المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية محكومة بمعادلة الانسحاب مقابل السلاح

الاتفاق الأميركي - الإيراني تحت سقف وقف النار

سيارة ترفع علماً إيرانياً في قرية صديقين المدمرة جراء القصف الإسرائيلي جنوب لبنان (أ.ف.ب)
سيارة ترفع علماً إيرانياً في قرية صديقين المدمرة جراء القصف الإسرائيلي جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية محكومة بمعادلة الانسحاب مقابل السلاح

سيارة ترفع علماً إيرانياً في قرية صديقين المدمرة جراء القصف الإسرائيلي جنوب لبنان (أ.ف.ب)
سيارة ترفع علماً إيرانياً في قرية صديقين المدمرة جراء القصف الإسرائيلي جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يستعد لبنان للدخول في مرحلة سياسية-أمنية جديدة غير التي كانت قائمة قبل الإعلان بصورة رسمية عن توصل الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى اتفاق مرحلي تحت عنوان مذكرة تفاهم لوقف الأعمال العسكرية، والتصعيد في المنطقة، بما فيها لبنان، برغم أن إسرائيل لم تلتزم حتى الساعة بمفاعيله، وواصلت خروقاتها بين جنوب نهر الليطاني وشماله وإن كانت محدودة، بغياب أي رد فعل من «حزب الله».

وتسعى إسرائيل بذلك إلى تمرير رسالة لواشنطن بأنها ليست معنية بمفاعيل الاتفاق، وإن كانت تحرص على عدم توسيع رقعة الخروق، وأبقتها محدودة استرضاء للرأي العام الإسرائيلي، ولعدم استفزاز واشنطن، مع أن مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية بقيت تحت سقف وقف الأعمال العسكرية، ولم تنص على الانسحاب من الجنوب.

ومع أن رئيس الجمهورية جوزيف عون ثمَّن ما توصلت إليه مذكرة التفاهم، فإن لبنان رئاسة وحكومة لم يتبلغ بعد تفاصيل الاتفاق، بخلاف «الثنائي الشيعي» الذي تبلغ من إيران بلسان وزير خارجيتها عباس عراقجي، ليل الجمعة الماضي، بالتوصل لاتفاق إيراني-أميركي برعاية باكستانية لوقف النار على كافة الجبهات.

قلق ثم تفاؤل

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر بارز في «الثنائي الشيعي» أن منسوب القلق ارتفع من استهداف إسرائيل الضاحية الجنوبية، لكنه سرعان ما عاد للتفاؤل بعد رد الرئيس الأميركي دونالد ترمب على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو متهماً إياه بعرقلة الاتفاق، ومضيفاً أنه لا مبرر لاستهداف الضاحية الجنوبية رداً على سقوط مسيّرة لـ«حزب الله» في شمال إسرائيل لم تُحدث أي أضرار.

لكن الاتفاق الأميركي-الإيراني وإن قوبل بترحيب عربي ودولي، ولبناني، فيفترض أن يتصدر جدول أعمال الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية برعاية وزارة الخارجية الأميركية في اجتماعها المرتقب في 22 و23 و24 يونيو (حزيران) المقبل، والذي سيُعقد على المستويين السياسي، والأمني، نظراً لأن وقف الأعمال العسكرية يعني بحسب مصدر نيابي أن استئناف المفاوضات سيتلازم هذه المرة مع تحييدها عن الضغط بالنار.

