موسكو وكييف تبحثان عن أوراق تفاوض تحت النار

روسيا تراهن على إنهاك الدفاعات الجوية الأوكرانية والخلافات الغربية

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً في الكرملين بموسكو (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً في الكرملين بموسكو (أ.ب)
TT

موسكو وكييف تبحثان عن أوراق تفاوض تحت النار

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً في الكرملين بموسكو (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً في الكرملين بموسكو (أ.ب)

ما يجري في الحرب الروسية - الأوكرانية لم يعد مجرد تصعيد ميداني جديد، بل محاولة لفرض معادلة سياسية جديدة تحت النار في غياب أفق تسوية دبلوماسية. فالهجمات الروسية الواسعة على كييف ودنيبرو والتهديد بضرب «مراكز صنع القرار»، ثم «الرّد» الأوكراني في سان بطرسبرغ، كلها مؤشرات على أن الجانبين يبحثان عن ورقة قوة تعوّض تباطؤ الميدان واستنزاف الحرب.

ويرى الغرب أن الكرملين يُحاول تحويل التصعيد الميداني إلى أداة تفاوض، عبر رفع تكلفة الحرب على أوكرانيا وحلفائها من أجل دفعهم إلى محادثات بشروط أقرب إلى الرؤية الروسية. لذلك، لا تبدو المعادلة الراهنة «تصعيداً أو تفاوضاً»، بل تصعيداً من أجل التفاوض، أو على الأقل من أجل تحسين موقع موسكو إذا عادت المفاوضات إلى الواجهة.

وهو الطرح نفسه الذي دفع به الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي قال إن الضربات في العمق الروسي تُتيح لكييف التفاوض مع موسكو على إنهاء الحرب من موقع الندّية.

أداة تفاوض

ترى آنا بورشيفسكايا، الباحثة في معهد واشنطن، أن روسيا تفاوض غالباً عبر التصعيد، وأن ما يجري اليوم امتداد لهذا السلوك وليس خروجاً عليه. لكنها تُحذر، في حديث مع «الشرق الأوسط»، من الخلط بين احتمال عودة محادثات السلام وبين وجود نية روسية لسلام حقيقي. فحتى لو توقفت الحرب أو جرى تجميدها لسنوات، فهذا لا يعني، في تقديرها، أن موسكو تخلت عن عدوانيتها تجاه أوكرانيا وأوروبا؛ بل قد يكون مجرد وقت مستقطع لإعادة بناء القوة واستئناف الضغط لاحقاً.

وتنسجم هذه القراءة مع مؤشرات أوسع. فقد نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين أوروبيين أن الهجمات الروسية المتزايدة تعكس صعوبات عسكرية واقتصادية متفاقمة، وقد تكون محاولة لدفع الغرب إلى إحياء مسار تفاوضي بشروط أقرب إلى الرؤية الروسية. ويوم الثلاثاء، تحدّث الكرملين عن «نموذج مختلف» للحرب، متهماً كييف بأعمال «إرهابية»، في خطاب يبرّر موجة جديدة من الضربات، ويُبقي في الوقت نفسه الباب موارباً أمام التفاوض.

أهداف بوتين

من أبرز مؤشرات هذا المأزق ما نقلته الصحيفة عن فاسيلي كاشين، الأكاديمي الروسي، من أن هدف «تصفية النظام المعادي لروسيا» في أوكرانيا لم يعد قابلاً للتحقيق من دون احتلال كامل وطويل الأمد للبلاد، وهو أمر «مستحيل تقنياً» بالنسبة إلى موسكو.

من جهتها، تتعامل بورشيفسكايا بحذر مع فكرة «الانشقاق» داخل أروقة الحكم الروسي. فمعنى المعارضة داخل دائرة بوتين، كما تقول، يظل ملتبساً عملياً، كما شككت فيما إذا باتت جميع النخب مقتنعة بأن أهداف الحرب غير قابلة للتحقيق. لكن المؤكد أن روسيا باتت مهيأة للحرب «حرفياً ومجازياً»، مع اعتماد متزايد على المجمع الصناعي العسكري الذي صار مصدر وظائف ومصالح لفئات واسعة.

