موريتانيا وساحل العاج تبحثان الأمن في غرب أفريقيا والساحل

تزامناً مع انتهاء أزمة التجار الموريتانيين الموقوفين في مالي

من المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان غزواني وواتارا في القصر الرئاسي بابيدجان (الرئاسة الموريتانية)
من المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان غزواني وواتارا في القصر الرئاسي بابيدجان (الرئاسة الموريتانية)
TT

موريتانيا وساحل العاج تبحثان الأمن في غرب أفريقيا والساحل

من المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان غزواني وواتارا في القصر الرئاسي بابيدجان (الرئاسة الموريتانية)
من المؤتمر الصحافي المشترك الذي عقده الرئيسان غزواني وواتارا في القصر الرئاسي بابيدجان (الرئاسة الموريتانية)

تباحث الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، مساء أمس (الثلاثاء)، مع الحسن واتارا، رئيس ساحل العاج (كوت ديفوار)، حول الأوضاع الأمنية والتحديات التي تواجه غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، خاصة في ظل تصاعد خطر الإرهاب والانفلات الأمني.

وأجرى ولد الغزواني زيارة صداقة وعمل إلى كوت ديفوار، استمرت لساعات فقط، التقى خلالها الرئيس الإيفواري وعقدا في ختامها نقطة صحافية، قال فيها الرئيس الموريتاني: «أنا هنا اليوم، إن شئتم، في زيارة صداقة، ولكن أيضاً في زيارة أخوة. كما أنني جئت للقاء فخامة السيد الرئيس، في إطار روح الصداقة والأخوة التي تجمعنا».

وأضاف ولد الغزواني: «لقد حرصت بالفعل على المجيء لزيارة أخي، فخامة الرئيس، لأعبر له مباشرة عن تقديري وامتناني لما أبداه باستمرار من إصغاء واهتمام ودعم لبلدنا موريتانيا»، مشيراً إلى أن «العلاقات بين بلدينا علاقات متميزة، تقوم على روابط تاريخية وعلى الثقة، وعلى تطابق وجهات النظر بشأن العديد من القضايا المهمة والمتعددة».

الرئيسان غزواني وواتارا في القصر الرئاسي بابيدجان (الرئاسة الموريتانية)

وشدد ولد الغزواني على أن العلاقة بين موريتانيا وكوت ديفوار «تكتسي أهمية خاصة في ظل السياق الدولي والإقليمي الراهن، وكذلك في ضوء التحديات التي نواجهها جميعاً»، وأضاف: «من الطبيعي أن نتحدث عن منطقتنا، وأن نتشاور أيضاً بشأن القضايا والتحديات التي تشغلنا».

وخلص الرئيس الموريتاني إلى أن خلاصة مباحثاته مع واتارا كانت «رسالة صداقة وأخوة وثقة»، قبل أن يشكر واتارا على ما يقدمه من «دعم ومساندة» لصالح موريتانيا.

من جانبه قال الرئيس الإيفواري: «يسرني ويشرفني أن أرحب بصديقي وأخي رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية، الذي جاء لزيارتنا وتحيتنا. لقد أجرينا مباحثات ممتازة حول الأوضاع في بلدينا، وآفاق التعاون بينهما، وخاصة التحديات التي تواجه منطقتنا».

وأضاف واتارا: «نحن متفقون تماماً بشأن القرارات والآفاق المستقبلية، وسنعمل معاً بشكل وثيق لتحقيق المزيد من التقدم».

ورغم أنه لم تكشف تفاصيل الملفات التي تباحث حولها الرئيسان، لكن مصادر دبلوماسية أكدت أن الملف الأمني في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل كان حاضراً بقوة، خاصة أن الوضع في دولة مالي أصبح يثير قلق البلدين.

وكان يرافق ولد الغزواني في زيارته القصيرة إلى كوت ديفوار وفد من مسؤولي رئاسة الجمهورية، بالإضافة إلى الفريق صيدو صمبا جا، المدير العام للأمن الخارجي والتوثيق، أي مدير الاستخبارات الخارجية في موريتانيا، وهو ما منح الزيارة الطابع الأمني.

