بعد البريد الإلكتروني... هجمات سيبرانية تطول دعوات الاجتماعات ومنصات العمل

رسائل متقنة تستغل ثقة الموظفين وتشتتهم بدعم الذكاء الاصطناعي

يساعد الذكاء الاصطناعي المهاجمين على إنشاء رسائل أكثر إقناعاً وتخصيص حملات واسعة بناءً على بيانات الضحايا (رويترز)
يساعد الذكاء الاصطناعي المهاجمين على إنشاء رسائل أكثر إقناعاً وتخصيص حملات واسعة بناءً على بيانات الضحايا (رويترز)
TT

بعد البريد الإلكتروني... هجمات سيبرانية تطول دعوات الاجتماعات ومنصات العمل

يساعد الذكاء الاصطناعي المهاجمين على إنشاء رسائل أكثر إقناعاً وتخصيص حملات واسعة بناءً على بيانات الضحايا (رويترز)
يساعد الذكاء الاصطناعي المهاجمين على إنشاء رسائل أكثر إقناعاً وتخصيص حملات واسعة بناءً على بيانات الضحايا (رويترز)

لم يعد التصيد الإلكتروني محصوراً في رسالة بريد مشبوهة تحمل أخطاء لغوية أو رابطاً غير مألوف. فالهجمات تنتقل اليوم إلى التقويمات الرقمية ومنصات الاجتماعات والمحادثات الداخلية، مستفيدة من أدوات يستخدمها الموظفون يومياً ويمنحونها قدراً أكبر من الثقة.

وحسب أحدث تقرير لاتجاهات التصيد الصادر عن «نو بي فور»، تضمنت 86 في المائة من الهجمات التي رُصدت خلال الأشهر الستة الماضية مستوى من المساعدة بالذكاء الاصطناعي.

وفي الفترة نفسها، ارتفعت هجمات التصيد المعتمدة على دعوات التقويم بنسبة 49 في المائة، مع استغلال أدوات مثل «مايكروسوفت تيمز» و«زوم» و«غوغل كالندر».

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول مارتن كريمر، استشاري أمن المعلومات في شركة «نو بي فور»، إن تعريف الهجوم المدعوم بالذكاء الاصطناعي يشمل نطاقاً واسعاً من الأتمتة، بما في ذلك التعلم الآلي وتقنيات الذكاء الاصطناعي المختلفة، وإن تصنيف الحالات يعتمد أيضاً على تقييم خبراء التهديدات وخبرتهم في تتبع أنماط الهجوم.

مارتن كريمر استشاري أمن المعلومات في شركة «نو بي فور» (الشركة)

التخصيص على نطاق واسع

لا تقتصر فائدة الذكاء الاصطناعي للمهاجمين على تحسين لغة الرسالة أو إزالة الأخطاء الإملائية. فهو يسمح لهم بجمع كميات كبيرة من البيانات المفتوحة وتحويلها رسائل مخصصة لعدد كبير من الأشخاص في وقت قصير. ويوضح كريمر أن جعل الرسائل أكثر إقناعاً وتوسيع نطاق التخصيص «أمران يمثلان في الواقع الشيء نفسه»؛ لأن الذكاء الاصطناعي يستطيع الاعتماد على مجموعات ضخمة من البيانات لبناء حملات تستهدف أشخاصاً محددين، مع الاحتفاظ بالقدرة على تنفيذها على نطاق واسع.

ويمتد استخدام الذكاء الاصطناعي إلى مراحل متعددة من الهجوم، حيث قد يُستخدم في جمع المعلومات من المصادر المفتوحة وتحديد الأهداف واختيار التكتيكات وكتابة رسائل التصيد وإدارة التفاعل مع الضحية، واختيار البرمجيات أو الروابط الخبيثة المناسبة، ثم إيصالها.

ويشير كريمر إلى أن الفجوات المتبقية في سلسلة الهجوم تضيق تدريجياً، مضيفاً أنه «ليس من المستبعد أن يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إدارة دورة الهجوم كاملة»، بما يشمل البنية التحتية التقنية وصفحات الهبوط وأساليب التهرب الديناميكية من أنظمة الحماية.

اختفاء العلامات التقليدية

اعتمد كثير من برامج التوعية لسنوات على مجموعة ثابتة من العلامات التحذيرية، مثل الأخطاء النحوية واللغة الركيكة والتنسيق غير المهني أو الشعارات غير المتناسقة. لكن هذه المؤشرات تفقد قيمتها مع قدرة الأدوات التوليدية على إنتاج رسائل سليمة لغوياً ومصممة بصورة احترافية، ويمكنها تقليد أسلوب الشركات والموظفين والمديرين.

يعدّ كريمر أن العلامات التقليدية مثل «سوء القواعد، وضعف اللغة، وغياب التنسيق المهني لم تعد قابلة للاعتماد»؛ لأن الرسائل المصاغة بدقة والمقدمة بصورة جذابة يمكن توليدها بسهولة بواسطة الذكاء الاصطناعي. ويبرز انتحال الهوية بصفته أحد المخاطر المتصاعدة. فالمهاجم لا يحتاج دائماً إلى إنشاء قصة غريبة أو طلب غير معتاد، بل قد ينسخ أسلوب مدير أو زميل أو موظف في قسم الدعم، ويضع الرسالة في سياق يبدو مألوفاً للضحية.