وعليه، فإن أي تباينات داخلية محتملة لا ينبغي قراءتها على أنها علامة على انهيار سياسي وشيك، بل بوصفها نقاشاً حول كيفية إنقاذ مكاسب الحرب لا التخلي عن منطقها. بوتين قد يكون بحاجة إلى مخرج، لكنه يريده مخرجاً يُقدَّم بوصفه انتصاراً: تثبيت السيطرة على أراضٍ محتلة، ومنع أوكرانيا من الاندماج في تحالفات عسكرية، وتقييد قدراتها الدفاعية.

أوكرانيا تضغط وروسيا تتباطأ

ميدانياً، تبدو صورة الحرب أكثر تعقيداً من روايتَي الطرفين. فروسيا ما زالت قادرة على شنّ هجمات كثيفة بالصواريخ والمسيَّرات، وتواصل الضغط في محاور مثل دونيتسك وبوكروفسك. لكنَّ قدرتها على تحويل هذا الضغط إلى اختراقات استراتيجية تبدو أضعف مما كانت عليه في مراحل سابقة.

ووفق تحليل استند إلى بيانات «معهد دراسة الحرب»، تقلصت المساحة الخاضعة لسيطرة موسكو في أبريل (نيسان) بنحو 120 كيلومتراً مربعاً، في سابقة هي الأولى منذ نحو عامين ونصف. ورغم أن هذه المكاسب تبقى محدودة، فإنها تشير إلى اتجاه ميداني جديد، خصوصاً مع نجاح الضربات الأوكرانية بالمسيَّرات متوسطة المدى في إرباك خطوط الإمداد الروسية.

وتؤكد قراءات حديثة لـ«معهد دراسة الحرب» أن القوات الأوكرانية حقّقت تقدماً في بعض الاتجاهات، فيما واصلت روسيا مكاسب موضعية في محاور أخرى، بما يعكس حرب استنزاف وليس انهياراً روسياً أو انتصاراً أوكرانياً حاسماً. كما تربط تقارير غربية تباطؤ التقدم الروسي بتأثير الضربات الأوكرانية على المصافي وشبكات النقل والإمداد، مما دفع موسكو إلى فرض قيود على صادرات الوقود.

فجوة الدفاع الجوي

في هذا السياق، يقرأ جون هاردي، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، القصف الروسي الواسع لكييف بوصفه محاولة لإظهار القوة في لحظة تواجه فيها موسكو صعوبات على الأرض وفي الجو. ويرى في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن تهديدات ضرب «مراكز صنع القرار» تبدو أقرب إلى الرسائل السياسية منها إلى القدرة العملانية، لكنها تحمل معنى واضحاً: روسيا قادرة على مواصلة استهداف المدن الأوكرانية لفترة طويلة، خصوصاً مع ازدياد النقص في صواريخ الاعتراض الأميركية من طراز «باك-3».

وهنا تبرز العقدة الأهم في المرحلة المقبلة: فروسيا قد لا تحسم الحرب برياً، لكنها تراهن على إنهاك الدفاعات الجوية الأوكرانية وتوسيع الفجوة بين ما تحتاج إليه كييف وما يستطيع الغرب توفيره. وفي هذا السياق، طلب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب مزيداً من صواريخ «باتريوت» بعد الهجمات الروسية الواسعة، في إشارة واضحة إلى أن معركة السماء باتت شرطاً لأي صمود ميداني أو تفاوضي.

هنا يصبح التصعيد الروسي جزءاً من معركة سياسية داخل الغرب نفسه: هل يصمد دعم أوكرانيا أمام ضغط الذخائر والتكلفة والاستحقاقات الانتخابية؟ وهل تستطيع كييف تحويل ضرباتها العميقة داخل روسيا إلى ورقة قوة من دون أن تخسر مظلة الحماية فوق مدنها؟


مقالات ذات صلة

توقيف العشرات في موسكو خلال تجمّع داعم لحزب مناهض للحرب بأوكرانيا

أوروبا رئيس حزب «يابلوكو» السياسي الروسي نيكولاي ريباكوف يشير بيده إلى وسائل الإعلام والمؤيدين بعد جلسة استئناف أمام المحكمة العليا التي منعت الحزب من خوض الانتخابات البرلمانية المقررة في سبتمبر بسبب مزاعم تمويل غير معلن وانتهاكات لقواعد الحملات الانتخابية... موسكو 17 أغسطس 2026 (رويترز)

