سارة طيبة: الصدق يمنح الفيلم معناه

بعد فوزها بجائزة النخلة الذهبية لأفضل تمثيل... تتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «مسألة حياة أو موت»

توجت سارة الأسبوع الماضي بجائزة النخلة الذهبية لأفضل تمثيل (مهرجان أفلام السعودية)
توجت سارة الأسبوع الماضي بجائزة النخلة الذهبية لأفضل تمثيل (مهرجان أفلام السعودية)
TT

سارة طيبة: الصدق يمنح الفيلم معناه

توجت سارة الأسبوع الماضي بجائزة النخلة الذهبية لأفضل تمثيل (مهرجان أفلام السعودية)
توجت سارة الأسبوع الماضي بجائزة النخلة الذهبية لأفضل تمثيل (مهرجان أفلام السعودية)

بين الفانتازيا والكوميديا السوداء والأسئلة الوجودية، اختارت الممثلة والكاتبة السعودية سارة طيبة أن يكون رهانها على عنصر آخر؛ حكاية متماسكة، وشخصيات تنبض بمشاعر حقيقية، وعالم غرائبي لا يفقد صلته بالإنسان. هكذا تختصر رؤيتها لفيلم «مسألة حياة أو موت»، الذي كتبته وشاركت في بطولته، واضعةً القصة في المقدمة، ومعتبرة أن أكثر الأفكار غرابة تفقد قيمتها إذا لم تحمل مشاعر صادقة.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تقول: «أحياناً تكون الغرابة موجودة بلا معنى، فلا توجد قصة، ولا يفهم المشاهد شيئاً، ولا يشعر أن هناك دائرة اكتملت في النهاية. لذلك أتوقع أن أكثر ما أعجب الناس هو وجود قصة مكتملة، وعقدة تُحل في النهاية، مع مشاعر صادقة... الصدق الذي اشتغلنا عليه وصل إلى الناس، بغض النظر عن تصنيف الفيلم».

الفانتازيا في خدمة الحكاية

ورغم أن الطابع الغرائبي كان أول ما يلفت الانتباه في الفيلم، فإن سارة التي فازت الأسبوع الماضي بجائزة النخلة الذهبية لأفضل تمثيل في مهرجان أفلام السعودية، تؤكد أن هذا الخيار لم يكن مرتبطاً بشخصية «حياة» (بطلة الفيلم) وحدها، بل شكَّل هوية العمل منذ بداياته. مضيفة: «الغرابة لم تكن متقصدة لهذه الشخصية تحديداً، بل كل الشخصيات كانت غريبة، حتى الشخصيات الثانوية... الفيلم يحمل جانباً فانتازياً، وحتى تعامل المخرج مع الألوان كان وكأنه يتعامل مع لوحات، فالعالم كله يتضمن لمسة فنتازية».

وتضيف: «العلاقات والمشاعر في الفيلم كانت تشبهنا جداً... كثير من البنات رأوا في شخصية (حياة) شخصاً يشبههم، بنفس تساؤلاتهم وحيرتهم». وتتابع: «الفيلم يناقش أسئلة وجودية وعميقة، لكنه يفعل ذلك داخل قالب لطيف ومضحك، وهذا أكثر شيء حرصت عليه في النص... أحب الجمع بين الغرابة واللطافة، لكن مع وجود مشاعر إنسانية حقيقية».

وإجمالاً، يمكن اعتبار «مسألة حياة أو موت» خروجاً عن النمط السائد في السينما السعودية، ورغم ذلك استطاع الحصول على استحسان الجمهور والنقاد في آن واحد، وهو أمر قلما يحدث. بسؤال سارة عن ذلك؛ لم تتردد في انتقاد التصنيف التقليدي الذي يفصل بين سينما المهرجانات والسينما التجارية، معتبرة أن هذا الفصل لم يعد مقنعاً.

وتضيف: «هناك أفلام مهرجانات لا تعجب الجمهور، والعكس صحيح. لذلك دائماً أسأل: لماذا نفصل بين أفلام المهرجانات والأفلام التجارية؟ لماذا لا نصنع فيلماً جماهيرياً، لكنه في الوقت نفسه مليء بالاحترام للفن وللجمهور؟ هذا هو الشيء الذي أريد أن أركز عليه».