تزيد الهجمات متعددة القنوات من فرص النجاح عبر نقل الضحية بين البريد والتقويم والمحادثات بما يضعف التركيز والحكم (شاترستوك)

التقويم كقناة مؤجلة للهجوم

يستفيد التصيد عبر التقويم من ثقة مختلفة عن الثقة الممنوحة للبريد الإلكتروني. فالمستخدم اعتاد النظر إلى التقويم بصفته سجلاً دقيقاً للاجتماعات والمواعيد، لا قناة يمكن أن تحمل تهديداً.

ويفسر كريمر أن هذه الثقة ترجع إلى فترة كان فيها المستخدم يضيف المواعيد يدوياً ويتحكم مباشرة فيما يظهر أمامه. لكن الواقع تغير مع إنشاء الأحداث تلقائياً واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي لإدارة الجداول.

ويضيف أن العامل الثاني هو التأخير بين وصول التهديد ولحظة ظهوره أمام المستخدم. فقد تصل الدعوة عبر البريد، ثم تتحول تلقائياً حدثاً داخل التقويم ولا تصبح ذات صلة إلا بعد ساعات أو أيام.

وبذلك يبتعد المستخدم عن «سياق التنبيه» الذي يرافق فتح البريد الإلكتروني، حيث يكون أكثر استعداداً للبحث عن رابط مشبوه أو مرسل مجهول. وعندما يظهر الحدث لاحقاً في جدول يوم مزدحم، قد يتعامل معه بصفته موعداً مشروعاً ويضغط الرابط الموجود داخله من دون العودة إلى مصدره.

وتزيد بعض برامج البريد والتقويم من هذا الخطر عبر إضافة الأحداث تلقائياً. كما قد تستخدم المؤسسات أدوات مساعدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإدارة الجداول؛ ما يسمح بإضافة الدعوات من دون تدخل يدوي واضح من الموظف.

تستغل دعوات التقويم التأخير بين وصول التهديد وظهوره لاحقاً كموعد مشروع داخل جدول الموظف (رويترز)

منصات التعاون تجذب المهاجمين

انتقل جزء كبير من اتصالات العمل من البريد الإلكتروني إلى منصات المحادثة والاجتماعات؛ وهو ما يجعلها هدفاً طبيعياً للمهاجمين. ويفيد كريمر بأن زيادة حجم الحركة على هذه المنصات تعني أن الموظفين قد يكونون أكثر عرضة للتشتت أو الضغط أثناء استخدامها. كما أن المحادثة الخبيثة داخل تطبيق رسائل قد تتكون من رسائل قصيرة متعددة، بدلاً من طلب واحد واضح كما يحدث غالباً في البريد الإلكتروني.

وتتمتع قنوات المحادثة أيضاً بدرجة أعلى من الثقة. ويشير كريمر إلى أن الموظفين تلقوا تدريباً متكرراً على الحذر في البريد «لكنهم لم يتلقوا التدريب نفسه على الرسائل».

وتستفيد الهجمات من خصائص صُممت أساساً لتسهيل التعاون، حيث أتاحت بعض المنصات التواصل مع أشخاص من مؤسسات خارجية بصورة افتراضية. ومن وجهة نظر المستخدم هي ميزة مفيدة، لكن المهاجم قد يراها مدخلاً إلى الموظف من داخل بيئة تبدو مهنية وموثوقة.

هجوم واحد عبر قنوات متعددة

لا تعمل القنوات الجديدة بصورة منفصلة دائماً، فقد يبدأ الهجوم برسالة بريد، ثم ينتقل إلى التقويم، ويتبعه تواصل عبر منصة داخلية أو مكالمة هاتفية. ويصرح كريمر بأن الهجمات متعددة القنوات تتزايد لأنها فعالة في كسر تركيز الموظف. فكل انتقال من قناة إلى أخرى يقلل فرصة توقفه للتفكير في نية المرسل.

وقد يتلقى الموظف رسالة تدعي وجود مشكلة عاجلة، ثم تظهر دعوة اجتماع في تقويمه، وبعدها تصل رسالة عبر منصة العمل تؤكد الطلب. ويمنح هذا التسلسل أجزاء الحملة دعماً متبادلاً، حتى لو لم يكن أي منها مقنعاً بالدرجة نفسها عند فحصه منفرداً. ويلفت كريمر إلى أن نية المرسل هي ما يجب أن يركز عليه الموظف، لكن هذه النية «تتلاشى مع كل عملية تشتيت»، ما لم يكن الانتقال بين القنوات نفسه علامة تعلم الموظف أن يتعامل معها بحذر.

تطلب الحماية الفعالة الجمع بين الضوابط التقنية والسياسات الواضحة وتدريب الموظفين على التفكير النقدي عبر جميع قنوات العمل (شاترستوك)

تسجيل الدخول بدلاً من الاختراق

يعتمد انتحال الموظفين والمديرين على معلومات دقيقة عن المؤسسة وعلاقات العمل داخلها. وقد يحصل المهاجمون على هذه البيانات بعد شراء بيانات دخول مسروقة في الأسواق غير المشروعة.

