تستضيف تركيا القمة الـ36 لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة أنقرة، يومي الثلاثاء والأربعاء، المقبلين، للمرة الثانية بعد 22 عاماً من القمة التي استضافتها في إسطنبول عام 2004.
ومنذ انضمام تركيا إلى «الناتو» عام 1952 شهدت الشراكة بين الجانبين تطوراً ملحوظاً بفعل أزمات وتوترات جيوسياسية. وستكون «قمة أنقرة» بمثابة مرحلة (ناتو 3) بعد مرحلة تأسيس الحلف عام 1949 (ناتو 1) ومرحلة الحرب الباردة وما بعدها (ناتو 2)، وهي تعكس سعي تركيا إلى دور أكثر فاعلية في بنية الأمن الجديدة التي تتشكل في أوروبا، ورغبتها في توظيف قدراتها في الصناعات الدفاعية بشكل ملموس داخل الحلف.
مفترق طرق
تُعقد قمة «الناتو» في أنقرة عند مفترف طرق، في ظلّ مشهدٍ لوّح فيه الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بالانسحاب من الحلف بسبب عدم تقديم أوروبا الدعم الكافي في الحرب على إيران، إلى جانب عودة الشرق الأوسط إلى حالة توتر شديد، ومساهمة الدول الأوروبية في تأجيج حرب روسيا وأوكرانيا.

والخط الأحمر لترمب هو زيادة جميع دول «الناتو» إنفاقها الدفاعي إلى 5 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي، وسيكون هذا الموضوع أحد البنود الأساسية المدرجة على قمة الحلف في أنقرة، حيث أكد الأمين العام للحلف، مارك روته، أنه يجب على الأعضاء إظهار التزامهم بزيادة الإنفاق خلال القمة، لافتاً إلى أنها ستشهد توقيع صفقات أسلحة بعشرات المليارات من الدولارات.
وقال المحلل السياسي التركي، خيري كوزان، إن «دول الاتحاد الأوروبي، باستثناء إسبانيا، استجابت بشكلٍ إيجابي لضغوط ترمب بزيادة الإنفاق العسكري إلى 5 في المائة؛ وهي ترفع تدريجياً من نفقات الحرب، حيث يُخصَّص 3.5 في المائة منها مباشرةً للتسليح و1.5 في المائة للبنية التحتية». وأضاف: «لا ينبغي اعتبار كلمة «حرب» غريبة هنا؛ لأن نظراءهم الأميركيين غيّروا اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب، وبما أن أوروبا تفتقر حالياً إلى القدرة على الشراء، ومع ازدياد القدرات العسكرية اللازمة لمواكبة هذا التوسع في التسليح، يقدر أن غالبية النفقات ستصب في خزائن احتكارات الأسلحة الأميركية».

وأعلن ترمب أنه سيحضر قمة «الناتو» في أنقرة احتراماً للرئيس رجب طيب إردوغان، وأنه لولا إردوغان، لما حضر القمة.
مكانة محورية
وعلى الرغم من بعض الخلافات الدورية داخل «الناتو»، فإن تركيا حافظت على مكانتها المحورية في البنية الأمنية للحلف، ولعبت دوراً حاسماً في النزاعات الإقليمية والتعاون الدفاعي.
وقبل انضمامها إلى الحلف، وقّعت تركيا اتفاقية أمنية مع الولايات المتحدة عام 1951، وبدأ بناء قاعدة «إنغرليك» الجوية في أضنة (جنوب تركيا) في العام نفسه، وافتُتحت للاستخدام المشترك من قِبل القوات المسلحة التركية والقوات الجوية الأميركية في ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام.

