الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

اليوم العالمي للمتبرعين بالدم 2026

الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله
TT

الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

الدم... مورد طبي ثمين لم يستطع العلم استبداله

في الرابع عشر من يونيو (حزيران) من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للمتبرعين بالدم، تكريماً لملايين الأشخاص الذين يهبون دماءهم طوعاً ومن دون مقابل لإنقاذ حياة الآخرين. وفي هذا العام (2026)، اختارت «منظمة الصحة العالمية» شعار «قطرةٌ من الإنسانيّة... تَبَرَّعْ بالدَّمِ وأنقِذْ الأرواحَ» (One Drop of Humanity. Give Blood. Save Lives)، في رسالة تؤكد أن التبرع بالدم لا يمثل مجرد إجراء طبي؛ بل يجسد أسمى معاني التضامن الإنساني والمسؤولية المشتركة.

ويأتي هذا الاحتفاء العالمي في وقت تتزايد فيه النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية والأزمات الإنسانية والصحية، ما يجعل الحاجة إلى الدم الآمن أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وتؤكد «منظمة الصحة العالمية» أن مساهمات المتبرعين بالدم تمثل ركناً أساسياً في دعم الأنظمة الصحية حول العالم، حيث تسهم في إنقاذ المرضى في حالات الطوارئ والحوادث، ومضاعفات الحمل والولادة، والعمليات الجراحية، وعلاج السرطان، والعديد من الأمراض المزمنة والخطيرة. ورغم التطور الكبير الذي شهدته أنظمة سلامة الدم والفحوصات المخبرية، فإن توفير الدم الآمن لا يزال يعتمد بصورة أساسية على الأشخاص المستعدين للتبرع بانتظام وطوعاً، في وقت لا تزال فيه دول عديدة تواجه نقصاً في الإمدادات وعدم مساواة في فرص الحصول على الدم ومشتقاته.

شعار المناسبة 2026

مورد طبي ثمين

على الرغم من الإنجازات المذهلة في مجالات الهندسة الحيوية والذكاء الاصطناعي، فإن العلم لم يتمكن حتى الآن من إنتاج بديل صناعي يؤدي جميع الوظائف الحيوية للدم البشري.

ويتكون الدم من منظومة حيوية معقدة تشمل خلايا الدم الحمراء المسؤولة عن نقل الأكسجين، والصفائح الدموية التي تؤدي دوراً أساسياً في وقف النزيف، والبلازما التي تنقل العناصر الغذائية والهرمونات والبروتينات الضرورية، إضافة إلى خلايا الدم البيضاء التي تشكل ركناً مهماً من منظومة الدفاع المناعي.

وعند التبرع بوحدة دم واحدة، يمكن فصل هذه المكونات واستخدامها لعلاج أكثر من مريض حسب احتياجاته الطبية، وهو ما يضاعف القيمة العلاجية لكل عملية تبرع.

وتشير بيانات «منظمة الصحة العالمية» إلى أن أكثر من 118 مليون تبرع بالدم يتم تسجيلها سنوياً حول العالم، إلا أن توزيعها لا يزال غير متوازن؛ إذ تتركز نسبة كبيرة منها في الدول ذات الدخل المرتفع، رغم أن غالبية سكان العالم تعيش في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. ويؤدي هذا التفاوت إلى تحديات مستمرة في توفير الدم الآمن للفئات الأكثر احتياجاً.

وتشير بيانات «منظمة الصحة العالمية» إلى وجود تفاوت واضح في أنماط الاستفادة من خدمات نقل الدم بين الدول المختلفة؛ ففي الدول منخفضة الدخل تُعطى نسبة كبيرة من عمليات نقل الدم للأطفال دون الخامسة من العمر، بينما تتركز غالبية عمليات نقل الدم في الدول مرتفعة الدخل بين كبار السن والمرضى الذين يخضعون للعمليات الجراحية المعقدة أو علاجات الأورام. ويعكس هذا التباين أن قضية الدم لا ترتبط فقط بتوافر الإمدادات؛ بل تمتد أيضاً إلى مفهوم العدالة الصحية العالمية وضمان حصول جميع المرضى على الرعاية التي يحتاجونها بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو مستوى الدخل.

ومن الحقائق المهمة أن صلاحية مكونات الدم محدودة زمنياً؛ فالصفائح الدموية لا يمكن الاحتفاظ بها إلا لفترة قصيرة لا تتجاوز عدة أيام، في حين تحتاج خلايا الدم الحمراء إلى ظروف حفظ دقيقة ولمدة محدودة أيضاً. ولذلك لا تستطيع بنوك الدم الاعتماد على التخزين طويل الأمد؛ بل تحتاج باستمرار إلى تدفق منتظم للمتبرعين للحفاظ على توازن دقيق بين العرض والطلب.

