الفاتيكان يعلن انشقاق «جمعية القديس بيوس العاشر»... والحرمان الكنسي لأساقفتها

البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان يوم 29 يونيو 2026 (رويترز)
البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان يوم 29 يونيو 2026 (رويترز)
TT

الفاتيكان يعلن انشقاق «جمعية القديس بيوس العاشر»... والحرمان الكنسي لأساقفتها

البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان يوم 29 يونيو 2026 (رويترز)
البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان يوم 29 يونيو 2026 (رويترز)

رد الفاتيكان بقوة، اليوم (الخميس)، على جمعية تقليدية رسّمت أساقفة دون موافقة البابا، ليعلن الفاتيكان انشقاق «جمعية القديس بيوس العاشر» والحرمان الكنسي لأساقفتها.

وتجاوز مكتب العقيدة بالفاتيكان العقوبات الدنيا التي ينص عليها القانون الكنسي للرد على عمليات ترسيم أربعة أساقفة جدد في المعهد اللاهوتي التابع للجمعية في إيكون بسويسرا.

وفرض الفاتيكان، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، الحرمان الكنسي على الأساقفة الأربعة الجدد وأسقفين شاركا في المراسم. وأعلن أن عمليات الترسيم «عمل انشقاقي»، وأن الجمعية نفسها هي التي تسببت في انفصال متعمَّد أو انشقاق مع الكنيسة الكاثوليكية.

قساوسة من «جمعية القديس بيوس العاشر» في كاتدرائية القديس بطرس بالفاتيكان (حساب الجمعية عبر منصة «إكس»)

وتحيي «جمعية القديس بيوس العاشر»، المعروفة اختصاراً بـ«إس إس بي إكس»، القداس اللاتيني القديم، وتعارض الإصلاحات التحديثية للكنيسة الكاثوليكية، التي تعدها مليئة بـ«الهرطقات والأخطاء». ورغم كونها حركة هامشية ضمن اليمين الكاثوليكي، فإن «جمعية القديس بيوس العاشر» تشكّل شوكة في خاصرة الفاتيكان منذ خمسة عقود؛ لادعائها أنها أكثر كاثوليكية من الكرسي الرسولي.

وأعرب مارك أندريه مابيلارد، مدير الإعلام في الجمعية، عن صدمته من قسوة العقوبات، ووصفها بأنها «ظالمة». وقال لوكالة «أسوشييتد برس»: «بالنسبة لنا، هذا الحرمان الكنسي الممتد إلى المؤمنين أمر وحشي. وهذا ليس ما نتوقعه من الأب الذي نرجع إليه كل يوم».

وتابع: «يقال لنا: أنتم تزعمون أن لديكم الحقيقة. حسناً. أنا فقط أقول إن لدينا بالتأكيد عيوبنا، لكن عيبنا الرئيسي اليوم هو وجود قائد لا يريد التواصل معنا. وهذا أمر فظيع».

وفي مرسوم شديد اللهجة، حذرت «دائرة عقيدة الإيمان»، وهي أعلى سلطة رقابية في الكنيسة التي يبلغ عدد أتباعها 1.4 مليار شخص، الكاثوليك في جميع أنحاء ​العالم من أن «جماعة القديس بيوس العاشر»، التي تتخذ من سويسرا مقراً لها، أصبحت الآن مخالفة للقوانين الكنسية وخارجة عليها.

وذكر المرسوم أن هذه الجماعة المتشددة، التي تنكر تعاليم الكنيسة الأساسية، لا يمكنها إجراء مراسم الزواج أو سماع الاعترافات بشكل صحيح.

ومن التعاليم الصارمة للكنيسة أن البابا وحده هو الذي يمكنه أن يأذن بترسيم أساقفة جدد، من أجل الحفاظ على روابط الكنيسة بتلاميذ السيد المسيح الاثني عشر.

