استفاق الليبيون على واحدة من أخطر الصدمات المرتبطة بالأمن الغذائي، بعدما أعلنت النيابة العامة أن 65 في المائة من عينات المحاصيل الزراعية المتداولة في الأسواق ثبت احتواؤها على متبقيات مبيدات زراعية محظورة، ومواد مصنفة دولياً بأنها مسرطنة، بالتزامن مع ضبط كميات من هذه المبيدات، وبدء تحقيقات موسعة بشأنها.

وبدت القضية، حسب مراقبين، أبعد من مجرد مخالفات زراعية، لأنها مست على نحو مباشر ملف الأمن الغذائي، وأثارت تساؤلات مشروعة حول كيفية وصول هذه المبيدات إلى الأسواق رغم حظرها، والجهات التي تقف وراء استيرادها وتداولها، في ظل تنامي مخاوف المواطنين على الصحة العامة.
وبدأت خيوط القضية تتكشف بفضل تحقيقات موسعة، باشرتها النيابة العامة منذ فبراير (شباط) الماضي، أزاحت الستار عن ثغرات رقابية سمحت بدخول مبيدات إلى البلاد من دون بيانات تعريفية، توضح مكوناتها أو المواد الفعالة التي تدخل في تصنيعها. وفي إطار التحقيق، جمعت فرق الخبرة الفنية عينات من محاصيل معروضة في أسواق طرابلس وبنغازي ومصراتة لتحليل متبقيات المبيدات المستخدمة، وقياس مستوياتها وفق المعايير العلمية المعتمدة.

وأظهرت نتائج التحاليل، التي كشفها بيان النيابة العامة مساء الثلاثاء، احتواء 65 في المائة من العينات على آثار سبعة مبيدات محظورة، بموجب التشريعات الوطنية، أو مواد تصنفها الهيئات الدولية بأنها مسرطنة أو مطفِّرة، كما تجاوزت بعض العينات الحدود القصوى المسموح بها من متبقيات المبيدات.
وعلى خلفية هذه النتائج، سارع النائب العام، المستشار الصديق الصور، إلى عقد اجتماع مساء الثلاثاء، ضم وزراء الزراعة والاقتصاد والبيئة، إلى جانب قيادات جهاز الحرس البلدي، والشرطة الزراعية، والشرطة البيئية، ومركز الرقابة على الأغذية والأدوية، لبحث سبل تعزيز الأمن الغذائي وتشديد الرقابة على المبيدات.
واستعرض الصور نتائج التحقيقات الأولية التي أجرتها النيابة، التي كشفت عن «خلل رقابي سهل مرور مبيدات لا تتوافر على بيانات المواد الداخلة في صناعتها»، حسب تعبيره، منبها إلى ضرورة «تحديث قوائم المبيدات المحظورة، وإضافة أسمائها التجارية لمنع التحايل، وتشديد الرقابة على عمليات الاستيراد».
وبالتوازي مع التحقيقات، جاء إعلان النيابة العامة عن ضبط كميات من مواد مصنفة «مسرطنة» و«مسببة لأمراض مزمنة»، وذلك ضمن حملات تفتيش استهدفت مستودعات وقنوات توزيع يشتبه في تخزينها مبيدات محظورة، حسب بيان النائب العام.

ولم تكشف النيابة العامة عن حجم المضبوطات، أو المواقع التي ضُبطت فيها هذه المواد المسرطنة، واكتفت بالإعلان عن التحفظ عليها وضبط حائزيها، مع استمرار التحقيقات لتحديد المسؤوليات الجنائية عن استيراد هذه المبيدات وإدخالها إلى السوق الليبية، تمهيداً لتحريك الدعوى الجنائية بحق المتورطين في استيرادها أو الاتجار بها.
وفي خضم اهتمام إعلامي واسع بالقضية، سعت منال أبو عميد، عضوة الحوار المهيكل الذي رعته الأمم المتحدة، إلى الرد على ما تداوله مدونون وصفحات تواصل اجتماعي محلية بشأن مداهمة مزرعة تابعة لها، وضبط كميات من هذه المبيدات.
وأدرجت أبو عميد ما جرى ضمن «حملة رقابية شاملة استهدفت جميع المناطق والقطاع الزراعي على مستوى ليبيا، وشملت سحب عينات من الأدوية والمبيدات الزراعية لفحصها مخبرياً»، مضيفة أن «هذه العينات سيتم الإفراج عنها وفقاً للقانون حال ثبوت مطابقتها للمواصفات، وخلوها من المواد المحظورة أو المسرطنة».
وعدّت أبو عميد أن الزج باسمها في هذه القضية، عبر بعض وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي، يأتي في إطار «توظيف الحملة الرقابية لأغراض سياسية»، وأضافت أبو عميد، في منشور عبر صفحتها الرسمية على موقع «فيسبوك»، أنها تحتفظ بحقها الكامل في اتخاذ جميع الإجراءات القانونية تجاه «كل من نشر أو روّج أو أسهم في تداول هذه المعلومات الكاذبة».
وفي ظل هذه التطورات المتسارعة في قضية «المبيدات المسرطنة»، عدّ الدكتور أسامة سليك، الباحث بمركز البحوث الزراعية في وزارة الزراعة بحكومة الوحدة الوطنية، أن تشديد الرقابة على المنافذ وضبط الحدود يمثلان المدخل الأكثر فاعلية للحد من تهريب المبيدات المحظورة والسامة إلى البلاد، لكنه شدّد على أن المعالجة لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الأمنية وحدها، بل تتطلب إصلاحاً داخلياً لسوق تداول المبيدات والأسمدة.
وأوضح سليك لـ«الشرق الأوسط» أن بيع هذه المنتجات ينبغي أن يقتصر على مراكز متخصصة يعمل بها مهندسون زراعيون ومختصون مؤهلون، لضمان الاستخدام الآمن والإشراف العلمي عليها. مشيراً إلى أن دراسة ميدانية أجراها على عينة من منافذ بيع المبيدات والأسمدة قبل عامين كشفت أن عدداً كبيراً منها يدار بواسطة أشخاص غير مؤهلين أو غير متخصصين، وهو ما يزيد من مخاطر تداول المبيدات واستخدامها بصورة خاطئة، ويهدد الصحة العامة والبيئة والإنتاج الزراعي.
ويرى محللون أن القضية تمثل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والصحة العامة. وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي الليبي محمد الأمين إن وصول هذه المواد إلى الأسواق يكشف عن خلل هيكلي في منظومة الرقابة، مضيفاً أن مواجهة الأزمة «لا ينبغي أن تقتصر على ملاحقة المزارعين أو تجار التجزئة، بل يجب أن تمتد إلى شبكات الاستيراد والتخزين والتوزيع»، عادّاً أن القضية أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة مؤسسات الدولة على حماية غذاء المواطنين.
ويبدو أن تداعيات هذه القضية لن تتوقف عند ما كشفته التحقيقات حتى الآن، إذ تؤكد النيابة العامة أن إجراءاتها ستشمل كل من يثبت تورطه في تعريض الأمن الغذائي للخطر، سواء باستيراد المبيدات المحظورة أو الاتجار بها، أو حتى بإساءة استخدام المبيدات المسموح بها وتجاوز الحدود الآمنة لتطبيقها.