ولا تقتصر التحديات المرتبطة بإمدادات الدم على الاحتياجات الحالية فحسب؛ بل تمتد أيضاً إلى المستقبل. فمع تزايد أعداد كبار السن في كثير من دول العالم وارتفاع معدلات الأمراض المزمنة والحاجة إلى العمليات الجراحية المعقدة وعلاجات الأورام، يتوقع الخبراء زيادة الطلب على الدم ومكوناته خلال العقود المقبلة. وفي المقابل، يواجه بعض الدول تحديات مرتبطة بتراجع أعداد المتبرعين المنتظمين نتيجة التغيرات الديمغرافية وأنماط الحياة الحديثة، مما يجعل تعزيز ثقافة التبرع بالدم استثماراً طويل الأمد في استدامة الأنظمة الصحية.

الحروب والكوارث والأمن الصحي

عندما تقع الكارثة يصبح الدم أثمن من الدواء! وتتضاعف أهمية الدم بصورة كبيرة عند وقوع الكوارث والأزمات الإنسانية. ففي اللحظات التي تتعرض فيها المجتمعات للحروب، أو الزلازل، أو الفيضانات، يصبح توفر الدم ومشتقاته عاملاً حاسماً في إنقاذ الأرواح خلال الساعات الأولى الحرجة، وهي الفترة التي تحدد فرص النجاة.

وفي حالات الصدمات الكبرى والإصابات البالغة، قد يحتاج المصاب إلى عدة وحدات من الدم خلال فترة زمنية قصيرة لتعويض الفاقد. وتشير الأدبيات الطبية إلى أن النزيف الشديد ما زال يمثل أحد الأسباب الرئيسية للوفاة التي يمكن الوقاية منها في حالات الحوادث والكوارث، إذا توافرت الرعاية الطبية السريعة.

ومن المفارقات المقلقة أن الحاجة إلى الدم ترتفع بشكل حاد في أوقات الأزمات، بينما تنخفض في الوقت نفسه معدلات التبرع نتيجة تعطل وسائل النقل، أو إغلاق المرافق، أو انشغال السكان بظروف الطوارئ. وقد كشفت جائحة «كوفيد - 19» مثالاً واضحاً على هشاشة سلاسل إمداد الدم، حيث تراجعت معدلات التبرع نتيجة القيود المفروضة على الحركة والتجمعات، مما أظهر أن استدامة خدمات نقل الدم ترتبط مباشرة بمرونة الأنظمة الصحية وقدرتها على مواصلة تقديم الرعاية في الظروف الاستثنائية.

وحين تقع الكارثة، لا يكون هناك متسع من الوقت للبحث عن متبرعين؛ بل يعتمد نجاح الاستجابة على ما تم بناؤه مسبقاً من ثقافة مجتمعية داعمة للتبرع، وتوافر مخزون كافٍ من الدم ومكوناته.

أما الأمن الصحي، فهو أكثر من مجرد مستشفيات وأدوية؛ إذ أثبتت التجارب العالمية الحديثة أن الأمن الصحي أصبح ركناً أساسياً من أركان استقرار الدول. وفي هذا الإطار، برزت خدمات نقل الدم بوصفها أحد المؤشرات المهمة على قوة النظام الصحي ومرونته. فتوفر مخزون آمن ومستدام يعكس مستوى الوعي المجتمعي، وفاعلية السياسات العامة، وقدرة الدولة على التخطيط الاستراتيجي.

ومن منظور إدارة المخاطر، فإن النقص في إمدادات الدم قد يتحول بسرعة إلى أزمة تؤثر على قطاعات واسعة من الخدمات الطبية، حيث تضطر المستشفيات إلى تأجيل العمليات الجراحية غير الطارئة، أو إعادة ترتيب الأولويات العلاجية. ولا يقتصر مفهوم الأمن الصحي على توافر الدم من حيث الكمية، بل يشمل سلامته وجودته؛ فكل وحدة تمر بسلسلة من الإجراءات الدقيقة للفحص والتصنيف وفق معايير صارمة لحماية المتلقي من الأمراض المنقولة.

