لماذا لن يستطيع «الفيدرالي» الأميركي خفض الفائدة؟... لغز «ندرة رأس المال»

المعركة الحقيقية انتقلت من أرقام التضخم إلى كواليس الأسواق العالمية

متداول يعمل في «بورصة نيويورك» (أ.ب)
متداول يعمل في «بورصة نيويورك» (أ.ب)
TT

لماذا لن يستطيع «الفيدرالي» الأميركي خفض الفائدة؟... لغز «ندرة رأس المال»

متداول يعمل في «بورصة نيويورك» (أ.ب)
متداول يعمل في «بورصة نيويورك» (أ.ب)

ثمة قناعة راسخة تسيطر على مجتمعات الاستثمار ومتابعي الأسواق العالمية اليوم، مفادها بأن رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، ومعه صانعو السياسة النقدية، يتمسكون بمستويات الفائدة المرتفعة لسبب وحيد؛ هو «محاربة التضخم». غير أن القراءة العميقة لما يدور خلف كواليس أسواق المال تكشف عن أن المعركة الحقيقية تقع في مكان آخر تماماً، بعيداً عن أرقام مؤشر أسعار المستهلكين الذي تترقبه الصناديق شهرياً؛ إذ إن الشبح الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد العالمي اليوم يحمل اسماً مغايراً، هو: «ندرة رأس المال الهيكلية».

وتشير البيانات الضمنية لأسواق السندات إلى حقيقة قد تبدو صادمة لأول وهلة؛ فالأسواق العالمية عبر تريليوناتها تؤكد بصوت واحد أن «التضخم طويل الأجل» بات تحت السيطرة، حيث تقف توقعات التضخم المستقبلية المشتقة من «الفارق بين العوائد الاسمية والحقيقية (Breakeven Inflation)» عند مستوى 2.3 في المائة فقط. وهذا يعني أن العالم لن يعود لمشهد عام 2022 المرعب، وأن تحركات «الاحتياطي الفيدرالي» الراهنة مدفوعة بمتغيرات هيكلية أعمق وأطول استدامة من مجرد تقلبات أسعار السلع.

ولتبسيط الفكرة هنا، ينقسم العائد على السندات إلى شقين أساسيين؛ الأول هو «العائد الاسمي»، وهو الرقم المجرد الذي يراه المستثمر على شاشات التداول ويتسلمه بصفته فائدة دورية. أما الشق الثاني والأهم، فهو «العائد الحقيقي»، وهو القوة الشرائية الفعلية للمال بعد استقطاع معدلات التضخم. وبحسبة اقتصادية بسيطة، فإن الفارق بين هذين العائدين يُعرف في الأوساط المالية بمصطلح «Breakeven Inflation»، وهو بمثابة «الترمومتر» الذي يترجم توقعات أسواق المال للتضخم على المدى الطويل. فعندما يقف هذا الفارق اليوم عند مستويات منخفضة تاريخياً (نحو 2.3 في المائة)، فإن الأسواق تبعث برسالة واضحة ومطمئنة بأن شبح التضخم بات تحت السيطرة تماماً؛ مما يعني أن استمرار الارتفاع الحاد في «العوائد الحقيقية للسندات» لا يعود إلى الخوف من غلاء الأسعار، بل إلى «ندرة الرساميل» واشتداد التنافس العالمي عليها.

متداول في «بورصة نيويورك» يرتدي بنطالاً مزيناً بالأعلام الأميركية (أ.ب)

لغز عوائد «تي آي بي إس (TIPS)» ونهاية التخمة

وتكمن الحكاية الحقيقية في سوق «السندات الأميركية المحمية من التضخم (Treasury Inflation-Protected Securities -TIPS)»، التي تعكس «العائد الحقيقي الصافي» بعيداً عن ضوضاء الأسعار. ففي الربع الأخير من عام 2025، خرج مزاد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً المحمية من التضخم بعائد حقيقي بلغ 2.65 في المائة، وهو الأعلى لهذه الشريحة منذ ربع قرن (أكتوبر 2001). ووفقاً للقاعدة البدائية للاقتصاد بأن العائد يرتفع عندما ينخفض السعر نتيجة ضعف الطلب، فإن هذه القفزة تعني أن ملاذات الاستثمار الأعلى أماناً على وجه الكوكب لم تعد تشهد ذات التهافت التاريخي من قِبل صناديق التقاعد والمصارف المركزية.