ولم يتسنَّ الحصول على تعليق فوري من الجماعة بشأن مرسوم الفاتيكان. وقال أحد أعضائها، الذي ذكر أنه غير مخول بالتحدث، لكنه عرّف عن نفسه بأنه الأب بنديكت، لوكالة «رويترز»، بعد قداس في إيكون بسويسرا، إنه يتوقع أن تواصل المجموعة عملها كما كان ‌يحدث في السابق. وأضاف: «سنواصل ‌مسيرتنا فحسب. نحن نحترم البابا. وسنظل نصلي من أجله».

كما انتقد رد ​الفاتيكان. وأوضح: «هذه ‌العقوبة تظهر... أننا ​لم نغلق الباب في وجه البابا، ولا في وجه الفاتيكان، بل هم من أغلقوه في وجوهنا. وهذه هي الحقيقة المحزنة».

مرسوم الفاتيكان يتجاوز التوقعات

تعتبر الكنيسة أن ترسيم الأساقفة دون تصريح أمر خطير للغاية لدرجة أنه يؤدي تلقائياً إلى طرد المشاركين في المراسم من الكنيسة، أو «انفصالهم» عن الكنيسة ككل، وعدم قدرتهم على تلقي الأسرار المقدسة حتى يتوبوا ويطلبوا المغفرة.

ومع ذلك، ذهب الفاتيكان إلى أبعد مما كان ‌متوقعاً، وأعلن أن جميع كهنة «جماعة القديس بيوس العاشر»، وجميع الكاثوليك ‌الذين «ينتمون رسمياً» إلى هذه الجماعة، أصبحوا الآن منشقين ومطرودين من الكنيسة.

ويشير ​تعبير «الانشقاق» إلى انفصال خطير ورسمي داخل المجتمع الكاثوليكي.

البابا ليو الرابع عشر يحيي المشاركين في احتفال بمرور عام على تولّيه رئاسة الكنيسة الكاثوليكية بنابولي (رويترز)

وأعلن الفاتيكان، ‌في وقت لاحق من اليوم (الخميس)، أن الكاثوليك العاديين المتأثرين بقرار الحرمان الكنسي يمكنهم العودة الكاملة إلى ‌الكنيسة من خلال مقابلة أسقفهم وتوقيع وثيقتين؛ إحداهما لإعلان الإيمان، والأخرى إقرار بالالتزام بتعاليم الكنيسة الرسمية.

وعلى كهنة الجمعية الراغبين في التوبة اتخاذ خطوات مماثلة، لكن عليهم أيضاً كتابة رسالة إلى البابا يطلبون فيها المغفرة، ويعلنون إيمانهم بصحة إصلاحات الكنيسة منذ ستينيات القرن الماضي.

البابا يؤيد إصلاحات الستينيات

تنكر «جمعية القديس بيوس العاشر» التعاليم الأساسية للمجمع الفاتيكاني الثاني، وهو اجتماع تاريخي ‌للأساقفة في الفاتيكان في ستينيات القرن الماضي سعى إلى إجراء مجموعة من الإصلاحات للكنيسة العالمية، وإصلاح علاقاتها مع اليهود والطوائف المسيحية الأخرى.

كما سمح المجمع بإقامة القداس باللغات المحلية، بعد أن كان يقام حتى ذلك الحين باللغة اللاتينية فقط. وترفض المجموعة هذا التغيير، مشيرة إلى رغبتها في الحفاظ على طابع الغموض والرسمية الذي يتميز به الطقس اللاتيني.

البابا ليو الرابع عشر يوقِّع على رسالته العامة الأولى بعنوان «الإنسانية الرائعة» في الفاتيكان يوم 15 مايو 2026 (رويترز)

وقال ماسيمو فاجيولي، الخبير في شؤون البابوية، لوكالة «رويترز»، إن ليو يؤمن إيماناً راسخاً بإصلاحات المجمع، الذي غالباً ما يشير إليه الكاثوليك باسم «الفاتيكان الثاني».