توقيف العشرات في موسكو خلال تجمّع داعم لحزب مناهض للحرب بأوكرانيا

أوقفت الشرطة الروسية نحو ستين شخصاً، اليوم الاثنين، في موسكو على هامش تجمّع لدعم حزب مناهض للحرب في أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في منشأة لإنتاج الطائرات المسيّرة بسانت بطرسبرغ (رويترز)

تقرير: روسيا تنشئ قواعد سرية للمسيّرات على مقربة من أراضي «الناتو»

كشف تقرير صحافي أن روسيا أنشأت قواعد سرية قادرة على إطلاق طائرات مسيّرة متطورة في عمق أراضي حلف شمال الأطلسي «الناتو».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الصحة الأميركي روبرت ف. كينيدي جونيور يتحدث إلى جانب الرئيس دونالد ترمب خلال اجتماع في البيت الأبيض (أ.ب)

«مستعد للموت»... روسيا تلاحق نجل وزير الصحة الأميركي بعد قتاله في أوكرانيا

أدرجت السلطات الروسية، كونور كينيدي، نجل وزير الصحة والخدمات الإنسانية الأميركي روبرت ف. كينيدي جونيور، على قائمة المطلوبين دولياً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن- موسكو)
الولايات المتحدة​ الجندي السابق في مشاة البحرية الأميركية روبرت غيلمان الذي يقضي عقوبة سجن بتهمة الاعتداء على ضابط شرطة روسي عام 2022 (أرشيفية - رويترز)

روسيا تفرج عن عنصر سابق في المارينز بعد 4 سنوات من الاعتقال

أعلنت الإدارة الأميركية، الثلاثاء، الإفراج عن روبرت غيلمان، العنصر السابق في مشاة البحرية الأميركية الذي كان معتقلاً في روسيا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي سوريون يحملون صور أقاربهم الذين قتلوا خلال حرب نظام الأسد عليهم يحتفلون الثلاثاء أمام القصر العدلي بأحكام الإعدام على بشار وشقيقه ماهر وبقية رموز الحكم (أ.ف.ب)

صدور أول أحكام الإعدام بحق رموز نظام الأسد

اللجنة القانونية المشكّلة لتولي الادعاء الشخصي عن الضحايا، قرار الحكم الصادر عن محكمة الجنايات الرابعة يعيد بناء الثقة بين الشعب والقضاء.

سعاد جرَوس (دمشق)

تراجع التأييد لترمب لأدنى مستوى خلال رئاسته عند 33 %

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

تراجع التأييد لترمب لأدنى مستوى خلال رئاسته عند 33 %

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أظهر استطلاع أجرته «رويترز - إبسوس» اليوم الاثنين تراجع نسبة التأييد للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى أدنى مستوى لها منذ توليه الرئاسة، إذ عبرت أغلبية ساحقة من الأميركيين عن قلقها من أن تستمر الحرب مع إيران لفترة طويلة.

وقال 33 في المائة فقط من المشاركين في الاستطلاع الذي استمر أربعة أيام إنهم يوافقون على أداء ترمب في حين عبر 64 في المائة عن عدم موافقتهم.

وانخفضت نسبة التأييد لترمب من 35 في المائة في استطلاع أُجري في وقت سابق من هذا الشهر إلى أدنى مستوى لها خلال ولايته الحالية، معادلة بذلك أدنى مستوى سجلته خلال ولايته الأولى في ديسمبر (كانون الأول) 2017.

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض العام الماضي، حين كانت نسبة تأييده أقل قليلاً من 50 في المائة، تأثرت شعبية ترمب بشدة هذا العام بعدما أمر بشن ضربات على إيران بالتنسيق مع إسرائيل، حليفة الولايات المتحدة. وأدى الصراع الذي أعقب ذلك إلى تعطيل حركة نحو 20 في المائة من تجارة النفط العالمية، مما تسبب في ارتفاع أسعار البنزين، وهو ما يثقل كاهل الأسر الأميركية ويزيد الضغوط على حلفاء ترمب الجمهوريين الساعين للحفاظ على أغلبيتهم في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني).

صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)

وخاض ترمب حملته الانتخابية على أساس وعود بكبح التضخم وتجنب الانخراط في حروب طويلة الأمد، وتعهد في البداية بأن يستغرق الصراع مع إيران بضعة أسابيع فقط. وقال إن الحرب هي السبيل الوحيد لمنع إيران من تطوير سلاح نووي قد يشكل تهديدا للعالم. لكن إيران أظهرت قدرة على الصمود، وأبقت تجارة النفط عبر مضيق هرمز معطلة إلى حد كبير رغم انحسار حدة الصراع.

وأظهر استطلاع «رويترز - إبسوس» أن 80 في المائة من الأميركيين، 87 في المائة منهم من الديمقراطيين و71 في المائة من الجمهوريين، يعتقدون أن انخراط الولايات المتحدة في إيران «سيستمر لفترة طويلة». وقال 16 في المائة فقط إنهم يتوقعون انتهاء الصراع خلال بضعة أسابيع.

وشمل الاستطلاع، الذي أُجري عبر الإنترنت، 1166 بالغاً من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، مع هامش خطأ يبلغ ثلاث نقاط مئوية بالزيادة أو النقصان.


المحكمة العليا الأميركية ترفض مجدداً طعن ترمب في قضية اعتداء على كاتبة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والكاتبة إي جين كارول (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والكاتبة إي جين كارول (أ.ف.ب)
TT

المحكمة العليا الأميركية ترفض مجدداً طعن ترمب في قضية اعتداء على كاتبة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب والكاتبة إي جين كارول (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب والكاتبة إي جين كارول (أ.ف.ب)

رفضت المحكمة العليا الأميركية، اليوم (الاثنين)، للمرة الثانية، محاولة الرئيس دونالد ترمب إلغاء حكم صادر عن هيئة محلفين خلص إلى أنه اعتدى جنسياً على الكاتبة إي جين كارول وشهّر بها، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولم تذكر المحكمة أسباب رفضها النظر في الطعن الذي قدّمه ترمب. وكانت قد رفضت في أواخر يونيو (حزيران) أيضاً النظر في طعن تقدّم به ضد الحكم الأصلي الصادر في مايو (أيار) 2023.

واتهمت كارول (82 عاماً)، وهي صحافية وكاتبة عمود سابقة، ترمب بالاعتداء عليها في غرفة تبديل ملابس داخل متجر كبير في نيويورك عام 1996.

أَمْر بدفع ترمب 83 مليون دولار

ودفع ترمب الشهر الماضي 5.6 مليون دولار لكارول بعدما خلصت هيئة محلفين في قضية مدنية إلى أنه اعتدى عليها جنسياً وشهّر بها.

وعندما نُشرت الاتهامات في كتاب أصدرته كارول عام 2019، وصفها الملياردير الجمهوري بأنها «مختلة»، وادعى أنها اختلقت القضية.

وفي قضية تشهير منفصلة في نيويورك، أُمر ترمب بدفع 83.3 مليون دولار لكارول. وقد طعن أيضاً في هذا الحكم أمام المحكمة العليا.


«ثلاثاء فلوريدا» يلهب مواجهات الجمهوريين والديمقراطيين في النصفية

المرشحة الديمقراطية لمجلس الشيوخ عن فلوريدا أنجي نيكسون خلال جولة انتخابية في حي ليتل هافانا بميامي يوم السبت الماضي (أ.ف.ب)
المرشحة الديمقراطية لمجلس الشيوخ عن فلوريدا أنجي نيكسون خلال جولة انتخابية في حي ليتل هافانا بميامي يوم السبت الماضي (أ.ف.ب)
TT

«ثلاثاء فلوريدا» يلهب مواجهات الجمهوريين والديمقراطيين في النصفية

المرشحة الديمقراطية لمجلس الشيوخ عن فلوريدا أنجي نيكسون خلال جولة انتخابية في حي ليتل هافانا بميامي يوم السبت الماضي (أ.ف.ب)
المرشحة الديمقراطية لمجلس الشيوخ عن فلوريدا أنجي نيكسون خلال جولة انتخابية في حي ليتل هافانا بميامي يوم السبت الماضي (أ.ف.ب)

يتوجه الناخبون في فلوريدا الثلاثاء إلى صناديق الاقتراع لاختيار مرشحي الحزبين «الجمهوري» و«الديمقراطي» لمنصب الحاكم، ومقعد لمجلس الشيوخ، في انتخابات تمهيدية تكتسب أهمية تتجاوز الطابع المحلي، حيث أعاد الجمهوريون رسم الدوائر الانتخابية للولاية لتعزيز فرص فوزهم في الانتخابات النصفية للكونغرس في 3 نوفمبر المقبل (تشرين الثاني).

