موريتانيا: المعارضة تحشد أنصارها ضد الغلاء والفساد

اتهمت السلطات بـ«التضييق على الحريات والعمل السياسي»

من تجمع سابق لقادة المعارضة (الشرق الأوسط)
من تجمع سابق لقادة المعارضة (الشرق الأوسط)
TT

موريتانيا: المعارضة تحشد أنصارها ضد الغلاء والفساد

من تجمع سابق لقادة المعارضة (الشرق الأوسط)
من تجمع سابق لقادة المعارضة (الشرق الأوسط)

دعت المعارضة الموريتانية أنصارها للتظاهر، الأحد، في مدينة نواذيبو، العاصمة الاقتصادية وثاني أهم مدينة في البلاد، وذلك للاحتجاج ضد ما تقول إنه «غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار»، بالإضافة إلى «انتشار الفساد».

وتعد هذه أول مظاهرة احتجاجية، ضمن سلسلة أنشطة تخطط لها المعارضة في مدن الداخل، وذلك بعد مظاهرة نظمتها أطراف المعارضة في العاصمة نواكشوط في مايو (آذار) الماضي، احتجت فيها ضد «غلاء المعيشة».

المعارضة الموريتانية تتهم السلطات بـ«التضييق على الحريات والعمل السياسي» (الشرق الأوسط)

وترفع المعارضة شعارات تطالبُ بخفض أسعار المحروقات والمواد الغذائية الأساسية، واتخاذ إجراءات عاجلة لتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، بالإضافة إلى مكافحة الفساد، وتوجيه الموارد العامة لخدمة المواطنين.

ودعت للمظاهرة أقطاب المعارضة الثلاثة: مؤسسة المعارضة الديمقراطية، وائتلاف المعارضة الديمقراطي، وائتلاف التناوب الديمقراطي، ويأتي ذلك في سياق يتسم بتصعيد المعارضة ضد السياسات الاقتصادية للحكومة من جهة، وتقارب بين الطرفين فيما يتعلق بالحوار السياسي.

وفي سياق التحضير للاحتجاج في مدينة نواذيبو، اتهمت المعارضة السلطات الإدارية والأمنية بالتضييق عليها، عبر منع أنشطة دعائية للمظاهرة، حيث رفضت السلطات استخدام سيارات مزودة بمكبرات صوت بغرض دعوة المواطنين للمشاركة في المظاهرة، كما منعت استقبال قيادات المعارضة من طرف أنصارهم عند مدخل المدينة.

وقالت المعارضة في بيان، السبت، إن «هذه الإجراءات تمثل مساساً بحرية التعبير والنشاط السياسي، وتتناقض مع الخطاب الرسمي الداعي إلى الانفتاح والحوار»، وطلبت من السلطات التراجع عن هذه الإجراءات، واحترام الحقوق والحريات التي يكفلها الدستور.

وأكدت المعارضة أن «هذا الإجراء التعسفي، الذي يستهدف نشاطاً سياسياً سلمياً ومشرعاً، يمثل تراجعاً مقلقاً في مستوى الحريات العامة، ومساساً صريحاً بحقوق يكفلها الدستور والقوانين المعمول بها، وفي مقدمتها حرية التعبير، وحرية النشاط السياسي».

ونددت المعارضة بالإجراءات، وقالت إنها تدخل في سياق «سلسلة من التضييق شهدتها الساحة الوطنية خلال المدة الأخيرة، بما يعكس ممارسة ممنهجة في التعامل مع العمل السياسي المعارض، ويبعث برسائل سلبية تتناقض مع الخطاب الرسمي، الداعي إلى الانفتاح والحوار وترسيخ دولة القانون»، مؤكدة أن «مثل هذه الممارسات لن تثني المعارضة عن مواصلة نضالها السلمي دفاعاً عن الحريات، وعن حق المواطنين في التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية». كما دعت أنصارها إلى «مواصلة التمسك بالنهج السلمي والقانوني، والمشاركة الواسعة والمسؤولة في المهرجان، بما يجسد التشبث بالحقوق الدستورية، ويؤكد أن الحريات العامة مكسب وطني لا يجوز التراجع عنه أو الانتقاص منه».