سارة وفَي فؤاد في مشهد من الفيلم (الشرق الأوسط)

رحلة امتدت عامين

كما كشفت سارة أن الوصول إلى النسخة النهائية من الفيلم استغرق وقتاً طويلاً، إذ مرَّ المشروع بأكثر من مرحلة قبل أن يرى النور، وظل النص حبيس الأدراج لفترة طويلة، إلى أن أنهت رحلته في إحدى ورش تطوير السيناريو في أمستردام، حيث وضعت اللمسات الأخيرة على النص، وأضافت: «أستطيع القول إن المشروع استغرق سنتين، لكنها لم تكن سنتين متواصلتين، حيث تخللهما الانشغال بأعمال أخرى».

ولم يبدأ المشروع - بحسب طيبة - من البحث عن ممثلين، بل من تفاهم فكري جمعها بالمخرج أنس باطهف، والفنان يعقوب الفرحان، حتى قبل وجود جهة إنتاج.

وتابعت: «ربما هذه من المرات القليلة التي كان فيها المخرج والبطلان الرئيسيان متفقين على العمل قبل أن نجد المنتج... أنا ويعقوب كنا نتحدث عن الفكرة حتى قبل أن أبدأ كتابة السيناريو».

وترى طيبة أن هذه الشراكة المبكرة انعكست على انسجام الشخصيات داخل الفيلم، وأسهمت في بناء عالمه منذ المراحل الأولى للكتابة، قبل أن ينتقل إلى الشاشة بالروح نفسها التي بدأ بها.

سارة مع يعقوب الفرحان في تناغم كبير بينهما في الفيلم (الشرق الأوسط)

رهان على المستقبل

ورغم أن «مسألة حياة أو موت» يمثل محطة جديدة في مسيرتها، فإن طيبة لا تعتبره أول تحول حقيقي في حياتها الفنية، مؤكدة أن الانعطافة الأولى جاءت مع مسلسل «جميل جداً»، الذي كتبته وأخرجه أيضاً أنس باطهف. أما النجاح الذي يحققه فيلمها الحالي، فما زالت تنظر إليه بحذر، معتبرة أن الوقت لا يزال مبكراً للحكم على أثره، لكنها تأمل أن يفتح لها أبواباً جديدة داخل صناعة السينما.

وأضافت: «بدأ عرض الفيلم من نحو أسبوع، لذلك لا أعرف تبعاته حتى الآن، لكن أتمنى أن ينقلني إلى مكان جديد، وأن يجعل شركات الإنتاج والمنتجين يثقون بي أكثر عندما يعرفون أن لدي عملاً كتبته. أما محبة الجمهور فهي بيد ربنا، لأن الفيلم عندما ينتهي يخرج من عندي ويصبح ملكاً للجمهور».

بين الكتابة والتمثيل

وبالسؤال إن كانت أقرب من الكتابة أو التمثيل، لا تبدو سارة معنية بالفصل بين الكاتبة والممثلة داخلها، بل ترى أن كل واحدة منهما تغذي الأخرى، قائلة: «الاثنتان قريبتان مني»، قبل أن تضيف بابتسامة: «أنا مع الورق الحلو أينما كان... لكن المشكلة أنه لا تأتينا نصوص جيدة في بعض أحيان كثيرة». وتوضح أن كتابة الشخصية بنفسها تمنحها أفضلية أثناء الأداء، إذ قالت: «عندما أكتب الشخصية، يختصر عليَّ هذا الشيء كثيراً في التحضير، لأنني أكون حفظتها عن ظهر قلب، وأعرف دوافعها وتفاصيلها من الداخل».

وحول سبب قلة أعمالها مقارنة بحضورها، أجابت بأنها تميل إلى الانتقائية، إلى جانب أن الكتابة نفسها تستنزف وقتاً طويلاً، وتردف: «دائماً الناس يسألوني: وينك؟ فأقول لهم: أنا أكتب. الكتابة تأخذ وقتاً طويلاً، وفوق هذا أنا انتقائية، ولا أجد دائماً النص الذي يروق لي».

