لماذا لن يستطيع «الفيدرالي» الأميركي خفض الفائدة؟... لغز «ندرة رأس المال»

المعركة الحقيقية انتقلت من أرقام التضخم إلى كواليس الأسواق العالمية

متداول يعمل في «بورصة نيويورك» (أ.ب)
متداول يعمل في «بورصة نيويورك» (أ.ب)
TT

لماذا لن يستطيع «الفيدرالي» الأميركي خفض الفائدة؟... لغز «ندرة رأس المال»

متداول يعمل في «بورصة نيويورك» (أ.ب)
متداول يعمل في «بورصة نيويورك» (أ.ب)

ثمة قناعة راسخة تسيطر على مجتمعات الاستثمار ومتابعي الأسواق العالمية اليوم، مفادها بأن رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي، ومعه صانعو السياسة النقدية، يتمسكون بمستويات الفائدة المرتفعة لسبب وحيد؛ هو «محاربة التضخم». غير أن القراءة العميقة لما يدور خلف كواليس أسواق المال تكشف عن أن المعركة الحقيقية تقع في مكان آخر تماماً، بعيداً عن أرقام مؤشر أسعار المستهلكين الذي تترقبه الصناديق شهرياً؛ إذ إن الشبح الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد العالمي اليوم يحمل اسماً مغايراً، هو: «ندرة رأس المال الهيكلية».

وتشير البيانات الضمنية لأسواق السندات إلى حقيقة قد تبدو صادمة لأول وهلة؛ فالأسواق العالمية عبر تريليوناتها تؤكد بصوت واحد أن «التضخم طويل الأجل» بات تحت السيطرة، حيث تقف توقعات التضخم المستقبلية المشتقة من «الفارق بين العوائد الاسمية والحقيقية (Breakeven Inflation)» عند مستوى 2.3 في المائة فقط. وهذا يعني أن العالم لن يعود لمشهد عام 2022 المرعب، وأن تحركات «الاحتياطي الفيدرالي» الراهنة مدفوعة بمتغيرات هيكلية أعمق وأطول استدامة من مجرد تقلبات أسعار السلع.

ولتبسيط الفكرة هنا، ينقسم العائد على السندات إلى شقين أساسيين؛ الأول هو «العائد الاسمي»، وهو الرقم المجرد الذي يراه المستثمر على شاشات التداول ويتسلمه بصفته فائدة دورية. أما الشق الثاني والأهم، فهو «العائد الحقيقي»، وهو القوة الشرائية الفعلية للمال بعد استقطاع معدلات التضخم. وبحسبة اقتصادية بسيطة، فإن الفارق بين هذين العائدين يُعرف في الأوساط المالية بمصطلح «Breakeven Inflation»، وهو بمثابة «الترمومتر» الذي يترجم توقعات أسواق المال للتضخم على المدى الطويل. فعندما يقف هذا الفارق اليوم عند مستويات منخفضة تاريخياً (نحو 2.3 في المائة)، فإن الأسواق تبعث برسالة واضحة ومطمئنة بأن شبح التضخم بات تحت السيطرة تماماً؛ مما يعني أن استمرار الارتفاع الحاد في «العوائد الحقيقية للسندات» لا يعود إلى الخوف من غلاء الأسعار، بل إلى «ندرة الرساميل» واشتداد التنافس العالمي عليها.

متداول في «بورصة نيويورك» يرتدي بنطالاً مزيناً بالأعلام الأميركية (أ.ب)

لغز عوائد «تي آي بي إس (TIPS)» ونهاية التخمة

وتكمن الحكاية الحقيقية في سوق «السندات الأميركية المحمية من التضخم (Treasury Inflation-Protected Securities -TIPS)»، التي تعكس «العائد الحقيقي الصافي» بعيداً عن ضوضاء الأسعار. ففي الربع الأخير من عام 2025، خرج مزاد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً المحمية من التضخم بعائد حقيقي بلغ 2.65 في المائة، وهو الأعلى لهذه الشريحة منذ ربع قرن (أكتوبر 2001). ووفقاً للقاعدة البدائية للاقتصاد بأن العائد يرتفع عندما ينخفض السعر نتيجة ضعف الطلب، فإن هذه القفزة تعني أن ملاذات الاستثمار الأعلى أماناً على وجه الكوكب لم تعد تشهد ذات التهافت التاريخي من قِبل صناديق التقاعد والمصارف المركزية.

