اتصالات لبنانية ودولية تطوّق التدهور الأمني في جنوب لبنان

عون حادثَ الأميركيين... ويصرّ على وقف النار قبل البحث بأي ترتيبات مع إسرائيل

صورة عملاقة للرئيس اللبناني جوزيف عون مثبتة على المدخل الشمالي لمدينة صيدا وتظهر في الصورة سيارات النازحين من الجنوب باتجاه بيروت (إ.ب.أ)
صورة عملاقة للرئيس اللبناني جوزيف عون مثبتة على المدخل الشمالي لمدينة صيدا وتظهر في الصورة سيارات النازحين من الجنوب باتجاه بيروت (إ.ب.أ)
TT

اتصالات لبنانية ودولية تطوّق التدهور الأمني في جنوب لبنان

صورة عملاقة للرئيس اللبناني جوزيف عون مثبتة على المدخل الشمالي لمدينة صيدا وتظهر في الصورة سيارات النازحين من الجنوب باتجاه بيروت (إ.ب.أ)
صورة عملاقة للرئيس اللبناني جوزيف عون مثبتة على المدخل الشمالي لمدينة صيدا وتظهر في الصورة سيارات النازحين من الجنوب باتجاه بيروت (إ.ب.أ)

طوّقت اتصالات لبنانية وإقليمية، التدهور الواسع في الوضع الأمني في لبنان على ضوء تصعيد عسكري بين إسرائيل و«حزب الله»، وتهديدات تل أبيب بالتصعيد، في حين ترى مصادر لبنانية أنَّها تعمل على ضرب اتفاق وقف إطلاق النار، والضغط على المفاوض اللبناني عشية خامس جولات التفاوض مع لبنان في واشنطن، ومحاولة لتحقيق مكاسب ميدانية.

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول أميركي قوله إن إسرائيل وحزب «الله» اتفقا على وقف لإطلاق النار، بدءاً من الساعة الرابعة عصراً بالتوقيت المحلي، بعد تصعيد كبير أسفر عن مقتل 47 لبنانياً، بينهم أطفال ومدنيون، و4 عسكريين إسرائيليين في اشتباكات مع «حزب الله» في جنوب لبنان، بينما نفَّذ سلاح الجو الإسرائيلي أكثر من 150 غارة في جنوب لبنان وشرقه.

وقال المسؤول الأميركي: «اتفق حزب الله وإسرائيل على وقف إطلاق النار»، مضيفاً أن المفاوضين الأميركيين والقطريين توصَّلوا إلى الاتفاق بمساعدة من إيران. وأضاف: «نفهم أنه بعد تبادل إطلاق النار في وقت سابق اليوم، باتت إسرائيل وحزب الله الآن في حالة وقف لإطلاق النار». وقال كل من إسرائيل و«حزب الله» إنهما مستعدَّان للالتزام بوقف إطلاق النار، وأنهما جاهزان للرد على الخروق.

مناصر لـ«حزب الله» يحمل علماً للحزب خلال عبوره جسر القاسمية على نهر الليطاني في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

اتصالات لبنانية ودولية

وكان التدهور الأمني، دفع لتكثيف الاتصالات الإقليمية والدولية والمحلية. على الصعيد المحلي، قالت مصادر رسمية لـ«الشرق الأوسط» إن الرئيس اللبناني جوزيف عون «بدأ منذ الصباح مروحة اتصالات دولية شملت دولاً مؤثرة؛ بهدف خفض التصعيد ومنع التدهور، والالتزام بوقف إطلاق النار»، وشملت تلك الاتصالات، الولايات المتحدة الأميركية وقطر بشكل أساسي.

وتزامنت تلك الاتصالات مع تنديد عون بـ«التصعيد الإسرائيلي المستمر»، قائلاً في بيان: «ما نشهده اليوم في الجنوب والبقاع من توسُّع للاعتداءات الإسرائيلية ومزيد من القتل والتدمير، يُشكِّل تصعيداً خطيراً ومداناً، لا سيما أنه طاول عشرات الأبرياء، بينهم نساء وأطفال، ويستهدف عملياً كل المحاولات الجارية لتثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب، خصوصاً بعد التطورات الأخيرة التي حصلت بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية».