حاجز للجيش اللبناني في قرية كفرا الجنوبية وإغلاق الطريق المؤدي إلى قرية حارث المجاورة حيث لا يزال الجيش الإسرائيلي موجوداً وذلك بعد ساعات من إعلان الاتفاق الأميركي-الإيراني (أ.ف.ب)

ولفت المصدر النيابي المقرب من «الثنائي الشيعي» إلى أن المفاوضات الأميركية-الإيرانية توصلت لاتفاق يقضي بوقف الأعمال العسكرية، بخلاف المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل التي لم تتمكن فعلياً من التوصل لوقف نار على امتداد 4 جلسات، وتوقع أن تبادر واشنطن للضغط على إسرائيل لإلزامها بوقف النار رغم أنها تسعى من خلال خروقها للسيطرة على الحافة الأمامية في شمال نهر الليطاني المطلة على جنوبه، وهي تحاول الآن تحصينهما على نحو يفتح الباب من وجهة نظرها أمام مطالبتها بتحويلهما لمنطقة أمنية واحدة تخضع لسيطرة الجيش اللبناني، وانتشاره حتى الحدود الدولية بالتلازم مع انسحاب إسرائيل من البلدات التي تحتلها.

رافعة للمفاوضات المقبلة

وفي المقابل، يتعامل مصدر وزاري تحدّث لـ«الشرق الأوسط» مع وقف الأعمال العسكرية على أنه يشكل رافعة في حال التزمت به إسرائيل للانتقال بالمفاوضات في جولتها الخامسة للبحث بالترتيبات الأمنية لإنهاء حالة الحرب بين البلدين، على أن تتلازم مع الانسحاب من الجنوب، بموازاة حصر السلاح بيد الدولة، وسحبه من «حزب الله» على مراحل، ما يضمن التزامن بين عمليتي الانسحاب وجمع السلاح.

وأكد المصدر أن إلزام إسرائيل بوقف النار من شأنه أن يرفع الضغط بالنار الذي تمارسه على لبنان، وقال إن رفعه يجب أن يتلازم بإدراج سحب السلاح ضمن الترتيبات الأمنية، لأنها ليست في وارد الانسحاب بلا أي مقابل في ظل الإبقاء على سلاحه بدلاً من وضعه بعهدة الدولة لطمأنتها على أمن مستوطناتها الواقعة في شمال فلسطين المحتلة قبالة الحدود اللبنانية.

ورأى أن إسرائيل بتوسعة تمددها من قلعة الشقيف والبلدات المحيطة بها إلى مناطق أخرى إنما تصر على ربط شمال النهر بجنوبه، وإخضاعه لسيطرة الجيش، وهذا لن يتحقق ما لم ينسحب «حزب الله»، ويتراجع إلى شمال نهر الزهراني.

وقال المصدر إن «حزب الله» برفضه المفاوضات المباشرة، ورهانه على المفاوضات الأميركية-الإيرانية يكون قد «سدد دفعة على الحساب (بالمفهوم السياسي) لإيران على ما وفرته له من أشكال الدعم المالي، والعسكري»، ويكون في المقابل أوحى لحاضنته الشعبية بأنه ليس متروكاً وحده، وأن ما تبقى من «محور الممانعة» بقيادة إيران يشكل ضمانة له ولحليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

نازحون من الجنوب يوضبون أمتعتهم استعداداً للعودة إلى قراهم عقب الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار (أ.ب)

لا ذكر للانسحاب

توقف المصدر أمام توافق الولايات المتحدة وإيران على وقف الأعمال العسكرية، وقال إن ما تسرب من مذكرة التفاهم التي ستوقع بين البلدين برعاية باكستانية، وحضور دولي وعربي غير مسبوق، لم يأتِ على ذكر انسحاب إسرائيل من الجنوب الذي يُفترض أن يتصدّر مباحثات الجولة الخامسة من المفاوضات التي من المتوقع أن تقاربه للمرة الأولى بكل تفاصيله، وبخطوات ملموسة. وقال إن الاتفاق الأميركي-الإيراني، وإن أدى إلى رفع معنويات «حزب الله»، فهو لن يكون بديلاً عن المفاوضات المباشرة، وإلا لماذا لم تأتِ التصريحات الأميركية على ذكر الانسحاب الإسرائيلي بخلاف ما تبلغه «الثنائي الشيعي» من الوزير عراقجي، والتصرّف على أنه لا يزال يملك الأوراق التفاوضية لتحسين شروطه في مرحلة ما بعد التوصل لاتفاق لبناني-إسرائيلي برعاية أميركية؟

وأكد أن رفع الحصار البحري عن إيران في مقابل إطلاق حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز ليس بديلاً عن المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، لأنها بمثابة جدول أعمال للمفاوضات الأميركية-الإيرانية الماراثونية على امتداد ستين يوماً.