وفي المملكة العربية السعودية، يكتسب هذا المفهوم أهمية إضافية استثنائية في ضوء الدور الذي تؤديه المنظومة الصحية في خدمة ملايين المواطنين والمقيمين، إلى جانب الملايين من الزوار القادمين من مختلف أنحاء العالم على مدار العام. فالمواسم الدينية الكبرى، وما يصاحبها من كثافة بشرية عالية في أوقات زمنية محددة، تتطلب جاهزية مستمرة لخدمات الطوارئ، بما في ذلك توفير مخزون كافٍ وآمن من الدم ومكوناته. وقد شهدت المملكة خلال السنوات الماضية، تطوراً ملحوظاً في برامج التبرع بالدم وحملات التوعية المجتمعية الرقمية والميدانية، وتطوير بنوك الدم المركزية، مما يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية هذا المورد في دعم الأمن الصحي الوطني.

فئات معتمدة على نقل الدم

رغم ارتباط التبرع بالدم في الأذهان بضحايا الحوادث، فإن الحقيقة أن الحاجة إليه تمثل جزءاً من الرعاية الطبية اليومية المستمرة لعدد كبير من المرضى، وعلى سبيل المثال:

• صحة الأمومة: تأتي النساء اللاتي يتعرضن لمضاعفات النزيف الحاد أثناء الحمل أو الولادة في مقدمة المستفيدين. ووفقاً لـ«منظمة الصحة العالمية»، لا يزال النزيف الحاد أحد الأسباب الرئيسية لوفيات الأمهات عالمياً، ويكون توفر الدم عاجلاً هو العامل الفاصل بين الحياة والموت.

• مرضى الأورام والسرطان: يتسبب العلاج الكيميائي والإشعاعي في تثبيط قدرة نخاع العظم على إنتاج خلايا الدم، ما يجعل المرضى بحاجة مستمرة لنقل كريات الدم الحمراء أو الصفائح الدموية، لدعم وظائف الجسم أثناء فترة العلاج.

• أمراض الدم الوراثية: على رأسها الثلاسيميا والأنيميا المنجلية، وتكتسب أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي لارتفاع معدلات انتشارها. فمرضى الثلاسيميا الشديدة يحتاجون إلى نقل الدم دورياً كل بضعة أسابيع مدى الحياة، للبقاء على قيد الحياة.

• العمليات الجراحية المعقدة: مثل جراحات القلب المفتوح، وزراعة الأعضاء، وجراحات الأورام الكبرى، التي تتطلب توفير مخزون مسبق لضمان سلامة المريض.

• الأطفال الخدج وحديثو الولادة: الذين يعانون من مشكلات صحية مرتبطة بالولادة المبكرة أو اضطرابات الدم المكتسبة.

«قطرةٌ من الإنسانيّة... تَبَرَّعْ بالدَّمِ وأنقِذْ الأرواحَ»

مفاهيم خاطئة

رغم فوائد التبرع بالدم، لا يزال هناك بعض المفاهيم الخاطئة والمخاوف غير المبررة التي تقف عائقاً أمام زيادة أعداد المتبرعين في المجتمعات، ومن أبرزها:

- الخوف من الإصابة بالعدوى: يعتقد البعض أن التبرع قد ينقل أمراضاً فيروسية، والحقيقة العلمية تؤكد أن جميع الأدوات والمستلزمات الطبية المستخدمة في سحب الدم معقمة بالكامل، وتُستخدم لمرة واحدة فقط لكل متبرع ثم يتم التخلص منها، مما يجعل انتقال العدوى أمراً مستحيلاً.

- الاعتقاد بأن التبرع يسبب الضعف العام: يخشى البعض أن يؤدي التبرع إلى فقر الدم أو الإرهاق المزمن. وعلمياً، يعوّض الجسم حجم السائل المفقود (البلازما) في غضون من 24 إلى 48 ساعة، بينما تتجدد خلايا الدم الحمراء بالكامل خلال أسابيع قليلة، بل إن التبرع ينشط نخاع العظم لإنتاج خلايا جديدة ويحسن الدورة الدموية.

- اشتراط فصيلة دم نادرة: يمتنع البعض ظناً منهم أن فصائل دمهم الشائعة متوفرة بكثرة ولا قيمة للتبرع بها، والواقع أن الفصائل الشائعة هي الأكثر طلباً واستهلاكاً في المستشفيات يومياً، والحاجة إليها مستمرة بلا انقطاع. وفي عالم تتزايد فيه التحديات، يبقى الدم واحداً من أكثر الموارد الطبية ارتباطاً بقيمة الحياة نفسها. فهو مورد لا يمكن تصنيعه، ولا يمكن توفيره إلا من خلال أشخاص يختارون تلبية الواجب الإنساني بمنح جزءٍ يسيرٍ من دمهم لإنقاذ حياة إنسان آخر قد لا يعرفونه أبداً.