وتابع: «لكن ذلك لن يحول دون العمل على إنجاز وقف شامل لإطلاق النار بأسرع وقت ممكن، وهذا ما أوصيت به الوفد اللبناني المفاوِض في الجولة المقبلة في واشنطن، ولا يمكن التساهل في هذه المسألة لأنَّ وقف النار الشامل هو المدخل للبحث في الموضوعات الأخرى، وأهمها الانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، وعودة الأسرى».

أما على المستوى الدولي، فقال عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية، النائب حسن ​فضل الله، إن إيران أبلغت الحزب بأنَّ ‌المفاوضات ​مع الولايات ‌المتحدة ⁠لا ​يمكن أن ⁠تستمر دون تنفيذ وقف شامل لإطلاق النار. ودعا النائب ⁠البرلماني فضل ‌الله ‌الحكومة ​اللبنانية ‌إلى رفض ‌أي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في ظلِّ استمرار ‌الهجمات الإسرائيلية على لبنان، مؤكداً ⁠أن واشنطن ⁠تتحمَّل مسؤولية ضمان وقف إسرائيل لهجماتها وتنفيذ بنود الاتفاق.

توسع جغرافي... وضغط على لبنان

وظهر من التدهور المفاجئ، أن هناك محاولة إسرائيلية للقفز فوق الاتفاق الذي دخل حيز التنفيذ، الاثنين الماضي. وقالت مصادر في «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل «تضغط لضرب الاتفاق بشكل مباشر واستهدافه»، مشيرة إلى أنَّ تل أبيب «تحاول أيضاً الضغط على المفاوض اللبناني» عشية انطلاق الجولة الخامسة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في واشنطن، يوم الثلاثاء المقبل، وتمتد جلساتها لـ3 أيام، وذلك «للإمساك بأوراق إضافية تضغط بها على لبنان».

ولفتت المصادر إلى «رغبة إسرائيلية بالتوسُّع الجغرافي، بعد الفشل في تحقيق توسُّع كبير خلال 110 أيام من الحرب، رغم أنَّ المنطقة التي حقَّقت فيها تقدماً واسعاً في الأسابيع الأولى من الحرب، هي المنطقة التي أخلاها حزب الله والتزم فيها بحصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، لكن محاولات التوسُّع خارجها، اصطدمت بمقاومة شديدة فرملت تلك الاندفاعة».

وأضاف المصدر أن هناك سبباً رابعاً «يتمثَّل في أزمة داخلية مرتبطة بالمزاج الميني المتطرف الذي يتصاعد في إسرائيل»، مضيفة أن «الإخفاق العسكري يدفعه لاستهداف المدنيين في لبنان».

وقف النار قبل أي ترتيبات

وينظر لبنانيون إلى أنَّ عدم التزام إسرائيل باتفاق وقف إطلاق النار، لا ينطلق من شعور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بـ«التهميش» فقط، إثر توقيع الاتفاق، بل يمتد إلى أن إسرائيل تسعى للتوصُّل إلى اتفاق مع الدولة اللبنانية، مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة، كما تسعى للبدء بنزع سلاح «حزب الله»، مقابل وقف التصعيد، وهو ما يعارضه «حزب الله» الذي يعول على التفاهمات الأميركية - الإيرانية، ويواظب على انتقاد مسار الدولة اللبنانية التفاوضي.

لافتة تحمل اسم «مرتفعات ترمب» في الجولان السوري المحتل (أ.ف.ب)

رغم ذلك، تمضي السلطات اللبنانية في الجلسات المزمع بدؤها الثلاثاء.

وقالت مصادر وزارية لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن التعليمات للوفد المفاوض واضحة، وتنصُّ على المطالبة بوقف إطلاق نار شامل وكامل، قبل البحث بأي ترتيبات أخرى. وقالت المصادر إن بيروت «متمسكة بمطالبها».

استفراد بلبنان

غير أن «حزب الله»، يرفض المسار التفاوضي المباشر. وقالت مصادر متابعة لتصعيد «حزب الله» ضد هذا المسار، إن الحزب «يرى أن هناك تقاطع مصالح بين تل أبيب والدولة في إطار المسار الذي تعول عليه لتحقيق الانسحاب ووقف إطلاق النار»، موضحة: «الحزب يرى أن المضي بالمسار التفاوضي المباشر، ينطلق من أن إسرائيل غير مرتاحة للأداء الأميركي في الاتفاق مع إيران، أما لبنان فلا يرتاح للأداء الإيراني»، فضلاً عن أن الحزب «تلمس استفراداً بلبنان من خلال البيان الأميركي الذي صدر بعد الجلسة الأولى من المفاوضات، وتكرس في ورقة إعلان النوايا في الجولة الرابعة، وهو ما ظهر انحيازاً لإسرائيل في المفاوضات».

