جوليان كينيونيس... اللاعب الذي راوغ الفقر وأسكت أزمة الهوية في المكسيك

جوليان كينيونيس (أ.ف.ب)
جوليان كينيونيس (أ.ف.ب)
TT

جوليان كينيونيس... اللاعب الذي راوغ الفقر وأسكت أزمة الهوية في المكسيك

جوليان كينيونيس (أ.ف.ب)
جوليان كينيونيس (أ.ف.ب)

في افتتاح كأس العالم 2026، لم يكن الهدف الأول بالبطولة مجرد هدف عادي. فقد حمل توقيع جوليان كينيونيس، اللاعب المكسيكي من أصل كولومبي، الذي اختصر في لحظة واحدة قصة طويلة من الفقر، والهجرة، والجدل، والبحث عن الانتماء.

كينيونيس، مهاجم القادسية السعودي البالغ من العمر 29 عاماً، سجّل الهدف الأول للمكسيك في المباراة الافتتاحية أمام جنوب أفريقيا، ليمنح منتخب «التريكولور» بداية مثالية في المونديال. لكن خلف هذا الهدف، تختبئ قصة لاعب خرج من واحدة من أفقر المناطق في كولومبيا، قبل أن يصبح بطلاً في بلد لم يولد فيه، لكنه يقول إنه منحه كل شيء. ولد جوليان أندريس كينيونيس في بلدة ماغوي بايان الكولومبية، وهي منطقة نائية وفقيرة قرب الحدود مع بيرو. هناك، كما جاء في وثائقي أعدته «إي إس بي إن» المكسيكية، «لا تملك سوى ثلاثة خيارات: أن تصبح لاعب كرة قدم، أو مقاتلاً في جماعة مسلحة، أو تاجر مخدرات». كان المكان محاطاً بالمعاناة. في صورة بيوت من الصفيح والخشب، ومناطق منسية من السلطات، ومناجم ذهب غير قانونية، ومختبرات سرية للكوكايين. وفي عام 2017، شهدت البلدة مجزرة قُتل فيها 13 شخصاً. لم يكن كينيونيس وقتها هناك، إذ كان قد بدأ بالفعل رحلته في الدوري المكسيكي، لكن والدته غلوريا كانت لا تزال في كولومبيا. غلوريا هي المرأة التي منحته اسم العائلة، لأنه لم يعرف والده.