وتأتي هذه التطورات في سياق عام من الجدل حول مستوى الحريات في البلد، خصوصاً بعد تفريق الشرطة لوقفة احتجاجية نظمتها حركة (إيرا) الحقوقية المعارضة، أول أمس في نواكشوط، للمطالبة بالإفراج عن سيدتين من الناشطين فيها، أحيلتا للسجن إثر تصريحات وصفت بأنها مسيئة لشخص رئيس الجمهورية.

بيرام ولد الداه ولد أعبيدي (أ.ف.ب)

واتهمت الحركة الحقوقية عناصر الشرطة بالاعتداء على رئيسها بيرام ولد الداه أعبيدي، وهو نائب في البرلمان ومرشح سابق لثلاثة انتخابات رئاسية، وقالت الحركة في بيان صحافي إن الشرطة استخدمت «مادة كيميائية مجهولة» لتفريق المحتجين نقلوا على إثرها إلى المستشفى، بمن فيهم رئيس الحركة.

ورداً على هذه الاتهامات، نفت الإدارة الجهوية للأمن بولاية نواكشوط الغربية هذه الاتهامات، ورفضت ما وصفته بـ«الادعاءات المتعلقة بالاستخدام المفرط للقوة»، وقالت إن بيان حركة «إيرا» تضمن «مغالطات» بشأن ظروف وملابسات تفريق تجمع غير مرخص في محيط قصر العدل.

وأكدت الإدارة أن المحتجين أغلقوا الطريق العام، وحاولوا دخول المحكمة دون تفتيش، واعتدوا لفظياً وجسدياً على عناصر الشرطة؛ ما دفع الشرطة إلى «استخدام بعض القنابل المسيلة للدموع، والتدخل لإبعادهم عن البوابة الرئيسية لقصر العدل».


مقالات ذات صلة

السجن 3 سنوات لأمين عام «حركة النهضة» التونسية

شمال افريقيا العجمي الوريمي (الشرق الأوسط)

السجن 3 سنوات لأمين عام «حركة النهضة» التونسية

أصدرت محكمة متخصصة في قضايا الإرهاب بتونس العاصمة حكماً بسجن أمين عام «حركة النهضة الإسلامية»، العجمي الوريمي، لمدة ثلاث سنوات.

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا الصحافي التونسي - الفرنسي مراد الزغيدي (متداولة)

باريس «تستنفر» جهودها لمساعدة صحافي معتقل في تونس

أعلنت السفارة الفرنسية لدى تونس عن «استنفارها الكامل» لتقديم المساعدة للمواطن الفرنسي - التونسي، مراد الزغيدي، الذي يقضي عقوبة بالسجن في تونس.

شمال افريقيا الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز (الشرق الأوسط)

موريتانيا تفرج عن مقربين من الرئيس السابق أدينوا بـ«الفساد»

أفرجت السلطات القضائية في موريتانيا عن اثنين من أبرز المقربين من الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، من بينهما صهره، وذلك بعد أن أكملا عامين في السجن.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا من جلسة سابقة لأعضاء البرلمان الموريتاني (البرلمان)

البرلمان الموريتاني يمنع العسكريين المتقاعدين من «ممارسة السياسة»

أجاز البرلمان الموريتاني مشروعَيْ قانون، تقدمت بهما الحكومة لتعديل واستكمال بعض مقتضيات النظام الأساسي لضباط الجيش الوطني الموريتاني...

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
شمال افريقيا من مظاهرة سابقة نظمها عدد من القضاة وسط العاصمة التونسية احتجاجاً على ظروف العمل (إ.ب.أ)

محكمة تثبت حكماً بسجن رئيس «جمعية القضاة التونسيين»

ثبتت محكمة استئناف تونسية حكماً بسجن رئيس جمعية القضاة التونسيين، أنس الحامدي، لمدة سنة بتهمة «تعطيل حرية العمل».