وفي وقت تتزايد فيه النزاعات والكوارث ويتسع فيه الطلب على خدمات الرعاية الصحية المتقدمة، يبقى المتبرع بالدم شريكاً صامتاً في إنقاذ الأرواح ودعم استدامة الأنظمة الصحية، حتى إن لم يرَ يوماً الأشخاص الذين ساعدهم في مواصلة الحياة.

إن التبرع بالدم يتجاوز كونه عملاً تطوعياً فردياً ليصبح ركيزة في منظومة الأمن الصحي الوطني والعالمي، وعنصراً حاسماً في جاهزية الدول لمواجهة الأزمات. ومع الاحتفاء باليوم العالمي للمتبرعين بالدم، تتجدد الدعوة لترسيخ ثقافة التبرع الطوعي المنتظم بوصفها مسؤولية مجتمعية مستدامة، فحين يتبرع الإنسان بدمه، فإنه لا يمنح مجرد مكون بيولوجي؛ بل يمنح أملاً، وفرصةً جديدة للحياة، وخطاً دفاعياً صامتاً يحمي الأرواح ويعزز أمن المجتمعات ومستقبلها.

* استشاري طب المجتمع


مقالات ذات صلة

ولاية أميركية تجيز «أول طبيب ذكاء اصطناعي يصف العلاج دون إشراف بشري»

صحتك «نولا هيلث» أطلقت برنامجاً طبياً يعتمد على الذكاء الاصطناعي (الشركة)

ولاية أميركية تجيز «أول طبيب ذكاء اصطناعي يصف العلاج دون إشراف بشري»

ستبدأ شركة ناشئة في مجال الرعاية الصحية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، يوم الاثنين، بتقديم وصفات طبية لمرضى ولاية يوتا الأميركية دون إشراف بشري مباشر.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك عدم تناول الطعام صباحاً قد يؤدي إلى زيادة الشعور بالجوع والرغبة في تناول كميات أكبر من الطعام لاحقاً (بكسلز)

تتخطى وجبة الإفطار؟ 3 أشياء قد تحدث لمستويات طاقتك

قد لا تكون وجبة الإفطار بالضرورة «أهم وجبة في اليوم» من الناحية العلمية، لكن تخطيها والاستمرار من دون طعام طوال النصف الأول من اليوم ينعكس على مستويات الطاقة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك البيض يتميز بمحتواه المرتفع من البروتين وانخفاض الكربوهيدرات (بيكسلز)

البيض أم الخبز بزبدة الفول السوداني... أيهما أفضل لسكر الدم والضغط؟

بالنسبة لمن يراقبون مستويات السكر أو ضغط الدم يمكن لمكونات كل وجبة وطريقة إعدادها أن تصنع فارقاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك العين تمتلك نظاماً دقيقاً لإنتاج الدموع وتصريفها (بيكسلز)

لماذا تدمع عيناك باستمرار؟ 7 أسباب محتملة

قد يبدو تدميع العين أمراً بسيطاً، خصوصاً إذا حدث بسبب الهواء البارد، أو الغبار، أو تهيج عابر، لكن استمرار سيلان الدموع من دون سبب واضح قد يكون إشارة إلى مشكلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا عاملان في معهد «إيركوتسك للأبحاث» ومكافحة الطاعون في سيبيريا (أ.ب) p-circle

قلق دولي وأنباء عن إصابة ثانية بالطاعون وموسكو تنفي «أي خطر وبائي» من سيبيريا

قلق دولي وأنباء عن إصابة ثانية بالطاعون وموسكو تنفي «أي خطر وبائي» من سيبيريا و«الصحة العالمية» تطالب بمزيد من المعلومات... وبوتين وترمب بصدد مناقشة الحالة

إيلي يوسف إيلي يوسف (واشنطن)

هل يمكن لألعاب الفيديو أن تساعد في علاج الاكتئاب والقلق؟

كيف يمكن لألعاب الفيديو دعم الصحة النفسية؟ (بيكسلز)
كيف يمكن لألعاب الفيديو دعم الصحة النفسية؟ (بيكسلز)
TT

هل يمكن لألعاب الفيديو أن تساعد في علاج الاكتئاب والقلق؟

كيف يمكن لألعاب الفيديو دعم الصحة النفسية؟ (بيكسلز)
كيف يمكن لألعاب الفيديو دعم الصحة النفسية؟ (بيكسلز)

لطالما ارتبطت ألعاب الفيديو بالترفيه وتمضية الوقت، لكن أبحاثاً حديثة تشير إلى أنها قد تحمل فوائد تتجاوز ذلك، لتصبح أداة محتملة لدعم الصحة النفسية والتعامل مع أعراض الاكتئاب والقلق. ومع انتشار الألعاب بين مليارات الأشخاص حول العالم، يدرس الباحثون كيف يمكن الاستفادة منها لتوفير دعم نفسي منخفض التكلفة وسهل الوصول، خصوصاً لمَن يواجهون صعوبة في الحصول على العلاج التقليدي.