يرى كريمر أن المهاجمين «يسجلون الدخول بصورة متزايدة بدلاً من اقتحام الأنظمة». وبعد الدخول، يمكنهم قراءة الملفات والرسائل وقواعد البيانات، ورسم خريطة للأقسام والأدوار والعلاقات الداخلية. لكن الوصول الكامل ليس ضرورياً دائماً. فقد تكفي الشبكات المهنية ومواقع الشركات والبيانات المسربة والمعلومات المتاحة على الإنترنت لتحديد أسماء الموظفين ومسؤولياتهم. وقد يجمع المهاجم، على سبيل المثال، أسماء أعضاء فريق الدعم الفني، ثم ينتحل هوية أحدهم عند التواصل مع موظف آخر، ويطلب منه تنفيذ خطوة تمنح المهاجم مدخلاً إلى الشبكة.

الإرهاق يضعف الحكم

يصعب قياس أثر ضغط العمل وكثرة الإشعارات بدقة، لكن كريمر يؤكد أنه «من المستحيل إنكار» دورهما في زيادة قابلية الموظف للاستجابة لهجوم تصيد.

وتشير الأبحاث، حسب حديثه، إلى أن التشتت والإرهاق من العوامل التي ترفع احتمال الوقوع في الخطأ. وتصبح المشكلة أكثر وضوحاً في بيئات العمل الهجين، حيث قد يعمل الموظف من المنزل وسط مقاطعات إضافية وتركيز أقل استقراراً. وتعتمد الهجمات الحديثة على هذه اللحظات. فدعوة اجتماع عاجلة أو رسالة قصيرة تبدو صادرة عن مدير قد تصل أثناء انتقال الموظف بين مهام متعددة، فيستجيب لها قبل أن يفحص مصدرها أو هدفها.

لم تعد الأخطاء اللغوية والتنسيق الضعيف مؤشرات موثوقة لأن الرسائل الخبيثة قد تبدو احترافية وخالية من العيوب (شاترستوك)

تدريب يتجاوز البريد

لا يعني صعود التقويمات ومنصات المحادثة أن المؤسسات تبالغ بالضرورة في حماية البريد. فالبريد الإلكتروني يظل، وفق كريمر، قناة الهجوم الأولى، لكن المنصات الأخرى تزداد أهمية.

وتتمثل المشكلة في أن التدريب المصمم للبريد لا ينتقل تلقائياً إلى القنوات الأخرى. فالتركيز على عنوان المرسل أو الأخطاء اللغوية أو شكل الرابط لا يساعد كثيراً عندما يظهر الطلب داخل تقويم أو محادثة داخلية. وينوّه كريمر بأن التدريب المطلوب يجب أن يكون محايداً تجاه القناة، وأن يركز على الإجراءات والتفكير النقدي والحكم البشري. ومع اختفاء الأخطاء الواضحة، ينبغي للتوعية أن تدرب الموظفين على البقاء هادئين تحت الضغط، وتجنب الاختصارات الذهنية التي تستغلها أساليب الهندسة الاجتماعية، وفهم أنماط مثل الهجمات متعددة القنوات.

كما ينبغي تقديم المحتوى المناسب للشخص المناسب في الوقت المناسب، لتقليل إرهاق التدريب وزيادة ارتباطه بالعمل الفعلي. ويقول كريمر إن البرامج الفعالة تستخدم لغة وصوتاً موحدين لبناء ارتباط الموظف بالمؤسسة وتعزيز ثقافة الأمن.

التدريب عند لحظة الخطر

لا يكفي إكمال دورة توعية مرة كل شهر من دون ممارسة أو تذكير. فالمعلومات قد تُنسى ولا تنشط عندما تصل الرسالة الحقيقية. ويدعو كريمر إلى ضرورة امتداد التوعية من الوقاية العامة إلى «التفعيل عند نقطة الخطر»، بحيث تتاح للموظف فرصة تطبيق المعرفة واتخاذ الإجراء الصحيح في ظروف قريبة من الواقع. وقد يشمل ذلك محاكاة هجمات تصل عبر البريد والتقويم والمحادثات، أو تذكيرات تظهر عند تنفيذ إجراء عالي الخطورة، أو إجراءات واضحة للتحقق من الطلبات الحساسة عبر قناة منفصلة.

دفاع جماعي

لا توجد طبقة واحدة تستطيع وقف جميع الهجمات. فمرشح البريد يقلل التعرض، لكنه لن يمنع كل رسالة، والموظف يستطيع اكتشاف السلوك المشبوه، لكنه قد يخطئ، والسياسات تفرض التحقق، لكنها لا تغطي جميع السيناريوهات. ويقول كريمر إن «التدريب وحده أو السياسة وحدها أو التقنية وحدها ليست كافية»، وإن المخاطر العالية تحتاج إلى تطبيق المجموعات الثلاث معاً.

وتبدأ الحماية برفع وعي الموظفين بالهجمات وشرح صلتها بأدوارهم، ثم منحهم فرصاً متكررة للممارسة. وفي الوقت نفسه، تحتاج المؤسسات إلى ضوابط تقنية تقلل وصول التهديدات، وإجراءات عمل تمنع تنفيذ الطلبات الحساسة من دون تحقق مستقل. وتصبح الحاجة إلى هذا التكامل أكثر إلحاحاً مع توسع الذكاء الاصطناعي في سلسلة الهجوم. فالتحدي لم يعد اكتشاف رسالة سيئة الصياغة، بل تقييم طلب يبدو مهنياً ويصل عبر أداة موثوقة وفي لحظة يكون فيها الموظف مشغولاً.