وتحمل الانتخابات الجمهورية لمنصب الحاكم بعداً إضافياً، إذ تأتي في ظل التنافس السياسي المستمر بين الرئيس دونالد ترمب والحاكم رون ديسانتيس، الذي تنتهي ولايته بعد شهرين ونصف. ويتنافس 11 مرشحاً جمهورياً، أبرزهم عضو مجلس النواب بايرون دونالدز، المدعوم من ترمب ويتمتع بتفوق مالي واضح، ونائب الحاكم جاي كولينز، الحليف المقرب من ديسانتيس.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحاكم فلوريدا رون ديسانتيس خلال اجتماع سابق في البيت الأبيض (رويترز)

وكان ديسانتيس اختار كولينز، وهو جندي سابق في القوات الخاصة فقد ساقه في إصابة قتالية، لمنصب نائب الحاكم في أغسطس (آب) 2025. ويقول كولينز إنه يخوض السباق «لحماية إرث ديسانتيس»، إلا أن الحاكم لم يعلن تأييده لأي من المرشحين.

الديمقراطيون ومعاركهم

وفي الجانب الديمقراطي، يتنافس ستة مرشحين، بينهم النائب الجمهوري السابق ديفيد جولي، الذي انضم إلى الحزب عام 2025 بعد مغادرته «الحزب الجمهوري» في 2018، ويتمتع بتفوق كبير في جمع التبرعات. واختار جولي النائبة الديمقراطية السابقة غوين غراهام، ابنة الحاكم والسيناتور الراحل بوب غراهام، لتكون نائبته.

ويأمل الديمقراطيون في كسر جفاف انتخابي طويل في فلوريدا، حيث لم يفز مرشح ديمقراطي بمنصب الحاكم منذ أكثر من ثلاثة عقود. وأعيد انتخاب ديسانتيس عام 2022 بفارق 19 نقطة.

لكن المعركة الأكثر حساسية في الانتخابات التمهيدية قد تكون في الدائرة العشرين لمجلس النواب، حيث تواجه النائبة الديمقراطية المخضرمة ديبي واسرمان شولتز أربعة مرشحين سوداً، بينهم النائبة السابقة شيلا شيرفيلوس-مكورميك، في أعقاب إعادة رسم الدوائر التي أثارت جدلاً حول التمثيل السياسي للسكان السود.

وأصبح هذا السباق رمزاً للتداعيات السياسية لإعادة تقسيم الدوائر في فلوريدا. وأعاد الجمهوريون رسم الخريطة بهدف تقليص عدد الدوائر الديمقراطية في جنوب فلوريدا من خمس إلى ثلاث، لتصبح مقاطعة بروارد، المعروفة بأنها الأكثر ديمقراطية في الولاية، ممثلة بدائرة واحدة يفترض أن تكون ديمقراطية حول فورت لودرديل.

أميركيات يعتمرن قبعات «ماغا» (لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى) خلال حضور حفل انتخابي لدونالد ترمب في ويست بالم بيتش بفلوريدا يوم 6 نوفمبر 2024 (رويترز)

وتسعى واسرمان شولتز (59 عاماً)، التي تمثل المنطقة منذ نحو ثلاثة عقود، إلى ولايتها الثانية عشرة في الكونغرس. وهي المرشحة البيضاء الوحيدة في السباق، بينما يمثل منافسوها، ومن بينهم شيرفيلوس-مكورميك والمنظم التقدمي إيليا مانلي، ناخبين سوداً في منطقة يبلغ السود فيها نحو 42 في المائة من السكان.

وقالت شيرفيلوس-مكورميك إن «مجيئها بهذه الطريقة هو مجرد مقعد آخر لبروارد، إنه محو كامل لتاريخنا، ومعركتنا من أجل وصول السود».

