يواجه الاتحاد السوري لكرة القدم انتقادات لاذعة ومتصاعدة، على خلفية أزمات إدارية متلاحقة، حمّلها كثير من المهتمين بالشأن الرياضي لضعف التخطيط، وغياب الشفافية، واستمرار نفوذ شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، مما أثار تساؤلات بشأن قدرته على إدارة المرحلة المقبلة.
وتفاقمت الأمور مع إلغاء المباراة الودية التي كانت مقررة في مدينة أنطاليا التركية بين المنتخب السوري وشقيقه البحريني، يوم الثلاثاء الماضي، لتتحول إلى قضية رأي عام، بسبب تأخر الرحلة في مطار العاصمة البيلاروسية «مينسك» وما رافقها من حالة جدل، أعادت النقاش حول الفاعلية الإدارية للاتحاد السوري، ومعها فتحت عدة ملفات، لتثار أسئلة كثيرة في الشارع الرياضي، وجمهور كرة القدم خصوصاً، حول أسباب تأخر إطلاق مشروع يعلن القطيعة مع حقبة النظام السابق وشخصياته الكروية، وتشريع آليات إدارة جديدة ومشاريع مأسسة الاتحاد وتطوير المنتخب الوطني، وطرق إدارة الأموال وتأهيل البنية التحتية.

أموال «فيفا» المجمدة
تعد قضية الأموال المجمدة في حساب الاتحاد الرياضي لدى «فيفا»، بسبب العقوبات التي فرضت على نظام بشار ، في مقدمة هذه الملفات، واتهام إدارته بالمماطلة في تحريرها لاستغلالها بتسهيل عمليات الفساد المالي والصرف، لجهة ارتباطها بالأمور اللوجستية والأجور التي يسمح للمنتخب السوري بإنفاقها من حسابه.
وفي حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» أوضح فراس تيت رئيس الاتحاد الرياضي السوري لكرة القدم، أن الأموال «ليست مجمدة بالمعنى الحقيقي، وهناك عدة أمور نصرف منها بموافقة الاتحاد الدولي، مثل تذاكر الطيران والمعسكرات ورواتب كادر الرجال والشباب الأجانب، إضافة إلى عقد الشركة الراعية».
وتابع: «بالنسبة للقيمة الإجمالية للمبلغ، فنحن شفافون في كشفه وهو 9.25 مليون دولار أميركي، وهناك فواتير لم تسدد بعد، كما أننا حريصون في آلية صرفها، والأبواب مفتوحة أمام الرقابة لتدقيقها».
وأشار تيت إلى أن «مشكلة الأموال متعلقة بعمليات التحويل التي تمثل أزمة عامة في سوريا، إذ تتعلق بالأمور المصرفية والبنوك، وهي في طريقها للحل القريب، وعندها يسهل أيضاً كشف حجم المبلغ وأين يصرف».

قرارات حاسمة تنتظر إدارة المنتخب
وفيما يخص المنتخب الوطني وإدارته، أكد تيت على «وجود قرارات كبيرة في الاجتماع المقبل للاتحاد، الأربعاء المقبل، لوضع آلية خاصة بإدارته، من خلال أنظمة عمل متكاملة وتحديد مهام كل قسم، إضافة إلى تسمية مكتب إعلامي جديد».
ويقول: «هناك أيضاً اجتماع آخر سيتم خلاله اتخاذ قرارات مهمة تخص عمل الاتحاد، وتنظيمه وحل المشاكل والقضايا التي أثيرت مؤخراً، خصوصاً وأن الكرة السورية أمام تحديات كبيرة، أهمها البنى التحتية والدعم المادي».

فشل متراكم
لكنّ الصحافي الرياضي أنس عمو، أكد أن سبب الأزمة الحالية والانتقادات المتصاعدة، تتمثل بالمشاكل والأزمات التنظيمية الناتجة عن فشل إداري متفاقم. مشيراً إلى حالة الفوضى بسبب تداخل مهام الأقسام الإدارية، الناجمة عن محاولات بعض الأفراد من تركة النظام البائد الهيمنة على القرار.
ويقول: «الأخطاء الإدارية لم تكن جديدة، إنما هي جريرة لفشل تراكمي، على المستويات كافة، ويمكن ملاحظتها من خلال إلغاء قسم المنتخبات المسؤول عن ترتيب الأمور اللوجستية داخل الاتحاد، ونقل مهامه للأمين العام، ما خلق تداخل صلاحيات ولدت أخطاء نشهد آثارها اليوم».
ويشير أيضاً إلى معسكر المنتخب السوري للشباب الذي أقيم في فرنسا، حيث «جرى دعوة أسماء يلعبون في فرق شعبية، وكان هناك انتقادات وسخط بخصوص جدول المعسكر والإقامة والطعام السيئ، ومر ذلك دون تحقيق، رغم المؤشر الخطير على استمرار المحسوبيات والفساد الذي لطالما عانى منه الجمهور الكروي».
ويضيف: «نواجه معضلة (ترند الأزمة)، فالأخطاء التي لا تحظى بالتفاعل على مواقع التواصل، كما حصل مع معسكر المنتخب في فرنسا، يتم تجاهلها، ما يضعنا أمام أزمة حقيقية اليوم، ويطرح تساؤلاً حول كفاءة إدارة الاتحاد الحالية».

العزل السياسي مطلب
ويؤكد عمو، على أن سبب هذه الأزمات يتمثل بشكل أساسي بوجود أشخاص من رجالات النظام البائد، لا يزالون على رأس العمل، ويحاولون احتكار القرار، مستغلين معرفتهم بدهاليز العمل داخل المؤسسة والعلاقات الخارجية، وقيامهم بتحجيم دور الشخصيات المحسوبة على الثورة.
وكان مقرراً أن يعقد رئيس الاتحاد الرياضي لكرة القدم، فراس تيت، اجتماعاً مع صحافيين وإعلاميين ومختصين بالشأن الرياضي، للبحث حول قضية استمرار شخصيات محسوبة على النظام على رأس عملها، وعدم تطبيق قرار العزل السياسي، إلى جانب الاطلاع على خطط الاتحاد لحل الأزمات الحالية، قبل أن يؤجل الاجتماع بسبب أزمة المنتخب الوطني.
وحسب من تواصلت معهم «الشرق الأوسط» ممن سيحضرون الاجتماع الذي يفترض أن يعقد خلال أيام، فإن أهم النقاط التي سيجري مناقشتها تتمثل بضرورة تطبيق قرار العزل السياسي وإنهاء حالات توظيف وتدوير المؤيدين للنظام البائد، وتحجيم دور من فرض وجوده من هذه الفئة داخل الاتحاد عبر الانتخابات، وإنهاء عبثها وعرقلة الانتقال لمرحلة جديدة، إلى جانب المساعدة والدعم في وضع خطط واضحة لتطوير الاتحاد الرياضي لكرة القدم.
ويجد الشارع الرياضي السوري أن الاتحادات الكروية لا تزال عالقة في دوامة الفساد والفشل المستمرة منذ عقود، وحتى بعد سقوط النظام السابق، كان لوجود بقاياه دور كبير في تعطيل تطوير المؤسسة وتحسين عملها.