مقالات ذات صلة

السعودية ترفع نضج التجربة الرقمية إلى 87.06 %... وتقترب من المراكز الخمسة الأولى عالمياً

الاقتصاد حضور في ملتقى الحكومة الرقمية (واس)

السعودية ترفع نضج التجربة الرقمية إلى 87.06 %... وتقترب من المراكز الخمسة الأولى عالمياً

ارتفع نضج التجربة الرقمية في السعودية إلى 87.06 % بمشاركة 805 آلاف مستفيد، لتقترب المملكة من الخمسة الأوائل عالمياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)

خاص الذكاء الاصطناعي في التدريب الرياضي الشخصي... الخوارزمية تقترح والمدرب يقرر

يعزز الذكاء الاصطناعي التدريب الشخصي، عبر تخصيص البرامج ورصد تراجع الالتزام مبكراً، بينما يبقى القرار والعلاقة والثقة مسؤولية المدرب البشري.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)

بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

تضيف «أنثروبيك» بصمات غير مرئية وبيانات منشأ إلى مخرجات «Claude» لتسهيل تتبع المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي وتعزيز الشفافية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يهدف المشروع إلى تطوير روبوتات بشرية تراعي خصائص المستخدم والإجهاد البدني أثناء العمل خصوصاً في بيئات الصناعة والرعاية الصحية (الجامعة)

روبوت بشري يراقب إجهاد الإنسان ويتكيف معه خلال المهام

طوّر باحثون إيطاليون روبوت «ergoCub» للتعاون جسدياً مع البشر وتقليل الإجهاد أثناء الرفع مع تحسين الحركة والاستقرار ومراعاة احتياجات المستخدم

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا سجل «GPT-5.1» أعلى حضور للشخصيات الذكورية بنسبة 65.2 % يليه «Gemini 2.5» بنسبة 62.7 % (أدوبي)

دراسة تكشف انحيازاً ذكورياً في قصص الحيوانات المولّدة بالذكاء الاصطناعي

تكشف الدراسة انحياز نماذج الذكاء الاصطناعي للشخصيات الذكورية رغم اعتمادها المتكرر على لغة محايدة وتجنب تحديد الجنس.

نسيم رمضان (لندن)

الذكاء الاصطناعي في التدريب الرياضي الشخصي... الخوارزمية تقترح والمدرب يقرر

يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)
يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي في التدريب الرياضي الشخصي... الخوارزمية تقترح والمدرب يقرر

يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)
يسرِّع الذكاء الاصطناعي تصميم برامج التدريب وتخصيصها لكنه لا يلغي دور المدرب في فهم احتياجات العميل واتخاذ القرار النهائي (أدوبي)

​مع توسع سوق اللياقة البدنية في السعودية، يتجه استخدام الذكاء الاصطناعي في التدريب الشخصي إلى ما هو أبعد من كتابة البرامج الرياضية أو أتمتة الحجوزات. فالقيمة الأهم -حسب طارق منير، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «إنهانس فتنس» (Enhance Fitness)- تكمن في قدرة التقنية على قراءة السلوك مبكراً، ورصد تراجع التزام العميل قبل أن ينسحب فعلياً، ثم تنبيه المدرب للتدخل في الوقت المناسب.

ويقول منير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، إن الذكاء الاصطناعي سرَّع بالفعل تصميم البرامج وتخصيصها؛ إذ إن ما كان يستغرق ساعات من المدرب يمكن اليوم صياغة مسودته في دقائق وتعديله بشكل مستمر. ولكنه يشدد في الوقت نفسه على أن المدرب يبقى المسؤول عن فهم ما يحتاج إليه العميل فعلياً، وهو أمر يختلف كثيراً عما يطلبه أو يعتقد أنه يريده عند بداية العلاقة.

ويصف منير هذا التقسيم بوضوح: «الذكاء الاصطناعي يسرِّع إنشاء البرامج وأتمتتها، بينما يظل المدرب مسؤولاً عن العلاقة». وحسب هذا التصور، تتولى التقنية «طبقة الإنتاج»، بينما يبقى الجزء الذي يدفع العميل من أجله في جوهره إنسانياً.

طارق منير المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «Enhance Fitness» (الشركة)

بيانات سلوكية أكثر من كونها طبية

لا تعتمد «Enhance Fitness» في رؤيتها الحالية على جمع كميات واسعة من البيانات الصحية الحساسة؛ بل تركز بدرجة أكبر على السلوك الفعلي للعميل داخل رحلة التدريب.

ويقول منير إن الشركة تتابع مؤشرات، مثل: الحضور، وتكرار الجلسات، والإلغاءات، وتقييمات العملاء للمدربين، وكيف يتغير إيقاع التدريب مع مرور الوقت. أما بيانات تركيب الجسم والتفاصيل الصحية ومعلومات الأجهزة القابلة للارتداء، فلا يتم جمعها ولا مشاركتها افتراضياً.

ويرى أن هذه المؤشرات السلوكية أكثر فائدة للتخصيص في كثير من الحالات؛ لأنها تكشف جودة العلاقة بين العميل والمدرب ومدى احتمالية استمرارها، وهو العامل الذي يؤثر مباشرة في طول فترة الالتزام، ومن ثم في فرص تحقيق النتائج.

الانسحاب يبدأ كتراجع تدريجي

من أبرز الأنماط التي تكشفها البيانات واسعة النطاق -حسب منير- أن انسحاب العميل من التدريب لا يحدث عادة كقرار مفاجئ؛ بل يبدأ على شكل تراجع تدريجي في السلوك.

