسبب حرب روسيا وأوكرانيا، وقد تم تجاوزه تدريجياً بموافقتها بعد مفاوضات طويلة ومكثفة على انضمام فنلندا عام 2023، والسويد عام 2024.

وتؤدي تركيا دوراً محورياً في البنية التحتية لعمليات الحلف من خلال قواعد إنغرليك، وكونيا، وإرهاتش الجوية، ومحطتي رادار كورجيك وكيسجيك، وقيادة القوات البرية المتحالفة التابعة لـ«الناتو» في إزمير، ومراكز العمليات الجوية المشتركة في مختلف ولاياتها، وقاعدة أكساز البحرية، وميناءي تاشوج وإسكندرون، اللذين يُستخدمان لأغراض عسكرية عند الضرورة.

وأظهر الصراع الأميركي الإسرائيلي الإيراني، هذا العام، حيث اعترضت أنظمة الدفاع التابعة لحلف «الناتو» صواريخ أُطلقت من إيران باتجاه تركيا، الأهمية العملية لهذه البنية التحتية ومكانة تركيا في المنظومة الأمنية للحلف.


مقالات ذات صلة

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

أوروبا أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب) p-circle

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

خلافاً للموقف المتشدد للرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال العلاقة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً، وبدا لافتاً في…

رائد جبر (موسكو)
أوروبا رجل يُشتبه في توجيهه تهديدات باغتيال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يصل تحت حراسة الشرطة إلى مقر النيابة العامة في العاصمة البولندية وارسو يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

بولندا تعثر على متفجرات لدى متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء ووزير الدفاع

أعلنت النيابة البولندية العثور على متفجرات محلية الصنع في شقة رجل متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء دونالد توسك ووزير الدفاع فلاديسلاف كوسينياك-كاميش.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
شؤون إقليمية عقد مسؤولون عسكريون ودبلوماسيون أتراك ويونانيون جولة جديدة من اجتماعات «بناء الثقة» في 9 أكتوبر وسط توتر متصاعد في الفترة الأخيرة (حساب وزارة الدفاع التركية في «إكس»)

تركيا: تحذير لليونان من استشعار القوة استناداً لدعم إسرائيلي - أميركي

يخيِّم التوتر على العلاقات بين تركيا واليونان على الرغم من التَّحرُّك باتجاه تخفيفه عبر استئناف اجتماعات «بناء الثقة» التي تحظى بدعم من حلف شمال الأطلسي (ناتو).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا طائرات مقاتلة من طراز «إف - 18» تابعة للقوات الجوية الإسبانية تحلق فوق ليتوانيا خلال جولة إعلامية لحلف «الناتو» في قاعدة شياولياي الجوية بليتوانيا (رويترز)

القائد العسكري لـ«الناتو»: الحلف لا يريد الحرب ولكنه «مستعد للقتال الليلة»

قال القائد العسكري الأعلى لحلف شمال الأطلسي (الناتو) إن الحلف «مستعد للقتال الليلة» إذا تعرض لهجوم.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا جنود يطلقون قذيفة من مدفع «هاون» خلال إحدى مناورات حلف «الناتو» (الحلف الأطلسي عبر «فيسبوك»)

«الناتو» يستعد لمناورات «الردع النووي» السنوية وسط توتر مع روسيا

أعلن «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) أنه سيبدأ مناورات «الردع النووي» السنوية في إيطاليا اعتباراً من الثلاثاء، وسط مخاوف متزايدة بشأن روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» تستقيل من منصبها

هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)
هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)
TT

المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» تستقيل من منصبها

هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)
هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)

أعلنت هانا شتيرنه، المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» المرموقة، استقالتها، الجمعة، بعد أيام من إعلان الفائزين بجوائز نوبل لهذا العام.

وقالت المؤسسة، في بيان، إن الصحافية السويدية والمديرة الإعلامية (57 عاماً)، ستتنحى عن منصبها، لأسباب «شخصية وصحية».

وقالت شتيرنه: «كانت رحلة رائعة لتطوير أنشطة مؤسسة نوبل والمساهمة في ضمان وصول جوائز نوبل إلى الناس في جميع أنحاء العالم».