في هذا السياق، قال النائب عن الحزب حسين الحاج حسن: «إن السلطة وافقت على بيان مشترك مع الأميركيين والإسرائيليين يتضمَّن كلاماً مفاده أن (حزب الله) عدو مشترك لإسرائيل وأميركا ولبنان، وهذا ما جاء على لسان وزير خارجية أميركا ماركو روبيو، في حين لم ينطق الوفد اللبناني بحرف، كما أنَّه لم يعترض أي مسؤول لبناني من مسؤولي السلطة على هذا الكلام، وبالتالي، فإنَّ المطلوب من هؤلاء موقف يوضِّحون فيه إن كانوا موافقين على هذا الكلام أم لا».

ودعا المسؤولين اللبنانيين «لأن يردموا الهوة التي افتعلوها مع المقاومة وجمهورها، وأن يردموا الهوة التي افتعلوها مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من أجل مصلحة لبنان وليس من أجل مصلحة إيران».


مقالات ذات صلة

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

المشرق العربي عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

يدفع الخوف من تجدد الحرب سكاناً في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى تغيير أماكن إقامتهم، أو استئجار منازل في مناطق أخرى، رغم امتلاك بعضهم منازل سليمة

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية بين قريتي كفر تبنيت وأرنون في جنوب لبنان السبت (أ.ف.ب)

معلومات إسرائيلية تعزز مخاوف اللبنانيين من خطر حرب جديدة

كشفت «معاريف» عن استعدادات للجيش الإسرائيلي لاحتمال احتلال ثلاث مدن رئيسية في جنوب لبنان، هي صور وصيدا والنبطية، في حال استئناف الحرب مع إيران وتدخل «حزب الله».

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي جزء من شحنة المخدرات التي تم ضبطها في مطار رفيق الحريري (الجمارك اللبنانية)

لبنان يحبط أكبر محاولة تهريب مخدرات عبر مطار بيروت

أحبطت الأجهزة الأمنية والجمركية اللبنانية أكبر محاولة تهريب مخدرات عبر مطار بيروت.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً نائب رئيس الحكومة اللبنانية طارق متري بقصر الشعب في شهر نوفمبر الماضي (سانا)

محادثات لبنانية - سورية في دمشق الاثنين لحلّ الملفات المتداخلة

يحمل وفد وزاري لبناني إلى دمشق يوم الاثنين، ملفات تتداخل فيها هواجس الأمن والحدود مع أعباء النزوح وقضايا السجون، ويهدف إلى تقييم ما تحقق من تعاون بين البلدين.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يتفقد الوحدات العسكرية المنتشرة في زوطر الغربية بجنوب لبنان (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

شبح «الحرب الثالثة» وهاجس حماية الجيش يشغلان الرئيس اللبناني

لا يزال الرئيس اللبناني جوزيف عون متمسكاً بمسار التفاوض «طريقاً لا بديل له» لحل الأزمة القائمة في البلاد، في أعقاب حربين خاضهما «حزب الله» مع إسرائيل.

ثائر عباس (بيروت)

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)
عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)
TT

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)
عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

يدفع الخوف من تجدد الحرب سكاناً في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى تغيير أماكن إقامتهم، أو استئجار منازل في مناطق أخرى، رغم امتلاك بعضهم منازل سليمة لم تتعرض لأي ضرر. ولم تعد قرارات الانتقال مرتبطة حصراً بالدمار أو الإنذارات بالإخلاء، بل باتت المخاوف من اندلاع مواجهة جديدة عاملاً أساسياً في اختيار مكان السكن، حتى التخطيط للزواج وتمضية سنوات التقاعد.