ويشرح بأن العميل يبدأ في الحضور بشكل أقل قليلاً، ثم تظهر بعض الإلغاءات، وتتكرر الأعذار أو الفجوات بين الجلسات. وعندما يصل الأمر إلى الإلغاء الرسمي أو التوقف الكامل، تكون الإشارات قد بدأت قبل ذلك بأسابيع. ويرى أن فهم هذا «التلاشي» هو ربما أهم ما تكشفه معالجة أعداد كبيرة من الجلسات؛ لأن البيانات تسمح برؤية كيف يبدأ التراجع، وكيف يتسارع، وما الأنماط التي تسبقه.

تنبيه المدرب لا مخاطبة العميل

في هذا السياق، يمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف إشارات فقدان الاهتمام في وقت مبكر، وربطها باحتمالية الانسحاب. ولكن منير يضع حداً واضحاً لدور النظام. ويصرح: «نستخدم التنبؤ لإبلاغ المدرب أو قائد الفريق، ولا شيء أكثر من ذلك. الذكاء الاصطناعي لا يتصل بالعميل ولا يؤَتمت العلاقة».

ويضيف أن الهدف من الإشارة هو التأكد من أن شخصاً حقيقياً يتدخل في اللحظة المناسبة، وباهتمام فعلي وليس من خلال محادثة بيعية. وحسب منير، فإن تراجع الالتزام هو في جوهره ضعف في العلاقة، ولذلك فإن إصلاحه يتطلب تدخلاً بشرياً.

تُستخدم تنبيهات الذكاء الاصطناعي لإبلاغ المدرب أو قائد الفريق بينما تبقى العلاقة والتواصل مع العميل مسؤولية بشرية بالكامل (أدوبي)

ما الذي يبقى للإنسان؟

يرى منير أن الذكاء الاصطناعي مناسب للجانب الهيكلي من العمل، مثل: اقتراح البرامج، وإدارة منطق التقدم، واستخراج الأنماط من البيانات، وتقليل الأعمال الإدارية التي تستهلك وقت المدرب.

لكن القرارات التي تمس تجربة العميل مباشرة تبقى بشرية. ويقول: «عندما يدفع شخص مقابل تدريب شخصي في عصر الذكاء الاصطناعي، فهو لا يشتري برنامجاً فعلياً، فالبرامج أصبحت متاحة مجاناً. ما يشتريه هو المساءلة والموثوقية والسلامة والثقة والعلاقة مع شخص يعرفه ويقف إلى جانبه». ولهذا تعتمد المنصة على مبدأ واضح: الذكاء الاصطناعي يوصي، والمدرب يقرر وينفذ.

الأمان عبر «بوابة بشرية»

يؤكد منير أن الشركة لا تعتمد بالكامل على توصيات يولدها الذكاء الاصطناعي، ليس بسبب قصور تقني مؤقت؛ بل لأنه يعتبر أن وجود الإنسان جزء من التصميم نفسه. ويشير إلى أن النماذج تحسنت كثيراً خلال عام أو عامين، ولكن الدقة وحدها ليست العامل الحاسم. فالمدرب يستطيع قراءة أشياء لا تظهر بالضرورة في البيانات، مثل: التعب، وانخفاض الدافعية، ومحاولة العميل التقليل من شأن ألم يشعر به.

ويقول إن هذه «البوابة البشرية» هي آلية الأمان الأساسية في النظام، ولا يتوقع إزالتها.

ويظهر المنطق نفسه عند التعامل مع البيانات الناقصة أو الرديئة. فإذا كانت البيانات محدودة، يمكن للنظام أن ينتج اقتراحاً غير مناسب، ولكن الاقتراح لا يصل مباشرة إلى العميل؛ لأن مدرباً مؤهلاً يقف بين النموذج والجلسة.

الأجهزة القابلة للارتداء والخصوصية

من الناحية التقنية، يمكن دمج بيانات أجهزة تتبُّع النوم والساعات الرياضية ومؤشرات تركيب الجسم، ولكن «Enhance Fitness» تتعامل مع هذا الجانب بتحفُّظ.

ويفيد منير بأن هذه البيانات لا تُجمع مباشرة إلا إذا اختار العميل صراحة مشاركتها مع مدربه. وعندما توجد بيانات على مستوى المنصة، يتم التعامل معها بصورة مجمَّعة ومجهولة الهوية.

ويتابع: «هناك قيمة حقيقية في السياق الذي توفره هذه البيانات، ولكن هذه القيمة لا تبرر أبداً المساس بسيطرة العميل على معلوماته. الاختيار المسبق والموافقة أولاً، أو لا يتم الأمر».

ويؤكد أن موقف الشركة من ملكية البيانات واضح، رغم وجود مساحة رمادية في القطاع عموماً: «بيانات العميل تخص العميل». ويضيف أن الشركة لا تستخدم المعلومات الصحية الشخصية للعملاء، ولا تقدمها إلى أصحاب العمل ولا لشركات التأمين ولا لأي طرف ثالث.

تكشف البيانات أن انسحاب العميل يحدث غالباً تدريجياً ويمكن للذكاء الاصطناعي اكتشاف مؤشرات التراجع قبل التوقف الفعلي بأسابيع (أدوبي)

توحيد الأساس لا العلاقة

يمكن للذكاء الاصطناعي أيضاً أن يساعد على رفع مستوى الجودة، عبر مدن أو نوادٍ ومشغلين مختلفين، ولكن منير يتحفظ على كلمة «التوحيد» عندما يتعلق الأمر بالتدريب الشخصي. ويرى أن من الممكن تطبيق قوالب مشتركة، ومنطق موحد لتصميم البرامج، وأسس جودة ثابتة، وهو ما يساعد الذكاء الاصطناعي على رفع الحد الأدنى من الجودة عبر أماكن متعددة في وقت واحد. ولكن العلاقة نفسها لا ينبغي توحيدها. ويختصر الفكرة بقوله: «وحِّد الأساس، ولا توحِّد العلاقة».