وعندما انضمت تركيا إلى «الناتو» في العام التالي، صُممت القاعدة وفقاً لخطط وأهداف الحلف الدفاعية، ووقّعت تركيا والولايات المتحدة اتفاقية استخدام مشترك للقاعدة في ديسمبر 1954، ومع اشتداد الحرب الباردة عام 1955، بدأت القاعدة العمل تحت اسم «قاعدة أضنة الجوية»، وأُعيدت تسميتها إلى إنغرليك عام 1958، وأصبحت أحد مراكز استراتيجية الـ«ناتو» لاحتواء الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط.
أزمات متعددة
أدت العملية التي أطلقت عليها تركيا اسم «عملية سلام قبرص» عام 1974، والتي وصفتها لاحقاً هيئات مختلفة تابعة للأمم المتحدة بأنها «غزو»، إلى واحدة من أعمق وأطول الأزمات في علاقات تركيا مع «الناتو» خلال حقبة الحرب الباردة.
وأدى انتهاء الحرب الباردة إلى تغيير جذري في علاقات تركيا مع «الناتو»، ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، ساد اعتقاد بأن تركيا ستفقد أهميتها الجيوسياسية، لكن مع الأزمات وعدم الاستقرار في مناطق البلقان والقوقاز والشرق الأوسط، انتقلت تركيا تدريجياً من كونها دولة هامشية إلى أن أصبحت فاعلاً مركزياً في الحلف.
وتأسس «مركز تدريب الشراكة من أجل السلام» التابع للقوات المسلحة التركية في أنقرة عام 1998 بهدف توفير التدريب لأفرادها من حلف «الناتو» والدول الشريكة وفقاً للمعايير العالمية.
وشغلت تركيا مناصب قيادية في مهمة «الناتو» في أفغانستان التي استمرت 20 عاماً، واختير رئيس برلمانها ووزير خارجيتها الأسبق، حكمت شتين، كأول ممثل مدني رفيع المستوى للحلف في أفغانستان من الفترة من 2003 إلى 2006، وبصفتها ثاني أكبر دولة ذات وجود عسكري في الناتو بعد أميركا، تشغل أيضاً مناصب مهمة في هيكل قيادة الحلف.

أما أحدث أزمات تركيا مع الحلف فاندلعت خلال عام 2017، ولا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم، وتتعلق باتفاقية اقتناء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية (إس 400) الموقّعة في ذلك العام، والتي جلبت رداً قوياً من حلفاء «الناتو»، وعلى رأسهم أميركا، بحجة أن المنظومة غير متوافقة مع منظومة الحلف، وتُهدد أمنه.
وتم استبعاد تركيا من برنامج مقاتلات «إف- 35»، وفرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها بموجب قانون «مكافحة خصوم أميركا بالعقوبات» (كاتسا)، فضلاً عن عدم قدرتها حتى الآن على نشر المنظومة التي حصلت عليها بالفعل في صيف عام 2019.

وبالتزامن، أدى الدعم الذي قدمه عديد من الدول الأعضاء في «الناتو»، وفي المقدمة أميركا، إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وفرض حظر على توريد الأسلحة إلى تركيا بسبب عملياتها العسكرية ضدها في شمال وشرق سوريا، إلى توتر العلاقات مع الحلف استغلت فيه تركيا ورقة توسيع الحلف بسبب حرب روسيا وأوكرانيا، وقد تم تجاوزه تدريجياً بموافقتها بعد مفاوضات طويلة ومكثفة على انضمام فنلندا عام 2023، والسويد عام 2024.
وتؤدي تركيا دوراً محورياً في البنية التحتية لعمليات الحلف من خلال قواعد إنغرليك، وكونيا، وإرهاتش الجوية، ومحطتي رادار كورجيك وكيسجيك، وقيادة القوات البرية المتحالفة التابعة لـ«الناتو» في إزمير، ومراكز العمليات الجوية المشتركة في مختلف ولاياتها، وقاعدة أكساز البحرية، وميناءي تاشوج وإسكندرون، اللذين يُستخدمان لأغراض عسكرية عند الضرورة.
وأظهر الصراع الأميركي الإسرائيلي الإيراني، هذا العام، حيث اعترضت أنظمة الدفاع التابعة لحلف «الناتو» صواريخ أُطلقت من إيران باتجاه تركيا، الأهمية العملية لهذه البنية التحتية ومكانة تركيا في المنظومة الأمنية للحلف.



