في سن التسعين، لا يزال الصحافي المكسيكي روبرتو غيريرو أيالا يروي قصصه عن كأس العالم بشغف لا يخبو. فالرجل الذي جاب العالم لتغطية 15 نسخة من المونديال، يواصل اليوم مشاركة ذكرياته من منزله في مدينة غوادالاخارا.
وبحسب صحيفة «ليكيب» الفرنسية، فإن روبرتو غيريرو أيالا لا يستقبل ضيوفه في منزله قبل الساعة 12:15 ظهراً من يوم الأربعاء. ورغم أنه بلغ التسعين من عمره، ومنذ الثامن من مايو (أيار)، لا يزال ينسق يومه بعناية. فهو يخصص صباحاته لتقديم برنامج إذاعي عن كأس العالم ثلاث مرات أسبوعياً من منزله الجديد، بعدما اضطر إلى الانتقال إلى فيلا من طابق واحد إثر سقوط مؤلم على درج منزله. ورغم ذلك، ما زال يخرج للتعليق مباشرة على المباريات من منطقة المشجعين في غوادالاخارا، كما يحضر اللقاءات في ملعب «أكرون»، لكن هذه المرة من المدرجات وليس من المنصة الصحافية.
ويقول وهو يتجه بخطوات مرحة إلى الأريكة، وقد بدا متعافياً من كسر في عظمة الفخذ: «حقوق البث تضاعفت مقارنة بالنسخة الماضية في قطر، وإذاعتنا لا تملك القدرة على دفعها».
لذلك، توقفت مسيرته عند تغطية 15 نسخة من كأس العالم. ولم يسبقه في هذا الإنجاز سوى الأرجنتيني إنريكي ماكايا ماركيز (91 عاماً)، الذي يغطي هذا الصيف موندياله الثامن عشر، والألماني هارتموت شيرتسر (88 عاماً)، الذي يغطي النسخة السابعة عشرة.
أما بطاقات اعتماده من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، فقد ضاعت بين الصناديق بعد انتقاله إلى المنزل الجديد، لذلك لم يتمكن من عرضها. لكنه يبتسم قائلاً: «ذكرياتي أحتفظ بها هنا... في رأسي». ثم يشير إلى خزانة في غرفة الجلوس، حيث تصطف 15 كرة صغيرة تحمل شعارات النسخ الخمس عشرة التي عاشها من داخل الملاعب، وقد أهداها له أحد أصدقائه.
كل شيء بدأ بمسابقة للمعلقين
كانت تذكرة سفره إلى العالم عبارة عن مسابقة للمعلقين أطلقتها شبكة «تيليسيستيما مكسيكانو» عام 1966. وكانت الجائزة الأولى السفر إلى إنجلترا لتغطية سبع مباريات من كأس العالم، وهي النسخة الأولى التي نُقلت مباشرة عبر الأقمار الاصطناعية إلى المكسيك.
تفوقه على 119 متسابقاً فتح أمامه أبواب العالم، وكان مكافأة على خمسة عشر عاماً من العمل المتواصل.
في بداياته، كان متدرباً في المحاسبة داخل محطة إذاعية محلية بمدينة زامورا، الواقعة على بعد نحو 170 كيلومتراً جنوب شرقي غوادالاخارا، وهي مسقط رأسه في ولاية ميتشواكان، إحدى الولايات الإحدى والثلاثين التي تشكل المكسيك.
وعندما كان في الخامسة عشرة من عمره، وجد نفسه يعلّق على أول مباراة في حياته، بالمصادفة، بعدما تعذَّر على المعلق الأساسي الحضور، وذلك في 18 فبراير (شباط) 1951.
ومنذ اللحظة الأولى، فرض صوته نفسه على الأثير، وبعدما فقد والده وهو في العاشرة من عمره، قرر ترك الدراسة لمساعدة والدته وشقيقته على تأمين لقمة العيش.
ويستعيد تلك المرحلة قائلاً: «في تلك الفترة، كنت أذهب أيضاً لشراء صحيفة ليكيب في بلدتي لأتعلم بعض الكلمات الفرنسية. لا أعرف السبب، لكن فرنسا وباريس كانتا دائماً حلمي. ولم أتخيل يوماً أن أحقق حلم طفولتي، أو أن أعلق على مباريات كأس العالم».
ويضيف: «كنت أعشق احتساء القهوة على ضفاف نهر السين، عند سفح برج إيفل، وركوب القوارب النهرية لمشاهدة باريس وهي تتلألأ ليلاً. إنها مدينة مذهلة، وكذلك حي مونمارتر وطبق الديك المطهو بالنبيذ. ومنذ وفاة زوجتي قبل خمس سنوات، أصبحت ابنتي تعدّه لي».
من ياشين إلى بيليه... أحلام تحولت إلى واقع
حقق روبرتو أحلامه منذ مشاركته الأولى في كأس العالم، بعد عودته من إنجلترا.