وترتبط دولة مالي بحدود برية مع البلدين أكثر من 2000 كيلومتر مع موريتانيا، وأكثر من 600 كيلومتر مع كوت ديفوار، فيما تعد الأخيرة هي البوابة البحرية التي تعتمد عليها مالي في وارداتها من السوق العالمية.

من جهة أخرى، تزامنت هذه الزيارة مع احتجاز السلطات في دولة مالي لأكثر من 20 مواطناً موريتانياً كانوا في طريقهم نحو موريتانيا، قادمين من كوت ديفوار، حيث يعملون في محلات تجارية، وهي القضية التي أثارت غضب الموريتانيين.

وتوجد في كوت ديفوار أكبر جالية موريتانية في الخارج، تقدر بأكثر من 150 ألف نسمة، وتنشط بشكل أساسي في التجارة، وتنتقل عبر الطريق البري ما بين البلدين مروراً بدولة مالي، ولكن الأوضاع الأمنية الصعبة في مالي جعلتهم يتعرضون لمشاكل كبيرة.

الجالية الموريتانية خلال استقبال الرئيس ولد الغزواني في أبيدجان (الرئاسة الموريتانية)

وخلال زيارة ولد الغزواني أمس إلى مدينة أبيدجان كان في استقباله العشرات من أعضاء الجالية الموريتانية، ورفعوا مطالب بفتح خط طيران مباشر ما بين مدينة أبيدجان، العاصمة الاقتصادية لكوت ديفوار، ومدينة النعمة في الشرق الموريتاني، التي ينحدر منها أغلب التجار الموريتانيين في كوت ديفوار.

وأكد ناشطون في الجالية أن عبورهم الأراضي المالية ينطوي على مخاطر حقيقية، وأن الحل الوحيد هو خط جوي مباشر.

في غضون ذلك، أفرجت السلطات المالية عن التجار الموريتانيين الموقوفين في باماكو، فيما قررت السلطات الموريتانية إرسال وفد رسمي يضمّ دبلوماسيين وأطباء عبر طائرة خاصة لاستقبال، ونقل التجار بعد الإفراج عنهم.


مقالات ذات صلة

منظمة رقابية تنتقد حصيلة أداء الرئيس التونسي

شمال افريقيا الرئيس التونسي قيس سعيد (أ.ف.ب)

منظمة رقابية تنتقد حصيلة أداء الرئيس التونسي

تقرير يؤكد أن حصيلة أداء الرئيس التونسي قيس سعيد بعد 7 سنوات في الحكم «كانت سلبية، بسبب فشله في تحقيق 81 % من وعوده».

«الشرق الأوسط» (تونس)
يوميات الشرق جيمي غونزاليس في دور «سيفيوس» ومات دايمون في دور «أوديسيوس» وهيميش باتيل في دور «يوريلوخوس» في مشهد من فيلم «الأوديسة» (يونيفرسال - أ.ب)

رحلة عبر معالم ومواقع تصوير الفيلم الملحمي «الأوديسة»

فيلم «الأوديسة» يعيد إحياء «سينما الواقع»: جولة خلف كواليس التصوير الملحمي وخرائط الوصول إلى مواقعها التاريخية.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا قوات موريتانية تحرس الحدود التي يتسلل منها الباحثون عن الذهب (الجيش الموريتاني)

موريتانيا: وفاة 5 أشخاص عطشاً خلال بحثهم عن الذهب

لقي 5 أشخاص حتفهم عطشاً خلال رحلة بحثهم عن مناطق للتنقيب عن الذهب يدوياً في صحراء الشمال الموريتاني...

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
شمال افريقيا التهمت حرائق صيف هذا العام مساحات تفوق 12 ألف هكتار (الحماية المدنية)

تواصل جهود إطفاء حرائق غابات غرب تونس

تكافح فرق الإطفاء من أجل السيطرة على حريق اندلع منذ مساء الأربعاء في غابات جبل لنقاع شمال غربي تونس...