ورأى المصدر أن المذكرة كناية عن تبادل حسن نوايا بين الطرفين، لتنفيس الاحتقان، وخلق المناخ المواتي للبحث في رفع العقوبات الأميركية عن إيران، ومنها الأموال المحتجزة لديها، مقابل تجاوبها مع تقديم التنازلات في ملفها النووي. وبالتالي ليست بديلة عن الرعاية الأميركية للمفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، وإلا لما اقتصرت لبنانياً على وقف النار من دون أي ملحق يتناول مستقبل العلاقات بين البلدين على قاعدة نشر الجيش في جنوب الليطاني، ولكانت إسرائيل تسعى لإلحاق المنطقة التجريبية التي تسيطر عليها في شمال النهر بجنوبه، وإخضاعهما لسلطة الجيش.

لذلك فإن شمول لبنان بوقف النار لا يبدّل من المعادلة التي تُدرج انسحاب إسرائيل في مقابل جمع سلاح «حزب الله»، وأن الرهان على أن وقف النار بموجب الاتفاق الأميركي-الإيراني لن يكون بديلاً عن المفاوضات المباشرة، بخلاف ما يراهن عليه البعض، وهذا ما سيترجم في الجولة الخامسة من المفاوضات التي يصر لبنان على أن يسبقها إلزام إسرائيل بوقف النار، لأن خرقه يشكل إحراجاً للوفد اللبناني من جهة، ويعطي ذريعة لـ«حزب الله» بدعوته للانسحاب من المفاوضات.


مقالات ذات صلة

الجيش اللبناني يجري تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني

المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية خلال جولة إعلامية للاطلاع على عمليات الجيش في منطقة جنوب الليطاني ببلدة علما الشعب قرب الحدود مع إسرائيل يوم 28 نوفمبر 2025 (رويترز)

الجيش اللبناني يجري تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني

يبدأ الجيش اللبناني، الثلاثاء، تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني، وفق ما أعلن الطرفان، على أن يشارك عناصر من جيوش الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا في المناورة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي دورية لقوات «يونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

نواب لبنانيون يطالبون بإبقاء «اليونيفيل» لمنع الفراغ الأمني في الجنوب

دعا نواب لبنانيون، الاثنين، مجلس الأمن الدولي إلى إعادة النظر في القرار 2790 المتعلق بإنهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام متفقداً سرية درك النبطية يوم الجمعة الماضي (الوكالة الوطنية للإعلام)

بري يفرمل حملات «حزب الله» على رئيس الحكومة اللبنانية

دفع رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري باتجاه إنجاز تهدئة بين رئيس الحكومة نواف سلام وجزء كبير من الجنوبيين، عكستها زيارة سلام الى النبطية يوم الجمعة الماضي.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي جنود ينتظرون عند مدخل قرية زوطر الغربية جنوب لبنان مع انتشار الجيش اللبناني في المنطقة عقب انسحاب القوات الإسرائيلية 21 يوليو الماضي (رويترز)

لبنان يبدأ ملاحقة سليمان الأسد بحيازة أسلحة حربية ومخدرات

تخطّى توقيف سليمان هلال الأسد في لبنان إطاره القضائي، وملاحقته باتهامات تتصل بـ«حيازة الأسلحة الحربية والاتجار بها وبالمخدرات».

يوسف دياب (بيروت)
خاص رئيس الجمهورية ملتقياً حاكم مصرف لبنان  في 2 أكتوبر (الرئاسة اللبنانية)

خاص طعن رئاسي يهدد بإعادة لبنان إلى «نقطة الصفر» مع صندوق النقد الدولي

​انكفأت التطلعات الرسمية في لبنان «المتفائلة» بقرب إبرام الاتفاق الأولي مع صندوق النقد الدولي، إلى واقع «التريث» غير المحدّد زمنياً.