«الشرق الأوسط» (تونس)

ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
TT

ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)
وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)

اصطدمت المساعي الأميركية الرامية إلى تحريك الجمود السياسي في ليبيا برفض علني من قوى عسكرية نافذة في مدينة مصراتة، في اعتراض عسكري منظم على المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، والهادفة إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية وتوحيد المؤسسات المنقسمة.

ويحمل موقف مصراتة ثقلاً خاصاً، بالنظر إلى كونها أحد أبرز مراكز النفوذ العسكري والسياسي في غرب ليبيا، فضلاً عن أنها مسقط رأس رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، وتمثل منذ عام 2011 أحد أهم موازين القوى في المشهد الليبي، مستندة إلى تشكيلات مسلحة مؤثرة، وسيطرتها على مرافق اقتصادية واستراتيجية، بينها الميناء والمنطقة الحرة والمطار.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

وأعلن المجلس العسكري في مصراتة رفضه القاطع للمبادرة الأميركية وللأسماء المتداولة في إطارها، كما رفض زيارة مرتقبة لبولس إلى المدينة، مؤكداً أنه «لن يرضى إلا بمحاسبة من ارتكبوا جرائم بحق الشعب الليبي»، في إشارة فيما يبدو إلى الحرب التي شنها الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، على طرابلس (2019-2020).

ويأتي هذا الموقف في وقت تثير فيه المبادرة الأميركية جدلاً واسعاً بين الأوساط السياسية الليبية؛ إذ تستهدف، وفق ما يُتداول في البلاد، تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وإنهاء الانقسام المؤسسي. وتشير التسريبات إلى مقترح يقضي بتولي صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي خلفاً لمحمد المنفي، مقابل استمرار الدبيبة على رأس حكومة موحدة، وهو ما أثار اعتراضات من أطراف ترى أن أي تسوية ينبغي أن تقود مباشرة إلى انتخابات عامة.

ورأى الناشط السياسي، سليمان البيوضي، أن التحركات السياسية والعسكرية في مصراتة تشهد تصاعداً متسارعاً، معتبراً أن رئيس الحكومة «لم يعد يملك الحلفاء القادرين على الدفاع عن أي صفقة سياسية داخل المدينة»، وأن القوى الفاعلة في غرب البلاد تعيد رسم تحالفاتها من خلال لقاءات ومصالحات غير معلنة.

وأضاف البيوضي أن فرص تطبيق مبادرة بولس تبدو محدودة في ظل موازين القوى الحالية، محذراً من أن أي زيارة إلى مصراتة من دون تفاهمات مسبقة قد تفضي إلى توترات يصعب احتواء تداعياتها، وفق منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك».

الدبيبة مع رئيس الوزراء القطري في الدوحة (حكومة الوحدة)

وفي خضم هذه التفاعلات، لم يصدر أي تعليق من الدبيبة أو حكومته بشأن الجدل الدائر، في حين واصل الدبيبة تحركاته الخارجية بإجراء زيارة إلى قطر، لتكون ثاني محطة خليجية له بعد زيارته الأخيرة إلى الإمارات، في إطار مساعٍ لتعزيز علاقات حكومته مع دول الخليج، واستقطاب مزيد من الاستثمارات.

وقال الدبيبة إنه بحث، السبت، في الدوحة مع رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، سبل تعزيز العلاقات الثنائية، وتوسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتشجيع الاستثمارات القطرية في ليبيا، إلى جانب مناقشة آليات تطوير الشراكة بين البلدين في عدد من القطاعات ذات الأولوية، مبرزاً أن المحادثات تناولت أيضاً تطورات الأوضاع السياسية والأمنية في ليبيا، والجهود المبذولة لدعم المسار السياسي، فضلاً عن التعاون في قطاع النقل الجوي، بالتزامن مع اقتراب افتتاح مطار طرابلس الدولي.