وتكشف شهادات جمعتها «الشرق الأوسط» عن تحولات في حياة عائلات اختارت الابتعاد عن الضاحية بحثاً عن الأمان، فيما يواصل آخرون الإقامة فيها مع الاحتفاظ بمكان بديل يمكن اللجوء إليه عند الضرورة. وبين من يتحمل إيجاراً إضافياً رغم امتلاكه منزلاً، ومن يستأجر شقة واسعة لاستقبال أفراد عائلتين إذا تجدد النزوح، تتقدم الهواجس الأمنية على الاعتبارات المادية والاجتماعية.

الجيش اللبناني ينفذ تدابير أمنية عند مداخل الضاحية الجنوبية لبيروت قبل أسابيع (قيادة الجيش اللبناني)

منزل الزوجية يتسع لعائلتين

لم يكن اختيار ناديا حوري لمنزل الزوجية قراراً تقليدياً. فالشابة التي تزوجت حديثاً، وكانت تقيم في الضاحية الجنوبية قبل زواجها، قرّرت الانتقال إلى منطقة بشامون، واضعة احتمال تجدد الحرب في مقدمة حساباتها.

وتروي حوري لـ«الشرق الأوسط»: «عندما قررت الزواج، لم أفكر فقط في المنزل الذي سأعيش فيه مع زوجي، بل أيضاً في المكان الذي يمكن أن يلجأ إليه أهلي وأهل زوجي إذا اندلعت حرب جديدة. لذلك اخترت الانتقال إلى بشامون، وحرصت على أن يكون المبنى آمناً والشقة واسعة بما يكفي لاستقبال العائلتين».

وتضيف: «فضّلت تحمل التكلفة الإضافية على أن أجد أهلي أو أهل زوجي مضطرين إلى النزوح من دون أن يكون لديّ مكان لاستقبالهم. أردت أن أكون مستعدة لأي طارئ».

مبانٍ مدمرة نتيجة القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» يوم 6 مايو 2026 (إ.ب.أ)

صدمة القصف تدفع إلى الرحيل

أما لانا شعيب، وهي من سكان منطقة المريجة في الضاحية الجنوبية، فقد استأجرت استوديو صغيراً في الأشرفية، بعدما باتت غير مطمئنة إلى العودة إلى منزلها، فيما غادر والدها ووالدتها إلى قريتهما في البقاع.

وتقول شعيب لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع مقلق والمخاوف الأمنية ليست وحدها ما يدفعنا إلى الابتعاد عن الضاحية، بل أيضاً الظروف المعيشية التي خلّفها القصف».

وتضيف: «المنطقة لا تزال تعاني بسبب كمية الخراب والغبرة والمشاكل في المياه...كل هذه العوامل تجعلني أبحث عن مكان آخر».

لكن العامل الأكثر تأثيراً في قرارها يبقى الخوف من تجدد الغارات، خصوصاً بعد التجربة التي عاشتها خلال إحدى الضربات الليلية، وتوضح أن «عدم وجود ضمانات تحول دون تجدد الحرب يجعل العودة إلى الضاحية خياراً صعباً بالنسبة إليها».

وتكشف شعيب أنها تفكر في مغادرة المنطقة بصورة نهائية، قائلة: «عندما ينتهي هذا الوضع وتعود الأمور إلى طبيعتها، نبيع المنزل ونبحث عن مكان آخر»، مشددة على صعوبة أن يترك الإنسان منزلاً أنفق عليه شقاء عمره.

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

تقاعد بعيداً عن الخوف... ولو بتكلفة إضافية

ولم ينتظر خير الدين، الذي فضّل عدم الكشف عن بقية اسمه، تعرض منزله في منطقة السانت تيريز في الضاحية لأي ضرر حتى يقرر مغادرته. فقد ترك المنزل السليم وانتقل مع زوجته إلى خلدة في جبل لبنان، حيث استأجر منزلاً مقابل 600 دولار شهرياً، رغبة في تمضية سنوات تقاعدهما بعيداً عن الخوف واحتمالات النزوح المتكرر.

ويروي خير الدين لـ«الشرق الأوسط»: «منزلي لم يتضرر، وكان بإمكاننا البقاء فيه، لكننا تعبنا من الخوف ومن احتمال اضطرارنا إلى الهروب مجدداً. وصلنا إلى عمر نريد فيه أن نرتاح ونعيش بهدوء، بعيداً عن القصف والقلق من عودة الحرب».

ويوضح أن قراره الانتقال إلى خلدة ارتبط أيضاً برغبته وزوجته في البقاء بالقرب من أولادهما الذين يقيمون في المنطقة ومحيطها.