علي زين الدين (بيروت)

الجيش اللبناني يجري تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني

عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية خلال جولة إعلامية للاطلاع على عمليات الجيش في منطقة جنوب الليطاني ببلدة علما الشعب قرب الحدود مع إسرائيل يوم 28 نوفمبر 2025 (رويترز)
عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية خلال جولة إعلامية للاطلاع على عمليات الجيش في منطقة جنوب الليطاني ببلدة علما الشعب قرب الحدود مع إسرائيل يوم 28 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

الجيش اللبناني يجري تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني

عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية خلال جولة إعلامية للاطلاع على عمليات الجيش في منطقة جنوب الليطاني ببلدة علما الشعب قرب الحدود مع إسرائيل يوم 28 نوفمبر 2025 (رويترز)
عناصر من الجيش اللبناني على متن آلية عسكرية خلال جولة إعلامية للاطلاع على عمليات الجيش في منطقة جنوب الليطاني ببلدة علما الشعب قرب الحدود مع إسرائيل يوم 28 نوفمبر 2025 (رويترز)

يبدأ الجيش اللبناني، الثلاثاء، تدريبات مشتركة مع الجيش البريطاني، وفق ما أعلن الطرفان، على أن يشارك عناصر من جيوش الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا في هذه المناورة غير المعتادة التي تمتد 3 أسابيع، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

تُعدّ بريطانيا من الدول الرئيسية الداعمة للجيش اللبناني، وقدّمت له على مدى سنوات دعماً بملايين الدولارات شمل تدريب آلاف العناصر على تأمين الحدود البرية.

وذكر الجيش في بيان، الاثنين، أن التمارين المشتركة التي تحمل اسم «بيغاسوس سيدار 2026» تهدف إلى «تعزيز قدرات الوحدات العسكرية، ورفع مستوى التنسيق بين الجيش اللبناني والجيوش الصديقة».

وتشمل المناورة، وفق الجيش، «تدريبات على الاستطلاع والدَّهم والقتال في الأماكن المبنية، وعمليات إنزال بالطوافة، ورمايات بـ(الهاون)».

وبالإضافة إلى الجنود البريطانيين من الفوج الملكي الاسكوتلندي وعناصر من الفوج المجوقل في الجيش اللبناني، يشارك في التدريب «عناصر من جيشي الولايات المتحدة وإيطاليا، مع انضمام عناصر من جيوش فرنسا وقبرص وقطر والأردن كمراقبين»، وفق ما أعلنت السفارة البريطانية في بيان، الاثنين.

وقالت إن التدريب الذي سبقه تمرين مماثل في عام 2023، يهدف إلى «تعزيز العلاقات الدفاعية الثنائية والارتقاء بالجهوزية العملانية».

ويواجه الجيش اللبناني الذي يعاني من نقص في العديد والعتاد والقدرات التقنية تحدّيات عديدة لجهة استكمال انتشاره في جنوب لبنان، بموجب اتفاق إطار أبرمته الحكومتان اللبنانية والإسرائيلية في يونيو (حزيران) الماضي، نص على نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب.

ويطالب لبنان المجتمع الدولي بدعم إضافي للجيش ليتمكن من استكمال انتشاره، وتنفيذ مهامه.

وإثر حرب مدمرة خاضها «حزب الله» وإسرائيل لأكثر من عام، وانتهت بوقف لإطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، أقرّت الحكومة اللبنانية خطة لنزع سلاح «حزب الله»، نصّت على حصر السلاح بيد القوى الشرعية، وكلّفت الجيش تنفيذها. وتلقى لبنان إثر ذلك وعوداً دولية بدعم الجيش لأداء مهماته.