وقال فاجيولي، الأستاذ بجامعة فيلانوفا الواقعة خارج فيلادلفيا: «يؤمن تماماً دون أي شك بحقيقة أن هذه الكنيسة هي (الفاتيكان الثاني)»، مضيفاً: «لقد أظهر أنه لا يريد التنازل عن ذلك».

وكان البابا ليو قد صرح للصحافيين، في يونيو (حزيران)، بأن الانقسامات مع «جماعة القديس بيوس العاشر» هي انقسامات «مؤلمة»، لكنه وصف إصلاحات «الفاتيكان الثاني» بأنها «عناصر أساسية» في تعاليم الكنيسة. وقال البابا: «علينا أن نمضي قدماً».

وتقول المجموعة، التي أسسها المطران مارسيل ليفيبفر، إنها تضم 733 كاهناً في جميع أنحاء العالم. وتقول قيادتها، التي لطالما كانت علاقاتها متوترة مع الفاتيكان، إنها كانت بحاجة إلى ترسيم أساقفة جدد لتوفير عدد ​كافٍ من الأساقفة لقيادة المجموعة.

وكان ليفيبفر قد ​طُرد من الكنيسة في عام 1988 بعد أن رسّم أربعة أساقفة دون إذن من البابا يوحنا بولس الثاني آنذاك. وسعى بنديكت السادس عشر، خليفة يوحنا بولس الثاني، إلى تجديد الحوار مع المجموعة، ورفع قرارات الحرمان الأربعة المتبقية.


مقالات ذات صلة

البابا ليو يدعو جماعة كاثوليكية إلى عدم الانشقاق

العالم البابا ليو يقود صلاة من نافذة القصر الرسولي في الفاتيكان... 29 يونيو 2026 (رويترز)

البابا ليو يدعو جماعة كاثوليكية إلى عدم الانشقاق

دعا البابا ليو الرابع عشر، الثلاثاء، جمعية كاثوليكية تقليدية إلى التراجع عن خطّتها القاضية بتعيين أساقفة جدد من دون موافقة الفاتيكان.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر يحيي المشاركين في احتفال بمرور عام على تولّيه رئاسة الكنيسة الكاثوليكية في نابولي (رويترز)

البابا ليو الرابع عشر يحتفل بالعام الأول لرئاسته الكنيسة بزيارة لجنوب إيطاليا

قال البابا ليو الرابع عشر إنه يشعر بأنه «أول المبارَكين» لدى احتفاله، بمرور عام على تولّيه رئاسة الكنيسة الكاثوليكية، وذلك خلال زيارة لجنوب إيطاليا.

«الشرق الأوسط» (بومبيي)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر خلال لقائه مع جزائريين في بازيليكا سيدة أفريقيا بالجزائر 13 أبريل 2026 (إ.ب.أ) p-circle

ساسة ورجال دين إيطاليون يدعمون بابا الفاتيكان بوجه انتقادات ترمب

تضامن سياسيون ورجال دين إيطاليون مع بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر الاثنين بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترمب له.

«الشرق الأوسط» (روما)
المشرق العربي بطريرك اللاتين في القدس الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا يقيم صلاةً بمناسبة أحد الشعانين بعد أن منعته إسرائيل من الوصول إلى كنيسة القيامة (أ.ف.ب)

إسرائيل تعرقل طقوس «الفصح» في «كنيسة القيامة»... وإدانات دولية واسعة

في إجراء لم يحدث «منذ قرون»، منعت الشرطة الإسرائيلية بطريرك اللاتين في القدس من دخول «كنيسة القيامة» لإقامة «قداس أحد الشعانين» ضمن طقوس الاحتفال بعيد الفصح.