وتقول والدته إن جوليان حمل دائماً ألماً داخلياً بسبب غياب الأب، لكنها بمساعدة جدته، حاولت تربية أبنائها وسط ظروف قاسية. واعترف كينيونيس نفسه بصعوبة تلك المرحلة قائلاً إن الطفل يحتاج أحياناً إلى أب يرافقه ويقول له: هذا الطريق صحيح، وهذا الطريق خطأ. لكن كرة القدم كانت بالنسبة إليه طريق النجاة الوحيد. كان يحلم بها كل ليلة، ويلعب بأي شيء يمكن أن يتحول إلى مرمى، بينما يساعد جدته في المهام اليومية. عندما بلغ السادسة عشرة، قرر خوض اختبار في مدرسة «فوتبول باز». رافقته والدته أثناء التجربة، وكان يرتدي حذاءً ممزقاً تظهر منه أصابع قدميه. لكنه في تلك المباراة سجّل أربعة أهداف، ولم يتردد النادي المرتبط بعلاقات مع تيغريس المكسيكي في ضمه. ومن هناك بدأت الرحلة. انتقل سريعاً إلى المكسيك، وفي بطولة أبرتورا 2015 مع الفريق الثاني لتيغريس سجل 15 هدفاً في 17 مباراة. أصبح اسمه معروفاً لدى الكشافين في كولومبيا والمكسيك، ولعب لاحقاً مع تيغريس وأطلس وأميركا، وحقق ستة ألقاب في الدوري المكسيكي وأربعة ألقاب «بطل الأبطال». ورغم أن كولومبيا حاولت ضمه إلى منتخبها الأول عام 2023، فإن كينيونيس كان قد حسم قراره. المكسيك منحته الجنسية في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وهو لم يتردد. بالنسبة إليه، لم تكن المكسيك مجرد محطة احترافية، بل البلد الذي فتح له الباب وغيّر حياة عائلته. لكن قرار اختياره لمنتخب المكسيك لم يمر بسهولة. فاستدعاؤه إلى قائمة المدرب خافيير أغيري في كأس العالم أثار جدلاً واسعاً في البلاد حول اللاعبين المجنسين. فقد ضمت القائمة خمسة لاعبين من مزدوجي الجنسية أو المجنسين، في سابقة بهذا الحجم للمنتخب المكسيكي. الانتقادات كانت قوية، خصوصاً أن وجود كينيونيس جاء على حساب لاعبين مكسيكيين يلعبون في الدوري المحلي ويحظون بشعبية كبيرة. لكن المدرب خافيير أغيري دافع عن خياره، مذكّراً بأن والديه أيضاً كانا مهاجرين حصلوا على الجنسية، ومؤكداً أن هؤلاء اللاعبين يمثلون «عامل التغيير» الذي يحتاج إليه المنتخب المكسيكي، ثم جاء الرد داخل الملعب. بهدفه في مرمى جنوب أفريقيا، أسكت كينيونيس جزءاً كبيراً من الجدل. أصبح أول مسجل في كأس العالم 2026، وبدأ يتحول من لاعب مثير للانقسام إلى رمز لقصة مختلفة داخل المنتخب المكسيكي.

صحيفة «ليكيب» الفرنسية رأت أن هدفه أطفأ الجدل حول «أزمة الهوية» في المنتخب المكسيكي، وذكّرت بأن المكسيك عاشت في السابق جدلاً مشابهاً مع لاعبين مجنسين مثل غييرمو فرنكو في مونديالي 2006 و2010، وروخيليو فونيس موري في 2022. لكن وضع كينيونيس يبدو مختلفاً.

أندريه بيار جينياك، زميله السابق في تيغريس، شرح ذلك بقوله إن كينيونيس وصل إلى المكسيك في سن السادسة عشرة، تشرب ثقافتها، وبدأ مسيرته فيها، وولد أطفاله هناك، وقضى جزءاً كبيراً من حياته فيها قبل أن يخوض تجربة الاحتراف في الخارج. بمعنى آخر، قد لا يكون كينيونيس مكسيكياً بالدم، لكنه مكسيكي بالثقافة والقلب والانتماء. وهذا ما عبّر عنه بعد هدفه عندما قال إنه سعيد لأنه استطاع، أمام ملعب ممتلئ، أن يرد شيئاً بسيطاً مما منحته إياه المكسيك. أما من الناحية الفنية، فيعرف أغيري جيداً لماذا اختاره. كينيونيس لاعب قوي بدنياً، يضغط باستمرار، ويملك جودة تقنية وثقة كبيرة أمام المرمى. جينياك وصفه بأنه لاعب «يضغط، وقوي، ومميز فنياً، وواثق بنفسه»، مؤكداً أن تألقه في السعودية لم يكن مصادفة.

في القادسية، انفجر كينيونيس تهديفياً، حيث سجل 33 هدفاً في 31 مباراة في الدوري السعودي، و37 هدفاً في 35 مباراة في كل البطولات خلال الموسم، متفوقاً في عدد أهدافه على كريستيانو رونالدو بخمسة أهداف، وعلى إيفان توني بهدف واحد. وهكذا، تحولت قصة كينيونيس إلى واحدة من أجمل قصص مونديال 2026. فهو لاعب خرج من الفقر، وراوغ البؤس، ورفض أن يكون ضحية لبيئته، قبل أن يسجل أول أهداف كأس العالم ويعيد فتح النقاش حول معنى الانتماء في كرة القدم. من ماغوي بايان إلى ملعب أزتيكا، ومن طفل بحذاء ممزق إلى لاعب يهتف له المكسيكيون، كتب جوليان كينيونيس فصلاً جديداً في حكايته: قد لا تختار دائماً المكان الذي تولد فيه، لكنك قد تختار المكان الذي تمنحه قلبك.