إسرائيل تحيي ذكرى 7 أكتوبر... وسط هرب من «الحقيقة الكاملة»

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في القدس يوم 5 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في القدس يوم 5 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تحيي ذكرى 7 أكتوبر... وسط هرب من «الحقيقة الكاملة»

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في القدس يوم 5 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في القدس يوم 5 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

ابتداء من الاثنين تنطلق في إسرائيل فعاليات واسعة جداً لاستذكار أحداث هجوم حركة «حماس» على 21 بلدة و11 موقعاً عسكرياً في محيط قطاع غزة، والذي وقع في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) قبل ثلاث سنوات. والجمهور الإسرائيلي، الذي وقف موحداً في مواجهة الهجوم وساند الحكومة في ردها الشرس على قطاع غزة واتساع حلقة الحرب إلى جبهات أخرى، يجد نفسه أمام صراعات ما بين معسكرات متضادة، كل منها يبرز شيئاً مختلفاً؛ فالجيش يعترف بإخفاقاته لكنه يضيف أنه حقق انتصاراً على الأعداء. والحكومة، برئاسة بنيامين نتنياهو، تتهرب من أي مسؤولية وتتهم أجهزة الأمن بالمسؤولية عن الإخفاق، وترفض المطلب الواسع الذي يؤيده 63 في المائة من الجمهور بإقامة لجنة تحقيق رسمية ذات صلاحيات. والمعارضة تتهم الحكومة، في حين ترفض جهات مستقلة إقامة برامج بحضور نتنياهو ووزرائه.

ولم يعد الناطقون باسم هذه التيارات المتضاربة يخفون خلافاتهم، لكنهم في موضوع واحد متفقون حتى الآن، وهو إبراز الألم اليهودي مما جرى، بلا تطرق للآلام الرهيبة التي عانى ويعاني منها الفلسطينيون جراء الانتقام الإسرائيلي من هجوم 7 أكتوبر.

مشاركون في احتفال بذكرى هجوم 7 أكتوبر 2023 في القدس الاثنين (رويترز)

ولا شك أن هناك آلاماً كبيرة في الطرف الإسرائيلي، ما من شك في ذلك، خصوصاً في البلدات التي قُتل وجرح فيها مدنيون من الرجال والنساء والشيوخ والعجز. وبين هؤلاء أناس اشتهروا بنشاطات عديدة لأجل السلام، مثل المجموعات التي كانت تهتم بنقل مرضى من غزة إلى المستشفيات الإسرائيلية للعلاج، فتم قتل هؤلاء بلا رحمة. وهناك أيضاً الشباب الذين كانوا يشاركون في الحفل الموسيقي الضخم «نوفا»، فتحول حفلهم إلى مأساة جماعية، فقُتل منهم 374، وخُطف العشرات إلى غزة. وهناك مواطنون عرب من «فلسطينيي 48» قُتلوا أيضاً في الهجوم، وبينهم مواطنون من النقب قُصفت بيوتهم بصواريخ «حماس». وهناك عمّال كانوا يعملون في البلدات اليهودية، بما في ذلك واحدة محجّبة قُتلت لأنها قالت للمهاجمين «حرام عليكو. مش هيك الإسلام»، وآخر يعمل ممرضاً في سيارة إسعاف قتلوه لأنه كان يسعف أحد المصابين اليهود.

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يحمل إكليل ورد في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في مقبرة بالقدس يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

لكن في إسرائيل هناك من يتعامل مع هذا الألم باعتباره واقعاً، ويوثقه للتاريخ، وهناك من يستغله بلا رحمة، ليجعله وقوداً للكراهية والعنف والوعد بحرب أبدية للأجيال القادمة، وكل ذلك من خلال تجاهل تام للطرف الفلسطيني الذي تعرّض لجرائم حرب وقتل جماعي وتهجير.

العودة إلى أكتوبر

أحد أبرز المواقع التي تحيي الذكرى هو متحف 7 أكتوبر في منطقة غليلوت، الذي يُعرف رسمياً باسم معرض «العودة إلى أكتوبر»، وهو معرض وثائقي دائم أُقيم داخل مركز تراث الاستخبارات الإسرائيلية على اسم مئير عميت. ومع أنه ما زال في طور البناء، فقد زاره حتى الآن عشرات ألوف الإسرائيليين (من جيل 16 عاماً وما فوق فقط بسبب المحتوى القاسي المعروض فيه)، ومئات الوفود الأجنبية لدبلوماسيين وجنرالات ورؤساء أركان جيوش من مختلف دول العالم.