هذا المشهد يعلن رسمياً نهاية الحقبة التي عرفها الاقتصاد العالمي طيلة عقدين باسم «فائض المدخرات العالمي (Global Savings Glut)»؛ وهي المرحلة التي تميزت بتدفق مدخرات الصين واليابان ودول الخليج نحو أدوات الدين الأميركية بحثاً عن الأمان؛ مما سمح لـ«الاحتياطي الفيدرالي» بطباعة الدولار وإغراق الأسواق بتمويل رخيص ودون تكلفة تذكر. اليوم، استقرت التزامات صناديق المعاشات الكبرى، والأهم من ذلك أن السياسة النقدية باتت تواجه منافساً شرساً استقطب الفوائض المالية نحو وجهات جديدة أكبر إغراءً وأعلى عائداً.

ثورة الذكاء الاصطناعي وموازنات الدفاع تلتهمان السيولة

وتتحرك الرساميل العالمية اليوم باتجاه تمويل قفزات تكنولوجية وجيوسياسية غير مسبوقة؛ حيث يلتهم قطاع الذكاء الاصطناعي، وميزانيات الدفاع المتصاعدة، والبنية التحتية للجيل المقبل من الاتصالات، الجزء الأكبر من السيولة المتاحة. وتجاوز الإنفاق الرأسمالي للشركات التكنولوجية العملاقة، خصوصاً «مايكروسوفت» و«غوغل» و«ميتا» و«أمازون» - المعروفة بـ«Hyperscalers» أو «عمالقة الحوسبة السحابية» و«مزودو البيانات الفائقة» - حاجز 300 مليار دولار في 2025، الذي وُجه بصفة رئيسية لبناء مراكز البيانات والشرائح الفائقة وتأمين الطاقة التشغيلية لها. ولا تزال هذه الاستثمارات مستمرة لهذا العام أيضاً.

هذا التحول الهيكلي نقل العالم من بيئة يتجاوز فيها حجم الأموال حجم الفرص المتاحة، إلى عالم جديد باتت فيه الفرص والمشروعات الاستراتيجية تفوق حجم الرساميل المتوفرة؛ مما يرفع تلقائياً من التكلفة الطبيعية للمال.

قاعة التداول في «بورصة نيويورك» (أ.ف.ب)

معضلة «آر ستار (R-Star)» وفخ السياسة النقدية

هذا الواقع يقود إلى المفهوم الأهم في أدبيات البنوك المركزية؛ وهو «آر ستار (R-Star)» أو «المعدل المحايد للفائدة»، وهو النقطة النقدية التي لا يكون عندها الاقتصاد محفزاً ولا مقيداً. والمؤشرات الحالية تدل على أن هذا المعدل قد ارتفع هيكلياً؛ مما يضع الإدارة النقية لـ«الاحتياطي الفيدرالي» أمام معضلة حقيقية؛ فإجراء أي خفض كبير في أسعار الفائدة سيعيد السياسة النقدية إلى النطاق التيسيري. وفي ظل اقتصاد يعاني نقصاً هيكلياً في رأس المال مقابل إنفاق تكنولوجي ودفاعي هائل، فإن هذا الخفض سيشعل تضخماً هيكلياً جديداً ناتجاً عن تفوق الطلب على العرض في سوق رأس المال.