مقالات ذات صلة

رياضة عالمية يشير التقرير إلى أن 19 لاعباً من أصل 26 في قائمة المغرب الحالية ولدوا خارج البلاد (أ.ف.ب)

كيف يوظف المغرب «القوة الناعمة» لبناء قوة كروية عالمية؟

منذ الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي ببلوغه نصف نهائي كأس العالم 2022 لم يعد ما تحقق يُنظر إليه داخل المغرب بوصفه استثناءً

شوق الغامدي (الرياض)
رياضة عالمية نيستور لورينزو (د.ب.أ)

مدرب كولومبيا: دفعنا ثمن إهدار الفرص أمام سويسرا بكأس العالم

قال نيستور لورينزو، المدير الفني لمنتخب كولومبيا، إن فريقه دفع ثمن إهداره للفرص التي سنحت للاعبيه أمام منتخب سويسرا، بعدما ودع بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية جوردان بيكفورد (رويترز)

تألق بيكفورد ونيلاند وكوستا يخطف الأضواء بدور الـ 16 لكأس العالم

كان الإنجليزي جوردان بيكفورد، والنرويجي أورجان نيلاند، والبرتغالي ديوغو كوستا من بين حراس المرمى الذين حققوا تقدماً ملحوظاً في تصنيفات الاتحاد الدولي لكرة القدم

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
رياضة عالمية لويس دي لا فوينتي (أ.ف.ب)

مونديال 2026: دكة البدلاء الذهبية لمنتخب إسبانيا

من دون بريق في الأداء، كما الحال منذ بداية كأس العالم، اعتمد منتخب «لا روخا» الذي يمتلك عمقاً لافتاً في دكة البدلاء، على لاعبيه الاحتياطيين لإقصاء البرتغال.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

إدارة ملعب «بريمن» ترفض التسرع في إعادة فتح جزء منهار من المدرجات

إدارة ملعب «بريمن» ترفض التسرع في إعادة فتح جزء منهار من المدرجات (أ.ب)
إدارة ملعب «بريمن» ترفض التسرع في إعادة فتح جزء منهار من المدرجات (أ.ب)
TT

إدارة ملعب «بريمن» ترفض التسرع في إعادة فتح جزء منهار من المدرجات

إدارة ملعب «بريمن» ترفض التسرع في إعادة فتح جزء منهار من المدرجات (أ.ب)
إدارة ملعب «بريمن» ترفض التسرع في إعادة فتح جزء منهار من المدرجات (أ.ب)

يرفض القائمون على إدارة ملعب نادي فيردر بريمن الألماني التسرع في إعادة فتح الجزء المنهار جزئياً من مدرجات الملعب.

وقال هانز يورغ أوتو، المدير الإداري للشركة المشغِّلة للملعب، للصحافيين: «السلامة قبل السرعة»، مؤكداً أن «هذه هي أولويتنا القصوى».

وأضاف: «يجب إصلاح المدرج بالكامل بشكل صحيح وفقاً للوائح البناء، لتفادي أي قلق من الزوار مستقبلاً من الجلوس في مدرج غير آمن».

وكان النادي الألماني قد أعلن، الأربعاء، عن انهيار جزء صغير من المدرج العلوي نتيجة تلف عرضي في أحد الأعمدة أثناء أعمال تجديد الملعب.

وأكد بريمن عدم إصابة أحد بأذى، موضحاً أنه لا توجد مخاوف بشأن انهيار أجزاء أخرى من المدرج.

وقال أوتو: «تحديد موعد إعادة فتح المدرج أمر سابق لأوانه».