كفاح زبون (رام الله) شوقي الريّس (روما) «الشرق الأوسط» (تل أبيب)
أوروبا صورة أرشيفية من داخل كنيسة القديس بطرس في الفاتيكان (رويترز)

الفاتيكان يعزز الإجراءات الأمنية... ويسعى لتجنّب «العسكرة»

قال أحد كبار رجال الدين الكاثوليك إن الفاتيكان سيعزّز الإجراءات الأمنية داخل كاتدرائية القديس بطرس بعد أعمال التخريب، لكنه يريد تجنّب «العسكرة».

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)

ماكرون بعد أعمال الشغب في فرنسا: نشعر جميعاً بالغضب والعار

لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
TT

ماكرون بعد أعمال الشغب في فرنسا: نشعر جميعاً بالغضب والعار

لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)
لقطة تلفزيونية تعرض خطاباً للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من قصر الإليزيه في باريس اليوم (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مساء الأحد، معلقاً على تظاهرات الأمس وما رافقها من أعمال تخريب ونهب: «نشعر جميعاً هذا المساء بالغضب والعار»، داعياً إلى التمييز بين المتظاهرين الذين يعبّرون عن «مطالب مشروعة» ومرتكبي «أعمال النهب والتحطيم».

وقال ماكرون في كلمة تلفزيونية خاطب فيها الفرنسيين إن «رؤية تخريب شوارع مدننا أمر لا يحتمل»، مؤكداً «دعمه» لأصحاب المتاجر والمحلات التي تعرضت للنهب.

وأوردت حصيلة صادرة عن وزارة الداخلية الفرنسية أنه تم اعتقال نحو 2400 شخص، أمس، في فرنسا، خلال يوم من الاحتجاجات ضد غلاء المعيشة تخللته أعمال عنف، فضلاً عن إصابة نحو 1000 من عناصر الشرطة والدرك جروح سبعة منهم خطيرة.


«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

تبادلت روسيا وأوكرانيا هجمات واسعة استهدفت منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية، في تصعيد جديد يهدد بتوسيع تداعيات الحرب على المدنيين، مع انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف واندلاع حرائق في منشآت نفطية روسية، رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة بين البلدين.

وتكشف الضربات المتزامنة عن هشاشة المساعي الرامية إلى الحد من استهداف المنشآت الحيوية، في وقت تتبادل موسكو وكييف الاتهامات بخرق التفاهمات، بينما تتزايد المخاوف من تأثير الهجمات على إمدادات الكهرباء والوقود مع اقتراب فصل الشتاء.

حرائق وهجمات بمئات المسيّرات

واستهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية، ليل السبت - الأحد، منشآت نفطية وصناعية في سان بطرسبورغ ومقاطعة لينينغراد المحيطة بها، ما أدى إلى اندلاع حرائق في محطة سان بطرسبورغ النفطية ومنشأة روتشي لتخزين النفط ومستودعات صناعية في جنوب المدينة.

وقال حاكم سان بطرسبورغ ألكسندر بيغلوف إن الهجوم أسفر عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين نُقلوا إلى المستشفى، فيما لحقت أضرار بنحو 12 مبنى سكنياً ومنزلين. كما أعلنت شركة «أوزون» الروسية للتجارة الإلكترونية تعرض أحد مراكزها اللوجستية لضربة بطائرة مسيّرة.

وفي مقاطعة لينينغراد، قال الحاكم ألكسندر دروجدنكو إن الدفاعات الجوية أسقطت 145 طائرة مسيّرة خلال الليل، وهو أكبر عدد من المسيّرات تشهده المنطقة منذ بدء الحرب عام 2022؛ بحسب وكالة «تاس» الروسية. وأضاف أن الهجمات تسببت في انقطاع الكهرباء عن نحو 20 ألف شخص.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 1015 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق نحو 15 منطقة روسية خلال الليل، بينها مناطق في جنوب البلاد وغربها ومنطقة موسكو.