«الشرق الأوسط» (تونس)
شمال افريقيا قوات موريتانية ترابض على الحدود مع مالي (الجيش الموريتاني)

موريتانيون يطالبون الرئيس بالتدخل للإفراج عن تجار اعتقلتهم مالي

تحدثت مصادر إعلامية وأهلية في موريتانيا عن اعتقال نحو 20 تاجراً موريتانياً كانوا مقبلين من دولة كوت ديفوار خلال رحلة برية عبر أراضي دولة مالي

الشيخ محمد (نواكشوط)

انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)
محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)
TT

انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)
محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)

تسلط تحويلات وإيداعات مصرفية مشبوهة، تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار ليبي، الضوء مجدداً على اتساع مخاطر غسل الأموال في ليبيا، في وقت تكشف فيه الأجهزة المختصة بصورة متكررة عن تدفقات مالية لا تتناسب مع طبيعة الأنشطة المعلنة لأصحابها، وتلاحق أصحابها قضائياً.

وتتجاوز دلالة هذه الواقعة حدود الحسابات المصرفية إلى ظاهرة أوسع، إذ يرى مراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، أن غسل الأموال أصبح «أحد الأوجه الخفية للثراء السريع في ليبيا»، معتبراً أن حالة الفوضى التي تشهدها البلاد وفّرت بيئة مواتية لهذه الممارسات.

وقال غيث لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الممارسات ارتبطت، بحسب تقديره، بزيادة الطلب على الدولار، واتساع أنشطة تجارة المخدرات والسلاح والهجرة غير النظامية، مشيراً إلى أن ظاهرة تبييض الأموال «ارتبطت بصورة أكبر بمرحلة ما بعد الانقسام السياسي والعسكري في عام 2014»، وأنها «لم تكن بهذا الشكل» خلال فترة عضويته في مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي.

النائب العام الصديق الصور (المكتب الإعلامي للنائب العام)

ويحقق مكتب النائب العام حالياً مع متهم في واقعة رصد إيداعات وتحويلات مصرفية غير طبيعية، تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار على حسابه الشخصي، بعدما لاحظ جهاز مكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال وتمويل الإرهاب حركة مالية لا تتناسب مع طبيعة النشاط المصرح به للحساب، فضلاً عن عدم وجود مستندات، أو مبررات تجارية تثبت مشروعية الأموال، بحسب بيان الجهاز، الثلاثاء.

غير أن هذه الواقعة لا تبدو معزولة؛ ففي 3 أغسطس (آب) الحالي، أعلنت الجهات المختصة ضبط المستفيد الحقيقي من تحويلات وإيداعات مالية تجاوزت قيمتها 4 ملايين دينار ليبي، فيما سبقتها في 22 يوليو (تموز) واقعة أخرى، بلغت قيمة التحويلات فيها نحو 3.8 مليون دينار.

وتكشف هذه الوقائع، بحسب غيث، أهمية تشديد الرقابة على التدفقات المالية، وربط حجم الأموال الداخلة إلى الحسابات بطبيعة النشاط والدخل المعلن. وقال بهذا الخصوص: «إذا كان هناك موظف يتقاضى راتباً قدره ألفا دينار، ثم دخل إلى حسابه فجأة 5 ملايين دينار، فلا بد أن يُسأل عن مصدر هذه الأموال، وكيف دخلت إلى حسابه». مضيفاً أن الرقابة على التحويلات يجب ألا تقتصر على قيمة الأموال، بل يجب أن تمتد إلى صلة المرسل بالمستفيد ومصدر الأموال والغرض من التحويل، ومشيراً إلى أن بعض الدول العربية والغربية تطبق إجراءات أكثر صرامة في تتبع التدفقات المالية.

صراف ليبي خلال معاملة مالية مع أحد الزبائن في مصرف الجمهورية الحكومي (الصفحة الرسمية للمصرف)

وتعيش ليبيا منذ أكثر من عقد على وقع انقسام سياسي وأمني، مع وجود حكومتين متنافستين، إحداهما في غرب البلاد برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى في شرقها برئاسة أسامة حماد، وسط ترتيب متدنٍّ في مؤشرات الشفافية ومكافحة الفساد، التي أصدرتها «منظمة الشفافية الدولية».

ولا ينقطع حديث مدونين ليبيين عن تفشي الفساد في ليبيا، فعلى سبيل المثال تحدث المدون فوزي الشريف عما يصفه بأنه «صناعة المليونيرات» في ليبيا، مشيراً إلى أن الاستفادة من النفوذ أو الأموال العامة قد تتبعها محاولات لإخفاء مصادر الأموال، وإعادة تدويرها عبر أنشطة تبدو مشروعة، من بينها شراء العقارات، وتحويل جزء من الأموال إلى الخارج، ثم إدخال أموال أخرى في مشروعات تجارية، بينها تجارة السيارات الفارهة.