ونقلت وكالة الأنباء القطرية عن رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري تجديد موقف الدوحة الثابت الداعم لوحدة ليبيا وسيادتها، وتحقيق تطلعات شعبها نحو الاستقرار والتنمية، مؤكداً دعم بلاده الكامل للمسار السياسي الليبي، وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وكل الحلول السلمية التي تصون سيادة ليبيا وتحافظ على وحدتها.

وفي موازاة السجال السياسي، برزت مؤشرات على استمرار مساعي توحيد المؤسسة العسكرية؛ إذ أكد رئيس أركان القوات التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، الفريق خالد حفتر، أهمية مواصلة العمل على توحيد المؤسسة العسكرية، ورفع مستوى التأهيل والتدريب لمنتسبيها، إلى جانب تسوية الأوضاع المالية للعسكريين النظاميين في المنطقة الغربية، وضمان استفادتهم من منظومة التأمين الصحي.

رئيسا أركان شرق وغرب ليبيا مع قائد «أفريكوم» الجمعة (الجيش الوطني)

وجاءت تصريحات حفتر خلال لقائه قائد القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، داغفين أندرسون، على هامش مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في العاصمة الأنغولية لواندا، الجمعة، بحضور رئيس أركان المنطقة الغربية، صلاح النمروش، حيث أشاد بالدور الأميركي في دعم جهود مكافحة الإرهاب، والدفع نحو توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.

وفي مؤشر على استمرار التنسيق العسكري بين الشرق والغرب رغم الخلافات السياسية، أفادت وسائل إعلام محلية بأن رئيسَي أركان القوات في المنطقتين الشرقية والغربية يعتزمان عقد اجتماع في مدينة سرت الأسبوع المقبل، لبحث الخطوات التنفيذية الخاصة بتوحيد المؤسسة العسكرية، وتشكيل غرفة أمنية وعسكرية مشتركة، في وقت تبدو فيه المبادرة الأميركية أمام اختبار صعب مع اتساع دائرة التحفظات داخل أحد أبرز معاقل النفوذ العسكري في غرب البلاد.

وتعيش البلاد في ظل انقسام حكومي وعسكري بين حكومتين؛ إحداهما «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة الدبيبة، وأخرى مكلفة من البرلمان وتسيطر على شرق وأجزاء واسعة من جنوب البلاد برئاسة أسامة حماد، وهي مدعومة من «الجيش الوطني».


الجيش السوداني يصعّد هجماته على «الكرمك» الحدودية مع إثيوبيا

دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)
دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)
TT

الجيش السوداني يصعّد هجماته على «الكرمك» الحدودية مع إثيوبيا

دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)
دبابات متضررة أمام مبنى بنك السودان المركزي في الخرطوم (رويترز)

يواصل الجيش السوداني عملياته الهجومية في جبهة القتال بإقليم النيل الأزرق، جنوب شرقي البلاد، في محاولة للتقدم بوتيرة متسارعة نحو مدينة الكرمك الاستراتيجية القريبة من الحدود الإثيوبية، التي تسيطر عليها «قوات الدعم السريع» منذ مارس (آذار) الماضي.

وتشير تقارير ميدانية متواترة إلى أن الجيش نفّذ خلال اليومَين الماضيَين ضربات جوية مكثفة باستخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية الثقيلة، استهدفت مواقع وخطوط دفاع متقدمة لـ«قوات الدعم السريع» في محيط مدينة الكرمك، ثاني أكبر مدن الإقليم. وتنطلق العمليات العسكرية التي يقودها الجيش والقوات المتحالفة معه من منطقة البركة، الواقعة على بُعد نحو 15 كيلومتراً من المدينة.