أما مانلي (27 عاماً) فقال إن واسرمان شولتز «كانت لديها خيارات أخرى»، بينها الترشح في منطقتها الجديدة، مضيفاً: «بدلاً من ذلك، طعنتنا في الظهر، في محاولة لإبعاد تمثيل السود».

البيضاء الوحيدة

وتدافع واسرمان شولتز عن قرارها، مؤكدة أنها قادرة على تمثيل المنطقة الجديدة بأكملها بعد سنوات من العمل في مجتمعات متنوعة. وقالت: «لن أسقط نفسي في هذه المنطقة. مثلت مجتمعات متنوعة. وأعرف كيفية تصميم خدمتي لهم، وتمثيل المنطقة على نطاق أوسع».

المرشحة الديمقراطية لمجلس الشيوخ عن فلوريدا أنجي نيكسون والمرشح لمجلس النواب أوليفر لاركن خلال جولة انتخابية في نورث ميامي بيتش يوم السبت الماضي (أ.ف.ب)

وتشير إلى سجلها في الكونغرس وعملها على قضايا تؤثر في المجتمعات السوداء، إضافة إلى جهودها للتواصل مع المجموعات العرقية والثقافية المختلفة. وقالت إنها أمضت «ست سنوات في تعلم اللغة الإسبانية» للتواصل مع الناخبين، وفي الاجتماعات العامة، ووسائل الإعلام الناطقة بالإسبانية.

لكن منتقديها يرون أن القضية تتجاوز قدرة النائب على تقديم الخدمات إلى مسألة التمثيل نفسه. وردت واسرمان شولتز بأن «التجربة الحياتية مهمة، لكن التجربة بشكل عام مهمة أيضاً»، مشيرة إلى أن خبرتها في الكونغرس قد تمنح المنطقة نفوذاً أكبر، خصوصاً إذا استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب.

وتقول شيرفيلوس-مكورميك إن معركتها مرتبطة أيضاً بقضيتها الجنائية الفيدرالية، إذ تواجه اتهامات بسرقة 5 ملايين دولار من أموال الكوارث، وهي تنفي ارتكاب أي مخالفات. وترى أن إعادة تقسيم الدوائر والاتهامات الموجهة إليها جزء من محاولة لإسكات صوتها بوصفها العضو الهايتي الوحيد في الكونغرس.

وفي المقابل، تتمسك واسرمان شولتز بترشحها، قائلة: «لقد فعل ترمب وديسانتيس هذا بمجتمعنا»، ومضيفة: «سأكون ملعونة إذا سمحت لهم بسرقة السلطة السياسية في مقاطعة بروارد، وتفكيك وحدتنا، ومنعنا من الدفاع عن قيم مجتمعنا».

ولا تقتصر تداعيات إعادة رسم الدوائر على هذا السباق. وأصبحت مقاعد ديمقراطية أخرى، بينها مقعدا كاثي كاستور ودارين سوتو، أكثر ميلاً للجمهوريين، فيما يواجه جاريد موسكوفيتز أيضاً سباقاً صعباً في دائرة أعيد رسمها.

وفي مجلس الشيوخ، تواجه الجمهورية آشلي مودي منافسة محدودة على ترشيح حزبها لخلافة ماركو روبيو، وإكمال العامين المتبقيين من ولايته. وسيواجهها في نوفمبر الفائز بين الديمقراطية أنجي نيكسون والمقدم المتقاعد أليكس فيندمان.

وتجري الانتخابات وسط مشاركة مبكرة كبيرة؛ إذ كان قد أدلى حتى الجمعة بنحو 663 ألف صوت جمهوري، و610 آلاف صوت ديمقراطي. ويبلغ عدد الناخبين المسجلين في الولاية نحو 13.5 مليون، بينهم 5.6 مليون جمهوري، و4.1 مليون ديمقراطي، ونحو 3.3 مليون غير منتسبين إلى حزب.

وبذلك، ستحدد انتخابات الثلاثاء ليس فقط مرشحي فلوريدا للانتخابات العامة، بل أيضاً حجم النفوذ الذي سيحتفظ به ترمب داخل «الحزب الجمهوري»، وقدرة الديمقراطيين على استعادة موطئ قدم في الولاية، ومستقبل التمثيل السياسي للأقليات في واحدة من أكثر الولايات الأميركية أهمية انتخابياً.