ما الذي يمكن إثباته اليوم؟

فيما يتعلق بقياس أثر الذكاء الاصطناعي، يميز منير بين ما يمكن إثباته اليوم وبين ما قد يصبح ممكناً لاحقاً. ويشير إلى أن الأدلة الحالية ذات طبيعة سلوكية في المقام الأول، مثل استمرار الالتزام، وطول العلاقة مع العميل، وقدرته على الاستمرار في التدريب بمرور الوقت.

أما استخدام الذكاء الاصطناعي لقراءة مؤشرات صحية والتوصية بناءً عليها، فيعتبره مجالاً يحتاج إلى معالجة قانونية وأخلاقية أكثر وضوحاً قبل التوسع فيه. ويقول: «خريطة الطريق ستتجه في النهاية إلى نماذج تستطيع قراءة المؤشرات الصحية والوصف بشكل أفضل، ولكن ما إذا كان ذلك ممكناً قانونياً وأخلاقياً، فلا يزال منطقة رمادية، والموضوع شديد الحساسية بحيث لا يمكن ببساطة تسليمه إلى الذكاء الاصطناعي».

تجربة ممكنة في السعودية لمدة 12 شهراً

يقترح منير تجربة عملية في السعودية لا تختبر ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج برنامج أفضل؛ بل ما إذا كان يستطيع مساعدة المدرب على إبقاء العلاقة مع العميل لفترة أطول.

وتقوم الفكرة على اختيار مجموعة من العملاء الجدد في مدينتين أو 3 مدن سعودية، مع الحفاظ على النوادي والمدربين أنفسهم قدر الإمكان، ثم تقسيم التجربة إلى مجموعتين: تعمل الأولى بالطريقة التقليدية، بينما تستخدم الثانية دعماً من الذكاء الاصطناعي في إعداد البرامج، ورصد العلامات المبكرة لتراجع الالتزام، وتزويد المدرب بمعلومات تساعده في الجانب البشري من عمله.

ويُقاس الأثر على مدى 12 شهراً من خلال مؤشرات، مثل: مدة بقاء العميل، وانتظامه في الحضور، واستمراره في التدريب بعد انتهاء الباقة الرسمية، إلى جانب عدد محدود من المؤشرات الصحية الأساسية في بداية التجربة ونهايتها. ويتوقع طارق منير أن تتفوق المجموعة المدعومة بالذكاء الاصطناعي؛ ليس لأن برامجها ستكون أكثر ذكاءً بالضرورة؛ بل لأن المدربين سيتمكنون من اكتشاف تراجع الالتزام بشكل أبكر، والحفاظ على العلاقة لفترة أطول. ويرى أن السعودية بيئة مناسبة لمثل هذه الدراسة، بسبب سرعة توسع السوق، ووجود اهتمام متزايد بقياس النتائج بصورة أكثر مصداقية.


كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي
TT

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

كيف تتصدى للمحتوى الزائف المُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي

هل رأيت يوماً أحد المشاهير البارزين يروج لحبوب جديدة لإنقاص الوزن تحمل اسماً غريباً؟ أو ربما شركة تعرض منتجاً جديداً لم تسمع به من قبل؟

إن الإعلانات الزائفة منتشرة في كل مكان على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد سهّل الذكاء الاصطناعي عملية إنشاء موافقات زائفة، وسرقة ملامحك، أو هويتك البصرية، إذ يمكنه التلاعب بصورة الرئيس التنفيذي لشركتك ليظهر وكأنه يروج لعملية احتيال استثماري، أو قد يَظهر رياضي شهير وهو يُروج لمكمل غذائي زائف، أو يبدو أحد المؤثرين وكأنه يُروج لعملة مشفرة لم يسمع بها أحد قط. وبالنسبة لأصحاب الأعمال والقادة، لا يقتصر الأمر على كونه مسألة قانونية فحسب، بل يُشكل خطراً على العلامة التجارية، كما كتب كين ستيرلينغ (*).

حماية الثقة في العلامة التجارية في عصر الذكاء الاصطناعي

تُعد الثقة أهم أصولك؛ فإذا بدأ المستخدمون في افتراض أن كل ما يرونه عبر الإنترنت زائف، فإن الثقة في علامتك التجارية ستتراجع. ولسوء الحظ، فإن محاولة إيقاف المحتوى الزائف تشبه لعبة من دون جدوى؛ فحتى عندما ترسل أنت أو فريقك القانوني إشعاراً للمنصة لإزالة المحتوى، قد تظهر نسخة أخرى من المحتوى نفسه في غضون ساعات.

إجراءات لمواجهة المحتوى الزائف

ولهذا السبب، وبصفتي محامياً متخصصاً في مجالات الإعلام والأعمال والتكنولوجيا في منطقة «سنشري سيتي» Century City) -مع التركيز على التقاطع بين القانون والإعلام والتكنولوجيا - فإنني أقدم المشورة للعلامات التجارية حول كيفية البقاء في الصدارة ومواكبة تطورات الذكاء الاصطناعي.

