تحشيدات مسلحة تعيد أجواء الخوف إلى العاصمة الليبية

صمت حكومي مقابل دعوات لاحتواء الموقف ومنع حدوث صدام مسلح

انتشار قوات تابعة لحكومة الوحدة لمنع سيناريو حدوث اشتباكات جديدة في طرابلس (أ.ف.ب)
انتشار قوات تابعة لحكومة الوحدة لمنع سيناريو حدوث اشتباكات جديدة في طرابلس (أ.ف.ب)
TT

تحشيدات مسلحة تعيد أجواء الخوف إلى العاصمة الليبية

انتشار قوات تابعة لحكومة الوحدة لمنع سيناريو حدوث اشتباكات جديدة في طرابلس (أ.ف.ب)
انتشار قوات تابعة لحكومة الوحدة لمنع سيناريو حدوث اشتباكات جديدة في طرابلس (أ.ف.ب)

عادت أجواء التوتر الأمني إلى العاصمة الليبية طرابلس، مساء الثلاثاء حتى الساعات الأولى من فجر الأربعاء، مع تحركات وتحشيدات لفصائل مسلحة تتبع السلطات في غرب البلاد، في مشهد أعاد إلى أذهان السكان المواجهات المسلحة التي شهدتها المدينة خلال الأشهر الماضية.

دخان كثيف إثر اشتباكات طرابلس الأخيرة (أ.ف.ب)

جاء هذا التحشيد الميليشياوي في ظل غياب أي تعليق رسمي من جانب المجلس الرئاسي أو حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة يوضح طبيعة هذه التحركات أو أهدافها.

وحسب مصادر محلية وشهود عيان، وتسجيلات مصورة تداولها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تركزت التحركات العسكرية في محيط منطقة المنصورة، بالقرب من مبنى الإذاعة، حيث انتشرت آليات وعناصر تابعة لـ«قوة مكافحة الإرهاب»، بقيادة اللواء مختار الجحاوي، وهي قوة تتبع رئاسة الأركان العامة التابعة لحكومة «الوحدة الوطنية»، إلى جانب دوريات من اللواء 222 بقيادة حسين الشواط.

وأظهرت المقاطع المتداولة انتشاراً مكثفاً للآليات العسكرية في عدد من الشوارع الرئيسية، وسط سماع إطلاق نار في بعض المناطق، الأمر الذي دفع السكان إلى التزام منازلهم خشية تطور الأوضاع إلى مواجهات مسلحة، خصوصاً في ظل عدم صدور أي توضيحات رسمية بشأن أسباب هذه التحركات.

مخلفات اشتباكات طرابلس (أ.ف.ب)

ورصدت المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا جانباً من هذه التطورات، معربةً عن قلقها إزاء ما وصفتها بـ«مظاهر التوتر الأمني والتحشيدات العسكرية»، وما رافقها من إطلاق للرصاص الحي والأعيرة النارية بصورة عشوائية، قالت إنه أدى إلى ترويع السكان المدنيين، وتحويل الأحياء السكنية إلى ما يشبه ساحات القتال.

وحذرت المنظمة الحقوقية من مخاطر انزلاق الأوضاع إلى أعمال عنف قد تعرِّض حياة المدنيين للخطر، معتبرة أن مثل هذه الممارسات تمثل إخلالاً بقواعد القانون الدولي الإنساني، وقد تترتب عليها مسؤوليات قانونية بحق الجهات المتورطة فيها. كما حمّلت أطراف التوتر المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد محتمل، داعيةً جميع الأطراف إلى ضبط النفس، والامتناع عن استخدام القوة، وسرعة تدخل الجهات المختصة لاحتواء الموقف، ومنع أي صدام مسلح.

ويعكس هذا التحرك، حسب مراقبين، استمرار هشاشة الوضع الأمني في غرب ليبيا، حيث لا تزال العاصمة تضم عدداً من التشكيلات المسلحة ذات الولاءات المتباينة، رغم إعلان السلطات أكثر من مرة العمل على إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية والأمنية.