ويصف عبد الباسط هارون، مدير مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية، الفساد في ليبيا، ومن ضمنه جرائم غسل الأموال، بأنه «حرب مدمرة ضد المواطن الليبي»، داعياً الدول التي تستقبل هذه الأموال إلى تطبيق إجراءات صارمة لملاحقة ومساءلة الشخصيات الليبية المتورطة في هذه الممارسات.

ويقول هارون لـ«الشرق الأوسط» إن خطورة غسل الأموال تتجاوز إخفاء المصدر الأصلي للأموال، إلى إعادة تدويرها عبر أنشطة تبدو مشروعة، بما يسمح بتحويل أموال، يُشتبه في أنها جاءت من مصادر غير قانونية، إلى ثروات يصعب تتبع أصلها.

وسبق أن حث صندوق النقد الدولي في أبريل (نيسان) الماضي السلطات الليبية على اعتماد قانون لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، يتوافق مع المعايير الدولية، بل وصفه بأنه يمثل «أولوية ملحة» لحماية نزاهة النظام المالي، مضيفاً أن توجيه عمليات الاستيراد عبر الجهاز المصرفي من شأنه تحسين الشفافية، والحد من التدفقات المالية غير المشروعة.

لم يُحسم مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب داخل مجلس النواب (إعلام المجلس)

برلمانياً، لا تزال العقبة الرئيسية داخلية، إذ لم يُحسم مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب داخل مجلس النواب، ما يبقي المواجهة مع هذه الجرائم مرتبطة بقدرة المؤسسات الليبية على تطوير الإطار التشريعي، وتعزيز التنسيق بين الجهات المصرفية والرقابية والقضائية.


«حادث الإسماعيلية» يُلقي الضوء على عمالة الأطفال في مصر

صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)
صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)
TT

«حادث الإسماعيلية» يُلقي الضوء على عمالة الأطفال في مصر

صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)
صدمة في مصر عقب وفاة 18 شخصاً في حادث تصادم بينهم أطفال في أثناء ذهابهم للعمل (وزارة التضامن الاجتماعي)

خلّف حادث تصادم شاحنتين كانتا تقلّان عمالاً زراعيين في محافظة الإسماعيلية، في شمال مصر، الثلاثاء، نقاشاً واسعاً حول عمالة الأطفال وما يتعرضون له من ظروف قاسية في أثناء العمل، في ظل تجاهل قوانين تحظر عملهم.

وأسفر الحادث عن وفاة 18 شخصاً وإصابة 30 آخرين، تتراوح أعمارهم بين 9 أعوام و50 عاماً، وأظهرت التحقيقات أن سبب الحادث يعود إلى «انفجار الإطار الخلفي الأيمن لإحدى المركبتين، ما أدى إلى انحرافها إلى الاتجاه المقابل واصطدامها بالمركبة الأخرى»، وفق بيان للنيابة العامة المصرية، الأربعاء.

وكان العمال، ومعظمهم من قريتين في محافظة الشرقية في دلتا النيل، وبينهم أطفال، في طريقهم للعمل في مزرعة بالإسماعيلية، حيث كانوا يستقلون شاحنات صغيرة مكتظة، دائماً ما تستخدم لنقل ملايين العمال في القطاع غير الرسمي في مصر.

وقالت جومانة وليد البالغة 16 عاماً، والتي نجت من الحادث، إن آخر ما قالته شقيقتها التي توفيت متأثرة بإصابتها هو: «أريد أن أرى أمي»، ولفتت إلى أنها كانت مرهقة ونائمة؛ «لأننا نستيقظ كل يوم في الساعة الخامسة صباحاً من أجل العمل». وأضافت: «لم أشعر بأي شيء حتى انقلبت الشاحنة»، وفق تصريحات أدلت بها لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتعرّضت عائلة مصرية إلى مأساة قاسية بعد أن فقدت 7 من أبنائها في الحادث، وأعلنت «عائلة الداؤدي» عبر «فيسبوك» وفاة 7 من أبنائها، بينهم أشقاء، مع تشييع جثامينهم في الساعات الأولى من صباح الأربعاء.