وفيما يلي ثلاثة إجراءات يمكنك اتخاذها للاستعداد لمواجهة المحتوى الإعلامي الزائف:

الحد من انكشافك بتقليل المواد المتاحة

* اجعل من الصعب على المحتالين تزييف المحتوى الخاص بك. تتطلب تقنية التزييف العميق بيانات تدريب، وتحديداً تسجيلات صوتية نقية ومقاطع فيديو عالية الدقة للمسؤولين التنفيذيين أو المتحدثين الرسميين باسمك. يمكنك الحد من هذا الانكشاف من خلال تدقيق المحتوى الخاص بك.

* دقق البصمة الرقمية للمسؤولين التنفيذيين: راجع جميع التسجيلات العامة لك ولأعضاء فريقك للحد من انكشاف المعلومات. ويشمل ذلك الكلمات الرئيسية في المؤتمرات، ومكالمات إعلان الأرباح، والمشاركات في البودكاست. وعند الإمكان، قيّد إمكانية الوصول العام إلى أرشيفات الفيديو والصوت.

* استخدم أدوات المراقبة المستمرة للهوية عبر الذكاء الاصطناعي: استخدم أدوات آلية للزحف عبر الويب (web-crawling) مثل BrandShield أو ZeroFox أو Ceartas. إذ تقوم هذه الأدوات بمسح منصات التواصل الاجتماعي وشبكات الإعلانات وسجلات النطاقات بحثاً عن أي استخدام غير مصرح به لوجوه وأصوات المسؤولين التنفيذيين أو العلامات التجارية للشركة. كلما أدركت الأمر مبكراً، قلّ حجم الضرر الذي يلحق بعلامتك التجارية.

حدِّث عقودك للحد من المخاطر القانونية

اطلب من فرق التسويق والشؤون القانونية تحديث جميع العقود المبرمة مع المواهب والوكالات والشخصيات المتعاونة، وذلك لضمان القدرة على التصدي لعمليات الاحتيال الإعلامي القائمة على الذكاء الاصطناعي فور وقوعها.

*أضف بنوداً صريحة تتعلق باستخدام «المحتوى المُولَّد اصطناعياً» (synthetic media). حدِّد بوضوح الجهة التي تمتلك حقوق إنشاء أو تدريب أو توزيع الصوت والصورة (أو الملامح) الخاصة بالمتحدث الرسمي أو المسؤول التنفيذي.

*أدرج التزاماً بالإبلاغ. ألزم شركاء العلامة التجارية والمؤثرين بإخطار شركتك فوراً في حال وجود أدلة على قيام أي طرف بإساءة استخدام صورهم أو ملامحهم فيما يتعلق بعلامتك التجارية.

أعِدَّ خطة استجابة سريعة

كن مستعداً للتحرك بسرعة عند استهداف علامتك التجارية بمحتوى زائف؛ فكلما كانت استجابتك أسرع، قلّ الضرر الذي يلحق بعلامتك التجارية جراء هذا المحتوى.

*جهِّز مسودات بيانات للتعامل مع الحوادث مسبقاً. أعدَّ نماذج لاتصالات الطوارئ لاستخدامها من قبلك أو من قبل فرق العلاقات العامة لدحض المحتوى الزائف قبل انتشار حالة من الذعر في السوق أو بين المستهلكين.

*حدِّد جهات اتصال مباشرة. أنشئ قوائم اتصال بفرق الشؤون القانونية في منصات التواصل الاجتماعي لتتمكن من إزالة المحتوى الزائف فور علمك بوجوده.

إن المحتوى الزائف ينتشر في كل مكان، ولكن يمكنك الحد من تأثيره على ثقة المستهلكين وقيمة علامتك التجارية. فالشركات التي تستعد الآن ستكون في وضع أفضل لحماية علامتها التجارية.

* مجلة «إنك»، خدمات «تريبيون ميديا»


بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)
بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)
TT

بصمة خفية داخل نصوص «Claude» لتعقب المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي

بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)
بدأت «أنثروبيك» إضافة بصمات مائية غير مرئية إلى النصوص التي تنتجها نماذج «Claude» المدعومة لتسهيل التعرف عليها لاحقاً (رويترز)

وضعت شركة «أنثروبيك» نظاماً جديداً لتمييز المحتوى الذي تنتجه نماذج «كلود» «Claude» بعلامات قابلة للقراءة آلياً، بحيث تحمل النصوص بصمة مائية غير محسوسة، فيما تحصل الملفات المدعومة على بيانات رقمية موقعة توضح مصدرها. وتقول الشركة إن نماذج «Claude» التي تُطلق ابتداء من 2 أغسطس (آب) 2026 تدعم هذه العلامات منذ إطلاقها، بينما تعمل على إضافة الخاصية إلى النماذج الأقدم خلال الفترة الانتقالية.

وتأتي الخطوة بعد توقيع «أنثروبيك» على مدونة الممارسات المرتبطة بالمادة 50 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي، التي تركز على شفافية المحتوى المولد أو المعدل باستخدام الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من ارتباط النظام بالمتطلبات الأوروبية، تقول الشركة إن العلامات ستطبق على مخرجات النماذج المدعومة في جميع المناطق التي يتوافر فيها «كلود» «Claude»، وليس داخل أوروبا فقط.