يتخوف سكان طرابلس من عودة الاشتباكات وغياب الأمن في العاصمة (مديرية أمن طرابلس)

وفي موازاة ذلك، يلف الغموض ما تردد عن تعثر اجتماع كان يُحضَّر له في مدينة سرت، ويضم نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الفريق أول صدام حفتر، ووكيل وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة الوطنية» الفريق عبد السلام الزوبي، ضمن مسار تقوده الولايات المتحدة لتقريب وجهات النظر بين المؤسستين العسكريتين في شرق البلاد وغربها.

ولم تعلن الجهات الليبية أو الأميركية موعداً جديداً لاستئناف هذه المشاورات، كما التزمت حكومة «الوحدة الوطنية» و«الجيش الوطني» الصمت حيال ما أثير بشأنها.

في المقابل، اكتفت رئاسة أركان «الجيش الوطني» بنشر نشاط لرئيس الأركان، الفريق أول ركن خالد حفتر، خلال جولة تفقدية شملت عدداً من المنشآت العسكرية التابعة لإدارة المشاة والمدرعات، أكد خلالها أهمية تطوير برامج التدريب ورفع كفاءة الضباط، بما يواكب المتطلبات التقنية والعسكرية الحديثة، في خطوة بدت بعيدة عن التعليق على الأنباء المتداولة بشأن الاجتماع المؤجل أو التطورات الأمنية في طرابلس.

رئيس أركان الجيش الوطني في شرق ليبيا خلال حضوره ختام دورة تدريبة لقادة عسكريين الأربعاء (رئاسة الأركان)

وتعيد هذه المستجدات تسليط الضوء على استمرار هشاشة المشهد الأمني والسياسي في ليبيا، في وقت تتواصل فيه الجهود الدولية لدفع الأطراف الليبية نحو تسوية سياسية وعسكرية شاملة، وسط مخاوف من أن يؤدي أي تصعيد ميداني جديد إلى تقويض تلك المساعي، وإعادة البلاد إلى دوامة المواجهات المسلحة.


مقالات ذات صلة

بلديات الجنوب تتحول إلى أحدث حلقات الصراع بين حكومتي ليبيا

شمال افريقيا رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)

بلديات الجنوب تتحول إلى أحدث حلقات الصراع بين حكومتي ليبيا

فرضت بلديات الجنوب الليبي نفسها مجدداً على واجهة الصراع السياسي بين الحكومتين المتنافستين في شرق البلاد وغربها.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وقفة احتجاجية لعمال شركات متعثرة في مايو الماضي (الاتحاد الوطني لعمال ليبيا)

غلاء المعيشة يثقل كاهل الليبيين في ظل تصاعد الدولار

تعكس شهادات مواطنين ليبيين عمق الأزمة المعيشية؛ إذ تضطر أسر لتقليص الطعام والاقتراض، أو العمل بوظيفتين للتكيف مع الغلاء وسط مخاوف من بلوغ الدولار 10 دنانير.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا من جلسة مجلس النواب في بنغازي أمس الاثنين (مجلس النواب)

اعتماد اتفاق «4 + 4» يفاقم الخلاف على «النصاب» داخل «النواب» الليبي

تعمّق الانقسام السياسي بشرق ليبيا عقب اعتماد مجلس النواب لاتفاق «4 + 4»، إثر تشكيك عشرات النواب في نصاب الجلسة، وتلويحهم بالطعن القضائي.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الزادمة نائب رئيس حكومة «الوحدة» خلال لقائه خوري نائبة المبعوثة الأممية لدى ليبيا (مكتب الزادمة)

تحركات أممية وأميركية لدفع المسار السياسي في ليبيا

تكثف الأمم المتحدة تحركاتها في ليبيا لدفع التوافق الوطني والتمهيد للانتخابات، عبر توحيد المؤسسات السياسية والأمنية والاقتصادية بالتنسيق مع الشركاء الدوليِّين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
العالم العربي وزير العمل المصري حسن الرداد يلتقي نظيره بحكومة «الوحدة الوطنية» الليبية في القاهرة أمس الاثنين (وزارة العمل الليبية)