وفي المقابل، فإن المبالغة في رفع الفائدة قد تضغط على معدلات النمو والتوظيف وتحدث تصدعات في النظام المالي؛ مما يجعل الخيار الثالث والأعلى واقعية أمام «الاحتياطي الفيدرالي» هو الإبقاء على تكلفة الاقتراض مرتفعة وعند مستوياتها الحالية لفترة أطول مما تتمناه وترجوه الأسواق التي لا تزال تحن إلى عصر السيولة الرخيصة لعامي 2020 و2021.

خريطة طريق للعقد المقبل

السنوات العشر المقبلة لن تشبه بأي حال من الأحوال العقود الماضية؛ فالفائدة الصفرية أو المنخفضة للغاية لم تكن قاعدة ثابتة في طبيعة الكون، بل كانت ظاهرة تاريخية ولّدتها ظروف ديموغرافية واقتصادية دولية محددة، وقد انتهت صلاحيتها.

ومع دخول العالم مرحلة تتسم بندرة المال واشتداد المنافسة الدولية على رؤوس الأموال، فإن الاستراتيجيات الاستثمارية التي بُنيت على فرضية عودة «التمويل المجاني» ستواجه ضغوطاً تصحيحية قاسية. وبات السؤال الجوهري الذي يواجه الصناديق والمستثمرين اليوم: هل تعكس المحافظ الاستثمارية واقعاً ولّى كانت فيه الفائدة عند مستويات الصفر، أم إنها مصممة للتعامل مع عالم جديد استقرت فيه تكلفة رأس المال عند عتبة 4 في المائة فما فوق؟ الإجابة عن هذا التساؤل هي التي ستحدد ملامح الثروات والمستقبل المالي للعقد المقبل


مقالات ذات صلة

الاقتصاد ترمب يلقي كلمةً خلال مراسم أداء اليمين الدستورية لوارش بالبيت الأبيض في واشنطن (رويترز)

في أول اجتماع له... كيفين وارش يواجه «شتاء التضخم» وضغوط ترمب

يواجه رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الجديد، كيفين وارش، اختباراً ناريّاً، الأسبوع المقبل، في أول اجتماع رسمي للجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة منذ توليه منصبه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد إيلون ماسك يتحدث عبر شاشة عرض عن بُعد من مقر «سبايس إكس» بتكساس قبيل إطلاق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

بصمة خليجية فارقة في طرح «سبيس إكس»

حققت الصناديق الخليجية بصمةً فارقةً في الطرح التاريخي لشركة «سبيس إكس» التي وضعتها في صدارة قائمة المكتتبين الاستراتيجيين بأسهمها، في الوقت الذي تلقت فيه صناديق

«الشرق الأوسط» ( واشنطن - الرياض)
الاقتصاد موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة ناسداك (أ.ف.ب)

مستثمرو الخليج يصنعون الفارق في أضخم اكتتاب بتاريخ «وول ستريت»

مع بدء تداول أسهم شركة «سبايس إكس» رسمياً في بورصة ناسداك، لم يعد الحديث عن دور الأموال الخليجية مجرد تكهنات أو تسريبات صحافية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد موظفو «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة «ناسداك» (أ.ف.ب)

حصص صغيرة وأحلام كبيرة... كيف اقتنص صغار المستثمرين كعكة «سبايس إكس»؟

شهد يوم الجمعة إقبالاً منقطع النظير من صغار المستثمرين والمستثمرين الأفراد الذين تهافتوا للفوز بحصة في الاكتتاب العام الأضخم لشركة «سبايس إكس».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

شراكة «المملكة» و«السيادي» تُحلّق مع «سبايس إكس» إلى 6.83 مليار دولار

مدخل مبنى مركز «المملكة القابضة» التجاري (موقع الشركة)
مدخل مبنى مركز «المملكة القابضة» التجاري (موقع الشركة)
TT

شراكة «المملكة» و«السيادي» تُحلّق مع «سبايس إكس» إلى 6.83 مليار دولار

مدخل مبنى مركز «المملكة القابضة» التجاري (موقع الشركة)
مدخل مبنى مركز «المملكة القابضة» التجاري (موقع الشركة)