وامتدت الهجمات إلى البنية التحتية الرقمية؛ إذ أعلنت شبكة «في كيه» الروسية تعرض مركز بيانات تابع لها في المنطقة لهجوم، مؤكدة استمرار خدماتها بصورة طبيعية. وقالت شركة «فاير بوينت» الأوكرانية المصنعة للطائرات المسيّرة إن الجيش الأوكراني استهدف المركز.

ووصف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الهجوم على سان بطرسبورغ بأنه دليل على مقاومة كييف، لكنه قال إن ذلك لن يغير مسار الأحداث، مؤكداً أن روسيا تواصل الرد على الهجمات الأوكرانية بضربات واسعة.

كييف تتهم موسكو بخرق الهدنة

صورة من مقطع فيديو تظهر تصاعد النيران بالقرب من محطة نفط في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات أمس (رويترز)

في المقابل، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الروسية استهدفت منشآت كهرباء في مقاطعات فينيتسا وجيتومير وخميلنيتسكي وأوديسا، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف من الأسر.

وقال زيلينسكي إن الهجمات الروسية خلال الأسبوع الماضي شملت نحو 2700 طائرة مسيّرة و1700 قنبلة جوية و66 صاروخاً، معظمها باليستية. وأضاف أن روسيا نفذت 76 هجوماً على قطاعات الطاقة والنفط والغاز الأوكرانية منذ إعلان ترمب الهدنة قبل أسبوع.

وأسفرت الضربات الروسية، وفق زيلينسكي، عن مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين، بينهم طفلان، فيما تعمل فرق الإصلاح على مدار الساعة لإعادة التيار الكهربائي.

وتأتي هذه التطورات بعد انقطاعات واسعة للكهرباء شهدتها أوكرانيا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، في وقت تزيد فيه الحاجة إلى الطاقة مع اقتراب الشتاء.

خلاف أميركي أوكراني

كان ترمب قد دعا مراراً زيلينسكي إلى وقف استهداف مصافي النفط ومستودعاته الروسية، معتبراً أن هذه الهجمات تسهم في رفع أسعار الوقود. وتقول كييف إن ضرباتها تأتي رداً على القصف الروسي لمنشآت الطاقة الأوكرانية، وتهدف أيضاً إلى تقليص عائدات موسكو النفطية التي تمول الحرب.

لكن الهدنة المعلنة لم تمنع استئناف الهجمات؛ إذ أعلنت أوكرانيا الخميس عزمها استئناف ضرب مصافي النفط، متهمة روسيا بعدم الالتزام بالتفاهمات.

وزادت التوترات تعقيداً بعد توقيع ترمب، الجمعة، أمراً تنفيذياً علّق بموجبه عقوبات ورسوم جمركية تستهدف عائدات النفط الروسية، عقب اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استئناف صادرات الديزل الروسية إلى الأسواق الأميركية والعالمية مقابل تخفيف العقوبات. وقوبلت الخطوة بتنديد أوكراني.

وبينما تسعى واشنطن إلى احتواء التصعيد، تشير الضربات المتبادلة إلى أن منشآت الطاقة لا تزال في صلب المواجهة العسكرية والاقتصادية، وأن أي هدنة لا تحظى بالتزام متبادل ستظل عرضة للانهيار، مع استمرار تعرض المدنيين لخطر انقطاع الكهرباء وتضرر إمدادات الوقود والخدمات الأساسية.


فرنسا تواجه تداعيات أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات

حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تواجه تداعيات أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات

حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)

تواجه فرنسا تداعيات موجة من الاضطرابات الاجتماعية تعد من الأعنف منذ سنوات، بعدما تحولت احتجاجات واسعة على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة إلى أعمال عنف ونهب واشتباكات مع الشرطة، في تطور يعكس اتساع فجوة الثقة بين قطاعات من الشارع الأوروبي وحكوماتها. ولم تقتصر موجة الغضب على فرنسا، بل توسعت في دول أوروبية أخرى؛ إذ شهدت مدن إيطالية، بينها ميلانو وتورينو، مواجهات مماثلة خلال مظاهرات ضد غلاء المعيشة، فيما تصاعدت الاحتجاجات في ألبانيا على خلفية اتهامات بالفساد ونقص فرص العمل وتدهور التعليم.