مباحثات ليبية - مصرية لتطوير برامج التأهيل وتنظيم استقدام العمالة

بحث وزيرا العمل في مصر وليبيا تنظيم أوضاع العمالة المصرية وتسهيل إجراءات دخولها، إلى جانب تعزيز التعاون في مجالات التشغيل والتأهيل والربط الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

بلديات الجنوب تتحول إلى أحدث حلقات الصراع بين حكومتي ليبيا

رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)
رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)
TT

بلديات الجنوب تتحول إلى أحدث حلقات الصراع بين حكومتي ليبيا

رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)
رئيس الحكومة المكلفة من البرلمان في شرق ليبيا أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)

فرضت بلديات الجنوب الليبي نفسها مجدداً على واجهة الصراع السياسي بين الحكومتين المتنافستين في شرق البلاد وغربها، بعد قرار الحكومة المكلفة من البرلمان في بنغازي، برئاسة أسامة حماد، إيقاف 12 عميد بلدية عن العمل وإخضاعهم للتحقيق، وذلك على خلفية زيارتهم العاصمة طرابلس، ولقاء مسؤولين في حكومة «الوحدة الوطنية» وفي الشركة العامة للكهرباء.

ولم يصدر عن حكومة حماد حتى الآن تعليق يوضح ملابسات القرار، أو طبيعة المخالفات المنسوبة إلى العمداء، في وقت أثارت فيه الخطوة اعتراضاً من العمداء المعنيين، الذين رأوا أن تحركاتهم إلى طرابلس جاءت في إطار متابعة احتياجات مناطقهم، والتنسيق حول ملفات خدماتية.

نائب رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا سالم الزادمة (حسابه الرسمي في «فيسبوك»)

ولا تبدو الواقعة معزولة عن سوابق شهدتها العلاقة بين حكومة حماد وعدد من عمداء البلديات. فقبل عامين اتخذت سلطات شرق ليبيا إجراءات بحق عمداء شاركوا في اجتماع مع عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس، في خطوة أثارت حينها انتقادات محلية، على خلفية ما اعتُبر تدخلاً في عمل المجالس البلدية، وانعكاساً للانقسام السياسي على الإدارة المحلية.

بدا منذ اللحظة الأولى لصدور قرار وزارة الحكم المحلي بحكومة حماد تمسك العمداء الموقوفين بصحة موقفهم، في بيان مشترك مساء الثلاثاء، قائلين إن زيارتهم لطرابلس جاءت «في إطار التواصل والتنسيق» بشأن احتياجات مناطقهم الخدمية، وأعربوا عن استغرابهم من اتخاذ إجراءات بحقهم، لافتين إلى مشاركة عمداء بلديات أخرى في لقاءات مماثلة من دون أن تتخذ إجراءات مماثلة في حقهم.

وطالب العمداء بتطبيق القانون «بمعيار واحد»، وإعادتهم إلى ممارسة أعمالهم ما لم تثبت بحقهم مخالفات قانونية، وأكدوا احترامهم للقانون واختصاصات مؤسسات الدولة، ونفوا أن تكون زياراتهم إلى طرابلس مرتبطة بأي مخالفات مالية أو إدارية، مشددين على أن هدفها الأساسي كان متابعة احتياجات السكان، والتنسيق بشأن الخدمات المقدمة إليهم.

وضمّ البيان عمداء بلديات غات والعوينات وجرمة، والرقيبة والوادي الشرقي ومرزق والشرقية وزويلة، إضافة إلى تجرهي والقطرون وبراك الشاطئ وبرقن الشاطئ.

ويعيد القرار إلى الواجهة مدى تأثر الإدارة المحلية في ليبيا بالانقسام بين المؤسسات التنفيذية في الشرق والغرب، خصوصاً في المناطق الجنوبية، التي ترتبط احتياجاتها الخدمية، من كهرباء ومياه وبنية تحتية، بمؤسسات وهيئات تعمل في مناطق تخضع لسلطات مختلفة.