ويقول: «بعد أن حظيت بشرف مشاهدة ليف ياشين، أعظم حارس مرمى في التاريخ، الملقب بـ(العنكبوت الأسود) لأنه كان يرتدي الأسود بالكامل، وكذلك الحارس الإنجليزي الأسطوري غوردون بانكس، توقفنا في باريس، وهناك اكتشفت أجمل مدينة في العالم».
ويتحدث الرجل، المعروف أيضاً بتخصصه في رياضة مصارعة الثيران، بعينين لا تزالان تلمعان بالحماس كلما عاد إلى تلك الذكريات.
وفجأة ينهض قائلاً: «هل تريدون رؤية صوري مع بيليه وفرانز بكنباور؟ أعرف تماماً أين أضعها».
وأثناء استعراض الصور، يعلق عليها قائلاً: «بكنباور كان رمزاً للأناقة، أما بيليه فهو أعظم لاعب شاهدته في حياتي. ولم يكن عظيماً داخل الملعب فقط، بل كان إنساناً متواضعاً واستثنائياً. منتخب البرازيل عام 1970 كان يشبه (دريم تيم) الولايات المتحدة في كرة السلة خلال أولمبياد برشلونة».
ويتابع: «تشرفت لاحقاً بالتعليق إلى جانب بيليه في إشبيلية عام 1982، ثم انقطعت أخبارنا لأكثر من عشر سنوات، حتى كأس العالم 1998 في فرنسا. بعد أن علقت على 22 مباراة، لحقت بي زوجتي إلى باريس. صعدنا إلى قوس لاديفانس، وهناك التقينا بيليه مع صديقين له. وما إن رآني حتى قال: (روبرتو، أريد أن أعانقك)، ثم احتضن زوجتي أيضاً. وبعدها سألتني: من هذا؟ فأجبتها: إنه أعظم لاعب كرة قدم في التاريخ».
ذكريات لا تنتهي
ومن بين كل المباريات التي غطاها، يختار مباراتين يعتبرهما الأفضل في القرن بالنسبة إليه: ربع نهائي ألمانيا الغربية وإنجلترا عام 1970 في مدينة ليون المكسيكية، والذي انتهى بفوز الألمان 3-2 بعد التمديد، وربع نهائي فرنسا والبرازيل في غوادالاخارا عام 1986، الذي انتهى بالتعادل 1-1 قبل أن تحسمه فرنسا بركلات الترجيح 4-3.
ويتنهد قائلاً: «أنا الوحيد من الصحافيين المكسيكيين في جيلي الذي عاش النسخ الثلاث لكأس العالم التي استضافتها المكسيك. لم يبقَ سواي».
ثم تتبدل ملامحه قليلاً عندما يستعيد بعض الذكريات المؤلمة.
ويقول: «اعتداء شوماخر على باتيستون، ونطحة زيدان في النهائي... كانتا كارثتين. لكن في الحقيقة، لا أحتفظ بذكريات حزينة... باستثناء تتويج الأرجنتين الأول عام 1978، في ظل الحكم العسكري».
ويروي كيف التقى مصادفة بالجنرال خورخي رافاييل فيديلا، قائد المجلس العسكري الأرجنتيني بين عامي 1976 و1981، قائلاً: «كنا ننتظر وصول منتخب المكسيك إلى مطار باخاس بلانكاس في قرطبة قبل مباراته أمام ألمانيا، عندما هبطت طائرة عسكرية. فتح الباب ونزل فيديلا مع زوجته. ظن أننا كنا ننتظره، وبما أن الكاميرا كانت معنا، اضطررت إلى إجراء مقابلة معه».
ويتابع: «وفي المساء ذهبنا للاستماع إلى أحد مغنيي فرقة (تريو لوس بانشوس) المكسيكية في نادي بامبو. فجأة دخل ستة عسكريين شباب، كانوا يرتدون الأسود بالكامل، ويشبهون النازيين الألمان. رأينا شاباً يحاول الاختباء خلف الستار، لكنهم أمسكوا به. وبعد مغادرتهم، اقترب منا رجل أرجنتيني وقال: أنتم مكسيكيون؟ هنيئاً لكم... أنتم تعيشون أحراراً، ثم انفجر باكياً».
كما يؤكد أنه لم يعجبه أيضاً الأسلوب الذي فازت به الأرجنتين بلقبيها الآخرين.
ويقول: «كل من كان في ملعب أزتيكا شاهد أن مارادونا سجل بيده أمام إنجلترا عام 1986... باستثناء الحكم. وفي قطر، جرى كل شيء لكي يصبح ميسي بطلاً للعالم».
ثم يبتسم قبل أن يختم حديثه قائلاً: «لكن هل تعرفون ما هو الأمر الأكثر حزناً؟ ألا تكبر في السن».
وبعد أن ودَّع ضيفه عند باب المنزل، عاد إلى الداخل، فما زال عليه أن يكتب مقالاً لصحيفة محلية.