وبالعودة للحديث عن شخصية «حياة»، ترى طيبة أنها الأقرب إليها مقارنة بشخصياتها السابقة، لكنها لا تشبهها بالكامل. وتضيف: «فيها أشياء تشبهني، لكن أنا عندي بطارية اجتماعية ضعيفة، وأخفي أنني في الحقيقة غير جريئة بعكس حياة... التي كانت جريئة ومندفعة جداً، بينما أنا لا أستطيع فعل كثير من الأشياء التي كانت تفعلها».

وأضافت ضاحكة: «ربما لدي شيء من اندفاعها، لكن إذا كانت هي مائة في المائة، فأنا خمسة في المائة فقط... أنا أعقل منها بكثير».

تؤمن سارة طيبة بأن الصدق أهم من أي شيء آخر في السينما (الشرق الأوسط)

في مواجهة المجهول

وحين انتقل الحديث إلى الأسئلة الوجودية التي يطرحها الفيلم، كشفت طيبة أن ما يشغلها ليس الموت بحد ذاته، بل فكرة السيطرة التي يعيشها الإنسان. مضيفة: «ربما لدي هوس بالتحكم في الأشياء، وهذه مشكلة يعاني منها كثير من البشر... أكثر شيء يناقض هذا الإحساس هو الموت، لأنه أكثر شيء مجهول، ولا نعرف كيف يأتي ولا متى».

وتابعت: «في النهاية اكتشفت أن القضية ليست الموت، بل كيف تسمحين للأشياء بالرحيل... عندما تتركينها تمضي، تبدأ الأمور تضبط». كما ترى أن الفن يؤدي دوراً يتجاوز الترفيه، ليصبح وسيلة للتعبير والتخفف من الأعباء النفسية، قائلة: «أرى كل إنسان يحتاج لتفريغ ما بداخله، حتى لو لم يكن فناناً. يكتب، يرسم، يشاهد فيلماً يشبهه... هذا كله مهم».

سارة طيبة في مشهد من فيلمها الجديد (الشرق الأوسط)

الصدق أمام الكاميرا

ويلفت في سارة طيبة التلقائية العالية في الأداء التمثيلي، بسؤالها عن ذلك، توضح أن أكثر ما تحاول مقاومته هو الانشغال بالصورة الخارجية، مؤكدة أن الصدق أهم لديها من أي محاولة لتجميل الأداء، وأضافت: «أحاول قدر الإمكان ألا أقع في فخ التصنع، أو التفكير في شكلي، وهل أنا طالعة حلوة أو لا... هدفي أن أجسد الحقيقة كما هي، حتى لو كانت قاسية».

وتتابع: «أحياناً أشوف نفسي وأنا أبكي فأشعر ببعض الحرج، لكن أعرف أنه بكاء صادق. أنا لم آتِ للتمثيل كي أبدو جميلة على الشاشة، بل أمثل كي أكون حقيقية».

وعن تتويجها بجائزة أفضل ممثلة في مهرجان أفلام السعودية، بدا التأثر واضحاً في حديثها، مؤكدة أن قيمة الجائزة بالنسبة إليها ارتبطت بالمكان الذي جاءت منه. وقالت: «هذا المهرجان صار لي 6 سنوات ما أفوت منه ولا دورة، وهو قريب من قلبي... شعرت كأنني تكرمت في بيتي».

وبين الكتابة والتمثيل، وبين الفانتازيا والواقع، تبدو سارة طيبة متمسكة بفكرة واحدة لا تتغير، حيث تختتم حديثها في اختصار علاقتها بالسينما وبالجمهور معاً بالقول: «خليك صادق ولا تنحرج من نفسك... الصدق هو المفتاح».


مقالات ذات صلة

في عام سينمائي مزدحم... إيرادات الأفلام السعودية تتجاوز 26 مليون دولار

يوميات الشرق فيلم «عكس سير» يواصل منافسته في شباك التذاكر السعودي (الشرق الأوسط)

في عام سينمائي مزدحم... إيرادات الأفلام السعودية تتجاوز 26 مليون دولار

يشتعل سباق الأرقام في صالات السينما، بعد أن تجاوزت إيرادات الأفلام السعودية 100 مليون ريال (26 مليون دولار) منذ بداية العام الحالي.