وسيخوض بريمن مباراته الأولى من الموسم الجديد للدوري الألماني لكرة القدم (بوندسليغا) على ملعبه أوائل سبتمبر (أيلول) بمواجهة لايبزغ.

ولا تبقى إقامة المباراة في الملعب مهددة، ولكن لم يتأكد بعد إمكانية إعادة فتح الجزء المتضرر بحلول موعد هذا اللقاء.

ولن يتضرر نادي بريمن مادياً من إصلاح الجزء المنهار، لأن الشركة التي تُدير الملعب هي المسؤولة عن أعمال التجديد.


بريطانيا تستعد لإعلان عطلة رسمية إذا تُوّجت إنجلترا بطلة للعالم

قائد منتخب إنجلترا هاري كين وزملاؤه يحتفلون بالتأهل إلى الدور ربع النهائي (رويترز)
قائد منتخب إنجلترا هاري كين وزملاؤه يحتفلون بالتأهل إلى الدور ربع النهائي (رويترز)
TT

بريطانيا تستعد لإعلان عطلة رسمية إذا تُوّجت إنجلترا بطلة للعالم

قائد منتخب إنجلترا هاري كين وزملاؤه يحتفلون بالتأهل إلى الدور ربع النهائي (رويترز)
قائد منتخب إنجلترا هاري كين وزملاؤه يحتفلون بالتأهل إلى الدور ربع النهائي (رويترز)

تستعد الحكومة البريطانية للإعلان عن عطلة رسمية في حال فوز منتخب إنجلترا بلقب «كأس العالم 2026»، احتفالاً بإحراز المنتخب اللقب العالمي الأول منذ عام 1966، وفق ما كشفت عنه صحيفة الـ«غارديان».

ووفق الصحيفة، فإن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، يعتزم إعلان يوم عطلة وطنية إذا نجح المنتخب الإنجليزي في التتويج بالبطولة، إلا إنه امتنع عن تحديد موعد الإعلان، مؤكداً أنه لا يريد «جلب النحس» للمنتخب قبل حسم مشواره في البطولة.

ومن المرجح أن تكون العطلة يوم الجمعة 24 يوليو (تموز) الحالي، وهو الموعد الذي يمنح منتخب إنجلترا الوقت الكافي للعودة من الولايات المتحدة بعد المباراة النهائية، المقررة يوم الأحد 19 يوليو في ولاية نيوجيرسي، كما يتيح للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم تنظيم موكب احتفالي بالحافلة المكشوفة في شوارع وسط لندن.

ويستعد منتخب إنجلترا حالياً لمواجهة النرويج في الدور ربع النهائي بمدينة ميامي، وسط ازدياد التفاؤل بإمكانية بلوغه المباراة النهائية. وفي حال فوزه على النرويج، فإن من المرجح أن يواجه منتخب الأرجنتين، حامل اللقب، في الدور نصف النهائي، بينما تظل فرنسا المرشح الأبرز لإحراز كأس العالم.

ومن المتوقع أن يسافر ستارمر إلى الولايات المتحدة إذا تأهلت إنجلترا إلى النهائي، إلا إن الصحيفة أشارت إلى أنه قد لا يكون رئيساً للوزراء عند موعد الاحتفالات، إذ يُتوقع أن يكون خليفته المحتمل، أندي بيرنهام، هو من يستقبل القائد هاري كين وزملاءه بمقر رئاسة الوزراء في «10 داونينغ ستريت» للاحتفال بالإنجاز.

وعندما سُئل عن إمكانية إعلان عطلة رسمية، قال ستارمر: «بشأن العطلة الرسمية؛ لا أريد أن أجلب النحس، لكن اسألوني مجدداً إذا وصلنا إلى النهائي». وأشارت مصادر داخل مقر رئاسة الوزراء البريطانية إلى أنه سيعلن بالفعل يوم عطلة إذا نجح منتخب إنجلترا في الفوز بكأس العالم.