لم يكن إعلان شركة «المملكة القابضة» السعودية في بيان عن بلوغ القيمة العادلة لحصتها في «سبايس إكس» حاجز 6.83 مليار دولار مجرد رصد لرقم مالي جديد طفا على شاشات البورصة فور إدراج الأخيرة؛ بل كان بمثابة إعلان رسمي عن نجاح أسلوب «الصبر الاستراتيجي» للتحالف الاستثماري بين الشركة و«صندوق الاستثمارات العامة» الذي يمتلك حصة 16.87 في المائة منها.

وهذا الرقم، الذي كشفت عنه الشركة استناداً إلى سعر إغلاق السهم، شكّل ثمرة رهان مالي جريء، حقق أرباحاً دفترية قياسية تجاوزت 2.3 مليار دولار مقارنة بقيمتها الدفترية السابقة البالغة 4.47 مليار دولار، ما انعكس فوراً على تداولات السوق السعودية، دافعاً سهم «المملكة القابضة» للتحليق بنحو 4 في المائة.

وجاء هذا الإعلان الرسمي عقب الطرح العام الأولي التاريخي لشركة الفضاء والتقنية «سبايس إكس» في بورصة «ناسداك» الذي نجح في جمع 75 مليار دولار عند قيمة سوقية إجمالية بلغت 1.78 تريليون دولار، وسط منافسة عالمية حادة تجاوزت فيها طلبات الاكتتاب حاجز 250 مليار دولار؛ حيث أظهرت سجلات الطرح حصول صناديق الثروة السيادية الخليجية في السعودية وقطر والكويت على تخصيصات استثنائية تجاوزت مليار دولار لكل منها.

وأوضحت «المملكة القابضة» في بيانها أنها تمتلك أكثر من 42.4 مليون سهم من الفئة (أ)، وهو ما أدى لقفزة حصتها إلى مستوى الـ25.6 مليار ريال (6.83 مليار دولار) بعد إغلاق السهم عند 160.95 دولار في أولى جلسات تداوله.

نضج الفلسفة الاستثمارية السعودية

وفي قراءة متعمقة لأبعاد هذا البيان، أكد الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح المالية»، محمد الفراج، لـ«الشرق الأوسط»، أن قرار شركة «المملكة القابضة» بالاحتفاظ باستثماراتها في منصة «إكس» وتحويل الأسهم، بالتوازي مع أرقام طرح «سبايس إكس»، يعكس نضجاً ملموساً في فلسفتها الاستثمارية.

وأوضح أن هذا التوجه يبرهن على تبني نهج استراتيجي طويل الأجل يركز على «الأصول التحويلية» القادرة على إيجاد قيمة مستقبلية هائلة، بدلاً من الارتهان للأرباح قصيرة الأجل، وهو ما يتناغم تماماً مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، الساعية لبناء حضور سعودي مؤثر في قطاعات التقنية والتكنولوجيا المتقدمة عالمياً.

من جانبه، اتفق المستشار المالي والاقتصادي، الدكتور حسين العطاس، مع هذا الطرح، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن الأرقام التي أفصحت عنها «المملكة القابضة» تبرهن على أن القوى الرأسمالية للمملكة لم تعد مجرد ممول مالي عابر يبحث عن عوائد سريعة، بل شريك استراتيجي يصنع قطاعات المستقبل واقتصاد الفضاء ويحتكر تقنياتها.

وأشار العطاس إلى أن هذا التميز المؤسسي حظي بإسناد قوي وحاسم منذ دخول «صندوق الاستثمارات العامة» شريكاً استراتيجياً رئيسياً بحصته البالغة 16.87 في المائة في «المملكة القابضة»، ما منح الشركة مركزاً مالياً شديد المرونة، ونفساً طويلاً، أتاح لها التحول نحو العمل المؤسسي بدلاً من الفردي، والصمود أمام تقلبات وعواصف «السيليكون فالي» خلال السنوات الماضية، لتنجح في تسييل الفرصة في الوقت المثالي، وبما يحقق انسجاماً تاماً مع مستهدفات «رؤية 2030» في بناء اقتصاد رقمي ومستدام قائم على الابتكار.