يوميات الشرق عرض الفيلم ضمن فعاليات «مهرجان لوكارنو» (الشركة المنتجة)

«أحبك... وأتركك» فيلم سويسري يختبر صمود الصداقة أمام الاضطراب النفسي

ليست كل الأفلام الوثائقية تُولد من فكرة سينمائية، فبعضها يخرج من قلب تجربة شخصية يصعب على أصحابها فهمها قبل روايتها، ومن بينها السويسري «أحبك... وأتركك».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من فعاليات سابقة في مهرجان البحر الأحمر السينمائي (SRMG)

«البحر الأحمر السينمائي» يؤجل دورته السادسة إلى 2027

أعلنت مؤسسة البحر الأحمر السينمائي تأجيل الدورة السادسة من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي إلى الربع الرابع من عام 2027، بعد مراجعة عدد من الاعتبارات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق تيم روبنز ومورغان فريمان في مشهد من الفيلم (imdb)

من ذاكرة المنازل إلى الشاشة الكبيرة... «الخلاص من شاوشانك» في صالات السعودية

قبل أكثر من 3 عقود، خرج فيلم «الخلاص من شاوشانك» إلى دور العرض العالمية، فيما عاش الجمهور السعودي تلك المرحلة في غياب صالات السينما.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق المخرجون الشباب المتقدّمون إلى منصة مهرجان طرابلس لتمويل الأفلام القصيرة (الشرق الأوسط)

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

مهرجان طرابلس للأفلام يساعد المخرجين الشباب على الانتقال بأفلامهم القصيرة من الورق إلى الشاشة الكبيرة.

كريستين حبيب (طرابلس (شمال لبنان))

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
TT

«دنيا»... رحلة في عالم الأمهات المثقل بالتضحيات

ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)
ندى أبو فرحات وزياد نجار في تحية الختام لجمهور مسرحية «دنيا» (مسرح دوار الشمس)

تغوص مسرحية «دنيا» على خشبة «دوار الشمس» ببيروت، لكاتبها ومخرجها زياد نجَّار، داخل أعماق الأمومة والتضحيات التي ترافقها، فتُشرِّح مشاعر مكبوتة لدى نساء نسين أنفسهن من أجل سعادة أبنائهن. وتؤدي ندى أبو فرحات دور «المايسترو» الذي يجمع حكايات نساء كثيرات في مقطوعة إنسانية واحدة، تلامس كل مُشاهد وفق تجربته الخاصة.

عالم «دنيا»؛ المرأة التي ضاعت بين تناقضات تجربتها والخيبات التي واجهتها، يطرحه نجّار في قالب حديث، متنقلاً بين الافتراضي والواقعي، ومستعيناً بالموسيقى بوصفها عنصراً درامياً، وصولاً إلى رقصة المذبوح من الألم، التي توقظها كلمة «موم (أمي)» بالإنجليزية، وفق قاموس الجيل الجديد. وانطلاقاً من هذا التعبير البسيط، الذي حلّ مكان كلمة «ماما» التقليدية، يدرك المشاهد أن الحكاية تطوله هو أيضاً.

ويُبقي العمل على قيم الحب والتضحية التي لم تتغيّر لدى الأمهات، من جيل الجدات حتى اليوم، ويبرزها في قالب مسرحي تتحكّم أبو فرحات في مساره، فيما ترافقها نغمات البيانو التي يعزفها نجّار مباشرة على الخشبة. وتواكب الموسيقى تقلّبات الشخصية وثورتها على ذاتها؛ فيرتفع صوت الأم ليتحوّل ضجيجاً مضنياً في مَشاهد القلق، وينساب بهدوء في لحظات أخرى.

تحكي «دنيا» قصص نساء كرّسن حياتهن لتربية أبنائهن، وحلمن بمستقبلهم على حساب أحلامهن الخاصة. نساء تأثرن بتربية أمهاتهن وانتقدنها، معتقِدات أنهن يؤدّين أدوارهن على طريقتهن المنفتحة، فركّزن على تزويد أبنائهن بالقوة والاستقلالية لمواجهة مشكلات الحياة ومصاعبها.

في «دنيا» قدمت ندى أبو فرحات أحد أهم أدوارها المسرحية (مسرح دوار الشمس)

وفجأة؛ يجدن أن ذلك المسار الطويل انتهى إلى مغادرة الأبناء البيت. هنا تبدأ رحلتهن مع الذات، فيستعدن شريط حياة لم يعشنها، بل قدّمنها هدية لأبنائهن. فالبيت الذي كان يشهد نقاشات وجدالاً بين الأم وابنتها أصابه الصمت، وتحول سماعُ كلمة «موم» شوقاً ضاغطاً وحاجة ملحّة، بعدما كانت تشكّل مصدر انزعاج لكثرة تردادها على ألسنة أولاد متطلِّبين.