هذا المشهد يعلن رسمياً نهاية الحقبة التي عرفها الاقتصاد العالمي طيلة عقدين باسم «فائض المدخرات العالمي (Global Savings Glut)»؛ وهي المرحلة التي تميزت بتدفق مدخرات الصين واليابان ودول الخليج نحو أدوات الدين الأميركية بحثاً عن الأمان؛ مما سمح لـ«الاحتياطي الفيدرالي» بطباعة الدولار وإغراق الأسواق بتمويل رخيص ودون تكلفة تذكر. اليوم، استقرت التزامات صناديق المعاشات الكبرى، والأهم من ذلك أن السياسة النقدية باتت تواجه منافساً شرساً استقطب الفوائض المالية نحو وجهات جديدة أكبر إغراءً وأعلى عائداً.

ثورة الذكاء الاصطناعي وموازنات الدفاع تلتهمان السيولة

وتتحرك الرساميل العالمية اليوم باتجاه تمويل قفزات تكنولوجية وجيوسياسية غير مسبوقة؛ حيث يلتهم قطاع الذكاء الاصطناعي، وميزانيات الدفاع المتصاعدة، والبنية التحتية للجيل المقبل من الاتصالات، الجزء الأكبر من السيولة المتاحة. وتجاوز الإنفاق الرأسمالي للشركات التكنولوجية العملاقة، خصوصاً «مايكروسوفت» و«غوغل» و«ميتا» و«أمازون» - المعروفة بـ«Hyperscalers» أو «عمالقة الحوسبة السحابية» و«مزودو البيانات الفائقة» - حاجز 300 مليار دولار في 2025، الذي وُجه بصفة رئيسية لبناء مراكز البيانات والشرائح الفائقة وتأمين الطاقة التشغيلية لها. ولا تزال هذه الاستثمارات مستمرة لهذا العام أيضاً.

هذا التحول الهيكلي نقل العالم من بيئة يتجاوز فيها حجم الأموال حجم الفرص المتاحة، إلى عالم جديد باتت فيه الفرص والمشروعات الاستراتيجية تفوق حجم الرساميل المتوفرة؛ مما يرفع تلقائياً من التكلفة الطبيعية للمال.

قاعة التداول في «بورصة نيويورك» (أ.ف.ب)

معضلة «آر ستار (R-Star)» وفخ السياسة النقدية

هذا الواقع يقود إلى المفهوم الأهم في أدبيات البنوك المركزية؛ وهو «آر ستار (R-Star)» أو «المعدل المحايد للفائدة»، وهو النقطة النقدية التي لا يكون عندها الاقتصاد محفزاً ولا مقيداً. والمؤشرات الحالية تدل على أن هذا المعدل قد ارتفع هيكلياً؛ مما يضع الإدارة النقية لـ«الاحتياطي الفيدرالي» أمام معضلة حقيقية؛ فإجراء أي خفض كبير في أسعار الفائدة سيعيد السياسة النقدية إلى النطاق التيسيري. وفي ظل اقتصاد يعاني نقصاً هيكلياً في رأس المال مقابل إنفاق تكنولوجي ودفاعي هائل، فإن هذا الخفض سيشعل تضخماً هيكلياً جديداً ناتجاً عن تفوق الطلب على العرض في سوق رأس المال.

وفي المقابل، فإن المبالغة في رفع الفائدة قد تضغط على معدلات النمو والتوظيف وتحدث تصدعات في النظام المالي؛ مما يجعل الخيار الثالث والأعلى واقعية أمام «الاحتياطي الفيدرالي» هو الإبقاء على تكلفة الاقتراض مرتفعة وعند مستوياتها الحالية لفترة أطول مما تتمناه وترجوه الأسواق التي لا تزال تحن إلى عصر السيولة الرخيصة لعامي 2020 و2021.

خريطة طريق للعقد المقبل

السنوات العشر المقبلة لن تشبه بأي حال من الأحوال العقود الماضية؛ فالفائدة الصفرية أو المنخفضة للغاية لم تكن قاعدة ثابتة في طبيعة الكون، بل كانت ظاهرة تاريخية ولّدتها ظروف ديموغرافية واقتصادية دولية محددة، وقد انتهت صلاحيتها.

