بينما تحل ذكرى هزيمة يونيو (حزيران) 1967، على العالم العربي في موعدها من كل عام ثقيلة ومريرة، فإن مرارتها تأخذ في الخفوت، ليس لأن آثارها القاسية انمحت، ولكن لأن كثيراً من النكبات توالت على المواطن العربي بعدها.
وفي 5 يونيو 1967، شنت إسرائيل هجمات واسعة استهدفت بشكل رئيسي مصر بجانب سوريا والأردن، أدت مع توقفها في 10 من الشهر ذاته، لاحتلال شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وهضبة الجولان السورية، قبل أن تأخذ مصر بعد انتصار أكتوبر (تشرين الأول) 1973، أراضيها وتبقى المأساة مستمرة.
وبعد 59 عاماً، تحل ذكرى «النكسة» بينما في الوطن العربي نكبات أخرى، بين قطاع غزة الذي تسيطر إسرائيل على أكثر من 60 في المائة من مساحته، بحسب تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل أيام، بعد حرب مستعرة منذ أكتوبر 2023، لم تضع أوزارها بعد، وطالت شرارتها لبنان مخلّفة خسائر فادحة بالأرواح والاقتصاد وحتى في الأرض حيث وسعت إسرائيل سيطرتها حتى «قلعة الشقيف» (جنوب لبنان).
وبينما ينتظر العقد السادس من «نكسة حزيران»، كما تعرفها سوريا والأردن، أو «نكسة 67» كما تصفها دوائر مصرية، لا يرى مفكرون عرب عاصروا تلك النكسة تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الانقسامات والنزاعات المسلحة الحادة كما في اليمن والسودان ولبنان، وغيرها ستكتب فصلها الأخير، لأسباب بينها بقاء غياب الوحدة العربية وضعف الهوية الوطنية وغياب الدولة في بعض البلدان بخلاف بقاء إسرائيل وأطماعها ومخططاتها، ما يجعل النكبات تنكأ باستمرار جراح «نكسة 67» وتبقيها مع أسباب أخرى على قيد الحياة، دون استخلاص دروس التاريخ.
تشابه سنوات الوجع العربي
يوم الخامس من يونيو 1967، لا يستطيع المفكر المصري، أحمد يوسف أحمد، أن ينساه حيث كان طالباً في الجامعة، يتصور أن الهزيمة ستكون بداية حقبة ممتدة من التبعية والخضوع، كما تقول دروس التاريخ، لكن «المقاومة من اللحظة الأولى» جعلت تلك النظرة تتغير نسبياً لديه.
ويعتقد يوسف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «النكسة نُسيت عملياً بحد أقصى مع انتصار حرب 6 أكتوبر 1973، لكنها لم تُنس كدرس في التاريخ للمصريين، لأنها كانت هزيمة عسكرية فادحة مرتبطة بأسباب داخلية وخارجية مهمة».
ولا تزال تلك النكسة، بحسب أحمد يوسف أحمد، «باقية بوصفها جزءاً من الجدل السياسي داخل مصر، وإن خفتت مرارتها خاصة أن نظام يوليو (تموز) 1952 له خصوم ويتهم حتى الآن بالفشل في حماية الأمن القومي المصري، ويرد عليه من أنصار نظام يوليو، بأنه تم تجاوز أسباب ذلك الفشل ببناء الجيش والانخراط في حرب استنزاف وصولاً لانتصار أكتوبر».
واسترجع المفكر المصري «سنوات الوجع» عندما بدأ يقارن بين النكبات الحالية و«نكسة» 5 يونيو، إذ يرى أن الأخيرة قدمت نموذجاً فريداً من التضامن العربي، لا يوجد الآن في ظل انقسام عربي حاد وغياب كامل لمفهوم الأمن القومي العربي.
هذه الوحدة التي تشكلت منذ قمة الخرطوم في ديسمبر (كانون الأول) 1967، نجحت في إزالة الخطر الإسرائيلي الذي كان يهدد الموقف العربي وقتها، لكن بحسب أحمد يوسف أحمد، ليس له منظور الآن في ظل النكبات الحالية من غزة للبنان واليمن والعراق وصولاً للسودان الذي يعيش أزمة غير مسبوقة.
وذلك الوضع الحالي يجعل الهزيمة العربية في النكبات الحالية أفدح اليوم من «نكسة» 1967، خاصة أنها لم تتعلم أو تستفد من دروس النكسة مع وجود 5 دول على الأقل بين انفصال واقعي وعدم استقرار مزمن، وغياب المفهوم المشترك للأمن القومي العربي وعدم اتفاق على مصادر التهديد والخطر بين إسرائيل وإيران، وفقاً ليوسف أحمد.