«أولادكم ليسوا لكم»... مقولة جبران خليل جبران؛ تصبح قاسية عندما تتحوّل حقيقةً تعيشها الأمهات. ويعكس عنوانُ العمل دنيا الأمِّ وعالَمَها، بما ينطوي عليه من تقلّبات وتناقضات يصعب اختصارها في عرض مدته 60 دقيقة. ولذلك جاء النص مركّزاً وتفاعلياً؛ إذ حاول نجّار، بالتعاون مع أبو فرحات، الإحاطة بالقصة من خلال تفاصيل تجعلها أقرب إلى الواقع.

وتتناول المسرحية تجربة الأمومة شكلاً ومضموناً، كما تتطرّق إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومتابعة جيل المؤثرين الجديد. فالأبناء يصدّقون المؤثرة «فلالوبا» على «تيك توك» أكثر مما يصدّقون أمّاً رافقتهم في أحلامهم وتحدياتهم. كذلك يظهر قلق الأمهات من «سباع» جائعة قد يصادفها أبناؤهن في علاقاتهم العاطفية، وكيف يعيد التاريخ نفسه من خلال حجج يتسلّح بها الأبناء للقاء الآخر، سبق أن استخدمتها الأم في زمن الصبا.

ويتأثر الأهل أيضاً بأبنائهم، ولكن على طريقتهم الخاصة. وعندما يفقدون وسيلة التواصل معهم بسبب انشغال الأبناء بالمحادثات الإلكترونية، يصبح «تشيت شات» مع الذات، كما يسمّيه العمل، خياراً بديلاً لهم.

وتنجح ندى أبو فرحات، خلال أكثر من مشهد، في الانتقال من حالة إنسانية إلى أخرى. فتتحوّل من أم تتذمّر من علاقتها بابنتها، إلى أخرى حنون وعاطفية، تسأل عن أحوالها بلهفة وهي تناديها: «يا حياة قلبي وينك تقبريني». وتكشف هذه الانتقالات عن تنوّع أدائها وقدرتها على تجسيد حالات أمومة مختلفة.

دنيا تحتفي بالحياة على طريقتها (مسرح دوار الشمس)

وتقدّم المسرحية صوراً بلاغية عدّة في إطار عمل إنساني يحمل رسالة مباشرة ويتناول الموضوع بجرأة. وتتجدّد شخصية «دنيا» وهي ترتدي عباءة الحرية حيناً، وعباءة البحث عن الذات والتفاني حيناً آخر.

وتبرز قدرات أبو فرحات الأدائية عندما ترقص الفلامنغو والفالس، فتترك لنفسها العنان، كأنها تستعيد أياماً أضاعتها في رعاية الآخرين. لكنها تعود إلى الواقع حين تصغي إلى ابنتها المنكسرة، التي لجأت إليها لمواجهة مشكلة عاطفية كبيرة.

ويعزّز أسلوبُ زياد نجّار الإخراجي الأثرَ البصري والسمعي للعمل، عبر لغة مسرحية تجمع بين الأداء والحركة والموسيقى والصورة، فيما صمّمت تمارا حاوي اللوحات الكوريغرافية.

وفي نهاية العمل، الذي تستمر عروضه حتى 27 سبتمبر (أيلول) الحالي، تحتفي «دنيا» بنفسها وبكل امرأة سارت في طريقها... فقد واجهت التحديات انطلاقاً من حدسها وخبرتها وحبها أبناءها، وإن كان ذلك على حساب نفسها وأحلامها، لتصبح نموذجاً لأمهات كثيرات في بلادنا.


جدل «الأعلى أجراً» والأكثر مشاهدةً بالدراما الرمضانية للواجهة مبكراً

الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
TT

جدل «الأعلى أجراً» والأكثر مشاهدةً بالدراما الرمضانية للواجهة مبكراً

الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)
الفنان المصري محمد رمضان (حسابه على «فيسبوك»)

أعادت تصريحات للفنانين أحمد العوضي، ومحمد رمضان، جدل «الأعلى أجراً»، والأكثر مشاهدة، للواجهة، وذلك بالتزامن مع إعلان وجودهما ومنافستهما لأول مرة في الماراثون الرمضاني القادم معاً، وكل منهما في صدارة البطولة لمسلسلات تصنف ضمن «الدرامية الشعبية».