وأضافت: «أشعر بالفخر إزاء ما حققناه معاً، وبالزملاء ذوي الكفاءة العالية في مختلف المجالات المرتبطة بنوبل».

وتولت شتيرنه إدارة المؤسسة في مطلع عام 2025. وقبل ذلك، كانت تتولى رئاسة هيئة البث العامة السويدية «إس في تي».

أُسست مؤسسة نوبل في عام 1900 لإدارة إرث رجل الصناعة السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل (1833-1896).


البابا ليو يقيم قداساً في المستشفى بعد خضوعه لجراحة لاستئصال ورم سرطاني

أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
TT

البابا ليو يقيم قداساً في المستشفى بعد خضوعه لجراحة لاستئصال ورم سرطاني

أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)

أقام البابا ليو الرابع عشر قداساً، الجمعة، في المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج، بعد خضوعه لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في الرئة، وفق ما أظهرت صور له هي الأولى التي ينشرها الفاتيكان بعد إجراء العملية.

وأظهرت الصور البابا، البالغ (71 عاماً) والمولود في شيكاغو، واقفاً أمام مذبح في غرفة من المستشفى في روما، مرتدياً ثوباً كهنوتياً أخضر.

وبدا البابا في حالة جيدة، وإلى جانبه سكرتيره الخاص الكاهن البيروفي إدغارد ريمايكونيا، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكر المكتب الإعلامي للفاتيكان أن البابا أقام القداس بحضور الطاقمَيْن الطبي والتمريضي في مستشفى جيميلي، إلى جانب أشخاص كانوا موجودين في المكان خارج أوقات دوامهم، كما انضم إليهم عناصر من الشرطة.

وأضاف أن البابا أعرب عن شكره لجميع العاملين من أطباء وممرضين وموظفي خدمات، على تفانيهم في العمل وقربهم من الناس واهتمامهم بضعف الإنسان، وخصوصاً على ما تلقاه شخصياً في الأيام الماضية من رعاية واهتمام وعلاج.

ومن المتوقع أن يترأس البابا صلاة «التبشير الملائكي» التقليدية، الأحد، لكن مصدراً في الفاتيكان لم يوضح ما إذا كانت الصلاة ستُقام من داخل المستشفى أم من الفاتيكان.

وتعوّد البابا إقامة صلاة «التبشير الملائكي» كل يوم أحد من نافذة القصر الرسولي المطلة على ساحة القديس بطرس، أمام حشود في الساحة.

البابا ليو الرابع عشر يقيم قداساً في المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج (د.ب.أ)

فحوص مستمرة

أدخل البابا ليو، الثلاثاء، إلى مستشفى جيميلي في روما والواقع شمال الفاتيكان، حيث خضع لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في رئته اليمنى.

وذكر الأطباء أنه يتعافى بشكل طبيعي، لكن الفحوص المستمرة ستحدد المسار المقبل لعلاجه.

وأفاد أطباؤه، الخميس، بأن صورة الأشعة للصدر أظهرت «تعافياً جيداً للرئة التي أُجريت لها الجراحة».

وأفادوا، الجمعة، بأن الفحوص أظهرت «تحسناً مستمراً في حالته العامة»، لافتين النظر إلى أنه بات الآن يمارس «أنشطته اليومية المعتادة بشكل مستقل تماماً».

ولم تظهر بعد نتائج الفحوص التي ستحدد ما إذا كان السرطان قد انتشر. وقال مصدر في الفاتيكان إن «معنويات (البابا) جيدة، وهذا واضح. كما أن تعافيه يسير على ما يرام، بدليل أن البابا تمكن من إقامة القداس».

«أيام أفضل»

لم يدل المكتب بأي معلومات عن الموعد المحتمل لخروج البابا من المستشفى، مكتفياً بتكرار ما سبق أن ذكره الطبيب لجهة أن تعافيه سيستغرق نحو أسبوع.

وإذا قام البابا صلاة «التبشير الملائكي» من نافذة مستشفى جيميلي، فلن تكون سابقة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية.

ففي 6 فبراير (شباط) 2005، أطل البابا يوحنا بولس الثاني، الذي كان يبلغ حينها (84 عاماً)، من نافذة المستشفى خلال تعافيه من مشكلات تنفسية نجمت عن الإنفلونزا، فيما تولى أحد مساعديه تلاوة صلاة التبشير واقفاً إلى جانبه.