معدات كهربائية في طريقها للجنوب الليبي (صفحة تابعة لحكومة الوحدة)

ويحمل التعامل مع عمداء البلديات في هذا السياق بعداً يتجاوز الإجراءات الإدارية، بحسب مراقبين، ذلك أن المجالس البلدية المنتخبة تمثل حلقة اتصال مباشرة بين السكان ومؤسسات الدولة، فيما قد يؤدي إدخالها في مسارات التجاذب السياسي إلى تعقيد قدرتها على متابعة الملفات الخدمية، التي تتطلب في كثير من الأحيان التواصل مع جهات تقع خارج نطاق السلطة المحلية.

وانتقدت الناشطة السياسية، رانيا عبد السلام عثمان، العضو المؤسس في «التجمع السياسي الوطني فزان»، ما وصفته باستجواب وتهديد عدد من عمداء بلديات الجنوب، بسبب توجههم إلى طرابلس للبحث عن حلول للأوضاع الخدمية. وقالت، في منشور عبر «فيسبوك»، إن «معاناة الناس ليست تهمة، والسعي في خدمتهم ليس جرماً»، داعية إلى تمكين الإدارات المحلية من التواصل مع مؤسسات الدولة المختلفة.

كما أثارت الواقعة تساؤلات ناشطين ومدونين حول مدى اتساق الإجراءات المتخذة بحق العمداء مع المساعي الدولية المعلنة لتوحيد مؤسسات الدولة.

وبحسب المحلل السياسي خالد الشارف، فإن ثمة «ديناميكية تحرك للخلف تتسارع في التعطيل بخطوات بين أطراف الصراع، كلما اقترب بصيص أمل في حل الأزمة الليبية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الممارسات أصبحت من «العلامات البارزة لمحطات الانقسام السياسي في ليبيا»، مبرزاً أن انعكاساتها تصل إلى مستويات الإدارة المحلية والخدمات اليومية.

وتأتي أزمة البلديات في وقت تشهد فيه ليبيا مساراً سياسياً جديداً تقوده الأمم المتحدة، بعد أن وقّعت لجنة «4+4» في 30 أغسطس (آب) اتفاقاً بشأن استكمال خريطة الطريق السياسية، يتضمن ترتيبات للانتخابات، وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في مسعى لإنهاء المرحلة الانتقالية وتوحيد المؤسسات.

وتزامن ذلك مع استمرار الحديث عن مبادرات دولية، تهدف إلى تقريب مواقف الأطراف الليبية وتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية. غير أن استمرار الخلافات على مستويات محلية، ومنها إدارة البلديات، وعلاقة المجالس المنتخبة بالسلطات المركزية، يبرزان أن مسار توحيد المؤسسات لا يزال يواجه اختباراً يتجاوز التفاهمات السياسية العليا.


«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)
من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)
TT

«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)
من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)

يشرع البرلمان الجزائري الجديد، المنبثق عن الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، في أعماله اليوم الأربعاء ضمن دورته التشريعية الأولى، متصدراً جدول أعماله ملف عاجل يتمثل في مراجعة قانون العقوبات. ويهدف التعديل المرتقب إلى تفعيل عقوبة الإعدام بحق كل من تثبت إدانته قضائياً بإضرام النار عمداً في الغابات، فضلاً عن المدانين بجرائم قتل الأطفال والتنكيل بهم.

الرئيس تبون أمر خلال مجلس للوزراء وزير العدل بتحضير نص يتضمن تفعيل الإعدام (الرئاسة)

ويأتي هذا التحرك التشريعي استجابة لإعلان الرئيس عبد المجيد تبون عن رغبته في رفع التجميد الفعلي عن عقوبة الإعدام، على خلفية موجة حرائق الغابات المدمرة التي ضربت عدة مناطق شرق البلاد خلال الصيف، مخلفة عشرات الضحايا وخسائر هائلة في الأملاك. ورغم أن المحاكم الجزائرية واصلت النطق بأحكام الإعدام، إلا أن تنفيذها يظل مجمداً عملياً منذ عام 1993.