ويضيف: «أردنا أن نكون قريبين من أولادنا، وأن نمضي تقاعدنا في مكان نشعر فيه بالأمان. لم نعد نريد أن نعيش كل فترة على أعصابنا، أو نفكر إلى أين سنذهب إذا تجددت الحرب».

ويقرّ خير الدين بأن استئجار منزل مقابل 600 دولار شهرياً، رغم امتلاكه منزلاً صالحاً للسكن، يشكل عبئاً مالياً إضافياً عليه في مرحلة التقاعد، لكنه يبرر قراره بالقول: «راحة البال أصبحت أهم بالنسبة إلينا. نريد أن نعيش ما تبقى من عمرنا بعيداً عن الخوف والهروب».

شاليه صيفي يتحول إلى ملاذ للطوارئ

وعلى خلاف الذين غادروا الضاحية، لا يزال «أبو علي»، الرجل الثمانيني، يقيم في منزله فيها، لكنه اتخذ إجراءً احترازياً باستئجار شاليه في منطقة فاريا بعقد سنوي، تحسباً لاحتمال اندلاع حرب جديدة.

ويروي أبو علي لـ«الشرق الأوسط»: «ما زلت أسكن في الضاحية، ولا أريد ترك منزلي، لكنني استأجرت شاليه في فاريا طوال السنة حتى يكون لدي مكان أذهب إليه إذا تجددت الحرب. أستخدمه عادة في الصيف، لكنني فضّلت الاحتفاظ به تحسباً لأي طارئ».

ويوضح أن تقدمه في السن جعله أكثر حرصاً على تأمين مكان يمكن الانتقال إليه فوراً إذا تدهورت الأوضاع الأمنية، بدلاً من الاضطرار إلى البحث عن مأوى في اللحظات الصعبة.

ويؤكد أبو علي أن استئجار الشاليه لا يعني اتخاذ قرار نهائي بمغادرة الضاحية، بل هو إجراء احترازي فرضته المخاوف من تكرار الحرب، ولا أريد أن أجد نفسي مضطراً إلى النزوح من دون أن يكون لديّ مكان ألجأ إليه».


العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
TT

العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)

في إطار الحملة التي أطلقتها الحكومة العراقية لمكافحة الفساد، تتواصل الإجراءات القضائية بحق متورطين في عمليات فساد مالي. وفي أحدث تطورات الحملة، أعلن ضياء جعفر، قاضي محكمة تحقيق الكرخ الثانية، استرداد مبلغ 21 ملياراً و424 مليون دينار عراقي (نحو 14.1 مليون دولار) من شركتين مخالفتين متهمتين بالاحتيال.

وأوضح جعفر، في بيان صدر يوم الأحد، أن المخالفات ارتُكبت بهدف الاستفادة من فروق أسعار صرف الدولار في عمليات تحويل الأموال إلى خارج البلاد بطرق احتيالية.

وجاء هذا الإعلان بعد أيام من صدور أحكام بالسجن بحق نائبين، لمدة 6 سنوات لأحدهما و5 سنوات للآخر، مع إلزامهما برد مبالغ مالية في قضية فساد تتعلق بعقود مصافي تكرير النفط.

وقضت محكمة مكافحة الفساد، الخميس الماضي، بالسجن 6 سنوات بحق النائب مثنى السامرائي، رئيس كتلة «العزم»، وإلزامه برد مبلغ 30 مليار دينار، قالت المحكمة إنه انتفع بها نتيجة توسطه في عقود مصافي تكرير الشمال والجنوب.

كما قضت المحكمة بالحبس المشدد لمدة 5 سنوات بحق النائب زياد الجنابي، وإلزامه برد مبلغ 4 مليارات دينار، انتفع بها من عقود مصافي الشمال.

وفي قضية ذات صلة، صدر حكم بالسجن لمدة 8 سنوات بحق حسين طالب، المدير العام السابق لشركة توزيع المنتجات النفطية، على خلفية تدخله في ترسية العقود بهدف تحقيق مكاسب شخصية.

وكانت الحكومة العراقية قد شرعت، أواخر يونيو (حزيران) الماضي، في حملة اعتقالات بتهم تتعلق بالفساد الإداري، شملت العشرات من النواب السابقين والحاليين ووكلاء الوزارات والمديرين العامين، في إطار حملة أُطلق عليها حينها اسم «صولة الفجر».