وبثت عناصر من الجيش السوداني مقاطع مصورة تظهر تقدم قواته في محاور متقدمة باتجاه الكرمك. وخلال الأيام الماضية، حقق الجيش تقدماً ملحوظاً في جبهة النيل الأزرق، تمثّل في استعادة السيطرة على بلدات الكيلي ومقجة وسركم، الواقعة على الطريق الرئيسي الرابط بين الدمازين، عاصمة الإقليم، ومدينة الكرمك، مما دفع «قوات الدعم السريع» إلى التراجع نحو مناطق أعمق داخل الإقليم.

في المقابل، نفى قائد «قوات الدعم السريع» في محور النيل، اللواء حمودة البيشي، صحة الأنباء التي تحدثت عن تقدم الجيش نحو مدينة الكرمك، واصفاً إياها بأنها «مزاعم لا أساس لها من الصحة». وأكد البيشي، في تدوينة نشرها عبر صفحته الرسمية على موقع «فيسبوك»، أن المدينة لا تزال بالكامل تحت سيطرة قواته.

سيارات عليها آثار طلقات نارية في إحدى ساحات الخرطوم 11 يونيو 2026 (رويترز)

وشهد إقليم النيل الأزرق خلال الشهرَين الماضيَين تصعيداً ملحوظاً في العمليات العسكرية، تبادل خلاله الجيش و«قوات الدعم السريع» السيطرة على عدد من البلدات الصغيرة.

وتكتسب مدينة الكرمك أهمية استراتيجية نظراً إلى موقعها الحدودي مع إثيوبيا، وكانت قد سقطت قبل أشهر في قبضة قوات تحالف «تأسيس»، الذي تقوده «قوات الدعم السريع» بالتنسيق مع «الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال»، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو.

ولا تزال قوات تحالف «تأسيس» تنتشر بأعداد كبيرة في مناطق دوكان وكرن كرن وخور الحسن بمحافظة الكرمك، إلى جانب مناطق أخرى تمتد باتجاه مدينة قيسان.

وكان الجيش السوداني قد أعلن، في وقت سابق، إرسال مزيد من القوات والتعزيزات العسكرية إلى إقليم النيل الأزرق، في إطار مساعيه لاستعادة جميع المناطق الخاضعة لسيطرة «قوات الدعم السريع».

مسيّرات تهاجم أم درمان

وفي ولاية الخرطوم، أفادت مصادر محلية بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدّت، السبت، لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مواقع في مدينة أم درمان، مرجحة أن تكون تلك المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع». كما ذكر سكان في مدينة أم درمان، ثاني أكبر مدن العاصمة الخرطوم، أنهم سمعوا دوي انفجارات متتالية في شمال غربي المدينة، ناجمة عن عمليات اعتراض نفذتها الدفاعات الجوية ضد عدد من الطائرات المسيّرة، دون التمكن من التحقق من طبيعة الأهداف التي كانت تستهدفها.

ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، شهدت ولاية الخرطوم هجمات متكررة بالطائرات المسيّرة، تصاعدت وتيرتها خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع عودة آلاف المواطنين إلى منازلهم في الولاية.

Your Premium trial has ended


ليبيون ينشدون إطلاق حملة واسعة لمواجهة الفساد على غرار العراق

من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)
من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

ليبيون ينشدون إطلاق حملة واسعة لمواجهة الفساد على غرار العراق

من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)
من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)

لم يكن أكثر ما استوقف قطاعات واسعة من الليبيين في الحملة الواسعة، التي تشنها السلطات العراقية على مسؤولين وسابقين ومتهمين بالفساد، هو حجم الأموال والمصوغات الذهبية المضبوطة، ولا أسماء المسؤولين الذين طالتهم أوامر القبض، بقدر ما أثاره المشهد نفسه من سؤال تكرر على نطاق واسع: هل يمكن أن يتكرر ذلك في ليبيا؟

جلسة سابقة لمجلس النواب برئاسة صالح وبحضور نائبيه دومة والنويري (مجلس النواب الليبي)

ومع توالي صور المداهمات وإعلانات توقيف نواب ومسؤولين حاليين وسابقين في العراق أخيراً، تحولت الحملة إلى مادة للنقاش داخل الأوساط الليبية، حيث رأى كثيرون فيها نموذجاً ينشدونه في بلدهم المصنف دولياً بين أكثر 5 دول العالم معاناة من الفساد، في ظل تعثر جهود المحاسبة، واستمرار الانقسام السياسي والمؤسسي.