وكتب محمد رمضان عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي أنه «نمبر وان» في الأجر، و«أنه ليس طماعاً... بل عشماوي»، بينما كرر العوضي تصريحاته بأنه الأعلى أجراً، والأكثر مشاهدة، في عدد من الفعاليات، أبرزها ظهوره في بودكاست «قصتي»، وخلال ندوته في «ملتقى الإعلام العربي» بدبي.

ويشكل «عشماوي» عودة لمحمد رمضان للدراما التلفزيونية بعد غياب لسنوات، انشغل خلالها بالإصدارات الغنائية والأفلام السينمائية، وتحديداً منذ تقديمه مسلسل «جعفر العمدة»، بينما اعتاد أحمد العوضي تصدر البطولة الدرامية الرمضانية بانتظام منذ سنوات، أحدثها سيكون مسلسل «سلطان الديب»، الذي ينافس به في الموسم المقبل.

ويشهد مسلسل «عشماوي»، الذي يجمع بين محمد رمضان، والمخرج بيتر ميمي، لأول مرة، مفاجآت لافتة، أبرزها مشاركة مي عمر، وأيضاً زوجها المخرج محمد سامي، بالتمثيل، بينما يتعاون العوضي مع صناع مسلسلات سابقة له، مثل «على كلاي»، وهما المخرج محمد عبد السلام، والسيناريست محمود حمدان.

بدوره أكد الكاتب والناقد الفني المصري أحمد النجار، أن «المتاجرة من قبل البعض بكونهم الأعلى أجراً أمر غير صحي بالوسط الفني»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «صدارة أي عمل ونجاحه ليس بالضرورة أن ينسب للبطل الأوحد، فهناك أدوار مساعدة وثانية وثانوية، وفريق كامل بالصفوف الخلفية هم العمود الفقري للأحداث وبإمكانهم جذب المشاهد ببساطة بعيداً عن النجم».

وأشار النجار إلى أن هذه التصريحات تزداد انتشاراً في الآونة الأخيرة ويجب الحد منها، مضيفاً: «البطل لا بد وأن يتحدث بفنه وإبداعه وتجسيده ببراعة وإتقان، وعليه أن يترك أمر التصدر للمنصات المتخصصة، وإلا فليظهر الدليل والعقد الذي يثبت أنه الأعلى أجراً، طالما أنه يتحدث بثقة مطلقة».

الفنان المصري أحمد العوضي (حسابه على «فيسبوك»)

وفي سياق معركة الصدارة، التي ظهرت مؤشراتها أخيراً، خاض العوضي بطل فيلم «شمشون ودليلة»، التجربة نفسها مع محمد إمام بطل «صقر وكناريا»، خلال موسم الصيف السينمائي، فبينما أكد إمام تصدره «شباك التذاكر» وتحقيقه لإيرادات مليونية، أعلن العوضي عن إيرادات ضخمة حصدها فيلمه خلال أسبوع واحد فقط.

واشتعلت المعركة بين العوضي وإمام عبر منشورات «سوشيالية»، شهدت على تدخل نقيب الممثلين أشرف زكي حينها لفض الاشتباك، وطالبهما بحذف كل المنشورات، وقبل ذلك شهد موسم دراما رمضان الماضي منشورات متبادلة بين الفنانتين مي عمر بطلة «الست موناليزا»، وياسمين عبد العزيز بطلة «وننسى اللي كان»، عن التصدر والأكثر مشاهدة، ودخل على خط الأزمة حينها الفنان عمرو سعد الذي نافس بمسلسل «إفراج».

ووصف الكاتب والناقد الفني المصري سمير الجمل «الصراع الدائر على الإيرادات والترند والأعلى أجراً بأنه نوع من (الإفلاس الفني) والاستفزاز للمشاهد»، مؤكداً أن «غالبية المسلسلات أصبحت عجينة واحدة، لذلك فالمخرج الوحيد لإثبات الوجود هو الحديث عن ذاتهم وتصدرهم، وبات ملاذهم هو مقولة الأكثر نجاحاً وأجراً بدون دليل مادي يثبت الأمر».