وأطلق رئيس الوزراء علي الزيدي الحملة بعد توليه منصبه في مايو (أيار) الماضي، بهدف ملاحقة المتورطين في قضايا الفساد. غير أن وتيرتها تراجعت لاحقاً تحت ضغوط سياسية، وفق تقارير محلية.

وقال موسى فرج، الرئيس الأسبق لهيئة النزاهة الاتحادية، إن حملة الزيدي «تمثل تقدماً مقارنة بمراحل سابقة، حين كانت قرارات حكومية تسهم في حماية الفاسدين، أو عرقلة عمل الأجهزة الرقابية والقضائية»، على حد قوله.

وأضاف أن الحملة «حققت نتائج في ملفات مرتبطة بقضية الفساد في المصافي، استناداً إلى إفادات أدلى بها الجميلي أمام الجهات القضائية، فضلاً عن تحركات في قضايا الكسب غير المشروع».

لكنه رأى أن الحملة لا تزال محدودة النطاق، مشيراً إلى أن «ملفات رئيسية، بينها فساد العملة، والعقارات، وتهريب النفط، والموظفون الوهميون، لم تشملها الإجراءات بالقدر نفسه».

وقال فرج، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن من أوجه القصور أيضاً «عدم مساءلة الكتل السياسية التي ينتمي إليها مسؤولون متهمون بالفساد، رغم نفوذ تلك الكتل واستفادتها من بعض المتورطين»، وفق تقديره.

وأضاف أن «استمرار الحملة وفاعليتها يتوقفان على توسيع نطاق التحقيقات وملاحقة الملفات الأوسع، إلى جانب منع الكتل السياسية من استبدال مرشحين تابعين لها بالمحكومين».


زيارات الزيدي إلى دول الجوار... إعادة ترتيب العلاقات الخارجية

رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع)
رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع)
TT

زيارات الزيدي إلى دول الجوار... إعادة ترتيب العلاقات الخارجية

رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع)
رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع)

أفاد مصدر حكومي بأن رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، يستعد لزيارة الكويت والبحرين خلال هذا الأسبوع، ضمن سلسلة زياراته إلى دول الجوار، وذلك بعد أن كان قد زار كلاً من السعودية والأردن وسوريا وتركيا وإيران.

واستناداً إلى الحسابات السياسية وما تُدوول في الأروقة السياسية العراقية، فإن زيارتَي الزيدي إلى السعودية والأردن كانتا تهدفان إلى بناء الثقة مع قيادتي البلدين، لا سيما بعد سلسلة الهجمات التي تعرضت لها الدولتان من قبل الميليشيات المسلحة في العراق.

وفي هذا السياق، قدم الزيدي ضمانات بعدم تكرار مثل هذه الهجمات مستقبلاً، خصوصاً أن إجراءات حصر السلاح ماضية قدماً، رغم رفض بعض الفصائل إياها، أو محاولاتها تأخير تنفيذها عن المواعيد المقررة، التي من المؤمل أن تنتهي بحلول يونيو (حزيران) 2027.

أما زيارته تركيا، فكانت تهدف إلى بحث ملفات جديدة، في مقدمتها مرور النفط العراقي عبر ميناء «جيهان» التركي، و«مشروع طريق التنمية»، إلى جانب الملفات القديمة المتعلقة بالمياه.

ملفات قديمة وآفاق جديدة

وفي حين تترقب الأوساط السياسية الزيارتين المرتقبتين إلى الكويت والبحرين، تشير أبرز المعلومات المتداولة إلى أن القضايا العالقة بين بغداد والكويت ستكون في صدارة المباحثات، في حين سيكون ملف الأقليات أحد محاور زيارة الزيدي إلى البحرين؛ وفق المصادر.

وفي هذا السياق، أفاد مصدر مطلع، في تصريح صحافي، بأن «زيارة الزيدي إلى البحرين والكويت ستتناول محاور مهمة، من بينها معالجة الملفات الشائكة بين العراق والكويت، والمتعلقة بترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وملف «ميناء مبارك» وتأثيره على «ميناء الفاو»، إلى جانب الملف الأمني وأهمية تحقيق الاستقرار في المنطقة».