ويستعرض تقرير نشره موقع «فيريويل مايند» ما تقوله الأبحاث عن دور ألعاب الفيديو في تحسين المزاج وتقليل القلق والشعور بالوحدة.

كيف يمكن لألعاب الفيديو دعم الصحة النفسية؟

هل تبدو ألعاب الفيديو مجرد وسيلة للترفيه؟ ربما حان الوقت لإعادة النظر في هذه الهواية الشائعة، إذ قد تحمل الألعاب مفتاحاً لتوفير دعم نفسي منخفض التكلفة وخالياً من الوصمة في مختلف أنحاء العالم.

استعرض تقرير نُشر في مجلة JMIR Serious Games دراسات تناولت تأثير ألعاب الفيديو التجارية في الاكتئاب والقلق ومشكلات الصحة النفسية الأخرى. وتشير النتائج إلى تزايد الأدلة على قدرة ألعاب الفيديو على تحسين بعض النتائج المتعلقة بالصحة النفسية، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لا يستطيعون الحصول على العلاج التقليدي بسبب التكلفة أو الموقع الجغرافي.

وبالتالي، قد تمثل ألعاب الفيديو مصدراً مهماً لدعم الصحة النفسية لمليارات اللاعبين حول العالم.

ماذا تقول الأبحاث عن ألعاب الفيديو والصحة النفسية؟

راجع باحثون من مركز Lero لأبحاث البرمجيات التابع لمؤسسة العلوم الآيرلندية دراسات سابقة لمعرفة ما إذا كانت ألعاب الفيديو التجارية، وليس فقط الألعاب المصممة خصيصاً لأغراض علاجية، يمكن أن تسد بعض الفجوات في خدمات الصحة النفسية، ولا سيما في علاج الاكتئاب والقلق.

وتشير الأدلة إلى أن ألعاب الفيديو قد تساعد في تخفيف بعض أعراض الاكتئاب، مثل فقدان المتعة. كما ساعدت لعبتا «Minecraft» و«Animal Crossing: New Horizons» في تعزيز التواصل الاجتماعي وتقليل الشعور بالوحدة.

وقال غلين بلات، الحاصل على دكتوراه والأستاذ في مجال التكنولوجيا الناشئة ومدير برنامج دراسات الإعلام التفاعلي في جامعة ميامي بولاية أوهايو، إن ألعاب الفيديو توفر «التواصل، وهو جانب أساسي من الصحة النفسية»، إذ تمنح اللاعبين شعوراً بأنهم جزء من مجتمع يضم أشخاصاً يشاركونهم الاهتمامات ويقدّرون مشاركتهم وأهدافهم داخل اللعبة.

وأضاف أن العزلة تؤدي دوراً مهماً في اضطرابات القلق والاكتئاب، وأن الدعم الذي يوفره المجتمع داخل منظومة اللعبة يمكن أن يساعد في الحد من ذلك.

كما توفر بعض ألعاب الفيديو فوائد مرتبطة بتنظيم المزاج. ووجدت إحدى الدراسات أن المراهقين الذين لعبوا «Mario Kart» امتلكوا مهارات أفضل في تنظيم مشاعرهم مقارنة بأقرانهم الذين لم يلعبوا اللعبة.

ويمكن كذلك استخدام ألعاب الفيديو كوسيلة تشتيت علاجية تساعد على تنظيم المزاج، وتقليل التفكير المتكرر في المشكلات، بل وإثارة مشاعر الفرح.

وقال درو لايتفوت، المستشار المهني المرخّص والمدير السريري في Thriveworks Philadelphia، إنه سعيد برؤية تزايد الدراسات والموارد التي تتناول الألعاب في إطار النقاشات الجادة حول الصحة النفسية.

وأضاف أن ألعاب الفيديو يمكن استخدامها للمساعدة في علاج القلق والاكتئاب والقلق الاجتماعي بشكل فعال.

الألعاب التجارية أم الألعاب المصممة للعلاج؟

وجد الباحثون بشكل عام أن ألعاب الفيديو التجارية، التي تُصمم عادةً للترفيه، يمكن أن تكون فعالة في تقديم فوائد للصحة النفسية بقدر الألعاب المصممة خصيصاً لأغراض علاجية.

وقد يرجع ذلك جزئياً إلى رغبة الناس في ممارسة الألعاب التجارية. ويوضح بلات أن المشكلة في الألعاب المصممة خصيصاً للعلاج، مثل ألعاب تدريب الدماغ، هي أنها «ليست ألعاباً فعلياً» في كثير من الأحيان. فعندما يُطلب من الشخص النقر على أشياء في الشاشة بهدف تحسين صحته النفسية، فإن الأمر يتحول إلى علاج وليس لعبة.