ومع دخول العالم مرحلة تتسم بندرة المال واشتداد المنافسة الدولية على رؤوس الأموال، فإن الاستراتيجيات الاستثمارية التي بُنيت على فرضية عودة «التمويل المجاني» ستواجه ضغوطاً تصحيحية قاسية. وبات السؤال الجوهري الذي يواجه الصناديق والمستثمرين اليوم: هل تعكس المحافظ الاستثمارية واقعاً ولّى كانت فيه الفائدة عند مستويات الصفر، أم إنها مصممة للتعامل مع عالم جديد استقرت فيه تكلفة رأس المال عند عتبة 4 في المائة فما فوق؟ الإجابة عن هذا التساؤل هي التي ستحدد ملامح الثروات والمستقبل المالي للعقد المقبل


مقالات ذات صلة

«الفيدرالي» يستعيد ثقة الأسواق... ويترك المستثمرين في حيرة

تحليل إخباري وارش يتحدث في مؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية رفع أسعار الفائدة (د.ب.أ)

«الفيدرالي» يستعيد ثقة الأسواق... ويترك المستثمرين في حيرة

يكتسب الاحتياطي الفيدرالي مزيداً من الثقة في قدرته على مواجهة التضخم، بعد رفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ عام 2023.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يصل مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفين وارش لحضور حفل أداء الأخير اليمين في البيت الأبيض في واشنطن (أرشيفية - رويترز)

ترمب يتهم «الفيدرالي» برفع الفائدة لـ«أسباب سياسية»

اتهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة لدوافع سياسية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الين الياباني والدولار الأميركي (رويترز)

الدولار قرب أعلى مستوى في 7 أسابيع بدعم من تشدد «الفيدرالي»

حافظ الدولار على مكاسبه قرب أعلى مستوى له في 7 أسابيع، الخميس، بعدما رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يغادر المروحية الرئاسية «مارين وان» في منطقة الإليبْس (أ.ب)

ترمب يهدد الاتحاد الأوروبي برسوم جمركية بسبب عضوية كندا المحتملة

هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتخاذ إجراءات ضد الاتحاد الأوروبي إذا مضى التكتل قدماً في مقترح لجعل كندا أول «عضو منتسب».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

عائد السندات الأميركية قصيرة الأجل يرتفع بعد قرار «الفيدرالي»

ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي رفع الفائدة ربع نقطة مئوية، مع إشارة توقعات إلى احتمال زيادة أخرى هذا العام.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

ارتفاع طفيف في عوائد سندات اليورو قصيرة الأجل عقب قرار «الفيدرالي»

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

ارتفاع طفيف في عوائد سندات اليورو قصيرة الأجل عقب قرار «الفيدرالي»

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

ارتفعت عوائد السندات الحكومية قصيرة الأجل في منطقة اليورو بشكل طفيف يوم الخميس، غداة قرار «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي رفع أسعار الفائدة، والإشارة إلى زيادات أخرى بهدف مواجهة التضخم.

ورفع «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة القياسي على الإقراض لليلة واحدة بمقدار رُبع نقطة مئوية، إلى نطاق يتراوح بين 3.75 في المائة و4 في المائة، في أول زيادة من نوعها منذ 3 سنوات، في حين أظهرت توقعات البنك أن غالبية صناع السياسات يتوقَّعون زيادة واحدة أخرى على الأقل قبل نهاية العام، وفق «رويترز».

ونظراً إلى حجم الاقتصاد الأميركي وأهميته، فضلاً عن تأثير «الاحتياطي الفيدرالي» في البنوك المركزية الأخرى، فإن السياسة النقدية الأميركية تؤثر عادةً في أسواق السندات العالمية.

ولم يطرأ تغيُّر يذكَر على عائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات، وهي السندات المرجعية لمنطقة اليورو، ليستقر عند 3.51 في المائة، أي أقل بقليل من أعلى مستوى له في 17 عاماً، والبالغ 3.5723 في المائة، والذي سجَّله يوم الثلاثاء.