موظفو شركة «سبايس إكس» يحتفلون بإغلاق سوق الاكتتاب العام الأولي للشركة في بورصة «ناسداك» بمدينة نيويورك (أ.ف.ب)

الأصول التقليدية «صمام أمان» ضد الفائدة

وحول آليات إدارة المخاطر وإعادة هندسة التوازن داخل المحفظة الاستثمارية لـ«المملكة القابضة»، كشف الفراج عن أرقام تمويلية ضخمة تفسر سياسة الشركة في دمج الأصول التقليدية، كالفنادق والعقارات، مع الاستثمارات التقنية عالية النمو (مثل «إكس» و«سبايس إكس»).

وأوضح الفراج أن هذا التنوع يكتسب أهمية مضاعفة في البيئة الاقتصادية العالمية الحالية التي تتسم بارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح التدفقات النقدية صمام أمان محورياً لتخفيف حدة المخاطر.

وبالنظر إلى البيانات المالية لشركة «سبايس إكس»، يتجاوز الإنفاق الرأسمالي المتوقع حاجز 20 مليار دولار خلال عام 2025، ما يؤدي إلى تدفقات نقدية حرة «سالبة» تقارب 14 مليار دولار نتيجة التوسع المكثف والضخم في مشروعات طموحة، مثل «ستارلينك» و«ستارشيب»، وهي مشروعات تتطلب سنوات طويلة قبل أن تُحقق كامل قيمتها الاقتصادية. ومن هنا، يسهم وجود الأصول التقليدية الدفاعية ذات العوائد المستقرة في الحفاظ على مستويات السيولة المطلوبة، وموازنة الأصول الأكثر مخاطرة التي تستهدف تحقيق نمو رأسمالي ضخم.

وفي السياق ذاته، أشار العطاس إلى أن هذا النموذج المتوازن يكتسب أهمية قصوى اليوم؛ حيث توفر الأصول التقليدية الاستقرار والسيولة الحمائية، فيما تمنح الاستثمارات التقنية فرصاً لتعظيم القيمة الرأسمالية على المدى الطويل، وهو نموذج ذكي تتبعه العديد من الشركات الاستثمارية العالمية الكبرى للحد من مخاطر الاعتماد على قطاع واحد.

رأس المال الخليجي شريك مفضل

وفيما يتعلق بالأولوية والشهية المفتوحة تجاه الصناديق الخليجية، أكد الفراج لـ«الشرق الأوسط» أن البيئة التمويلية المعقدة لشركات التكنولوجيا هي ما جعلت من رأس المال الخليجي شريكاً مفضلاً وجاذباً؛ نظراً لامتلاكه ثلاث مزايا تنافسية رئيسية، تتمثل في: السيولة الضخمة، والأفق الاستثمارية الطويل، والقدرة العالية على تحمل التقلبات الاقتصادية الدورية.

وكشف الفراج أن الشركات التقنية العملاقة تحتاج إلى مستثمرين استراتيجيين قادرين على الالتزام بخطط تمويلية تمتد لـ10 سنوات أو أكثر، لا سيما أن شركة «سبايس إكس» على سبيل المثال تحمل حالياً ديوناً تقارب 23 مليار دولار، وتواصل ضخ استثمارات رأسمالية تتجاوز 20 مليار دولار سنوياً.

وعلاوة على الدعم المالي، فإن الصناديق السيادية الخليجية لا تقتصر على تقديم التمويل الفوري فحسب، بل تفتح لعمالقة التكنولوجيا أسواقاً واعدة، وفرصاً استراتيجية حيوية في قطاعات الاتصالات، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، والطاقة، ما يُعزز مكانتها بوصفها شريكاً استراتيجياً متكاملاً، وليس مجرد ممول مالي تقليدي.