غياب موجع ومستقبل مهدد
وبرأي المفكر المصري عبد المنعم سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، لا تتشابه النكبات الحالية مع «نكسة» 67 التي تحل ذكراها، باعتبار أن لكل منهما تاريخاً مختلفاً عن الآخر حتى وإن كان كلاهما يُذّكر البعض بالآخر.
ويحسم سعيد، طرحه، واضعاً «نكسة» 1967 في خانة خطأ تقديرات وطنية تصورت أن شعارات القومية والعربية والشجاعة دون حسابات موازين القوى يمكن أن تحقق لها مكاسب، بينما النكبات الحالية سببها الأساسي هو ضعف الهوية الوطنية وغياب الدولة لدى بعض البلدان، وليس ضعف الوحدة أو الأمن القومي العربي وما يدور في فلكها من شعارات.
ويستدل المفكر المصري، عبد المنعم سعيد، بلبنان، والعراق واليمن والسودان، بعدّهم مثالاً في ضعف الهوية الوطنية، تحاول فيها مجموعات أن تصارع الدولة وتشكل هوية خاصة تنازع مفهوم الدولة وهويتها، بخلاف 5 يونيو التي تعلمت نخبتها الدرس وقادت حرباً «معقولة»، ومن ثمّ السلام الذي أعاد بعض الاستقرار.
في المقابل تقف 12 دولة عربية بينها السعودية ومصر والإمارات والكويت والمغرب والأردن والجزائر، على آليات تحفظ تماسكها وهويتها ودولتها، ولم تر تهديداً كمثل الذي يطرحه «حزب الله» في لبنان بامتلاكه المنفرد لقرار الحرب والسلام وعدم قبوله بالمشروع الوطني الجامع، بحسب تقديرات سعيد.
لذا يخلص المفكر المصري إلى أن النكسة وإن وقعت فإنه قد تم تجاوزها في مصر، بسبب قوة الهوية الوطنية ووجود الدولة، لكن إنهاء نكبات اليوم محض مخاض عسير ربما يطول.
جهد عربي منتظر
وستبقى «النكسة» وإن خفتت مراراتها مع تذكرنا لها ولعبرها كل عام، وفق ما يعتقد أيضاً الأكاديمي والمفكر السوري جورج جبور، ويرى في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، «أن العرب يحتاجون للتعامل مع النكبات الحالية استعادة روح مقاومة الاستعمار وإنهاء التفرقة التي تهدد عالمنا العربي وتزيد من نكباته حالياً خاصة أن النكبات لن تنتهي بين يوم وليلة وتحتاج لجهد كبير عربي في هذا الصدد».
بقاء إسرائيل بقاء للنكسة وللنكبات
ويذهب المفكر الأردني، منذر الحوارات، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى نقطة محورية جديدة تتمثل في أن بقاء إسرائيل وأطماعها هو بقاء للنكسة وللنكبات الحالية، وإن خفتت مرارة الأولى وزادت مأساة الثانية.
وباعتقاد الحوارات، فإن «النكبات التي تمر بها المنطقة العربية في جميع أرجائها قد شكلت ضباباً كثيفاً ربما حجب الرؤية عن (نكسة حزيران) أو لعلها جعلتها تتراجع ظاهرياً، غير أنها تظل موجودة في الذاكرة العربية، وفي الذاكرة الجمعية كجرح عميق لم يندمل ولم يلتئم بعد».
لذلك «تبقى (نكسة حزيران الأليمة) حاضرة ولن تختفي، وإن تراجعت قليلاً وربما تبدو وكأنها قد نُسيت أو قل الاهتمام بها، ولكن إذا ما سُئل أي مواطن عربي عن همه الأول، فسيُجيب بأن تتحرر فلسطين، وذلك على الرغم من كل الصعوبات المحلية وكل المعاناة التي مرت بها المنطقة»، وفق ما أكده الحوارات.
ويخلص المفكر الأردني إلى أن «النكسة ستبقى حاضرة وموجودة عملياً في الوجدان العربي، ومهما تجاوزتها النكبات، فالشارع العربي يبدو أنه بانتظار لحظة معينة، لتصحيح المسار خاصة أنه لا يزال لا يرضخ لإسرائيل كما أن تل أبيب لا تريد التراجع».