وكانت حركة السندات أكثر وضوحاً في الطرف قصير الأجل من منحنى العائد، وهو الجزء الأكثر تأثراً بالسياسة النقدية، إذ ارتفع عائد السندات الألمانية لأجل عامين بمقدار 1.5 نقطة أساس إلى 3.22 في المائة. وتجدر الإشارة إلى أن عوائد السندات تتحرَّك في اتجاه معاكس لأسعارها.

أما عائد السندات الأميركية لأجل عامين، فقد ارتفع إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من عامين عقب قرار «الاحتياطي الفيدرالي»، لكنه تراجع قليلاً يوم الخميس إلى 4.692 في المائة.

وقال ماركو فالي، رئيس قسم تحليل الاقتصاد الكلي وكبير الاقتصاديين في بنك «يوني كريديت»: «يبدو من المرجح جداً حدوث زيادة أخرى قبل نهاية العام، وربما تكون في ديسمبر (كانون الأول)».

وأضاف: «نتوقع أن تظلَّ السياسة النقدية دون تغيير في العام المقبل، رغم أن المخاطر تميل نحو مزيد من التشديد إذا لم تتراجع الضغوط الناجمة عن أسعار الطاقة».

أسعار الطاقة تظلُّ محط الأنظار

في حين تصدَّر قرار «الاحتياطي الفيدرالي» عناوين الأخبار يوم الأربعاء، كان المستثمرون في أوروبا يراقبون أيضاً ارتفاع أسعار النفط والغاز، مما زاد من احتمالية اضطرار البنك المركزي الأوروبي إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً.

ولا تزال العقود الآجلة لخام برنت تتداول فوق مستوى 104 دولارات للبرميل، رغم تراجعها للجلسة الثانية على التوالي يوم الخميس.

وقال موهيت كومار، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في «جيفريز»: «إذا ظلت أسعار النفط فوق مستوى 100 دولار، فقد نشهد زيادة أخرى في أسعار الفائدة خلال شهر ديسمبر، وربما زيادات إضافية لاحقاً».

وأضاف: «أما إذا انخفضت أسعار النفط، فستصبح الحاجة إلى مزيد من الزيادات محل تساؤل».

وتسعّر الأسواق احتمالاً بنحو 40 في المائة لرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في اجتماعه المقرر في أكتوبر (تشرين الأول)، في حين أنها تأخذ في الحسبان بالكامل احتمال إجراء 3 زيادات، بمقدار رُبع نقطة مئوية لكل منها، بحلول يونيو (حزيران) من العام المقبل.


الهند تحذر واشنطن... الرسوم على النفط الروسي تهدد العلاقات الثنائية

ناقلة نفط روسية ترسو قبالة سواحل غوجارات الهندية بالقرب من متنزه «نارارا» البحري الوطني (رويترز)
ناقلة نفط روسية ترسو قبالة سواحل غوجارات الهندية بالقرب من متنزه «نارارا» البحري الوطني (رويترز)
TT

الهند تحذر واشنطن... الرسوم على النفط الروسي تهدد العلاقات الثنائية

ناقلة نفط روسية ترسو قبالة سواحل غوجارات الهندية بالقرب من متنزه «نارارا» البحري الوطني (رويترز)
ناقلة نفط روسية ترسو قبالة سواحل غوجارات الهندية بالقرب من متنزه «نارارا» البحري الوطني (رويترز)

حذرت الهند واشنطن من أن الإجراءات الجديدة الرامية إلى فرض رسوم جمركية على مشتريات النفط الروسي قد تؤثر على العلاقات الثنائية، وفقاً لما ذكرته وزارة الخارجية الهندية يوم الخميس، بعد ساعات من اتخاذ الولايات المتحدة خطوة جديدة لمعاقبة المشترين لهذه الشحنات.

وفي وقت سابق من اليوم، أقر مجلس النواب الأميركي مشروع قانون شامل للعقوبات والرسوم الجمركية يهدف إلى زيادة الضغط الاقتصادي على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا، وفق «رويترز».

ويمنح مشروع القانون، الذي أُرسل الآن إلى الرئيس دونالد ترمب لتوقيعه ليصبح قانوناً، الرئيس صلاحية فرض رسوم جمركية باهظة تصل إلى 100 في المائة على الصين والهند ودول أخرى، لحملها على تقليص اعتمادها على الطاقة الروسية.