تفاعل ليبي مع الحملة

امتد التفاعل الليبي مع الحملة العراقية، التي يقودها رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، منذ الأسبوع الماضي، من مواقع التواصل إلى شخصيات سياسية وأكاديمية وناشطين ليبيين، رأوا فيها مناسبة لإعادة فتح النقاش بشأن مستقبل مكافحة الفساد في ليبيا.

على سبيل المثال، استغل رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، الحملة العراقية لتوجيه انتقادات إلى أعضاء مجلس النواب، الذين طال بقاؤهم لأكثر من 12 عاماً، عاداً أن بعضهم يتصرف وكأنه بمنأى عن القانون والمحاسبة، بينما رأى الناشط السياسي المبروك السويح أن «التجربة الليبية تعثرت رغم استلهامها النموذج العراقي عند تأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد عام 2014، بسبب الانقسام السياسي الذي ضرب البلاد».

تحدثت لجان خبراء المنظمة الدولية عن مظاهر فساد على نطاق واسع خصوصاً في قطاع النفط (رويترز)

في المقابل، توقع الخبير في إصلاح النظام الصحي، هاشم بالخير، إطلاق حملة مماثلة في ليبيا، فيما ذهب المدون عبد القادر الفارسي إلى استعجال انطلاق هذه الحملة والتساؤل عن موعدها. أما الباحث السياسي، محمد الأمين، فقد اختصر هذه الأمنيات بقوله: «المرآة عراقية... والوجع ليبي».

وتأتي هذه الأصداء بينما لا تزال ليبيا تسجل تراجعاً في مؤشرات مكافحة الفساد الدولية؛ إذ أظهر أحدث تصنيف لمؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية تراجعها إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في عام 2025.

ولا تبدو هذه المقارنات بعيدة عن واقع ترصده تقارير الأمم المتحدة بصورة متكررة؛ إذ لطالما تحدثت لجان خبراء المنظمة الدولية في تقاريرها السنوية عن مظاهر فساد على نطاق واسع، خصوصاً في قطاع النفط وسوء الإدارة، علماً بأن النفط يمثل نحو 95 في المائة من إيرادات الدولة الليبية.

ولم تقتصر التحذيرات من استفحال الفساد في ليبيا على التقارير الدولية، بل تكررت على لسان كبار المسؤولين الأمميين السابقين والحاليين المعنيين بالملف الليبي.

المبعوثة الأممية إلى ليبيا حذرت من أن «الفساد الذي يصب في مصالح خاصة يؤثر على التنمية» (غيتي)

فقد سبق أن حذرت المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيتيه، من أن «الفساد الذي يصب في مصالح خاصة يؤثر على التنمية»، فيما وصفت الممثلة الخاصة السابقة للأمين العام للأمم المتحدة بالإنابة، ستيفاني ويليامز، ما تشهده البلاد بأنه «فساد فظيع وسوء الإدارة في جميع أنحاء البلاد».

أما المبعوث الأممي الأسبق، غسان سلامة، فقد رسم صورة أكثر قتامة عندما قال في تصريحات سابقة إن «حجم الفساد في ليبيا لا يمكن تصوره... كل يوم هناك مليونير جديد».