ويُظهر آخر مسح حكومي شامل، أُجري عام 2021، أن هناك نحو 1.3 مليون طفل عامل في مصر، بينهم نحو 900 ألف يعملون في بيئات خطرة.

كما تُقدّر منظمة «اليونيسيف»، في تقرير صادر عام 2025، عدد الأطفال الذين يعانون من الفقر متعدد الأبعاد في مصر، بنحو 6.6 مليون طفل.

ويمثل العمل غير الرسمي نحو 67 في المائة من إجمال الوظائف في مصر، ويشمل تقريباً كامل القطاع الزراعي، وفق «منظمة العمل الدولية». فيما تشير تقديرات رسمية، إلى أن نحو 63 في المائة من الأطفال العاملين في مصر يعملون في قطاع الزراعة، الذي يعاني من ضعف الرقابة.

محافظ الإسماعيلية يطمئن على أحد المصابين (محافظة الإسماعيلية)

ورغم أن الحكومة المصرية أقرت في مطلع عام 2025، قانوناً جديداً للعمل يحظر تشغيل الأطفال قبل سن 15 عاماً، فإن أحمد مصيلحي، محامي ورئيس «شبكة الدفاع عن الطفل»، قال: «إن بيئة العمل ما زالت تجذب الأطفال، وأن الاعتماد فقط على تطبيق القانون دون وجود منظومة متكاملة تقوض دوافع الأسر للموافقة على عمل أبنائهم في سن صغيرة، يبقى بلا نتائج مرجوة على الأرض».

ويسمح قانون العمل المصري للأطفال التدريب من سن 14، ويمنع تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرّض صحتهم أو أخلاقهم للخطر. كما حدد القانون ساعات العمل بست ساعات يومياً، مع فترات راحة، ومنع العمل الإضافي أو في أيام الراحة.

ويشير مصيلحي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن كثيراً من القوانين التي يتم إقرارها، لا تؤدي لمنع الجريمة، وهو أمر ينعكس على أوضاع عمالة الأطفال في مصر، مضيفاً: «رغم أن قانون الطفل وضع آليات واضحة لحماية الأطفال من استغلال سوق العمل، فإن الأزمة تبقى في التطبيق؛ إذ إنه أقر بتشكيل لجان فرعية في كل مركز شرطة، دورها حماية الطفل من أي مخاطر، بالإضافة إلى دعم اجتماعي ومادي للأسر التي فقدت من يعولها».

وأكد أن تنفيذ القوانين المنظمة لعمل الأطفال يتطلب مشاركة متكاملة من عدة وزارات، أبرزها «التضامن الاجتماعي» لتقديم الدعم المالي، ويكون ذلك بالتعاون مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، إلى جانب تعزيز دور وزارة التربية والتعليم في منع التسرب التعليمي، وتوفير بيئة تعليمية ملائمة تجذب الطلاب إلى المدرسة، وكذلك تعزيز دور مراكز الشباب لتوعية الأطفال وإتاحة ممارسة أنشطة مفيدة لهم.

ويُرجع الخبراء أسباب عمالة الأطفال في مصر إلى عوامل اقتصادية بالدرجة الأولى، إلى جانب موروثات ثقافية ترى في عمل الطفل دعماً ضرورياً للأسرة.

سيارة تقل جثامين ضحايا حادث الإسماعيلية (وزارة الصحة)

واعتبر حزب «العدل» المعارض أن «حادث الإسماعيلية تحول من مجرد ملف يتعلق بسلامة الطرق، إلى أزمة تنموية واقتصادية واجتماعية متكاملة»، مشيراً إلى أن «طفلاً في الثالثة عشرة من عمره لا يفترض أن يكون على متن سيارة لنقل العمال في السادسة صباحاً، وإنما مكانه الطبيعي في المدرسة أو المنزل أو أحد مراكز الشباب المناسبة لسنه».

وأوضح أن «وجود الأطفال داخل سيارات نقل العمال لا يمكن اعتباره مجرد اختيار فردي للأسر، وإنما انعكاس لظروف اقتصادية واجتماعية صعبة تعيشها بعض الأسر، وأن الحادث لا يمكن فصله عن ارتفاع الأسعار وتآكل القيمة الحقيقية للأجور وارتفاع تكاليف المعيشة».

وطالب «الاتحاد العام لنقابات عمال مصر» «بتشديد الرقابة على تشغيل الأطفال، ومراجعة منظومة العمالة غير المنتظمة ونقل العمال، والتأكد من عدم وجود أطفال دون السن القانونية بين العاملين في مواقع العمل أو وسائل نقل العمال» .


ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما
صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما
TT

ترتيبات بين الجزائر وباماكو لحسم ملفات الحدود والإرهاب والمعارضة

صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما
صورة مركبة لرئيسي حكومتي الجزائر ومالي بمناسبة اتصال هاتفي بينهما

يرتقب أن يعقد مسؤولون من الحكومتين الجزائرية والمالية اجتماعات مكثفة لترتيب زيارة رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا إلى الجزائر، عبر تحضير الملفات المشتركة المنتظر حسمها، التي تتعلق أساساً بأمن الحدود، والتصدي للجماعات الجهادية التي تسعى للسيطرة على العاصمة باماكو، إضافة إلى معالجة الأزمة السياسية الداخلية في مالي.

دعا الوزير الأول الجزائري، سيفي غريب، نظيره المالي اللواء عبد الله مايغا إلى القيام بـ«زيارة عمل» إلى الجزائر، وذلك عقب اتصال هاتفي جرى بينهما في التاسع من الشهر الحالي، بحسب ما أعلنه بيان للوزارة الأولى الجزائرية. وتأتي هذه المحادثات، التي وصفها الطرفان بـ«البناءة»، في سياق انفراج تشهده العلاقات بين باماكو والجزائر بعد عدة أشهر من التوترات الدبلوماسية.

اجتماع لوزير خارجية الجزائر السابق مع ممثلي المعارضة المالية في سبتمبر 2022 (الخارجية الجزائرية)

* مسار الانفراج وملفات التنسيق

وفق بيان الوزارة الأولى الجزائرية، فإن رئيسي الحكومتين «أكدا تمسكهما بروابط الأخوة والتضامن وحسن الجوار التاريخية التي تجمع الشعبين». وتجسد هذه المبادرة رغبة البلدين في طي صفحة الخلافات الأخيرة، وإعادة إرساء حوار مباشر ومنتظم، حيث يرجح مراقبون أن تشكل الزيارة المقترحة لرئيس الوزراء المالي مرحلة جديدة في تعزيز هذا التقارب. وفيما لم يتم تحديد موعد رسمي للزيارة، فإن مصادر جزائرية معنية بمسار التقارب بين البلدين، أفادت بأنها «ستجري قريباً».

وكان عبد الله مايغا قد شدّد قبل أيام قليلة من الاتصال مع غريب على أهمية العلاقات بين البلدين، مؤكداً أن «مالي والجزائر تربطهما أواصر تاريخية، وتجمعهما حدود مشتركة تتجاوز 1300 كيلومتر»، مشيداً بـ«التطابق التام في وجهات النظر» بين الرئيس المالي الفريق أول عاصيمي غويتا ونظيره الجزائري عبد المجيد تبون.

وزير خارجية مالي مستقبلاً سفير الجزائر بباماكو (وزارة الخارجية الجزائرية)

وتجسد التقارب بين باماكو والجزائر رسمياً في 10 يوليو (تموز) الماضي، بعد أزمة دبلوماسية دامت 15 شهراً، حيث أعلن البلدان عن عودة سفيريهما، وإعادة فتح مجالهما الجوي أمام الحركة المدنية والعسكرية. وكانت هذه الأزمة قد اندلعت عقب تدمير طائرة مسيرة مالية بالقرب من الحدود الجزائرية في نهاية مارس (آذار) 2025، على خلفية تباينات مستمرة بشأن الوضع في شمال مالي، وعلاقات الجزائر مع بعض الشخصيات المالية، خصوصاً شيخ الدين المعارض محمود ديكو، المقيم بالجزائر، الذي تصفه باماكو بـ«الإرهابي».

ويفتح الحوار الجديد المباشر بين العاصمتين المجال أمام عودة العلاقات إلى طبيعتها بشكل تدريجي وإعادة إطلاق مجالات التعاون.