وأوضح أن إحدى الخصائص الأساسية التي تجعل اللعبة لعبة هي أن الشخص يمارسها طوعاً. وقد أثبتت الأبحاث مراراً أهمية الدافع الداخلي في إحداث تغييرات سلوكية فعالة.

ويرى بلات أن الفوائد النفسية لألعاب الفيديو تأتي جزئياً من حقيقة أنها، قبل أي شيء آخر، ممتعة، وأن الناس يمارسون الألعاب التجارية لأنهم يريدون ذلك.

ألعاب الفيديو قد توسع الوصول إلى الرعاية النفسية

إلى جانب فوائدها العلاجية المحتملة، قد تساعد ألعاب الفيديو التجارية في توفير الدعم النفسي للأشخاص الذين هم في أمسّ الحاجة إليه.

وتحظى ألعاب الفيديو بشعبية كبيرة بالفعل بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و54 عاماً، وهي الفئة التي تواجه أيضاً معدلات مرتفعة من مشكلات الصحة النفسية. ومع تزايد الاعتراف بالفوائد النفسية للألعاب، قد يساعد ذلك على الحد من الوصمة المرتبطة بكل من ممارسة الألعاب والأمراض النفسية.

وقال بلات: «علينا التوقف عن وضع الصور النمطية غير الدقيقة للاعبين، والاعتراف بأننا جميعاً أصبحنا لاعبين الآن».

وأضاف أن المجتمع، تماماً كما احتاج إلى وقت للتعامل بجدية مع وسائل إعلام أخرى مثل الكتب والتلفزيون والأفلام عند ظهورها، يحتاج إلى قبول ألعاب الفيديو باعتبارها وسيلة إعلام مشروعة يمكن أن تحسن حياة الأشخاص الذين يستخدمونها.

كما أن الوصول إلى ألعاب الفيديو يخلو من كثير من العوائق التي تحول دون حصول الأشخاص على الرعاية النفسية التقليدية.

وقال مايكل إل. بيرنباوم، الأستاذ المساعد في معاهد فينشتاين للأبحاث الطبية ومدير برنامج العلاج المبكر في خدمات الصحة السلوكية التابعة لـNorthwell Health، إن ألعاب الفيديو قد توفر وصولاً أكبر إلى تدخلات علاجية مساندة، لأنها يمكن أن تُمارس في المنزل وفي أي وقت، على عكس الرعاية التقليدية التي تحدث عادةً بوتيرة أقل وقد تكون مكلفة بشكل يصعب تحمله.

لكنه أضاف أنه لا يعتقد أن ألعاب الفيديو يمكن أن تحل محل المتخصصين في الصحة النفسية، وهو موقف يشاركه فيه خبراء آخرون.

وقال لايتفوت: «ينبغي الحذر من الإيحاء بأن ممارسة الألعاب يمكن أن تكون بديلاً عن العلاج». وأضاف أن ألعاب الفيديو يمكن أن تكون إضافة مفيدة لسد الفجوة، لكنها ليست كافية لتكون بديلاً عن العلاج.


ولاية أميركية تجيز «أول طبيب ذكاء اصطناعي يصف العلاج دون إشراف بشري»

«نولا هيلث» أطلقت برنامجاً طبياً يعتمد على الذكاء الاصطناعي (الشركة)
«نولا هيلث» أطلقت برنامجاً طبياً يعتمد على الذكاء الاصطناعي (الشركة)
TT

ولاية أميركية تجيز «أول طبيب ذكاء اصطناعي يصف العلاج دون إشراف بشري»

«نولا هيلث» أطلقت برنامجاً طبياً يعتمد على الذكاء الاصطناعي (الشركة)
«نولا هيلث» أطلقت برنامجاً طبياً يعتمد على الذكاء الاصطناعي (الشركة)

ستبدأ شركة ناشئة في مجال الرعاية الصحية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، يوم الاثنين، بتقديم وصفات طبية لمرضى ولاية يوتا الأميركية دون إشراف بشري مباشر، وهي المرة الأولى التي تسمح فيها ولاية أميركية بمثل هذه التقنية لتحل محل الطبيب، وفق ما ذكرته صحيفة «لوس أنجليس تايمز».