كما أقام البابا فرنسيس الصلاة ذاتها من نافذة المستشفى في 11 يوليو (تموز) 2021، وكان يبلغ حينها (84 عاماً) أيضاً، وذلك عقب خضوعه لجراحة في القولون. وقال يومها للحشود المجتمعة: «أنا سعيد لأنني تمكنت من الالتزام بموعد صلاة (التبشير الملائكي) ليوم الأحد، حتى من هنا».

ونشر الفاتيكان، الجمعة، مجموعة من الرسوم والرسائل التي أرسلها أطفال في المستشفى، بالإضافة إلى رسالة من شابة تبلغ (18 عاماً) كتبت فيها «سنحيا أياماً أفضل».

وكتب طفل في السابعة اسمه أنجيلو نقل إلى الطابق العاشر من مستشفى جيميلي قبل 36 يوماً، حيث خضع لجراحة في الرأس: «أمي وأنا نصلي من أجلك كل ليلة. أتمنى أن تتحسن صحتك قريباً».


الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
TT

الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

تفرّق الأوروبيون حول كل الملفات التي كانت مطروحة على طاولة القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة، وتعمّقت خلافاتهم حول مواضيع أساسية، مثل الهجرة والموازنة التي ستحدد سياسات الاتحاد خلال السنوات السبع المستقبلة، لكن الحرب في أوكرانيا جمعت شملهم حول موقف موحد لمواصلة تقديم الدعم العسكري والمالي واللوجستي إلى كييف، وتكريس القطيعة بين واشنطن وبروكسل، في مقاربة أخطر أزمة تواجه القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان هو نجم هذه القمة بلا منازع، إذ وصل العاصمة البلجيكية مساء الخميس، وأجرى محادثات وصفها بالممتازة مع رئيس الوزراء البلجيكي حول الأصول المالية الروسية المجمدة في بلدان الاتحاد، ومعظمها لدى المصارف البلجيكية، التي قالت عنها مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية، كاياك آلّاس، ظهر الجمعة، إنها «لا يجب أن تعاد إلى روسيا، قبل أن تحصل منها أوكرانيا على التعويضات التي تستحقها جراء الدمار الذي خلّفته الاعتداءات الروسية عليها».

الرئيس إيمانويل ماكرون (يسار) مصافحاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في بروكسل (أ.ف.ب)

في اليوم الثاني من القمة، حلّ عليها ضيفاً الرئيس الأوكراني طيلة الجلسة الصباحية، واستقبله القادة الأوروبيون بحفاوة لافتة وتصفيق طويل، كما لو أنهم كانوا يشعرون بحاجة ملحة لإظهار موقف موحد بعد سلسلة الخلافات العميقة التي ميّزت معظم اللقاءات الأخيرة. وكانت حفاوتهم تلك، وما تبعها من مواقف صدرت عن مسؤولة السياسة الخارجية ورئيس المجلس، رداً واضحاً على الموقف الأميركي الذي أكدت انكفاءه تصريحات الرئيس دونالد ترمب، التي دعا فيها إلى البحث عن بديل لرئاسة أوكرانيا، وتحميله زيلينسكي مسؤولية عدم التوصل إلى حلّ لإنهائها.

أما الملف الخلافي الذي استهلك معظم النقاش الذي دار يوم الخميس في القمة، فكانت موازنة الاتحاد للفترة 2028 - 2034، التي ستحدد العناوين السياسية الكبرى خلال السنوات المقبلة، التي برزت فيها خلافات عميقة حولها، تبدّت في المواجهة الشرسة بين مجموعة الدول «المقتصدة» التي تقودها ألمانيا وتدعو إلى خفض كبير في المقترح الذي أعدته المفوضية، ومجموعة «أصدقاء التضامن» بقيادة إسبانيا وإيطاليا، وتطالب بتخصيص مزيد من الموارد لمواجهة المرحلة المقبلة.