ويكتسي هذا الملف أبعاداً ميدانية حساسة، حيث أُوقف قبل أسبوع تسعة أشخاص في ولاية جيجل (على بعد نحو 400 كلم شرق العاصمة) للاشتباه في تورطهم بإضرام النيران، وسط احتجاجات ومظاهرات محلية نظمت الأحد الماضي، عبر فيها أفراد عائلات الموقوفين عن مخاوفهم إزاء احتمال إخضاع الموقوفين لهذه العقوبة الصارمة. كما أن المحتجين يؤكدون على وجود «غموض متعمد» بشأن فيديو نشره المشتبه بهم أثناء الحرائق، يظهرون فيه حاملين وسائل تقليدية لإطفاء النار عندما كانت مستعرة، فيما تؤكد تحريات الأمن أنهم كانوا بصدد إشعالها.

صورة للحرائق المستعرة التي ضربت منطقة قالمة شرق الجزائر الصيف الماضي (الحماية المدنية)

رفع التجميد عن عقوبة الإعدام

وجه الرئيس تبون، الشهر الماضي، وزيره للعدل لطفي بوجمعة إلى تحضير نص مراجعة قانون العقوبات قبل 15 سبتمبر (أيلول) الحالي، من أجل تشديد العقوبات على المتسببين في حرائق الغابات، التي تؤدي إلى سقوط ضحايا، وإحالته على البرلمان ليأخذ مساره التشريعي، في أول جلسة له.

وأعلن تبون خلال اجتماع مجلس الوزراء في السادس من سبتمبر عن توسيع قرار رفع التجميد عن تطبيق عقوبة الإعدام ليشمل خاطفي الأطفال والمتورطين في تعذيبهم، إلى جانب تطبيقها ضد من يثبت تورطه في إشعال الحرائق التي تؤدي إلى سقوط ضحايا.

جزائريون يرفعون صور موقوفين بشبهة إشعال حرائق خلال مظاهرة بشرق البلاد (ناشطون)

والمعروف أن الحكومة لم تقدم حصيلة نهائية عن حرائق الصيف، فيما أكد وزير الصحة خلال الأيام الأولى لاندلاعها أنها خلفت 12 قتيلاً. لكن وفق إحصائيات أعدها ناشطون في المناطق المتضررة فإن عدد الضحايا يفوق المائة.

وعقوبة الإعدام منصوص عليها مسبقاً في قانون العقوبات الجزائري، عندما يؤدي الإحراق العمدي إلى وفاة شخص أو أكثر (المادة 399). غير أن التعديل الذي طلبه الرئيس تبون يهدف، فيما بدا لمراقبين، إلى توسيع نطاق عقوبة الإعدام لتشمل مرتكبي حرائق الغابات المتعمدة، بغض النظر عن وقوع حالات وفاة، فضلاً عن السماح بالتنفيذ الفعلي لتلك الأحكام.

وبذلك، سيمثل هذا الإجراء توسيعاً للجوء إلى عقوبة الإعدام، وكسراً للوقف الاختياري المفروض على تنفيذ الأحكام منذ عام 1993. وكان آخر من نفذت فيهم هذه العقوبة أربعة عناصر من «جبهة الإنقاذ» بعد أن دانهم القضاء في تفجير مطار الجزائر العاصمة في 1992، والذي خلف 10 قتلى و118 جريحاً.

مظاهرة بشرق الجزائر للتنديد بتوقيف 9 أشخاص بشبهة إضرام النار (ناشطون)

وينص القانون على عقوبة الإعدام في 18 جريمة، ورغم أن الجزائر أوقفت تنفيذ هذه العقوبة منذ ثلاثة عقود، لكن لم تمنع إصدارها بالمحاكم، بدليل أن هناك عدداً كبيراً من الأشخاص في السجون محكوم عليهم بالإعدام، من دون أن تطبق عليهم العقوبة، لأن الجزائر صادقت وصوتت في الأمم المتحدة بناء على توصية للجمعية العامة، لصالح إلغـاء عقوبة الإعدام.