وتُمهّد هذه الخطوة، التي تقتصر على أدوية حَب الشباب، الطريق لعصر جديد في الرعاية الصحية، حيث يلعب الذكاء الاصطناعي دوراً أكبر في الرعاية الطبية الروتينية. تأتي هذه الخطوة أيضاً بعد أشهر من جهود الحكومة الأميركية لتوسيع دور الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، والتي أثارت جدلاً واسعاً وغضباً بين الأطباء.

وعند تسجيل المرضى لأول مرة في تطبيق «نولا هيلث»، يُطلب منهم استخدامه لمسح وجوههم. بعد ذلك، وبدلاً من الخضوع لفحص طبي، يُكمل المرضى تاريخهم الطبي ومعلوماتهم الشخصية.

3 مراحل

ويقوم برنامج الذكاء الاصطناعي الخاص بـ«نولا هيلث» بتحليل بشرتهم، وتحديد مشكلة حَب الشباب، وتقييم درجة دهنية البشرة، ثم يُصدر «مؤشراً رقمياً لشدة حب الشباب» يتراوح بين «بشرة صافية» و«حَب شباب حاد».

وبعد دمج النتيجة التي تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي مع المعلومات الطبية الشخصية، سيوصي التطبيق بالأدوية من قائمة تضم ثمانية علاجات مُعتمدة والتي عادة ما تتم مراجعتها ووصفها من قبل الطبيب. وتستهدف التجربة ما يقدر بنحو 5500 إلى 11 ألف مريض يعانون من حب الشباب في الولاية.

وسيعمل برنامج «نولا هيلث» على ثلاث مراحل. في المرحلة الأولى، سيقوم طبيب بمراجعة وصفات أول 100 مريض يُصدرها الذكاء الاصطناعي قبل إرسالها إلى الصيدلية. أما وصفات الـ400 مريض التالية، فسيرسلها الذكاء الاصطناعي إلى الصيدليات، ثم يقوم طبيب بمراجعتها أسبوعياً. بعد ذلك، سيقوم طبيب بمراجعة ما لا يقل عن 10 في المائة من إجمالي الوصفات الصادرة مرة واحدة شهرياً.

لوائح مخففة

وحصلت الشركة الناشئة التي تتخذ من مدينة نيويورك مقراً لها على الموافقة المبدئية لمشروعها التجريبي من قِبل قسم تابع لوزارة التجارة في ولاية يوتا، والذي بدأ بمنح تراخيص للشركات لاختبار منتجات الذكاء الاصطناعي بموجب لوائح مخففة.

وبالنسبة لشركة «نولا هيلث»، يعني هذا أن الوصفات الطبية ستحمل اسم الطبيب دون أن يقوم طبيب بشري بكتابتها فعلياً، كما صرّح الرئيس التنفيذي لويس وينوس.

وبحسب وينوس، فإن المخاطر المصاحبة للأدوية المُعتمدة التي يصفها الذكاء الاصطناعي منخفضة. ويقتصر الأثر الجانبي للأدوية الثمانية المعتمدة، والتي يتوفر بعضها بالفعل بدون وصفة طبية، على تهيج أو جفاف موضعي في الجلد. كما يقتصر البرنامج على الأدوية الموضعية، وليس على العلاجات الهرمونية التي تتطلب مراقبة أكثر دقة.

ويهدف وينوس في نهاية المطاف إلى توسيع نطاق الشركة ليشمل مجالات أخرى غير علاج حَب الشباب، وأن تصبح الشركة «طبيباً شخصياً شاملاً في عائلتك، مدعوماً بالذكاء الاصطناعي».


تتخطى وجبة الإفطار؟ 3 أشياء قد تحدث لمستويات طاقتك

عدم تناول الطعام صباحاً قد يؤدي إلى زيادة الشعور بالجوع والرغبة في تناول كميات أكبر من الطعام لاحقاً (بكسلز)
عدم تناول الطعام صباحاً قد يؤدي إلى زيادة الشعور بالجوع والرغبة في تناول كميات أكبر من الطعام لاحقاً (بكسلز)
TT

تتخطى وجبة الإفطار؟ 3 أشياء قد تحدث لمستويات طاقتك

عدم تناول الطعام صباحاً قد يؤدي إلى زيادة الشعور بالجوع والرغبة في تناول كميات أكبر من الطعام لاحقاً (بكسلز)
عدم تناول الطعام صباحاً قد يؤدي إلى زيادة الشعور بالجوع والرغبة في تناول كميات أكبر من الطعام لاحقاً (بكسلز)

قد لا تكون وجبة الإفطار بالضرورة «أهم وجبة في اليوم» من الناحية العلمية، لكن تخطيها والاستمرار من دون طعام طوال النصف الأول من اليوم حتى موعد الغداء قد ينعكس على مستويات الطاقة لدى بعض الأشخاص بطرق مختلفة.