وهو ما ثنّى عليه الدكتور العطاس بالإشارة إلى أن دول الخليج تحولت من «صراف آلي» لتمويل الشركات الغربية إلى أسواق استراتيجية ومستهلك رئيسي للتقنيات المتقدمة، ما يجعل الشراكة مع المستثمر الخليجي تتجاوز ضغوط الأرباح الفصلية والتخارج السريع إلى إيجاد فرص تجارية متبادلة طويلة الأجل.

نائب رئيس قسم الموارد البشرية بـ«سبايس إكس» مرتدياً بدلة فضاء وآخرون يحتفلون على الشرفة بعد قرع جرس الإغلاق في بورصة «ناسداك» (رويترز)

معضلة التقييم الملياري

وعن التقييمات المرتفعة التي صاحبت طرح «سبايس إكس»، والتي تجاوزت حاجز 2.2 تريليون دولار، أفاد الفراج بأن الأرقام تكشف عن أن المستثمرين يدفعون مضاعفات مرتفعة للغاية مقارنة بالشركات التقليدية؛ ففي مقابل إيرادات متوقعة بنحو 18.7 مليار دولار في عام 2025، لا تزال الشركة تتوقع خسائر صافية تقارب 4.4 مليار دولار خلال العام نفسه، فضلاً عن تدفقات نقدية حرة سالبة بنحو 14 مليار دولار.

واستدرك الفراج قائلاً: «إن القفزات المتوقعة في الإيرادات لتتجاوز 32 مليار دولار في عام 2026، ثم نحو 56 مليار دولار في عام 2027، تفسر بوضوح هذه الشهية الاستثمارية المفتوحة. فالتقييم الحالي لا يعكس الأداء المالي اللحظي للشركة، بل يُمثل رهاناً ضخماً، وتوقعات سوقية متفائلة بشأن تحول (ستارلينك) إلى واحدة من كبرى شركات الاتصالات في العالم، وتحول (سبايس إكس) إلى البنية التحتية الأساسية للاقتصاد الفضائي العالمي خلال العقد المقبل».

واختتم الخبيران تحليلهما لـ«الشرق الأوسط» بالاتفاق على أن هذه القيمة السوقية الفلكية لـ«سبايس إكس» هي مزيج بين الإنجازات التشغيلية المحققة و«علاوة التفاؤل والرهان على المستقبل»، ما يجعل فرصة الاستثمار واعدة ومغرية للغاية لشركات كبرى مثل «المملكة القابضة»، مع الأخذ في الحسبان ارتفاع مستوى مخاطر التمويل والتشغيل في حال عدم تحقق تلك التوقعات الطموحة خارج الغلاف الجوي.


مؤشر السوق السعودية يغلق على مكاسب بنسبة 0.57 %

Saudi financial market (Reuters)
Saudi financial market (Reuters)
TT

مؤشر السوق السعودية يغلق على مكاسب بنسبة 0.57 %

Saudi financial market (Reuters)
Saudi financial market (Reuters)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية «تاسي» أولى جلسات الأسبوع على ارتفاع بنسبة 0.57 في المائة، ليغلق عند مستوى 11104 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 4.2 مليار ريال.

وسجّل المؤشر خلال الجلسة أعلى مستوياته عند 11137 نقطة، فيما بلغ أدنى مستوياته عند 11085 نقطة.

وجاءت شركة «صدق» في مقدمة الأسهم الأكثر ارتفاعاً لتغلق عند 17.29 ريال، تلاه سهم «تشب» الذي أغلق عند 20.69 ريال، ثم سهم «الخليجية العامة» عند 4.22 ريال، وسط مكاسب تراوحت بين 7 و8 في المائة.