تشابه بين التجربتين العراقية والليبية

هنا يرى عبد الرحيم الشيباني، عضو الحوار السياسي الليبي الذي رعته الأمم المتحدة، أن هناك أوجهاً من التشابه بين التجربتين العراقية والليبية، تتمثل في سقوط نظامين شموليين كانا يحتكران إدارة الموارد العام في بلدين نفطيين (إشارة إلى نظامي الرئيسين معمر القذافي وصدام حسين في البلدين). وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «نتائج الحوار السياسي المهيكل برعاية الأمم المتحدة الذي شارك فيه «تضمنت معالجات مهمة لتعزيز دور الأجهزة الرقابية ومكافحة الفساد»، لكنه عاد ليؤكد أن «الإرادة السياسية تظل المؤشر الحقيقي على انتقال الدولة إلى مرحلة جديدة في مكافحة الفساد».

ومن منظور الشيباني، «فمن المستبعد بلوغ تقدم حقيقي في مكافحة الفساد في ليبيا من دون إنهاء الانقسام السياسي؛ لأن ذلك سيمهد لإعادة هيكلة الاقتصاد، وبناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر استقراراً».

ويأتي هذا التفاعل الليبي بالتزامن مع تأكيد رئيس الوزراء العراقي استمرار حكومته في ملاحقة المتهمين بالفساد واسترداد الأموال العامة، بعد حملة شملت مسؤولين ونواباً حاليين وسابقين، إلى جانب مسؤولين كبار في قطاع النفط، وأسفرت عن ضبط مبالغ مالية كبيرة ومصوغات ذهبية، استناداً إلى مذكرات قضائية.

نائبتا المبعوثة الأممية ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون خلال لقاء مع رئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

ووسط الإشادة الواسعة بالحملة العراقية، يرى خالد الزنتوني، الرئيس السابق لـ«شركة الاستثمارات الخارجية والمحفظة طويلة المدى»، أن الفساد ليس ظاهرة تخص العراق أو ليبيا وحدهما. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الفساد موجود في كثير من دول العالم، حتى في بعض الدول المتقدمة والعربية، ومؤشرات الشفافية الدولية تؤكد اتساع هذه الظاهرة، لكن الفارق يكمن في قدرة الدول على مكافحتها».

وأعرب الزنتوني عن الأسف من أن «مفهوم الفساد أصبح محل تباين في الفهم، حتى إن بعض الممارسات باتت تُبرر، رغم أنها تشكل جرائم واضحة، مثل تقاضي العمولات على العقود الحكومية، أو إساءة استخدام الاعتمادات المستندية، أو الأنشطة المرتبطة بالسوق الموازية، التي أسهمت في تراجع قيمة الدينار الليبي نتيجة عمليات غسل الأموال».

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

ومع ذلك، يشير الزنتوني إلى أن «مكتب النائب العام يقود خلال الفترة الأخيرة جهوداً إيجابية في مكافحة الفساد، من بينها التحقيقات المتعلقة بتهريب الوقود، التي انتهت إلى توجيه اتهامات لعدد من المتورطين، لكن الطريق لا يزال طويلاً ومعقداً بسبب التعقيدات الأمنية والسياسية، وأحياناً الاجتماعية».

وشدد الزنتوني على «ضرورة دعم الأجهزة القضائية وتمكينها من أداء دورها، وتعاون السلطتين التشريعية والتنفيذية مع مكتب النائب العام وسائر الجهات المختصة، بما يضمن ممارسة مهامها بحرية وعدالة، ومن دون توفير أي حصانة أو حماية لأي متورط، أياً كان موقعه».

أما الشيباني فلا يرى خياراً سوى الوفاء بمتطلبات أساسية لمكافحة الفساد، من بينها «تشريعات تمنح الدولة القدرة على ملاحقة المتورطين وفق إجراءات قانونية عادلة، مع ضمان حقوق الدفاع، إلى جانب تطوير المنظومات الرقابية بما يتوافق مع المعايير الدولية، وتدريب الكوادر المختصة، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل الدور الرقابي لمجلس النواب، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة في إدارة المال العام».

كما دعا إلى «التعاون مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها منظمة الشفافية الدولية، وإنشاء قواعد بيانات موثوقة تساعد على قياس مؤشرات النزاهة، والتأكد من التزام المؤسسات بمعايير الشفافية والإفصاح المالي».