فبعد ساعات الصيام أثناء النوم، يعتمد الجسم على مخزونه من الطاقة للحفاظ على وظائفه، ومع استمرار الصيام حتى الظهر قد تحدث تغيرات في مستويات سكر الدم وهرمونات التوتر، كما يمكن أن تزداد الرغبة في تناول الطعام لاحقاً. وقد تظهر نتيجة ذلك أعراض مثل التعب والخمول وتشوش الذهن، وربما هبوط الطاقة خلال فترة ما بعد الظهر، وفقاً لموقع «فيري ويل هيلث».

فماذا قد يحدث لمستويات طاقتك عندما تتخطى وجبة الإفطار؟

1. قد ترتفع هرمونات التوتر

يرتفع مستوى الكورتيزول، المعروف باسم «هرمون التوتر»، وينخفض بصورة طبيعية في أوقات مختلفة من اليوم بما يتماشى مع الساعة البيولوجية الداخلية للجسم.

وعادة ما يصل مستوى الكورتيزول إلى ذروته في الصباح، وهو ما يساعد الجسم على الشعور باليقظة والاستعداد لبدء اليوم.

لكن عندما لا يحصل الجسم على الطاقة من الطعام في الصباح، قد تتغير مستويات الكورتيزول وترتفع في أوقات غير معتادة، مثل فترة ما بعد الظهر.

وقد تمنح هذه التقلبات في مستوى الكورتيزول شعوراً مؤقتاً باليقظة، إلا أن ذلك قد يتبعه لاحقاً شعور بالتعب وتشوش الذهن، أو ما يُعرف بـ«ضبابية الدماغ»، إلى جانب هبوط حاد في مستويات الطاقة خلال فترة ما بعد الظهر.

2. قد ينخفض مستوى السكر في الدم

يحدث انخفاض سكر الدم، أو ما يُعرف طبياً بـ«نقص سكر الدم»، عندما تصبح كمية الجلوكوز الموجودة في مجرى الدم منخفضة إلى درجة لا تكفي معها لتلبية احتياجات خلايا الجسم من الطاقة.

وأثناء النوم، يكون الجسم فعلياً في حالة صيام. وخلال هذه الفترة، يستخدم الكبد «الجليكوجين»، وهو مادة مشتقة من الجلوكوز ومخزنة في الجسم، للمساعدة على توفير الطاقة التي يحتاج إليها.

لكن عند تخطي وجبة الإفطار، تمتد فترة الصيام إلى وقت أطول، ما يعني استمرار الجسم في الاعتماد على مصادر الطاقة المخزنة.

ومع انخفاض الجلوكوز واستنزاف مخزونات الجليكوجين، يبدأ الجسم في البحث عن مصدر بديل للطاقة، وغالباً ما يلجأ إلى الأحماض الدهنية، التي لا توفر الطاقة بالطريقة نفسها التي يوفرها بها الجلوكوز.

ونتيجة لذلك، قد تشعر بالضعف والخمول والإرهاق خلال اليوم.

3. قد تزداد رغبتك الملحة في تناول الطعام

لا تقتصر آثار تخطي وجبة الإفطار على الساعات الأولى من اليوم؛ إذ قد يؤدي عدم تناول الطعام صباحاً إلى زيادة الشعور بالجوع والرغبة في تناول كميات أكبر من الطعام لاحقاً، خصوصاً خلال وجبتي الغداء والعشاء.

وقد يميل الجسم أيضاً إلى اشتهاء أطعمة غنية بالسعرات الحرارية والكربوهيدرات المكررة، وهي أطعمة يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع سريع وحاد في مستويات السكر في الدم.

وبعد تناول وجبة كبيرة وغنية بالسعرات الحرارية والكربوهيدرات، قد تشعر في البداية بدفعة من الطاقة مع حصول الجسم مجدداً على الجلوكوز.

إلا أن هذه الدفعة قد لا تستمر طويلاً؛ إذ يمكن أن يعقب الارتفاع السريع في سكر الدم انخفاض أكثر حدة في مستويات الطاقة، خصوصاً إذا كانت الوجبة تحتوي على كميات كبيرة من الأطعمة التي تؤدي إلى ارتفاع سريع في الجلوكوز.

وقد يظهر هذا الانخفاض في الطاقة في وقت لاحق من اليوم في صورة مجموعة من الأعراض، تشمل:

- الشعور المفاجئ بالتعب.

- الضعف العام.

- تشوش الذهن أو «ضبابية الدماغ».

- الجوع الشديد نتيجة حاجة الجسم إلى مزيد من الجلوكوز.

- تقلبات المزاج، مثل سرعة الانفعال وزيادة القلق.