وكشف ستارمر أيضاً عن أنه تلقى طلبات عدة تدعوه إلى التواصل مع «الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)»، على غرار ما فعله الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، مع منتخب الولايات المتحدة، من أجل إلغاء البطاقة الحمراء التي حصل عليها المدافع الإنجليزي جاريل كوانساه في مباراة المكسيك، إلا إنه أكد أنه رفض التدخل. في المقابل، أوضح أنه تدخّل عبر القنوات الدبلوماسية للاعتراض على خطة «فيفا» تقديم موعد مباراة إنجلترا والمكسيك، بعدما أثيرت مخاوف من أن يمنح هذا التغيير أصحاب الأرض أفضلية غير عادلة، قبل أن تُقام المباراة في موعدها الأصلي. وعقب اجتماعه برئيس الوزراء النرويجي، يوناس غار ستوره، على هامش قمة «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» في أنقرة، قال ستارمر: «العلاقة بين بلدينا أقوى من أي وقت مضى... لكن لمدة 90 دقيقة مساء السبت، سيسلك كل منا طريقاً مختلفاً».


كيف يوظف المغرب «القوة الناعمة» لبناء قوة كروية عالمية؟

يشير التقرير إلى أن 19 لاعباً من أصل 26 في قائمة المغرب الحالية ولدوا خارج البلاد (أ.ف.ب)
يشير التقرير إلى أن 19 لاعباً من أصل 26 في قائمة المغرب الحالية ولدوا خارج البلاد (أ.ف.ب)
TT

كيف يوظف المغرب «القوة الناعمة» لبناء قوة كروية عالمية؟

يشير التقرير إلى أن 19 لاعباً من أصل 26 في قائمة المغرب الحالية ولدوا خارج البلاد (أ.ف.ب)
يشير التقرير إلى أن 19 لاعباً من أصل 26 في قائمة المغرب الحالية ولدوا خارج البلاد (أ.ف.ب)

منذ الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي ببلوغه نصف نهائي كأس العالم 2022، لم يعد ما تحقق يُنظر إليه داخل المغرب بوصفه استثناءً، بل محطة ضمن مشروع طويل الأمد يهدف إلى تحويل البلاد إلى واحدة من القوى المؤثرة في كرة القدم العالمية.

ووفقاً لتقرير نشرته شبكة «بي بي سي» البريطانية، فإن الاتحاد المغربي لكرة القدم يعمل منذ سنوات على تنفيذ خطة شاملة تشمل تطوير البنية التحتية، والاستثمار في الفئات السنية، وتوسيع شبكة اكتشاف المواهب داخل المغرب وخارجه، استعداداً لمرحلة جديدة تتزامن مع استضافة كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال.

ويرى نيل وارد، المدير السابق للعمليات الفنية في الاتحاد المغربي، أن ما حققه منتخب «أسود الأطلس» لم يكن وليد الصدفة، مؤكداً أن منتخب المغرب يمتلك المقومات التي تؤهله لأن يصبح «قوة كروية عالمية». واستعاد الأجواء التي أعقبت بلوغ نصف نهائي مونديال قطر، حين تحولت شوارع الرباط إلى ساحات احتفال امتدت حتى ساعات الفجر، في مشهد عكس حجم الشغف الشعبي بكرة القدم.

ويقف هذا المشروع على استثمارات كبيرة شملت إنشاء مركز وطني متطور للتدريب، وأكاديمية وطنية، ومراكز جهوية لتطوير المواهب، إلى جانب تحديث الملاعب وإنشاء آلاف الملاعب المخصصة للهواة، في إطار رؤية تحظى بدعم مباشر من الملك محمد السادس.