زيلينسكي في طريقه للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وليس أدلّ على عمق الخلافات حول هذا الإطار المالي المتعدد السنوات من تصريحات رئيس الوزراء السويدي كريسترسون، الذي قال: «بصراحة، لسنا في عجلة من أمرنا للتوصل إلى اتفاق، والمواطن السويدي ليس صرّافاً آلياً للاتحاد الأوروبي». وردّ عليها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بقوله: «هذا الاقتراح ليس كافياً على الإطلاق».

وما يزيد من تعقيدات هذا الملف، ويعرقل بتّه قبل نهاية السنة، أن السنة المقبلة هي سنة انتخابات بامتياز في العديد من الدول الأعضاء، ما يجعل النقاش حول كل الملفات الحساسة سياسياً وموجهاً في الدرجة الأولى للاستهلاك الداخلي.

الرئيس إيمانويل ماكرون (يسار) مصافحاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس الخميس بمناسبة قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ف.ب)

ويعتبر هذا الإطار المالي بمثابة إعلان للأولويات السياسية، يحدد أين وكيف ستنفق الموارد المالية في السنوات السبع المقبلة. ويتضمن الاقتراح الذي وضعته المفوضية خفضاً ملحوظاً في بعض الأبواب الرئيسية التقليدية، مثل السياسة الزراعية المشتركة وسياسة التضامن، وزيادات في بعض الأبواب التي صارت من الأولويات الجديدة بسبب الظروف الجيوسياسية الراهنة، مثل الدفاع والأمن، وتعزيز القدرات التنافسية لمساعدة المؤسسات الأوروبية في السباق الذي تتصدره الولايات المتحدة والصين، وتتقدمان على بلدان الاتحاد الأوروبي بأشواط.

الرئاسة الدورية الحالية التي تتولاها آيرلندا تحاول منذ أشهر الدفع نحو اتفاق نهائي حول هذا الإطار المالي، رغم أنه لن يدخل حيز التنفيذ سوى في مطلع عام 2028. السبب التقني المعلن وراء هذا الاندفاع هو أن الإطار له تداعيات على البنى التحتية والإدارات التي ستتولى تنفيذه عندما يدخل حيز التنفيذ، وتحتاج وقتاً للاستعداد له. لكن ثمة سبباً سياسياً غير معلن، وهو أن فرنسا مقبلة على انتخابات رئاسية واشتراعية في أبريل (نيسان) المقبل، ولا يخفى على أحد أنه في حال وصول اليمين المتطرف إلى الإليزيه أو سيطرته على الأغلبية في الجمعية الوطنية، لن يكون من السهل أبداً التوصل إلى اتفاق، ناهيك عن الانتخابات المقررة أيضاً في بولندا وإيطاليا وفنلندا، حيث لن تتراجع الدول عن مواقفها المعلنة خشية تعرضها لخسارة في الأصوات.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

الطبق الخلافي الآخر على مائدة القمة كانت الهجرة، التي أصبحت العنوان الرئيسي لمعظم الحملات الانتخابية في الدول الأعضاء، والمرشحة لمزيد من الاستقطاب والاستهلاك والمزايدات على أبواب الانتخابات، خاصة بعد الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية هذا الصيف. ورغم أن الدول الأعضاء أبدت مؤخراً عن استعدادها للتضامن مع إسبانيا، بعكس ما حصل في بداية أحداث سبتة، لم تبخل في انتقاداتها لرئيس الوزراء الإسباني وسياسة الهجرة التي ينهجها، وقرار تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين، الذي تعتبره بعض الدول الدافع الذي استقطب آلاف الشبان المغاربة الذين تدفقوا على سبتة هذا الصيف.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال افتتاح فعالية في بروكسل يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ولم يمنع ذلك رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ونظيرتها الدنماركية، من مطالبة سانشير بإعادة النظر في قرار تسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين، الأمر الذي رفضه رئيس الوزراء الإسباني بشدة في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد القمة.

لكن سانشيز، الذي جاء إلى القمة مستعداً لهذه المواجهة، فنّد جميع الاتهامات التي وجّهت إليه بالأرقام والبيانات الصادرة عن أجهزة المفوضية، التي قالت رئيستها فون در لاين إن تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة لم يؤثر على سياسة الهجرة الأوروبية، وإن التدفقات غير الشرعية تراجعت العام الماضي بنسبة 55 في المائة، وبنسبة الثلث منذ بداية هذا العام.