وقالت وزارة الخارجية الهندية إنها أُحيطت علماً بإقرار مشروع القانون، مضيفةً أن نيودلهي ناقشت هذه المسألة مع مختلف الأطراف الأميركية المعنية خلال الأشهر الأخيرة، و«أوضحت بجلاء» التداعيات المحتملة على العلاقات الثنائية وسوق الطاقة العالمية.

وأكدت الوزارة، في بيان، أن نيودلهي تظل «ملتزمة تماماً» بضمان أمن الطاقة لشعبها، وستواصل الحصول على الإمدادات من بائعين متنوعين وفقاً لديناميكيات السوق.

وأضافت الوزارة أن «الجانب الهندي أوضح أيضاً عزمه على اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية مصالحه التجارية والاقتصادية»، مشيرةً إلى أن الحكومة ستعمل بشكل وثيق مع الهيئات التجارية والصناعية للتعامل مع تداعيات هذا التشريع.

وتُعد الهند، ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم، من أكبر المشترين للنفط الروسي، إذ يُنظر إلى هذه المشتريات على أنها تساعد موسكو على تعزيز موازنتها منذ أن شنت غزوها الشامل لأوكرانيا عام 2022 وتعرضت لعقوبات غربية واسعة النطاق.

وسعت نيودلهي مراراً إلى مقاومة الضغوط الرامية إلى تقليص تجارتها النفطية مع روسيا، مؤكدةً أن تعدادها السكاني الضخم واقتصادها الكبير يتطلبان إمدادات طاقة آمنة وموثوقة وبأسعار معقولة.

وحسب مصادر مطلعة على الأمر، رتَّبت شركات التكرير الهندية صفقات نفطية لشهري سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) تتضمن شحنات من النفط الروسي.

وقال مصدران في قطاع التكرير إنهما يرغبان في أن تطرح الحكومة هذه القضية للنقاش مع السلطات الأميركية، نظراً إلى أن أسعار النفط قد ترتفع بشكل حاد إذا قرر ترمب فرض رسوم جمركية جديدة.

وأضاف المصدران أن إمدادات النفط انخفضت بشكل كبير بسبب الحرب في الشرق الأوسط، وأن خفض الإمدادات الروسية سيؤثر بشدة على أرباح شركات التكرير، التي تبيع الوقود بالفعل بأسعار تقل عن أسعار السوق.

وأضاف المصدران أن شركات التكرير ترغب في أن تسعى الحكومة للحصول على بعض التسهيلات، بدلاً من فرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المائة، بما يسمح لها بتصفية المعاملات القائمة وتحديد حصة للهند لشراء النفط الروسي.

تعقيد المحادثات التجارية

يرى محللون هنود أن احتمال فرض رسوم جمركية أميركية جديدة على الصادرات الهندية قد يعقِّد المفاوضات التجارية الجارية بين الهند والولايات المتحدة، وربما يؤدي إلى تأخير التوصل إلى اتفاق تجاري أو يزيد صعوبة إبرامه.

وقال أجاي سريفاستافا، مؤسس مركز الأبحاث «مبادرة أبحاث التجارة العالمية» ومقره نيودلهي، والمسؤول التجاري السابق: «قد تستخدم واشنطن التهديد بفرض الرسوم الجمركية للضغط على الهند لتقليل مشترياتها من النفط الروسي وقبول اتفاق تجاري غير متكافئ إلى حد كبير».

وبعد أشهر من المحادثات، لم تتوصل الهند والولايات المتحدة بعد إلى توافق بشأن اتفاق تجاري، إذ تصر نيودلهي على الحصول على صفقة أفضل.

ومن المقرر أن يتوجه وزير التجارة الهندي، بيوش غويال، إلى الولايات المتحدة لحضور اجتماع وزراء تجارة مجموعة العشرين في وقت لاحق من هذا الشهر، حيث يُتوقع أن يعقد اجتماعاً ثنائياً مع الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، لمناقشة الخطوات التالية المتعلقة بالصفقة.