منذ الإنجاز التاريخي الذي حققه المنتخب المغربي لم يعد ما تحقق يُنظر إليه داخل المغرب بوصفه استثناءً (رويترز)

ويؤكد وارد أن هذه المنشآت لا تستهدف تطوير اللاعبين المحليين فحسب، بل أيضاً توفير بيئة احترافية تجذب اللاعبين المغاربة المولودين في أوروبا، الذين اعتادوا العمل في أفضل المرافق التدريبية بالقارة.

ولا يخلو هذا التوجه من انتقادات داخلية، إذ يرى بعض النشطاء أن الإنفاق على كرة القدم كان ينبغي أن يوجه إلى قطاعات مثل التعليم والصحة والإسكان والنقل وخلق فرص العمل. وفي المقابل، أعلنت السلطات المغربية تخصيص ما يعادل 11.2 مليار جنيه إسترليني لقطاعي التعليم والصحة في موازنة عام 2026، بزيادة بلغت 16 في المائة مقارنة بالعام السابق.

ويؤكد مسؤولو الاتحاد المغربي أن الاستثمار الرياضي لا يقتصر على تحقيق الإنجازات داخل الملاعب، بل يمثل أيضاً أداة لتعزيز الحضور الدولي للمغرب عبر ما يعرف بـ«القوة الناعمة»، وإبراز قدرة المنتخب على منافسة أكبر المنتخبات العالمية.

ويعد استقطاب أبناء الجالية المغربية من أهم ركائز المشروع. فحسب وزارة الخارجية المغربية، يعيش أكثر من خمسة ملايين مغربي خارج البلاد، وهو ما دفع الاتحاد إلى إنشاء شبكة من الكشافين المتفرغين في فرنسا وإسبانيا وهولندا وألمانيا والدول الاسكندنافية لرصد المواهب مبكراً وإقناعها بتمثيل المنتخب المغربي.

يبرز نجاح منتخب المغرب تحت 20 عاماً بوصفه مؤشراً على تطور منظومة إعداد المواهب (رويترز)

ويشير التقرير إلى أن 19 لاعباً من أصل 26 في قائمة المغرب الحالية ولدوا خارج البلاد، بينهم عدد كان مؤهلاً لتمثيل منتخبات أوروبية، مثل لاعب وسط ليل أيوب بوعدي، الذي اختار الدفاع عن ألوان المغرب رغم تمثيله منتخبات فرنسا السنية. كما حاول الاتحاد المغربي استقطاب نجم إسبانيا لامين يامال في سن مبكرة، مستفيداً من أصوله المغربية، إلا أن اللاعب فضّل تمثيل المنتخب الإسباني.

وفي الوقت نفسه، يسعى الاتحاد إلى زيادة عدد اللاعبين الذين يتدرجون بالكامل عبر منظومة التكوين المحلية.

وكان المدير الفني السابق للاتحاد، البلجيكي كريس فان بويفيلده، قد حدد هدفاً يتمثل في الوصول إلى توازن بين اللاعبين المولودين داخل المغرب وأبناء الجاليات بحلول كأس العالم 2030، عادّاً أن تطوير منظومة العمل المحلية يمثل الخطوة التالية في المشروع.

ياسين بونو (أ.ف.ب)

ويبرز نجاح منتخب المغرب تحت 20 عاماً، الذي تُوج بكأس العالم للشباب عام 2025، بوصفه مؤشراً على تطور منظومة إعداد المواهب، بعدما تولى المدرب محمد وهبي قيادة المنتخب الأول لاحقاً بعقد يمتد حتى مونديال 2030، في خطوة تعكس حرص الاتحاد على استمرارية المشروع الفني.

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن المغرب لا يكتفي ببناء الملاعب استعداداً لاستضافة كأس العالم، بل يعمل في الوقت ذاته على بناء منظومة كروية متكاملة تبدأ من القاعدة، في محاولة لترسيخ النجاح الذي تحقق في مونديال قطر وتحويله إلى واقع مستدام يجعل المنتخب المغربي منافساً دائماً على الساحة العالمية.