في المقابل، تصدّرت «المملكة» قائمة الأسهم الأكثر انخفاضاً، لتغلق عند 13.50 ريال بانخفاض بلغ 6.38 في المائة، تلاه سهم «لوبريف» عند 123 ريالاً بنسبة 5.38 في المائة، ثم «الرمز» الذي أغلق عند 57.45 ريال بنسبة 3.69 في المائة.

وعلى صعيد القطاعات، سجّل قطاع البنوك ارتفاعاً بنسبة 0.85 في المائة ليصل إلى 12,942 نقطة، فيما تصدّر سهم «بي إس إف» قائمة الأسهم الأكثر ارتفاعاً في القطاع، مغلقاً عند 19.55 ريال بمكاسب بلغت 1.82 في المائة.


السيسي يبحث تعزيز «أمن الطاقة» في مصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجتمعاً مع رئيس الوزراء ووزير الكهرباء يوم الأحد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجتمعاً مع رئيس الوزراء ووزير الكهرباء يوم الأحد (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يبحث تعزيز «أمن الطاقة» في مصر

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجتمعاً مع رئيس الوزراء ووزير الكهرباء يوم الأحد (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجتمعاً مع رئيس الوزراء ووزير الكهرباء يوم الأحد (الرئاسة المصرية)

في إطار مناقشة تعزيز «أمن الطاقة» في مصر، اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي، الأحد، مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، ووزير الكهرباء والطاقة المتجددة محمود عصمت، حيث شدد على «ضرورة المتابعة والمراجعة الدورية لمشروعات الطاقات المتجددة سواء في مرحلة التشغيل أو التنفيذ»، كما طالب بـ«تسريع تنفيذ المشروعات الجديدة».

ووفق إفادة لمتحدث الرئاسة محمد الشناوي، تناول الاجتماع سبل تنفيذ مشروعات الطاقة الشمسية وبطاريات تخزين الطاقة، في إطار خطة زمنية تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة إلى 45 في المائة خلال العامين المقبلين، إلى جانب التوسع في إنشاء محطات تخزين الطاقة المتصلة بالشبكة والمحطات المستقلة.

ووجه السيسي بمواصلة التعاون مع جميع المؤسسات والجهات المعنية في الدولة، وبالشراكة مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي الذي يقوم على المشروعات التنفيذية في إطار الاستراتيجية الوطنية للطاقة، وكذا «تنفيذ مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأنظمة تخزين الطاقة بالعملة المحلية». وأكد «ضرورة التوسع في أنظمة تخزين الطاقة لتعظيم عوائد الطاقات المتجددة وتحقيق الاستقرار للشبكة».

وتحدث وزير الكهرباء عن مجريات تشغيل المرحلة الأولى من محطة «أوبليسك» للطاقة الشمسية بقدرة 500 ميغاواط، ومحطة تخزين الطاقة المتصلة بسعة 200 ميغاواط/ ساعة، اللتين تم ربطهما على الشبكة مطلع العام الحالي، وكذلك مجريات تنفيذ المرحلة الثانية للمحطة بقدرة 500 ميغاواط والمقرر ربطها على الشبكة خلال الأسابيع المقبلة، وذلك في إطار خطة العمل والمخطط الزمني لإدخال القدرات الجديدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح خلال الصيف الحالي.

محطة توليد كهرباء النوبارية بمحافظة البحيرة في غرب الدلتا (صفحة وزارة الكهرباء على «فيسبوك»)

وذكر المتحدث الرئاسي أن الوزير عصمت استعرض خلال الاجتماع، ما يتعلق بتطورات الموقف التنفيذي لمشروع وادي الطاقة «إنرجي ڤالي»، الذي يعدّ أحد أكبر مشروعات الطاقة النظيفة المتكاملة على مستوى العالم، ويتكون من قدرة توليد تبلغ 1.7 غيغاواط من التيار المتردد من الطاقة الشمسية الكهروضوئية يتم تنفيذها بالكامل في محافظة المنيا بصعيد مصر، ومدعومة بأنظمة تخزين طاقة بالبطاريات بسعة إجمالية 4 غيغاواط/ ساعة، يتم توزيعها جغرافياً بين محافظات المنيا وقنا والإسكندرية.