رأي أحزاب السلطة والمعارضة

من أشهر المدانين قضائيا بحكم الإعدام، العسكري لمبارك بومعرافي قاتل الرئيس محمد بوضياف في 29 يونيو(حزيران) 1992، الذي صدر بحقه الحكم عام 1994، والذي تحول إلى سجن مدى الحياة.

كما أنزلت محكمة الجنايات بالعاصمة عام 2022 حكم الإعدام بحق 49 شخصا، اتهموا بارتكاب جريمة مروعة بحق شاب ثلاثيني، يدعى جمال بن إسماعيل بمنطقة القبائل (شرق)، جاء إليها للمساعدة على إخماد حرائق مهولة خلفت قتلى ودماراً كبيراً بالمنطقة في صيف 2021. ولاحقاً تم تخفيض العقوبة بعد نقض الأحكام.

الشاب جمال بن إسماعيل الذي قتل في حرائق القبائل عام 2022 (الشرق الأوسط)

وفي رد فعلها على قرار الجزائر العودة إلى تطبيق حكم الإعدام، أكدت «الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان» في بيان أصدرته في 14 من الشهر الحالي، على رفضها القاطع لهذه الخطوة، مشيرة إلى أن «مجرد إثارة فكرة استئناف التنفيذ، أو توسيع نطاق العقوبة القصوى، يُعد تراجعاً كبيراً في مجال حقوق الإنسان، وإشارة مقلقة للغاية تجاه التزامات البلاد الدولية». مؤكدة على «وجوب أن تستند مكافحة الحرائق المتعمدة إلى تحقيقات مستقلة ودقيقة، وتحديد المسؤوليات بالاستناد إلى الأدلة، واحترام قرينة البراءة، والضمانات الكاملة لحقوق الدفاع. كما ينبغي أن يتمتع كل شخص متابع بمحاكمة عادلة أمام قضاء مستقل، وأن تتوفر له سبل طعن فعلية».

من جهتها، دعت «منظمة العفو الدولية» السلطات الجزائرية في بيان إلى «التخلي فوراً عن أي خطط لتوسيع نطاق عقوبة الإعدام، أو استئناف تنفيذ الإعدامات، بعد أكثر من ثلاثة عقود من توقفها».

وفي حين غابت أصوات الحقوقيين الجزائريين في الداخل، بفعل حل أهم تنظيمات حقوق الإنسان بقرارات قضائية في السنوات الماضية، أعلنت كل الأحزاب الموالية للسلطة تأييدها للقرار، بعكس أحزاب المعارضة، خصوصاً «جبهة القوى الاشتراكية»، التي أبدت تحفظاً شديداً عليه.


الحكومة الموريتانية تستأنف اجتماعاتها وسط جدل سياسي محتدم

من أول اجتماع للحكومة بعد نهاية عطلتها السنوية (الرئاسة)
من أول اجتماع للحكومة بعد نهاية عطلتها السنوية (الرئاسة)
TT

الحكومة الموريتانية تستأنف اجتماعاتها وسط جدل سياسي محتدم

من أول اجتماع للحكومة بعد نهاية عطلتها السنوية (الرئاسة)
من أول اجتماع للحكومة بعد نهاية عطلتها السنوية (الرئاسة)

عادت الحكومة الموريتانية إلى اجتماعاتها الأسبوعية، الأربعاء، بعد 3 أسابيع من التوقف بسبب عطلة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ونصف أعضاء الحكومة، قضاها أغلبهم داخل البلاد في إطار خطة لإنعاش السياحة الداخلية.

وأكد مصدر شبه رسمي لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة عقدت أول اجتماع لها -منذ نهاية العطلة الرسمية- صباح اليوم في القصر الرئاسي، وقد استمر الاجتماع لعدة ساعات «دون أن تتخذ أي إجراءات خاصة»، وفق تعبير المصدر.