وعن رأيه في ثيمة «البطل الشعبي» في الدراما المصرية حالياً، أكد سمير لـ«الشرق الأوسط»، أن «ما يعرض لا يعبر عن الحارة الشعبية التي تمثل السواد الأعظم من الناس، فالحارة الأصيلة لا تؤوي البلطجي والنصاب والسارق، وما يقدم ويصدر للناس هو صورة وهمية لا تمثل الفن المصري، بل عشوائيات درامية لن تعيش في الذاكرة».

وختاماً طالب الناقد الفني بالتوازن والتنوع في الدراما لعدم إفساد القيم الشعبية من خلال مفاهيم مغلوطة تعرض من أجل «الترند»، لافتاً إلى أن «الفن يقود المجتمع وليس العكس، لأنه الأقوى بإبداعه وفكره»، على حد تعبيره.

Your Premium trial has ended


قرارات صارمة لمنع تصوير المُعلمين و«ضبط» ملابس طلاب الجامعات

وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
TT

قرارات صارمة لمنع تصوير المُعلمين و«ضبط» ملابس طلاب الجامعات

وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)
وزير التربية والتعليم المصري بين طلاب ومعلمي مدرسة في محافظة المنيا (صفحة وزارة التربية والتعليم على «فيسبوك»)

مع انطلاق العام الدراسي الجديد في المدارس والجامعات المصرية، برزت توجهات رسمية مُشددّة لفرض الانضباط داخل المؤسسات التعليمية، سواء من خلال قرارات تستهدف حماية المعلمين والحفاظ على هيبة المنظومة التعليمية داخل المدارس، أو عبر تطبيق ضوابط خاصة بالمظهر العام للطلاب داخل الجامعات.

وبدأ نحو 4 ملايين طالب وطالبة العام الجامعي الجديد 2026 - 2027، بداية هذا الأسبوع، بالجامعات والمعاهد المصرية، فيما استقبل أكثر من 60 ألف مدرسة بدايةً من الأسبوع الماضي نحو 25 مليون طالب وطالبة بمختلف المراحل.

وفي سياق فرض الانضباط، أصدر وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، محمد عبد اللطيف، الاثنين، توجيهات مشددة لجميع المدارس على مستوى الجمهورية بتطبيق عقوبة الفصل لمدة عام دراسي كامل لأي طالب يستخدم أي أداة من أدوات التصوير لتصوير المُعلّم داخل المدرسة، بهدف الإساءة أو التنمر أو النشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت الوزارة، في بيان، أن «الحفاظ على هيبة وكرامة المعلم واحترامه، وتوفير بيئة تعليمية منضبطة داخل المؤسسة التعليمية، يمثلان ثوابت أساسية للعملية التعليمية».

كانت واقعة قد انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي لتلميذ في إحدى المدارس تتم معاقبته في الطابور ويقدم اعتذاراً لمدرّسته بعد أن صوّرها وهي تشرح في الفصل ونشر المقطع عبر وسائل التواصل مع تعليقات ساخرة.

قيادات جامعة القاهرة في جولات ميدانية بالكليات مع انطلاق العام الجامعي الجديد (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

وامتدت محاولات ضبط الإيقاع التعليمي إلى الجامعات، التي شددت على تطبيق ضوابط المظهر العام داخل الحرم الجامعي، حيث أعلنت عن «مدونة سلوك» أو أصدرت تعليمات تحظر ارتداء الملابس الممزقة أو الشفافة أو القصيرة، إلى جانب الشورتات والأحذية المفتوحة وبعض أشكال الإكسسوارات التي لا تتناسب مع البيئة الأكاديمية.

وشهد أول أيام العام الجامعي الجديد عدة وقائع أثارت تفاعلاً، منها منع طالب وطالبة من دخول جامعة بنها بسبب ارتدائهما «بناطيل ممزقة»، كما شهدت الجامعة منع أحد الطلاب من الدخول بسبب انتعاله حذاءً مفتوحاً (شبشب)، ورغم أن الطالب أوضح لأفراد الأمن أنه خضع مؤخراً لعملية جراحية بالقدم، وأن انتعاله هذا الحذاء جاء بناءً على توصية طبية، إلا أن الأمن اشترط تقديم تقرير طبي رسمي يُثبت حالته الصحية، حسبما أفادت به تقارير صحافية محلية.