وأكد السيسي في هذا الصدد «أهمية هذه المشروعات في تعزيز خطط قطاع الكهرباء والطاقة المُتجددة لنشر استخدامات الطاقات المُتجددة وخفض انبعاثات الكربون وتنويع مصادر الطاقة»، مشدداً على أن «توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة يعدّ ركيزة أساسية لتعزيز أمن الطاقة والتحول الأخضر».

وتسعى القاهرة إلى تنفيذ خطة لتعزيز الإنتاج المحلي وجذب الاستثمارات الأجنبية الكبرى في مجال «استكشافات» البترول والغاز بشكل موسع، خشية نقص الوقود، مع التحسب لأي توترات خارجية قد تؤثر في معدلات الاستيراد.

مصر تسرع وتيرة استكشافات المواد البترولية (صفحة وزارة البترول على «فيسبوك»)

وكانت الحكومة قد أكدت في بيان، الجمعة الماضي، أنها «تعمل وفق خطة استباقية لضمان استقرار واستدامة إمدادات الطاقة للمواطنين ومختلف القطاعات الحيوية».

وفي مارس (آذار) الماضي، قال رئيس الوزراء مدبولي إن الحكومة «عملت على وضع خطط استباقية لتأمين ملف الطاقة وعدم الاكتفاء بسياسة ردّ الفعل، واتخذت إجراءات مهمة لتوفير كل الإمدادات المطلوبة من الغاز والبترول، لضمان انتظام الكهرباء والصناعة حتى في ظل الأزمات العالمية». كما لفت في نهاية مايو (أيار)، إلى «أهمية زيادة ودعم مختلف أنشطة الإنتاج والاستكشاف بالتعاون مع الشركات العالمية».

وتعمل في مصر 57 شركة بمجال البحث والاستكشاف والإنتاج؛ من بينها 8 من كبريات الشركات العالمية، و6 شركات مصرية متخصصة، وأكثر من 12 شركة عالمية تعمل في مجال الخدمات البترولية والتكنولوجية، وفق بيانات حكومية.

واستعرض اجتماع السيسي، الأحد، الموقف التنفيذي للمرحلة الثانية من مشروعات تدعيم الشبكة القومية للكهرباء؛ وأشار وزير الكهرباء إلى أن إجمالي مشروعات تدعيم الشبكة القومية للكهرباء في المرحلة الثانية يصل إلى نحو 105 مشروعات، كما تناول موقف ربط مشروعات الطاقة المُتجددة بالشبكة الكهربائية لعام 2027 من الطاقة الشمسية أو الرياح.

مسؤولون مصريون خلال تفقد منظومة استيراد الغاز الطبيعي المسال بمنطقة العين السخنة الجمعة الماضي (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

وشدد السيسي على ضرورة العمل على تحسين جودة التغذية الكهربائية، ورفع كفاءة استخدام الوقود التقليدي، وضمان استقرار الشبكة القومية، مع الالتزام الكامل بالخطة الزمنية المحددة لتنفيذ المشروعات وربطها بالشبكة، دعماً لجهود الدولة في التحول الطاقي وتحقيق التنمية المستدامة.

وطبقت الحكومة خلال عامي 2023 و2024، خطة «تخفيف الأحمال»، أو قطع الكهرباء المحكوم، وذلك بالتناوب في غالبية المحافظات. وتراوحت فترات انقطاع الكهرباء حينها من ساعة إلى 3 ساعات يومياً مع استثناء المناطق السياحية. لكن الحكومة تعهدت الأسبوع الماضي، بـ«عدم قطع التيار الكهربائي خلال أشهر الصيف».