عودة في خضم الجدل

كان آخر اجتماع تعقده الحكومة الموريتانية في 27 أغسطس (آب) الماضي، وهو أطول توقف حكومي تعرفه موريتانيا، رغم انتقادات المعارضة لهذا التوقف؛ لأنه تزامن مع ما تقول المعارضة إنه أزمة في توفير الكهرباء والماء، وبعض الخدمات الأساسية في البلاد.

الرئيس ولد الغزواني يترأس أول اجتماع للحكومة (الرئاسة)

كما تتزامن عودة النشاط الحكومي مع جدل سياسي محتدم حول تعديل الدستور، والمطالبة بمأمورية ثالثة للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، والتي وصلت إلى أروقة حزب «الإنصاف» الحاكم، فيما تواصل المعارضة رفضها بشدة.

وفي هذا السياق، دعا المكتب السياسي لحزب «الإنصاف» الحاكم إلى العمل على «إصلاحات كفيلة بتحقيق المطالب، التي عبّر عنها منتخبو الحزب، والمتعلقة بالتمسك بشخص الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني»، وفق بيان أصدره المكتب في ختام الدورة العادية الثالثة للمكتب السياسي، يوم الاثنين الماضي.

وشدد المكتب السياسي على أن من واجب الحزب أن يعمل على «دراسة المطالب التي عبّر عنها المنتخبون والمناضلون والأطر خلال الزيارات الميدانية الأخيرة، وتلبيتها، والمتعلقة بالتمسك بشخص الرئيس محمد ولد الغزواني، والدفع باتجاه الإصلاحات الكفيلة بتحقيق ذلك».

وكان الحزب قد أرسل وفوداً إلى داخل البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، رفعت فيها مطالب بضرورة تعديل الدستور من أجل السماح للرئيس ولد الغزواني بالترشح لولاية رئاسية ثالثة، في انتخابات رئاسية مرتقبة عام 2029.

ويحكم ولد الغزواني (69 عاماً) موريتانيا منذ عام 2019، وأعيد انتخابه عام 2024 لولاية رئاسية ثانية، هي الأخيرة بموجب الدستور الحالي للبلاد، الذي يحدد عدد الولايات الرئاسية باثنتين فقط.

تحذيرات المعارضة

وقال حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)»، وهو أكبر أحزاب المعارضة وأكثرها تمثيلاً في البرلمان، إن الدعوة لولاية رئاسية ثالثة بالتزامن مع التحضير للحوار الوطني «يبعث برسائل سياسية بالغة السلبية»، محذراً من «إرباك مسار الحوار، وتقويض مناخ الثقة الهشة بين الأطراف المشاركة في التحضير له».

وجدد الحزب رفضه لأي محاولة للالتفاف على الأحكام الدستورية المتعلقة بالولايات الرئاسية، أو إعادة تفسيرها بما يخدم تمديد السلطة، داعياً كل القوى السياسية والوطنية إلى تحمّل مسؤوليتها في حماية الدستور، والدفاع عن مبدأ التداول السلمي على السلطة بالوسائل الديمقراطية السلمية.

وانتقد الحزب بشدة ما ورد في بيان المكتب السياسي لحزب «الإنصاف» الحاكم، رافضاً ما قال إنها «محاولة تسويق الدعوة إلى المأمورية الثالثة في صورة مطالب شعبية أو إصلاحات ضرورية»، مشيراً إلى أن ذلك التسويق «لا يجعل من خرق النص الدستوري إصلاحاً».

وأكد الحزب المعارض أن الاستقرار «لا يُبنى على بقاء الأشخاص، ولا يرتبط باستمرار نهجهم، وإنما على قوة المؤسسات واحترام الدستور وسيادة القانون»، مشدداً على أن «ما تحتاج إليه موريتانيا في هذه المرحلة هو توجيه الجهد السياسي للقوى الوطنية كافة، وفي مقدمتها السلطة الحاكمة نحو معالجة الأوضاع المعيشية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وتحسين الخِدمات الأساسية المتردية، وتعزيز دولة المؤسسات والقانون».