وجددت هذه الوقائع نقاشاً قديماً ومكرراً بشأن ضوابط «الزي اللائق» وآليات تطبيقها، وسط انقسام بين تأييد موقف الجامعات في وضع قواعد للانضباط والمظهر العام داخلها، وبين معارضين رأوا أن ملابس الطالب لا ينبغي أن تكون سبباً لمنعه من حق تلقي التعليم، كما أثار البعض تساؤلات حول وجود أكواد موحدة (dress code) داخل الجامعات تلزم الطلاب بملابس ذات مواصفات محددة.

كانت مصادر بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية قد أكدت في تصريحات صحافية سابقة عدم وجود قانون محدد ينظم ملابس الطلاب داخل الجامعة، من خلال وضع مواصفات محددة للملابس داخل الحرم الجامعى سواء للطلاب أو الطالبات، موضحةً أن الجامعات تتمتع بشخصية مستقلة، وبالتالي يكون لرئيس كل جامعة الحق في تنظيم شؤون الجامعة والحرم الجامعي في جميع الأمور بما فيها الملابس.

ويوضح الخبير التربوي، عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا للتربية جامعة القاهرة، أن الجامعات المصرية لا تستند إلى قانون موحد يحدد بصورة تفصيلية شكل الزي المسموح به داخلها، وإنما تعتمد في الغالب على اللوائح الداخلية أو قرارات تنظيمية، مؤكداً أن «غياب كود موحد ومحدد للزي داخل الجامعات، يجعل بعض القرارات خاضعة للتقديرات والاجتهادات الشخصية عند التطبيق».

طلاب بجامعة بنها داخل إحدى القاعات الدراسية في أول أيام العام الدراسي (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجدل المتكرر حول هذه الوقائع يعكس الحاجة إلى وجود إطار أكثر وضوحاً تصدره الجهات المسؤولة عن التعليم العالي»، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن أي «دريس كود» لن يكون قادراً على تغطية جميع التفاصيل المرتبطة بالأزياء، فالموضة تتطور بصورة متسارعة، الأمر الذي يجعل من الصعب صياغة قواعد تستوعب كل جديد.

ويفسر حجازي تكرار هذه الأزمات مع بداية كل عام دراسي لكونها «تقع في منطقة حساسة بين رؤيتين متباينتين داخل المجتمع، فهناك تيار مُحافظ يرى أن للجامعة الحق في فرض معايير للمظهر، يقابله تيار آخر ينظر إلى مسألة اللباس بوصفها حرية شخصية، وبالتالي يتحول الأمر إلى صراع قيمي يأخذ أبعاداً فلسفية وجدلية كبيرة».

بدورها، تؤكد الخبيرة التربوية داليا الحزاوي، المنسق العام للبرنامج الوطني لتعزيز الحق في التعليم بمجلس الشباب المصري، أن بناء شخصية الطالب لا يقتصر على التحصيل الدراسي، وإنما يشمل أيضاً غرس قيم والسلوكيات الإيجابية، موضحةً أن «للأسرة دوراً أساسياً في ذلك، سواء بتعليم الأبناء الاستخدام المسؤول لمواقع التواصل الاجتماعي واحترام خصوصية الآخرين، وكذلك التدخل والتوجيه فيما يرتدونه داخل الجامعة».

وأكدت لـ«الشرق الأوسط» أن «توجيهات معاقبة تصوير المعلم داخل المدرسة تأتي في توقيت مهم، في ظل انتشار بعض الممارسات التي تستهدف السخرية من المعلمين وتصويرهم ونشر المقاطع عبر مواقع التواصل الاجتماعي»، مشددةً على أن «احترام المعلم والحفاظ على كرامته من أساسيات الانضباط داخل المدرسة».

كما تبيّن أن «الحفاظ على هيبة المؤسسة التعليمية لا يتعارض مع احترام حق الطالب في اختيار ملابسه»، لافتةً في الوقت نفسه إلى أن مخالفة ضوابط المظهر يجب أن يكون لها عقوبات متدرجة وفق لائحة واضحة ومعلنة.