ويقوم هذا المتحف على مساحة تقارب 600 متر مربع، وتم بناء قسم منه تحت الأرض في مساحات خرسانية تحاكي شكل وتصميم أنفاق «حماس» في غزة. ويتألف من عدة غرف، كل منها تعرض قصة أو موضوعاً مختلفاً. تبدأ بالوثائق والمقتنيات التي غنمها الجيش الإسرائيلي خلال احتلال قطاع غزة ومواقع «حماس» و«الجهاد»، وتلك التي تم العثور عليها مع مقاتلي النخبة التابعين لـ«حماس». تتضمن هذه الوثائق خرائط تفصيلية للمستوطنات وخططاً هجومية مكتوبة بخط اليد (من بينها وثائق وتوجيهات تعود ليحيى السنوار). كما تتضمن أسلحة ومعدات عسكرية استُخدمت في الهجوم (آر بي جي، كلاشنيكوف، وغير ذلك). وهناك أيضاً آليات تابعة لمهاجمي «حماس» مثل دراجات نارية وسيارات دفع رباعي (تويوتا)، بالإضافة إلى سيارات تم الاستيلاء عليها من موقع حفل «نوفا».

عناصر من «حماس» مع رهينة إسرائيلي في دير البلح وسط قطاع غزة يوم 8 فبراير 2025 (رويترز)

وفي قسم التجربة السمعية والبصرية، يعرض المتحف عبر تقنيات تفاعلية وشاشات عملاقة تسلسلاً زمنياً للأحداث وفق الرواية الإسرائيلية من خلال فيديوهات وتسجيلات صوتية أصلية لعمليات الاقتحام والاشتباكات التي دارت في مستوطنات غلاف غزة. وهي تُعرض بشكل انتقائي؛ إذ إن هناك صوراً قاسية للغاية تظهر فيها أطراف مبتورة ورأس مقطوع وجثث محروقة... لا تُعرض إلا على أناس أشداء يستطيعون تحملها.

كعربي فلسطيني ينتمي إلى الشعب الذي ينتمي إليه منفذو تلك الجرائم، تُصعق وتصاب بالخجل والألم الشديدين. وتغادر بشعور من القلق على مستقبل الأجيال القادمة. وتتساءل: كيف يمكن التخلص من مثل هذه التقاليد الوحشية؟ لكن في الوقت ذاته، تخرج بانطباع أن التجاهل التام في هذا المتحف للرد الإسرائيلي، الذي اتسم بسياسة «الأرض المحروقة»، يجعل الحدث بداية وليس نهاية لحرب يُراد لها أن تبقى حرباً مفتوحة إلى أجيال.

يُغفل المعرض أن الشعبين، الإسرائيلي والفلسطيني، يحتاجان إلى رؤية موضوعية، لا تتهرب من الواقع، بل تعرض الروايتين، وتُجري مراجعة صادقة لما جرى في 7 أكتوبر وما سبقه وما تلاه. فالكارثة لم تبدأ في هذا التاريخ فحسب. وهناك حاجة ماسة لأن يُفتح الباب لخطط ومشاريع توقف الحرب، وتنقل أبناء الشعبين إلى مستقبل تُحقن فيه دماء الطرفين، وترسم مستقبلاً للأجيال الجديدة، فيه الحياة هي العنوان، والسلام هو المصير.


نواب لبنانيون يطالبون بإبقاء «اليونيفيل» لمنع الفراغ الأمني في الجنوب

دورية لقوات «يونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)
دورية لقوات «يونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)
TT

نواب لبنانيون يطالبون بإبقاء «اليونيفيل» لمنع الفراغ الأمني في الجنوب

دورية لقوات «يونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)
دورية لقوات «يونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

دعا نواب لبنانيون، الاثنين، مجلس الأمن الدولي إلى إعادة النظر في القرار 2790 المتعلق بإنهاء ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل»، مطالبين بإبقائها وتعزيز فاعليتها إلى حين انسحاب إسرائيل وتمكن الجيش اللبناني من الانتشار وتولي المسؤولية كاملة في الجنوب.