وفي فرنسا، أسفرت أحداث السبت عن وفاة أحد المتظاهرين وإصابة مئات من أفراد الشرطة والمتظاهرين، فيما أوقفت السلطات نحو 1800 شخص، في حصيلة تعكس حجم التوتر الذي اجتاح مدناً عدة، من باريس إلى مرسيليا وليون وبوردو. ويزيد التصعيد الضغوط على الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، وسط مخاوف من أن تتحول المطالب الاجتماعية إلى أزمة سياسية أوسع.

احتجاجات تتحول إلى عنف

شارك أكثر من نصف مليون شخص في مسيرات شهدتها عشرات المدن الفرنسية، في حراك جمع بين احتجاجات طلابية مستمرة منذ نحو شهر واستياء اجتماعي أوسع من ارتفاع الأسعار وخفض الإنفاق العام وتراجع مستوى الخدمات الأساسية.

وبدأت التحركات على خلفية أوضاع المدارس ونقص المعلمين في ضواحي الطبقة العاملة، قبل أن تتسع لتشمل مطالب تتعلق بعدم المساواة وتكاليف المعيشة. ورغم أن غالبية المشاركين احتجوا سلمياً، استغلت مجموعات عنيفة المظاهرات لاستهداف مبانٍ عامة ومتاجر، ونهب محال فاخرة وكبرى، وإضرام النار في سيارات وممتلكات، والاشتباك مع قوات الأمن.

وفي باريس، سجلت الشرطة 855 حالة اعتقال، وهو رقم غير مسبوق في العاصمة، فيما تجاوز إجمالي الموقوفين في أنحاء البلاد 1800 شخص، وفق وزير الداخلية لوران نونيز، الذي أعلن إصابة أكثر من 500 من أفراد الشرطة. كما أُصيب متظاهرون، فيما توفي أحد المشاركين في الاحتجاجات إثر سكتة قلبية.

وقال رجل الأعمال الهولندي تايه دي بوير، الذي كان يزور باريس برفقة أطفاله، إن الأضرار التي لحقت بالفندق الذي يقيم فيه في ساحة الجمهورية اضطرته إلى إخلائه، واصفاً المشهد بأنه «أشبه بمنطقة حرب».

مدن تستيقظ على مشاهد الدمار

عامل في البلدية ينظف الشارع في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات يوم السبت العنيفة في مدينة مرسيليا بفرنسا (رويترز)

مع بزوغ صباح الأحد، بدأت فرق النظافة والبلديات عمليات واسعة لإزالة آثار ليلة من العنف، فيما واجه السكان وأصحاب الأعمال حجم الخسائر التي خلفتها المواجهات.

وفي وسط باريس، بدت الشوارع مغطاة بالنفايات والبضائع المنهوبة، فيما تناثرت الدراجات الهوائية المحطمة وظهرت آثار الحرائق على واجهات المباني والمتاجر. وتكررت المشاهد في مرسيليا وليون، فيما امتدت الأضرار إلى مدن أخرى في شمال البلاد وشرقها وجنوبها الغربي.

وفي مدينة ليموج، أضرم مثيرو شغب النار في مبنى البلدية التاريخي المدرج ضمن مواقع التراث المحمية. وقال موريس بارات، محافظ إقليم أوت فيين، إن تدخلات الطوارئ أسهمت في إنقاذ الجزء الخلفي من المبنى.

كما شهدت بوردو اقتحام مجموعة من الملثمين مقر إقامة مسؤول محلي، فيما أكد وزير الداخلية أن مئات المتاجر تعرضت لأضرار خلال أحداث يوم السبت.

وتعهد وزير الاقتصاد رولان ليسكور بتقديم الدعم لأصحاب الأعمال المتضررين، محذراً من أن المسؤولين عن التخريب والنهب سيواجهون المحاسبة، وأن عليهم تحمل تبعات الأضرار التي تسببوا فيها.

ماكرون أمام اختبار سياسي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

وتضع الاضطرابات الحكومة الفرنسية أمام تحدٍّ مزدوج: احتواء العنف وإعادة النظام إلى الشوارع من جهة، والتعامل مع أسباب الاحتقان الاجتماعي التي غذت الاحتجاجات من جهة أخرى.

وألقى رئيس الوزراء، سيباستيان لوكورنو، بالمسؤولية عن أعمال العنف على اليسار المتطرف والمجرمين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على السلطة التنفيذية لتقديم استجابة تتجاوز الإجراءات الأمنية.

وتكمن المعضلة الحكومية في أن الاحتجاجات لم تعد محصورة في مطالب طلابية أو اعتراضات قطاعية، بل اتسعت لتلامس قضايا تمس الحياة اليومية لشرائح واسعة، من القدرة على تحمُّل نفقات المعيشة إلى جودة الخدمات العامة والإنفاق على التعليم.

ومع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، قد تؤثر طريقة تعامل الحكومة مع الأزمة في صورتها السياسية، خصوصاً إذا استمرت المواجهات أو لم تقترن التدابير الأمنية بخطوات ملموسة لمعالجة المطالب الاجتماعية.

إيطاليا: مواجهات مشابهة

وفي إيطاليا، شهدت بعض المدن مواجهات مشابهة لما حدث في فرنسا؛ إذ وقعت اشتباكات خلال مظاهرات خرجت احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة، في مشهد يعكس امتداد الغضب الاجتماعي إلى خارج فرنسا.

وأفادت وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا» بأن ميلانو كانت بؤرة المواجهات الأبرز، حيث رشق شبان ملثمون يرتدون ملابس سوداء الشرطة بالألعاب النارية والزجاجات في ساحة بيازا دومو، وسط المدينة، وأقاموا متاريس دفعت قوات الأمن إلى التراجع مؤقتاً وانتظار وصول تعزيزات.

وامتدت الاشتباكات إلى تورينو وبولونيا وبيرغامو، حيث ألقى متظاهرون الحجارة والألعاب النارية باتجاه الشرطة. وفي ميلانو وحدها، أُصيب أربعة من أفراد الشرطة على الأقل ونحو 20 متظاهراً، فيما أُلقي القبض على أكثر من 50 شاباً، نصفهم قاصرون، وفقاً للتقارير.

وتسلط هذه الأحداث الضوء على صعوبة احتواء الاحتجاجات عندما تتداخل المطالب المعيشية مع الغضب من الأوضاع الاقتصادية، ولا سيما في ظل تصاعد الضغوط على الأسر بسبب تكاليف الحياة.

ألبانيا: الاحتجاجات ضد الحكومة

عناصر من الشرطة يسيرون وسط غاز مسيل للدموع خلال احتجاج مناهض للحكومة نظمه طلاب في تيرانا بألبانيا (رويترز)

وفي ألبانيا أيضاً، اتخذت الاحتجاجات منحى سياسياً أكثر وضوحاً، مع تصاعد الدعوات إلى استقالة رئيس الوزراء إيدي راما، على خلفية اتهامات بالفساد ونقص الوظائف وتراجع معايير التعليم.

واجتاحت مظاهرات يقودها طلاب وسط العاصمة تيرانا، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى خلال الأسبوع الماضي. وأضرم محتجون النار في مبانٍ حكومية ومصارف، واقتلعوا حجارة الأرصفة لإلقائها على الشرطة، التي ردت باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي.

ورفض راما دعوات التنحي، معتبراً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بمستقبل حكومته وحدها، بل بمسار ألبانيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال في خطاب بث عبر «فيسبوك» إن على الألبان التفكير ملياً في الاتجاه الذي يريدون أن تسلكه بلادهم، محذراً من أن الاضطرابات قد تهدد هذا المسار.

وتشكل الاحتجاجات أكبر تحدٍّ يواجه راما منذ توليه السلطة عام 2013، وفوزه بولاية رابعة العام الماضي. وقد جاءت بعد أشهر من احتجاجات اتسمت بالسلمية إلى حد كبير ضد مشروع تطوير ساحلي فاخر يدعمه جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وتواجه ألبانيا منذ سنوات انتقادات تتعلق بالفساد والجريمة المنظمة وغسل الأموال، في حين تؤكد الحكومة أنها تكثف جهود مكافحة الفساد. وتسعى البلاد، إلى جانب الجبل الأسود، إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030.

وقالت الشرطة الألبانية إن 388 شخصاً وُجهت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم خلال المظاهرات، فيما أصيب عشرات من أفراد الشرطة والمتظاهرين.

ترمب: الهجرة سبب اضطرابات فرنسا

شخص يركل عبوة غاز مسيل للدموع فيما يتجمع متظاهرون بساحة الجمهورية في باريس يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

ودخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على خط الأزمة الفرنسية، مستخدماً منصته «تروث سوشيال» لربط الاضطرابات بالهجرة. وكتب أن هجرة أشخاص من «عالم مختلف كلياً» مزقت، على حد تعبيره، دولة كانت عظيمة في السابق، مضيفاً أن «فرنسا تحترق»، وداعياً إلى إغلاق الحدود والسيطرة على الأوضاع قبل فوات الأوان.

وكان نائبه، جي دي فانس، قد تبنى موقفاً مماثلاً؛ إذ اتهم السياسات الليبرالية الغربية باستقدام مهاجرين من دول العالم الثالث تحت شعارات التنوع والتعاطف، معتبراً أن الحكومات تجاهلت قضايا الاندماج والتوافق المجتمعي.

غير أن هذه التصريحات تمثل قراءة سياسية أميركية لأحداث فرنسا، ولا تثبت أن الهجرة هي سبب الاضطرابات. فالمعطيات الواردة عن الاحتجاجات تشير أيضاً إلى عوامل اقتصادية واجتماعية، من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة إلى عدم المساواة ونقص فرص العمل، فضلاً عن المطالب المرتبطة بالتعليم والفساد في البلدان الأخرى.

أزمة تتجاوز الحدود الوطنية

تكشف التطورات في فرنسا وإيطاليا وألبانيا عن أزمات متباينة في أسبابها المباشرة، لكنها تتقاطع في اتساع السخط الشعبي وتراجع الثقة بقدرة السلطات على الاستجابة لمطالب المواطنين.

ففي فرنسا وإيطاليا، برزت تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات بوصفهما من أبرز محركات الاحتجاج، فيما تركز الغضب في ألبانيا بدرجة أكبر على الفساد والوظائف والتعليم، وعلى أداء الحكومة ومسار الإصلاح السياسي.

ومع ذلك، فإن تحول بعض المظاهرات إلى أعمال عنف ونهب يضيف بعداً أمنياً إلى هذه الأزمات، ويضع الحكومات أمام اختبار قدرتها على حماية الممتلكات العامة والخاصة من دون تجاهل المطالب التي دفعت المواطنين إلى الشوارع.

وبالنسبة إلى فرنسا، لا يقتصر التحدي على إعادة تنظيف الشوارع وإصلاح الأضرار، بل يمتد إلى استعادة الثقة واحتواء الاستياء الاجتماعي قبل أن يتحول إلى عامل حاسم في المشهد السياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية. أما في بقية الدول، فتشير الاحتجاجات إلى أن التعامل مع الضغوط المعيشية والفساد والخدمات العامة بات جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار الداخلي، في وقت تتسع فيه رقعة الغضب من باريس إلى مدن أوروبية أخرى.