بصمة داخل النص نفسه

تختلف الآلية التي تعتمدها «أنثروبيك» للنصوص عن الملصقات المرئية التي قد تظهر بجانب الصور أو المنشورات. فعندما يولد نموذج مدعوم نصاً، يدمج داخله علامة مائية تقول الشركة إنها غير محسوسة ولا تغير المعنى أو جودة الكتابة أو قابلية القراءة.

وبما أن العلامة تصبح جزءاً من النص نفسه، فإنها تنتقل معه عند النسخ واللصق إلى تطبيق أو موقع آخر، وقد تبقى موجودة بعد بعض عمليات التحرير. كما يجري تطبيقها على مستوى النموذج، ما يعني أنها لا ترتبط بواجهة واحدة.

وتشمل الخطة مخرجات النماذج المدعومة عبر «Claude» و«Claude Code» و«Claude Cowork» و«Claude Tag» وواجهة «Claude Platform» البرمجية، كما تنطبق العلامة النصية عند الوصول إلى النماذج المدعومة من خلال «AWS» و«Google Cloud» و«Microsoft Foundry».

غياب العلامة لا يثبت أن المحتوى بشري لأن إعادة الصياغة الواسعة أو تحويل الملفات قد تؤدي إلى إضعاف العلامة أو فقدانها (رويترز)

معيار مختلف للملفات

بالنسبة إلى الملفات المدعومة، ومنها صيغ مثل «PNG » و«JPEG» و«SVG»، تستخدم «أنثروبيك» بيانات منشأ رقمية موقعة تعتمد معيار «C2PA»، وهو معيار مفتوح يستخدم لتسجيل معلومات عن مصدر المحتوى وما طرأ عليه من معالجة.

وعند وجود هذه البيانات، يمكن الإشارة إلى أن الملف عولج باستخدام «Claude» والمساعدة في التحقق مما إذا كان قد تعرض لاحقاً للتغيير. إلا أن دعم بيانات المنشأ قد يختلف من منصة إلى أخرى، بحسب أنواع الملفات والخصائص التي توفرها كل خدمة.

العلامة لا تثبت من كتب النص

تؤكد «أنثروبيك» أن اكتشاف بصمة «Claude» لا يمثل دليلاً قاطعاً على أن النموذج أنشأ النص أو الفكرة من البداية. فقد يكتب المستخدم مادة كاملة بنفسه، ثم يستخدم «Claude» للتدقيق أو الترجمة أو التلخيص أو إعادة التنسيق، وعندها يمكن أن يحتوي الناتج على العلامة رغم أن المادة الأصلية جاءت من مصدر بشري. ولهذا تشير العلامة إلى احتمال أن المحتوى عولج بواسطة Claude، وليس بالضرورة إلى أن النموذج هو مؤلفه الأصلي. وفي الاتجاه المقابل، لا يعني غياب علامة قابلة للكشف أن النص بشري. فقد تختفي الإشارة بعد إعادة صياغة واسعة أو ترجمة أو دمج المحتوى مع نصوص أخرى، كما أن المقاطع القصيرة قد لا تحتوي مادة كافية لإنتاج إشارة موثوقة. أما في الملفات، فيمكن أن تضيع بيانات المنشأ بسبب تحويل الصيغة أو إعادة الحفظ أو أخذ لقطة شاشة أو عمليات معالجة أخرى.

تُضاف العلامة في أثناء عملية التوليد نفسها وهو ما يختلف عن أدوات كشف الذكاء الاصطناعي التي تحلل النص بعد كتابته وتحاول تخمين مصدره (أدوبي)

طرح أدوات الكشف

تعمل «أنثروبيك» أيضاً على توفير وسائل للمستخدمين والأطراف الثالثة لاكتشاف العلامات النصية وبيانات المنشأ، وقالت إنها ستنشر تفاصيل تقنية إضافية حول آليات الكشف لاحقاً. وحتى 12 أغسطس 2026، لم تكشف الشركة علناً عن التفاصيل التقنية الكاملة للطريقة المستخدمة في إنشاء البصمة النصية أو فحصها. ويختلف هذا النهج عن أدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي التي تحلل الأسلوب بعد إنتاجه وتحاول تقدير احتمالية أن يكون قد كُتب بواسطة نموذج. ففي حالة «Claude»، تُضاف الإشارة في أثناء عملية التوليد نفسها، ثم يجري البحث عن وجودها لاحقاً.

فترة انتقالية للنماذج السابقة

لا تشمل العلامات جميع إصدارات «Claude» القديمة تلقائياً في الوقت الحالي. وتوضح الشركة أن النماذج التي سبقت 2 أغسطس 2026 تدخل ضمن فترة انتقالية، وأن العمل جارٍ لإضافة دعم العلامات إليها. وتشير قواعد الاتحاد الأوروبي إلى مهلة انتقالية تمتد أربعة أشهر للنماذج والأنظمة السابقة، وهو ما يضع 2 ديسمبر (كانون الأول) 2026 محطة مهمة في تطبيق المتطلبات على المنتجات القديمة.

وبذلك يجمع نظام «أنثروبيك» بين بصمة مدمجة في النص وبيانات منشأ موقعة للملفات، مع تطبيق عالمي على النماذج المدعومة، لكنه يبقى أداة لتقديم إشارة إلى مسار معالجة المحتوى، وليس وسيلة نهائية لإثبات ما إذا كان النص بشرياً أو مولداً بالكامل بالذكاء الاصطناعي.