وأضاف المصدر أن «زيارة رئيس الوزراء إلى البحرين ستركز على التهدئة لضمان استقرار الأمن في المنطقة». وأشار إلى أن «الزيارة التي سيجريها الزيدي ناقش محاورها مع قيادات (الإطار التنسيقي) في وقت سابق».

وكان الزيدي قد أجرى، خلال الفترة الماضية، سلسلة زيارات خارجية، شملت تركيا في 28 يوليو (تموز) 2026، حيث التقى الرئيس رجب طيب إردوغان، ثم السعودية في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث التقى الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، والأردن في 26 من الشهر ذاته، حيث التقى الملك عبد الله الثاني.

كما زار سوريا في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، والتقى الرئيس السوري، أحمد الشرع، في دمشق، وبحث الجانبان العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.

زيارات مفصلية

وفي حين بدت زيارته سوريا مفصلية؛ لأنها الأولى من رئيس وزراء عراقي بعد التغيير السياسي الذي شهدته سوريا عقب إسقاط نظام بشار الأسد ووصول نظام سياسي جديد برئاسة أحمد الشرع، وما أعقب ذلك من ملابسات سياسية وطائفية، فإن الزيارة نجحت، وفقاً لتقديرات المراقبين، في تبديد المخاوف بين الطرفين، فضلاً عن بحث القضايا المشتركة بين البلدين، وفي مقدمتها أمن الحدود، في ظل وجود خلايا لتنظيم «داعش» على جانبي الحدود، بالإضافة إلى بحث إمكانية إعادة تشغيل «خط أنابيب النفط العراقي» عبر ميناء بانياس السوري.

أما الزيارة الوحيدة التي بدت مرتبطة بما يتجاوز إطار العلاقات الثنائية، فهي تلك التي أجراها الزيدي إلى إيران، والتي أثارت كثيراً من التكهنات في الأوساط العراقية، من بينها احتمال نقل رسائل أميركية حازمة إلى طهران، لا سيما أن الزيارة جاءت بعد زيارة الزيدي الولايات المتحدة خلال شهر يوليو الماضي.

معادلة التسويات

رجل يلوّح بالعلم العراقي في «ساحة التحرير» ببغداد (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قال عضو البرلمان العراقي السابق القيادي في تحالف «العزم»، حيدر الملا، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة تعيش حالة من الصراع، والعراق لا يحمل تأثيراً في هذه المعادلة الدولية، وليس جزءاً من معادلة التسويات، بل هو متأثر بما يجري».

وأضاف الملا أن «الزيارات المكوكية التي يجريها رئيس مجلس الوزراء تمثل خطوات إيجابية تندرج ضمن المسار الصحيح للدولة، لكيلا يُحسب العراق ضمن سياسة المحاور». وأوضح أن «العراق ينوي فتح بوصلة الحوار مع دول الجوار العربي وغير العربي، وهي خطوة إيجابية تبعدنا عن الاصطفافات الجارية في المنطقة».

من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، عصام الفيلي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «رئيس الوزراء يحرص على إقامة علاقات متوازنة بجميع دول المنطقة، مستنداً في ذلك إلى أهمية موقع العراق الجيوسياسي، وما يمتلكه من قدرات بشرية وموارد تمكنه من الانفتاح على العالم».

وأضاف الفيلي أن «الزيدي يريد تأسيس علاقة استراتيجية مع الدول العربية عبر المصالح الاقتصادية بشكل رئيسي، وهو يدرك أهمية العراق بالنسبة إلى دول الخليج، بما يسهم مستقبلاً في عودته إلى المنظومة الخليجية».

وأوضح أن «العراق يجب أن يسهم في استقرار المنطقة في مرحلة ما بعد الحرب، لا سيما أن سياسة الأحلاف والمحاور في المنطقة باتت أوضح من السابق، وأن الزيدي ينوي إبعاد العراق عن سياسة المحاور والاصطفافات».

واختتم الفيلي بالقول إن «الزيدي نجح في تحجيم دور أذرع إيران في المنطقة، بعد محاولات لتحرير العراق من الضغوط الإيرانية، وهو ما يمثل، في نهاية المطاف، رسالة إلى دول الخليج مفادها بأن القرار العراقي سيكون قراراً مؤثراً، بما يسهم في تعزيز العلاقات بجميع الدول العربية».