تعيش ليبيا حالة من القلق المتصاعد والاستنفار في قطاعها النفطي، بعدما تحولت مرافق نفطية في مدينة الزاوية (40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس)، إلى كتل من اللهب إثر هجمات متكررة بطائرات مسيّرة، استهدفت منشآت حيوية.
وتزامنت هذه التطورات، التي وصفها خبراء بـ«الخطيرة» على قطاع الطاقة في ليبيا، مع تحذيرات من أن استمرار الاعتداءات قد يدفع إلى إعلان «القوة القاهرة»، وتعليق العمل في المصفاة، فيما تتصاعد المطالب باتخاذ إجراءات أمنية عاجلة لحماية المنشآت النفطية.

وحتى عصر الثلاثاء، كانت فرق إطفاء تابعة لهيئة السلامة الوطنية، وأخرى لجهاز الإسعاف والطوارئ، تواصل السيطرة على الحريق الذي اندلع في مصفاة الزاوية، بالتزامن مع أعمال التبريد وتأمين الخزانات والمنشآت المجاورة، واتخاذ التدابير اللازمة للحد من انتشار النيران وآثارها.
وتضع الهجمات قطاع النفط الليبي أمام اختبار أمني جديد، خصوصاً مع انتقال استهداف الطائرات المسيّرة إلى منشآت ترتبط مباشرة بعمليات التخزين والتكرير والتوزيع في الزاوية، بما يزيد المخاطر على استمرارية العمليات النفطية في البلاد.
وقال محمد البكوش، مدير إدارة الطوارئ والأزمات بهيئة السلامة الوطنية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «فوضى المسيّرات والتشكيلات المسلحة» أسهمت في تردي الوضع الأمني المحيط بمصفاة النفط الحيوية، مشدداً على أن المنشأة تمثل مصدر رزق لليبيين، حيث تمتد فائدتها إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد والمجتمع.
وأضاف البكوش موضحاً أن الوضع «تحسن صباح اليوم» اليوم، بعد وصول فرق نجدة ومعدات من مناطق عدة للمساعدة في السيطرة على الحريق، مشيراً إلى استمرار عمليات الإطفاء والتبريد، وتأمين المواقع المحيطة.
وجاءت الحرائق بعد سلسلة من الهجمات، التي شهدتها منشآت نفطية في الزاوية خلال الأيام الماضية، وسط تقارير محلية وشهادات عن استخدام طائرات مسيّرة في تنفيذها. وكان من بين المواقع المستهدفة مصنع خلط وتعبئة الزيوت التابع لشركة الزاوية لتكرير النفط، بعدما سقطت إحدى المسيّرات بالقرب من خزان الزيوت الرئيسي، وشبكة الأنابيب المستخدمة في تصنيع الزيوت المخصصة للسوق المحلية.

كما تعرض خزان تابع لشركة البريقة لتسويق النفط، مخصص لتخزين بنزين السيارات، للاستهداف المباشر، وكان يحتوي على نحو 4.5 مليون لتر من البنزين، ما أدى إلى اندلاع حريق شديد وانهيار الخزان بالكامل.
وسبق ذلك السبت الماضي استهداف خزان تابع لمصفاة الزاوية، ما ألحق أضراراً بجدار الخزان، وأحدث ثقبين تسبّبا في تسرب جزء من مخزون المنتج، من دون أن يؤدي الحادث إلى اندلاع حريق.
من جهته، قال المتحدث باسم شركة «البريقة لتسويق النفط»، أحمد المسلاتي، إن توزيع الوقود تأثر جزئياً جراء الظروف، التي تمر بها مصفاة الزاوية، ما استدعى تحويل عمليات التوزيع إلى مستودع طرابلس النفطي، داعياً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى موقف حازم لوقف فوضى المسيّرات، التي تهدد إنتاج النفط الليبي وتوزيع منتجاته.
ولم تُسجل، وفق البيانات الرسمية المتاحة، خسائر بشرية جراء هذه الهجمات. إلا أن استمرارها دفع مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط إلى التحذير من أنه قد يضطر إلى إعلان «القوة القاهرة»، ووقف العمل في المصفاة كلياً إذا تواصلت الاعتداءات.
وتُستخدم عبارة «القوة القاهرة» في قطاع النفط لوصف ظرف استثنائي خارج عن إرادة الطرف المتعاقد، يحول دون تنفيذ الالتزامات التعاقدية، أو استمرار عمليات الإنتاج والتشغيل كلياً أو جزئياً.
وتقول الخبيرة النفطية، نجوى البشتي، إن إعلان «القوة القاهرة» في الزاوية ستكون له تداعيات مباشرة على إنتاج وصادرات النفط الليبي، موضحة أنه قد يؤدي إلى توقف إنتاج تكرير 100 ألف برميل يومياً من حقل الشرارة، إلى جانب توقف تصدير نحو 200 ألف برميل من الخام عبر ميناء الزاوية.
وأضافت البشتي لـ«الشرق الأوسط» أن هذه التطورات تعني حرمان البلاد من أكثر من 20 في المائة من إنتاجها النفطي، معتبرة أن ذلك يمثل «وضعاً بالغ الخطورة» بالنسبة إلى اقتصاد يعتمد بالأساس على النفط.
ويظل النفط المصدر الرئيسي لإيرادات ليبيا، إذ يدور إنتاجها من الخام حول 1.4 مليون برميل يومياً، وفق أرقام رسمية، فيما تستهدف المؤسسة الوطنية للنفط رفع الإنتاج إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً، بحلول منتصف العام المقبل.

وفي مواجهة التصعيد، ترأس نائب رئيس المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، اجتماعاً مع قادة مجموعات مسلحة في الزاوية لبحث تداعيات حريق خزان وقود تابع لشركة البريقة، وتعزيز حماية المنشآت الحيوية، ورفع التنسيق بين المؤسسات، ومعالجة التوترات الأمنية والاجتماعية بالمدينة، بحسب بيان للمجلس الرئاسي الثلاثاء.
كما طالب رئيس حكومة «الوحدة»، عبد الحميد الدبيبة، بالتعامل الأمني الحازم مع أي مساس بالمنشآت والمرافق الحيوية، واتخاذ الإجراءات اللازمة حيالها. وخلال اجتماع مع عدد من القيادات العسكرية والأمنية في طرابلس.
وفي توقيت متزامن، حثّت لجنة الطاقة بالبرلمان الليبي، الجهات الأمنية المختصة باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المرافق النفطية، محذرة من أن الاعتداءات لا تمس البنية التحتية الوطنية فحسب، بل تشكل تهديداً مباشراً لأمن واستقرار البلاد، وتنعكس سلباً على حياة المواطنين.
ويعكس تصاعد الاستهدافات في الزاوية اتساع المخاطر، التي تواجه المنشآت النفطية الليبية، في ظل هشاشة الوضع الأمني، وتعدد القوى المسلحة، بما يجعل حماية قطاع النفط مرتبطة بصورة مباشرة بقدرة السلطات على فرض ترتيبات أمنية مستدامة حول المنشآت الحيوية.