وفور التفاهم على إجراء زيارة لعبد الله مايغا، يرتقب أن يجتمع في الأيام المقبلة مسؤولون مدنيون وأمنيون من البلدين لتحضير الملفات، التي ستبحثها الزيارة المرتقبة، وفق ما أفادت به نفس المصادر المتابعة لمساعي التطبيع.

وستتناول الاجتماعات ملفات محورية مشتركة، في مقدمتها تشديد الرقابة على الشريط الحدودي لمكافحة الجماعات الجهادية، وشبكات الاتجار بالمخدرات والسلاح، وتهريب البشر.

الحاكم العسكري في مالي مستقبلاً وفداً دبلوماسياً وأمنياً جزائرياً في أبريل 2023 (الخارجية الجزائرية)

كما تشمل أجندة التنسيق، حسب المصادر نفسها، آليات الدعم المتبادل لمنع سقوط باماكو تحت سيطرة الجماعات المتطرفة، التي كثفت هجماتها على العاصمة في الأشهر الأخيرة، إلى جانب إيجاد تسوية سياسية للأزمة الداخلية المالية مع أطراف المعارضة الموجودة بالمناطق الحدودية المحاذية للجزائر. ويُعد هذا الملف نقطة الخلاف الجوهرية بين الجارين، إذ يرى المجلس العسكري الحاكم في مالي، بقيادة عاصيمي غويتا، أن الجزائر «تتدخل في الشؤون الداخلية لبلاده وتوفر الدعم للإرهابيين»، في إشارة إلى حركات الطوارق المعارضة.

* وساطة أفريقية فاعلة

من جهتها، تقول الجزائر إنها «أدّت دورها كوسيط بين الأطراف المتنازعة»، وفق ما تضمنه «اتفاق السلام» الموقع فوق أرضها عام 2015، لكن ذلك جرى قبل إزاحة الرئيس إبراهيم بوبكر كيتا، ثم الرئيس الانتقالي باه نداو في انقلابي سنتي 2020 و2021.

وأكدت تقارير صحافية مالية، نقلاً عن مسؤولين محليين، أن وساطة أفريقية نشطة ساهمت في مساعي التقارب الأخير بين الجزائر وباماكو، قادتها عدة أطراف ودول إقليمية، مكّنت من رأب الصدع وترتيب التنسيق الأمني والسياسي بين البلدين. وفي مقدمة هؤلاء الوسطاء دولة توغو بقيادة الرئيس فور غناسينغبي، بوصفها الميسّر الإقليمي المعتمد من السلطات المالية لإدارة علاقاتها مع الشركاء، إلى جانب موريتانيا التي توظف موقعها كجار مباشر للبلدين ورئاستها للاتحاد الأفريقي لتهدئة التصعيد الحدودي. كما أشارت نفس التقارير إلى أن هذه الجهود عزّزت تحركات مبعوثي مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي لترميم أطر التنسيق العسكري المشترك، ما مهّد الطريق لإنهاء الخلافات، وإعادة دفء العلاقات بين الجارين.

الرئيس الجزائري مستقبلاً الشيخ المالي المعارض محمود ديكو في 19 ديسمبر 2023 (الرئاسة الجزائرية)

وتعدّ الجزائر الفاعل التاريخي في جهود الاستقرار بمنطقة الساحل، وقد عرفت علاقتها بالجارة الجنوبية تدهوراً منذ عام 2023 بسبب التوجه السيادي لباماكو، وهجومها العسكري على الانفصاليين في الشمال بشكل خاص. وصعّدت «قضية إسقاط الطائرة المسيرة» بالحدود من حدة الأزمة، خصوصاً إثر تضامن النيجر وبوركينافاسو مع مالي ضد الجارة الشمالية.

رئيس المجلس العسكري في مالي (موقع باماكو بامادا)

وأضعفت الأزمة الأخيرة التعاون بين الجارين، في وقت يتزايد فيه تهديد الجماعات المسلحة الانفصالية والمتطرفة بالتمدد في مالي، في ظل اعتماد باماكو على الخيار العسكري لمواجهة التمرد على حساب المبادرات السياسية، وذلك بدعم من أطراف خارجية، ولا سيما روسيا وتركيا.