سيول ترجئ كشف خططها الاستثمارية في واشنطن لحين توضيح مسائل إجرائية

يرفرف العلمان الكوري الجنوبي والأميركي جنباً إلى جنب في يونغين (أرشيفية - رويترز)
يرفرف العلمان الكوري الجنوبي والأميركي جنباً إلى جنب في يونغين (أرشيفية - رويترز)
TT

سيول ترجئ كشف خططها الاستثمارية في واشنطن لحين توضيح مسائل إجرائية

يرفرف العلمان الكوري الجنوبي والأميركي جنباً إلى جنب في يونغين (أرشيفية - رويترز)
يرفرف العلمان الكوري الجنوبي والأميركي جنباً إلى جنب في يونغين (أرشيفية - رويترز)

قال وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الخميس، إن الإعلان عن خطط سيول الاستثمارية في الولايات المتحدة، في إطار اتفاقها التجاري مع واشنطن، قد تأجل إلى حين توضيح بعض المسائل الإجرائية، من دون الخوض في مزيد من التفاصيل.

وأدلى تشو بهذه التصريحات في المطار قبيل مغادرته إلى الولايات المتحدة؛ حيث من المقرر أن يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو لإجراء محادثات يوم الجمعة.

وكانت الحكومة الكورية الجنوبية قد أرجأت هذا الأسبوع إحاطة كانت مقررة للجنة برلمانية بشأن خططها الاستثمارية، وحددت موعداً مبدئياً جديداً لها في 22 سبتمبر (أيلول)، وفقاً لمسؤول مطلع وتقارير إعلامية.

ويصف المشرعون هذه الإحاطة البرلمانية بأنها إحدى الخطوات النهائية قبل أن تضع سيول وواشنطن الشروط النهائية لتعهد استثماري كوري جنوبي ضخم في الولايات المتحدة.

ويأتي تأجيل إحاطة يوم الخميس في وقت يواصل فيه الحليفان المفاوضات بشأن تفاصيل اتفاق تجاري أُبرم العام الماضي، التزمت سيول بموجبه باستثمار 350 مليار دولار في قطاع التصنيع الأميركي، مقابل خفض الرسوم الجمركية على الواردات الكورية إلى 15 في المائة.

وقال مسؤولان في سيول إن مواعيد الإحاطة البرلمانية والإعلان النهائي لم تُحسم بعد، في ظل استمرار المفاوضات.

وكانت وكالة الأنباء الكورية الجنوبية «نيوسيس» قد أفادت، يوم الأربعاء، نقلاً عن مسؤول برلماني كوري، بأن من المرجح أن يعقد الحليفان مراسم توقيع مذكرة تفاهم في 23 سبتمبر.

وشهد تنفيذ الاتفاق التجاري تأخيرات، ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تهديد كوريا الجنوبية بفرض رسوم جمركية أعلى في وقت سابق من هذا العام.

ومن إجمالي الاستثمارات التي تعهدت بها سيول والبالغة 350 مليار دولار، خُصص مبلغ 150 مليار دولار لقطاع بناء السفن، بينما تعمل الحكومتان على وضع اللمسات الأخيرة لشروط المشاريع المقترحة للمبلغ المتبقي، وقدره 200 مليار دولار.

وأفادت عدة وسائل إعلام كورية جنوبية، من بينها صحيفتا «كوريا إيكونوميك ديلي» و«تشوسون إيلبو»، هذا الأسبوع بأن أحد المقترحات قيد المناقشة يتضمن احتمال استحواذ كوريا الجنوبية على حصة في شركة «ويستينغهاوس» الأميركية المتخصصة في تكنولوجيا المفاعلات النووية.

ووفقاً للتقارير، تسعى سيول للحصول على حصة أقلية في شركة «ويستينغهاوس» بتمويل من صندوقها الاستثماري الاستراتيجي الأوسع في الولايات المتحدة، وذلك كجزء من حزمة تشمل خططاً لبناء ما يصل إلى ثمانية مفاعلات نووية جديدة في الولايات المتحدة؛ ستة منها تعتمد على تقنية «ويستينغهاوس»، واثنان يعتمدان على نموذج كوري جنوبي.

وتشمل المشاريع الأخرى خططاً لبناء محطة لتوليد الكهرباء تعمل بالغاز بقدرة 6.3 غيغاواط في منطقة «إنسينال» بولاية تكساس، بتكلفة تقدر بنحو 22 مليار دولار، وذلك لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة اللازمة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، بحسب ما أوردته التقارير الإعلامية.

كما أشارت التقارير إلى أن سيول تدرس المشاركة في مشروع للغاز الطبيعي المسال في ألاسكا.