وجاء الموقف خلال مؤتمر صحافي عقده في مقر البرلمان بوسط بيروت، النواب ملحم خلف وفراس حمدان وميشال موسى ونجاة عون وبولا يعقوبيان وعدنان طرابلسي وإبراهيم منيمنة؛ في استكمال لمبادرة سبق أن وقعها 86 نائباً للمطالبة باستمرار عمل القوة الدولية.

لا تسليم إلا للجيش

وقال خلف إن «الجنوب أمام خطر لا يجوز الانتظار حتى وقوعه»، يتمثل بانسحاب «اليونيفيل» قبل زوال الاحتلال الإسرائيلي وتمكن الدولة اللبنانية من ممارسة سلطتها «الفعلية والحصرية» على كامل أراضيها.

وأوضح أن النواب أعدوا مذكرة حقوقية تطالب مجلس الأمن بإعادة النظر في القرار 2790، لا سيما في توقيت وآلية انسحاب القوة الدولية، قائلاً: «مطلبنا واضح: إبقاء (اليونيفيل) وتعزيز فاعليتها، وتمكين الجيش اللبناني من الانتشار وتولي مسؤولياته، ومنع ترك الجنوب أمام فراغ أمني وإنساني».

صورة لمبنى مجلس النواب اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

وشدد خلف على أنه «لا يجوز تسليم مواقع (اليونيفيل) إلا إلى الجيش اللبناني، ولا إلى أي جهة أخرى»، لافتاً إلى أن انتقال المسؤولية يفترض قدرة الجيش فعلياً على الوصول إلى المواقع وتأمينها والاستمرار فيها.

وحذر من أن انسحاب القوة الدولية، في ظل استمرار الوجود الإسرائيلي وتعذر وصول الجيش إلى بعض المناطق، قد يؤدي إلى «فراغ ميداني بالغ الخطورة»، ويزيد مخاطر فرض وقائع جديدة على الأرض وتعقيد بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها.

مخاوف أمنية وإنسانية

وتوقف خلف عند الدور الذي تؤديه «اليونيفيل» في المراقبة والتنسيق واحتواء الحوادث، معتبراً أن غيابها قد يترك الجيش اللبناني أمام احتكاك مباشر مع الجيش الإسرائيلي «من دون الوساطة الدولية التي تساعد على ضبط الحوادث ومنع تصاعدها».

كما أشار إلى البعد الإنساني لمهمتها، ولا سيما في تسهيل وصول المساعدات ومواكبة الحركة في المناطق التي تواجه قيوداً أمنية، محذراً من أن الانسحاب من دون بديل قادر قد يفاقم عزلة بعض القرى الجنوبية.

مذكرة إلى الرؤساء ومجلس الأمن

وأشار خلف إلى أن القرار 2790 حدّد نهاية ولاية «اليونيفيل» في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، على أن يعقبها انسحاب تدريجي خلال سنة، لكنه شدد على ضرورة أن يسبق ذلك «تقييم أممي موثق» للانسحاب الإسرائيلي، وقدرة الجيش على الانتشار، وسلامة المدنيين وحرية الحركة.

وأعلن أن المذكرة ستُسلّم إلى رؤساء الجمهورية جوزيف عون والبرلمان نبيه بري والحكومة نواف سلام ووزير الداخلية أحمد الحجار، وإلى اليونان بصفتها تتولى رئاسة مجلس الأمن لهذا الشهر، إضافة إلى الأمم المتحدة. وختم قائلاً: «لا تجعلوا انسحاب (اليونيفيل) مدخلاً إلى تثبيت الاحتلال أو إلى نشوء أوضاع تعرقل بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها».