قاليباف: تحركات «العدو» تمهد لجولة جديدة من الحرب

قال إن إيران تعدّ «ردّاً قوياً» على أي هجوم جديد محتمل

وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي يلتقي رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف في طهران الأحد (موقع البرلمان)
وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي يلتقي رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف في طهران الأحد (موقع البرلمان)
TT

قاليباف: تحركات «العدو» تمهد لجولة جديدة من الحرب

وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي يلتقي رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف في طهران الأحد (موقع البرلمان)
وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي يلتقي رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف في طهران الأحد (موقع البرلمان)

قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، الأربعاء، إن «التحركات العلنية والخفية للعدو» تظهر أنه لم يتخلَّ عن أهدافه العسكرية، «ويسعى إلى بدء حرب جديدة» على إيران، ويريد منها الاستسلام رغم مرور نحو شهر على توقف إطلاق النار في جبهات القتال.

وأضاف قاليباف، في ملف صوتي ثالث وجّهه إلى الإيرانيين ونشره عبر حسابه على «تلغرام»، أن الولايات المتحدة تسعى، بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية والسياسية، إلى «جولة جديدة من الحرب ومغامرة جديدة».

وقاد قاليباف وهو قيادي في «الحرس الثوري»، وفد بلاده خلال جولة المباحثات التي جرت مع واشنطن في إسلام آباد الشهر الماضي،

وشدد قاليباف على أن القوات المسلحة الإيرانية استغلت فترة وقف إطلاق النار «بأفضل شكل» لإعادة بناء قدراتها، قائلاً إن طهران تعمل على تعزيز جاهزيتها لـ«رد قوي وفعال» على أي هجمات محتملة، مضيفاً أن مستوى الجاهزية الحالي «سيفاجئ العدو»، وأن أي اعتداء جديد سيقابَل برد يجعله «يندم بالتأكيد».

وقال إن الولايات المتحدة تواجه «تحدياً استراتيجياً»، مشيراً إلى أن التضخم وأسعار الفائدة والبنزين وتكاليف المعيشة في الداخل الأميركي رفعت منسوب الاعتراض الشعبي هناك.

وأضاف أن قسماً كبيراً من أنصار الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتوا يعدّون أي حرب أميركية محتملة ضد إيران «حرب إسرائيل»، ويرون أنها تتعارض مع وعود ترمب الانتخابية.

وأوضح قاليباف أن خيار واشنطن الثاني يتمثل في استئناف الحرب أو مواصلة الحصار البحري لإجبار إيران على الاستسلام، مضيفاً أن «رصد الأوضاع» يظهر أن الولايات المتحدة لا تزال تراهن على إخضاع الشعب الإيراني عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال إن تصور واشنطن يقوم على أن تكثيف الهجمات العسكرية، والضغوط الاقتصادية يمكن أن يجبرا إيران على الرضوخ لـ«مطالبها المبالغ فيها» على طاولة الدبلوماسية.

صورة نشرتها «الخارجية الإيرانية» تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

وشدّد قاليباف على أن مواجهة هذا المسار تتطلب تعزيز الجاهزية للرد «القوي والمؤثر» على أي هجمات محتملة، ورفع مستوى الصمود الاقتصادي، بما يخرج الولايات المتحدة من «خطأ الحسابات» ويدفعها إلى «اليأس من إمكان إخضاع إيران»، كي تضطر في المفاوضات إلى القبول بـ«المطالب المشروعة للشعب الإيراني».

وأشار قاليباف إلى أن «الركيزة الثانية لنجاح إيران هي استمرار صمود الشعب»، قائلاً إن «العدو لم يفهم بعد أن الشعب الإيراني لا ينحني أمام القوة». وأضاف أن هذا الصمود الشعبي يضاعف مسؤولية السلطات في معالجة المشكلات الاقتصادية.

ومع ذلك، قلل قاليباف من الاستياء الداخلي حيال الوضع المعيشي، قائلاً إن الإيرانيين صمدوا نحو 80 يوماً في مواجهة «حرب أميركا وإسرائيل»، لكنهم واجهوا في الأسابيع الأخيرة ضغوطاً اقتصادية، بينها تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، خصوصاً الأرز والدجاج والبيض واللحوم.

وأضاف أن خطأ الطرف المقابل كان الاعتقاد بأن صعوبة الظروف المعيشية ستضعف التماسك الوطني، لكن الشعب الإيراني «أثبت عكس ذلك». ورأى أن من حق المواطنين أن يتوقعوا من السلطات الثلاث وجميع المسؤولين العمل لمعالجة مشكلات المعيشة.

وأعرب قاليباف عن أسفه لأن «بعض الأطراف، بدوافع سياسية وبذريعة ارتفاع الأسعار، توجه أصابع الاتهام فقط إلى الحكومة أو الرئيس، من دون مراعاة الواقع». وقال إن بعض الانتقادات الموجهة إلى الحكومة تُطرح «كما لو أن حرباً لم تقع».

وأضاف أنه لا ينكر وجود «بعض نقاط الضعف الإدارية»، لكنه حذر من أن «إعطاء عنوان خاطئ» للمشكلة يضر بالوحدة الوطنية. وشدد على أن تأمين السلع الأساسية بصورة مستقرة يجب أن يكون «الأولوية الأولى» لجميع المسؤولين.

الدبلوماسية والميدان

وفي سياق مواز، قدّم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مقاربة تربط بين العمل الدبلوماسي والميدان العسكري، قائلاً إن وزارة الخارجية تجري «تنسيقاً مستمراً ويومياً» مع قادة القوات المسلحة على مستويات مختلفة.

وأضاف عراقجي أن الجهاز الدبلوماسي سيحضر في ميدان الحوار والتفاوض «بالقوة نفسها» التي تحضر بها القوات المسلحة في ميدان الدفاع.

وجاءت تصريحات عراقجي، خلال رعايته مراسم لإحياء ذكرى أربعين يوماً على مقتل مستشار المرشد الإيراني ووزير الخارجية الأسبق كمال خرازي، والذكرى السنوية لوفاة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي ووزير الخارجية السابق حسين أمير عبداللهيان.

وتابع عراقجي أن عناصر التأثير في التطورات كانت تُختصر سابقاً في ثلاثة أضلاع: «الميدان، والدبلوماسية، والإعلام»، لكن المواجهات الأخيرة أضافت ضلعاً رابعاً هو «الشارع والحضور الشعبي»، عادّاً أن التعبئة الناتجة عن هذا الحضور أكملت الأضلاع السابقة.

صورة نشرتها «الخارجية الإيرانية» لظريف خلال مشاركته في مراسم أربعين كمال خرازي

وقال إن القوات المسلحة تضطلع بمهام الدفاع، والمؤسسات الحكومية بملف المعيشة، والأجهزة الأمنية بدور «عين النظام»، فيما تتولى الدبلوماسية أن تكون «الصوت الواضح للبلاد في الخارج» والمدافع عن المصالح الوطنية في الساحات الدولية.

وشدّد عراقجي على أن وزارة الخارجية لا تفصل مهمتها عن بقية مؤسسات الدولة، موضحاً أنها وبالتنسيق الكامل مع الأهداف العليا للنظام «تقف حيث تقتضي المصالح الوطنية الوقوف، وتتفاوض حيث تكون المفاوضات لازمة».

وأضاف أن الدبلوماسيين، إذا تغيرت أدوارهم، «سيقفون بالصلابة نفسها خلف منصات الدفاع»، وأن العسكريين، إذا اقتضى الأمر، «سيجلسون بالقوة نفسها إلى طاولة التفاوض»، لأن جميع المؤسسات، كما قال، تتحرك في مسار واحد لتحقيق هدف مشترك.

وقال عراقجي إن تجربة المعارك والتطورات في الأشهر الأخيرة أظهرت بوضوح أن الجهاز الدبلوماسي يتحرك «خطوة بخطوة وكتفاً بكتف» مع القوات المسلحة في خدمة المصالح الوطنية، مؤكداً أن الوزارة ستواصل أداء مهامها واتخاذ ما يلزم من إجراءات «بحزم ومن دون الالتفات إلى الهامش».

في المكان نفسه، قال وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف إن إيران لا تحتاج إلى «ضمانات من ناقضي العهود وناكثي الاتفاقات»، عادّاً أن «الشعب الإيراني والقوات المسلحة هما أكبر ضمانة» لمستقبل البلاد.

وأضاف ظريف، أن إيران «اعتمدت على قدراتها الذاتية وعلى شعبها، وأثبتت أن أي طرف يقف في مواجهة هذا الشعب أو يحاول الاعتداء عليه أو قتل أطفاله أو استهداف قياداته محكوم عليه بالفشل». وأضاف أن ذلك «يمثل أكبر ضمانة لمستقبل البلاد».

وأشار إلى أن العاملين في المجال الدبلوماسي يمكنهم الوقوف «بثقة وعزة نفس في مواجهة المتغطرسين» والدفاع عن حقوق الإيرانيين «من دون قلق بشأن المستقبل»، مضيفاً أن «التهديدات لا تزال قائمة، لكن من يطلقونها أدركوا أن التهديد والضغط والقوة لن تدفع الشعب الإيراني إلى الاستسلام».

«خنق العقلانية»

في المقابل، عكست صحيفة «جمهوري إسلامي» المعتدلة نبرة أكثر تحذيراً من الداخل الإيراني، إذ انتقدت تصاعد التهديدات مقابل تقليص مساحة الدعوات إلى الدبلوماسية، قائلة إن هناك من يسعى إلى خلق أجواء عاطفية بدلاً من الاحتكام إلى العقلانية، بحيث تُوصم أي مفاوضات أو تفاهم بأنها «خيانة»، عادةً أن «الثورية الأصيلة لا تعني بالضرورة تأييد الحرب».

رجل يمر أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على مبنى في طهران (رويترز)

وقالت الصحيفة في عددها الصادر الأربعاء، إن الخطر الأكبر يكمن في أن يضيق المجال العام إلى درجة يصبح فيها من الصعب على أصحاب الرأي الحديث عن تكلفة الحرب. وأضافت أن كل صوت تحذيري قد يُتهم، وكل دعوة إلى العقلانية قد تُقرأ بوصفها مساومة، وكل محاولة للتفاهم قد تُفسَّر على أنها خيانة.

وأضافت أن البلاد تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى عقلانية «لا تنخدع بابتسامة العدو ولا تتهرب من رؤية تكلفة الحرب». ودعت إلى مصارحة المواطنين بالوقائع، والاعتراف بالخسائر، والبحث في الوقت نفسه عن مخرج.

وخلصت الصحيفة إلى أن السياسة «ميدان للفهم لا للصراخ»، محذرة من أن المجتمع الذي يلغي الحوار يُدفع حكماً إلى المواجهة. وقالت إن من يغلقون طريق التفاهم قد لا يدركون أن أول ضحايا الحرب هو «برنامج الأمة وأملها وحلمها»، وإن عدم التحرك في الوقت المناسب قد يترك وضعاً «لا يمكن تعويضه».


مقالات ذات صلة

بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

شؤون إقليمية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)

بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محادثات، الخميس، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان قبيل قمة إقليمية في تركمانستان.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الولايات المتحدة​ مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)

أميركا تفرض عقوبات على 17 سفينة من «أسطول الظل» الإيراني

فرضت الولايات المتحدة، الخميس، عقوبات تستهدف «ما تبقى من أسطول الظل» الإيراني المكوّن من ناقلات تُستخدم لنقل المنتجات النفطية إلى الأسواق الخارجية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوّح للصحافيين أثناء سيره في الحديقة الجنوبية عند وصوله إلى البيت الأبيض يوم 8 أكتوبر 2026 (أ.ب)

ترمب: نجري محادثات بنّاءة مع إيران ولن نهاجمها قبل الانتخابات

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، إن الولايات المتحدة تُجري محادثات مثمرة مع إيران ولن تشن هجوماً عليها قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مدخل بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجع «وول ستريت» مع ارتفاع النفط ومخاوف تجدد الحرب مع إيران

تراجعت أسهم «وول ستريت» في مستهل تعاملات الخميس، بعد ارتفاع حاد في أسعار النفط إثر تقارير أفادت بأن الولايات المتحدة قد تشن هجمات جديدة على إيران.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا الشرطة البريطانية تنتشر مع استمرار وجود حواجز الطرق بالقرب من قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني فيرفورد (رويترز) p-circle

بريطانيا تُفرج عن مشتبه به سابع أُوقف على خلفية حادثة «فيرفورد»

أعلنت الشرطة البريطانية الإفراج بكفالة عن شخص سابع أُوقف على خلفية حادثة في قاعدة جوية عسكرية بريطانية تستخدمها الولايات المتحدة لشن ضربات ضد إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)

بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
TT

بوتين يلتقي بزشكيان في تركمانستان

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان خلال لقاء في موسكو يوم 17 يناير 2025 (رويترز)

أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين محادثات، الخميس، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان قبيل قمة إقليمية في تركمانستان، وجدد له استعداد موسكو للمساعدة في تسوية الحرب في الشرق الأوسط، وفق ما أفادت وكالات الأنباء الروسية.

وقال بوتين: «نحن مستعدون لبذل كل ما في وسعنا للمساهمة في تسوية هذا الوضع»، عادّاً أن إيران تبذل «جهوداً حقيقية لإنهاء النزاع» الذي اندلع بضربات أميركية-إسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط)، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

يأتي ذلك وسط تواصل المساعي الإقليمية لدفع الحوار بين واشنطن وطهران وخفض التصعيد، في وقت شدّدت إيران لهجتها تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، ملوّحة بالرد على أي هجوم جديد، بينما أبقت في الوقت نفسه على استعدادها للتفاوض بشأن برنامجها النووي مع تأكيدها أنها لن تتنازل عن حقوقها «تحت أي ظرف»..


تحذيرات أميركية من هجمات جديدة في أديس أبابا تثير قلقاً

عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات أميركية من هجمات جديدة في أديس أبابا تثير قلقاً

عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)
عناصر من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية خلال دورية في شوارع ميكيلي عاصمة الإقليم (أ.ف.ب)

وجّهت الولايات المتحدة تحذيراً لرعاياها في إثيوبيا من هجمات محتملة، وسط نزاع مسلح بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي»، التي تزعم أديس أبابا أنها تتلقى دعماً من الجارة إريتريا، رغم نفي أسمرة.

ويعني ذلك التحذير أن مستوى المخاطر وتوسعها لا يزالان قائمين ويثيران قلقاً، ويفتحان سيناريوهات عدة، أبرزها حرب استنزاف إثيوبية داخلية، أو صدام إثيوبي-إريتري، أو احتواء للتصعيد بوساطة دولية، بحسب تقديرات خبير إثيوبي في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط».

واندلعت المعارك بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، ما أثار مخاوف من عودة الحرب الأهلية المدمرة التي شهدتها البلاد بين عامَي 2020 و2022، ومن اتساع نطاق النزاع إقليمياً.

وتثير المعارك مخاوف من اندلاع حرب أوسع نطاقاً، خصوصاً في حال انسحاب مقاتلي «جبهة تحرير تيغراي» عبر الحدود إلى إريتريا، المتهمة بدعمهم في هذه الجولة من النزاع.

ووسط تلك المعطيات، أصدرت السفارة الأميركية في إثيوبيا تحذيراً أمنياً، الأربعاء، لرعايا بلادها من «احتمال وقوع هجمات بعيدة المدى تستهدف منشآت عسكرية إثيوبية في عدة مناسبات خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول)»، داعية إياهم لعدم السفر إلى أقاليم تيغراي وأمهرة وعفر.

ويرى الباحث الإثيوبي في الشؤون الأفريقية موسى شيخو، أنه «لا يمكن قراءة التحذيرات الأميركية من هجمات محتملة داخل إثيوبيا بمعزل عن التصعيد العسكري في تيغراي والتدهور المتسارع للعلاقات بين أديس أبابا وأسمرة».

وأعرب خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» عن اعتقاده بأن «هذه التحذيرات لا تعني بالضرورة قرب وقوع هجوم، لكنها تعكس ارتفاع مستوى المخاطر واتساع نطاق التهديدات المحتملة، وتزيد القلق الواسع بشأن الفترة المقبلة».

اتهامات لإريتريا

وشنت طائرات مسيّرة إثيوبية عدة غارات استهدفت قوات إريترية كانت قد وصلت إلى مدينة في شمال إقليم تيغراي، حسبما ذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، نقلاً عن منظمة «أكليد» المعنية برصد النزاعات وعن شهود عيان.

وتدهورت العلاقات بقوة في الآونة الأخيرة بين البلدين الجارين اللذين خاضا حرباً حدودية بين عامَي 1998 و2000. ومع الاتهامات الإثيوبية لإريتريا بدعم المتمردين في إقليم تيغراي بشمال البلاد، قطعت الجارتان علاقاتهما الدبلوماسية الأسبوع الماضي.

وقالت وزيرة الاتصال الحكومي الإثيوبية إيناتاليم ميليسي لوكالة «بلومبرغ»، الأربعاء: «يجب على جميع القوات العسكرية الأجنبية العاملة داخل أراضينا السيادية الانسحاب فوراً. وعلى وجه الخصوص، يتعين على القوات الإريترية العاملة في تيغراي مغادرة الأراضي الإثيوبية دون تأخير».

وقاتلت إريتريا إلى جانب إثيوبيا ضد الجبهة «الشعبية لتحرير تيغراي» خلال الحرب الأهلية التي استمرت من 2020 إلى 2022، غير أن العلاقات سرعان ما تدهورت وسط اتهام أديس أبابا لأسمرة بدعم الجبهة، على خلفية مخاوف لدى إريتريا من أن تكون إثيوبيا تخطط لغزو أراضيها للحصول على منفذ مباشر إلى البحر الأحمر.

أفراد من «قوة سلام تيغراي» الموالية للحكومة الإثيوبية يتفقدون مركزاً للشرطة في تيغراي (أ.ف.ب)

ويقول الباحث شيخو: «التطورات الميدانية المرتبطة بوجود قوات إريترية داخل شمال إثيوبيا تشير إلى أن الأزمة قد تتجاوز حدود الصراع الداخلي، لتكتسب بُعداً عسكرياً مباشراً بين دولتين، رغم النفي الإريتري لهذه التقارير».

وكان مصدر إريتري مسؤول قد نفى، الأربعاء، وجود قوات لبلاده في إقليم تيغراي، لكنه لم يستبعد في حديثه مع «الشرق الأوسط» الصدام مع إثيوبيا لو مسَّت حدود بلاده. وقال المصدر، الذي فضَّل عدم ذكر اسمه: «لا قوات إريترية في تيغراي، ولكن الاحتكاك والصدام واردان، إذا تم المساس بالحدود الإريترية، فهذا طبيعي».

3 سيناريوهات

ورغم هذا النفي، يعتقد شيخو أن أمام المنطقة ثلاثة سيناريوهات، تتمثل في «احتواء التصعيد عبر الضغوط الدبلوماسية، أو استمرار حرب استنزاف في تيغراي، أو الانزلاق إلى مواجهة إثيوبية–إريترية مفتوحة».

أما إقليمياً، فقد تمتد التداعيات إلى السودان وعفر وأمهرة، وتزيد التوترات المرتبطة بأمن البحر الأحمر والتنافس على النفوذ.

وإلى جانب إريتريا، تشهد العلاقات بين إثيوبيا والسودان توتراً على خلفية اتهام الخرطوم لأديس أبابا بدعم ميليشيات مسلحة ضد الجيش، واتهام إثيوبي بدعم سوداني لـ«جبهة تحرير تيغراي» وتحالف مسلح دُشن الشهر الماضي لإسقاط حكومة آبي أحمد.

وإزاء تلك التعقيدات، يعتقد شيخو أن «الخطر الأكبر ليس في تعدد الأزمات وحده، بل في احتمال تداخلها وتحولها إلى صراع إقليمي يصعب احتواؤه».


اتهامات لنتنياهو بتزييف وثائق رسمية حول «7 أكتوبر»

متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب يوليو 2026 (أ.ب)
متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب يوليو 2026 (أ.ب)
TT

اتهامات لنتنياهو بتزييف وثائق رسمية حول «7 أكتوبر»

متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب يوليو 2026 (أ.ب)
متظاهر يضع قناعاً يمثل نتنياهو خلال تجمع بمناسبة مرور ألف يوم على هجوم 7 أكتوبر 2023 في تل أبيب يوليو 2026 (أ.ب)

بعد اتهام السكرتير العسكري السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي، اللواء آفي غيل، الذي كان في منصبه صباح 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لدى مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتزييف بروتوكولات ووثائق تتعلق بالحرب وغيرها، توجه رئيس حزب «يشار»، رئيس الأركان الأسبق للجيش، غادي آيزنكوت، إلى المستشارة القانونية للحكومة مطالباً بفتح تحقيق جنائي ضد نتنياهو ومساعديه.

وقال آيزنكوت، الذي ينافس نتنياهو على رئاسة الحكومة في الانتخابات القريبة المقبلة، إنه بغض النظر عن الانتخابات ومن دون أي علاقة بها، فإن أموراً خطيرة جرت وتجري تهدد أسس منظومة الحكم وأركان الدولة إذا لم تعالج مثل هذه التجاوزات الخطيرة بالشكل المناسب؛ فالحديث يجري عن «تحريف وثائق أو شهادات وتزوير الحقيقة وإعادة كتابة تاريخ أحداث ما قبل هجوم 7 أكتوبر».

وأضاف: «تشكيل لجنة تحقيق رسمية سيكون أول قرار للحكومة التي سنقيمها بعد الانتخابات، لأن كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن الإخفاقات هو ضرورة حيوية لاستعادة ثقة الجمهور بالقيادة التي سبقت 7 أكتوبر. ولكن في قضايا التزوير يجب محاسبة الجناة قضائياً».

وقد انضم إلى هذا الطلب أيضاً «مجلس أكتوبر»، الذي يضم غالبية العائلات التي ثكلت أبناءها وبناتها في 7 أكتوبر وخلال الحرب. وكشف هذا المجلس عن أن كبار المسؤولين في مكتب نتنياهو لم يكتفوا بالتزوير بل هددوا السكرتيرات، اللواتي يعملن في كتابة البروتوكولات واختزالها، واعترضن على بعض عمليات التزوير. وأكد أن هذه التصرفات جنائية ويجب التحقيق فيها في النيابة ومحاكمة جميع المسؤولين عنها.

نتنياهو يدلي بصوته داخل مركز الاقتراع الرئيسي لحزب «الليكود» بالقدس خلال الانتخابات التمهيدية قبل الانتخابات العامة الإسرائيلية... يوم 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

وكانت تقارير عديدة نشرها الإعلام العبري في اليومين الماضيين، تكشف عن الأساليب التي اتبعها نتنياهو وفريقه لكي تبعد عنه تهمة الاستخفاف بالتحذيرات التي تلقاها عن قرب هجوم من «حماس» على إسرائيل.

وأكدت أن عمليات التزوير كانت منظمة ومنهجية. وشملت البروتوكولات السرية التي توثق اجتماعات الكابنيت (المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية في الحكومة).

نتنياهو استخف بتحذيرات أمنية

ومن أبرز التقارير ما سينشر في ملحق السبت لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، وتم نشر ملخص عنه الأربعاء، وما نشر في صحيفة «يسرائيل هيوم»، الخميس، ويتحدث كلاهما عن «قلق شديد في قيادة الجيش والمخابرات من عمليات تشويه الحقائق». ويستند التقريران إلى شهادة السكرتير العسكري، آفي غيل، وفيها يكشف عن «تحذيرات من أجهزة الأمن عن الوضع في قطاع غزة، التي تستوجب اتخاذ خطوات ضد قيادة (حماس)، واستخف بها نتنياهو ورفض المصادقة على اغتيالات لقادتها». وقد تبين أن البروتوكولات التي تتعلق بهذه التوصيات زُيفت، بينما تعرضت النسخة التي قدمها نتنياهو إلى المؤسسات الرسمية لعمليات «شطب وتحرير وتغيير»؛ فاختفت منها التحذيرات لغرض «تبرئة نتنياهو» من تهمة تقوية «حماس».

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يحمل إكليل ورد في احتفال لاستذكار ضحايا هجوم 7 أكتوبر في مقبرة بالقدس يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وتشير الوثائق، حسبما جاء في تقرير «يديعوت أحرونوت» إلى أن مسؤولين أمنيين حذروا خلال أشهر الصيف والخريف، قبيل أكتوبر 2023، من اتساع التهديد واحتمال تداخل عدة جبهات، بينما ركز نتنياهو في توجيهاته على الحفاظ على الهدوء والاستقرار. وتقول الصحيفة: «هذه التحذيرات لا تعني أن أجهزة الأمن توقعت هجوم 7 أكتوبر تحديداً، ولا تعفيها من مسؤولية الإخفاق. لكنها تفضح حقيقة موقف نتنياهو».

أكاذيب كثيرة في الأجواء

وقال غيل، في مقابلة مع «يسرائيل هيوم»، نُشرت مقتطفات منها الخميس، على أن تُنشر كاملة يوم الجمعة، وفي مقابلة أخرى تنشر الليلة مع «القناة 12» للتلفزيون الإسرائيلي، وصحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن هناك وثيقة قدمها نتنياهو إلى مراقب الدولة «هي جزء من الحقيقة، لكنها ليست الحقيقة كاملة»، مضيفاً: «هناك أكاذيب كثيرة جداً في الأجواء. كنت آمل أن تُقام لجنة تحقيق رسمية تحقق في كل شيء، وللأسف هذا لا يحدث، وأشك في أنه سيحدث».

وأوضح غيل أن غياب لجنة تحقيق رسمية مستقلة هو أحد الأسباب التي دفعته إلى الحديث علناً في هذه المرحلة.

وكشف غيل للمرة الأولى عن تفاصيل تتعلق بقضية الاشتباه بتغيير وتعديل بروتوكولات في مكتب رئيس الحكومة، وقال إنه لاحظ، بعد نحو أسبوعين من اندلاع الحرب، أن مقربين من نتنياهو يقومون بـ«جمع مواد بصورة غير متناسبة».

وأضاف: «قررت التوجه إلى المستشارة القضائية للحكومة. قلت لها إننا في حرب، وإنني لا أبحث عن مذنبين ولا أريد أن يتحول الأمر إلى مسألة شخصية. طلبت منها أن توضّح التعليمات بشأن ما يجوز وما لا يجوز فعله بالنصوص المفرغة والبروتوكولات، وهذا ما حدث».

فلسطينيون يحتفلون فوق دبابة إسرائيلية على الجدار العازل قرب خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023 (أ.ب)

وبعد توجه غيل إلى المستشارة القضائية للحكومة، شرعت الشرطة في التحقيق بشبهة محاولة مسؤولين كبار في مكتب نتنياهو تغيير بروتوكولات لاجتماعات المجلس الوزاري المصغر التي عقدت خلال الحرب، إلى جانب عمليات تفريغ لمكالمات هاتفية أجراها صناع القرار، بينهم نتنياهو، خلال الأيام الأولى للحرب.

ومن بين المشتبه بهم في القضية رئيس طاقم مكتب نتنياهو، تساحي برافرمان، وهو أكبر المقربين من نتنياهو. وقد اضطر إلى ترك منصبه، بعد فتح ملف تحقيق ضده، فقرر نتنياهو ترقيته بتعيينه سفيراً في لندن، لكن هذا التعيين يواجه عراقيل دبلوماسية من طرف بريطانيا.

وقال غيل بشأن ما جرى: «نتحدث عن نمط عمل إجرامي لأشخاص يعتقدون أن كل شيء مسموح لهم، ورئيس الطاقم تصرف كمن يعتقد أن كل شيء مباح له». وأضاف: «قد يكونون عملوا منذ ذلك الوقت على الرواية التي نراها اليوم، ومفادها أن رئيس الحكومة كان الوحيد الذي عمل عندما بدأت الفوضى، والدليل أنه أعطى منذ اللحظة الأولى جميع التعليمات. هذا سيناريو خطير، لكنه معقول. وهناك سيناريو آخر شديد الخطورة».

وتطرق غيل كذلك إلى التحذيرات التي سبقت 7 أكتوبر، لكنه لم يؤكد وجود تحذير مصري محدد بشأن تدهور الأوضاع الأمنية في المنطقة، تبدأ بهجوم ما لـ«حماس»، وتؤدي إلى حرب مدمرة.

وقال: «طائرة تابعة للاستخبارات المصرية هبطت في إسرائيل، وبقيت هنا أكثر بقليل من 60 دقيقة. هذه حقيقة. طائرة كهذه لا تأتي من دون سبب». وأضاف: «إما أن شخصاً وصل على متنها للقاء شخص ما، وإما أن شخصاً جاء بها لتسليم شيء؛ رسالة أو مغلف». وتابع: «شخص ما التقى بشخص ما، أو تلقى شيئاً، ولم يبلغ عن ذلك. وإذا حدث ذلك، ويبدو أنه حدث، فكان يجب الإبلاغ عنه. ومن التقى أو تلقى شيئاً يخفي ذلك حتى اليوم».

«ثقافة الكذب تتفكك»

وفي تعقيبه على تصريحات غيل، قال رئيس حزب «يَشار»، غادي آيزنكوت، إن «ثقافة الكذب لدى نتنياهو تفكك إسرائيل وتعرضها للخطر». وأضاف أن نتنياهو وصل إلى صباح 7 أكتوبر «وهو متعال أمام التحذيرات المتكررة التي تلقاها من الداخل والخارج، ويستخف بالتنبيهات وخطط الأجهزة الأمنية». وتابع: «خلال ذلك الصباح، وبينما كان سكان البلدات المحاذية لغزة يقاتلون على حياتهم، انشغل نتنياهو ومحيطه بصياغة واقع بديل ينظفه من المسؤولية عن أكبر إخفاق في تاريخ إسرائيل».

من جانبه، هاجم الليكود مقابلة غيل، واعتبرها «جزءاً من حملة دعائية كاذبة وسياسية ضد رئيس الحكومة نتنياهو والليكود، هدفها إسقاط حكم اليمين وقيادة حكومة يسارية تقيم دولة فلسطينية». وعاد الحزب إلى تكرار روايته بأن «رئيس الحكومة نتنياهو لم يتلقَ أي تحذير مسبق قبل 7 أكتوبر بشأن هجوم لـ(حماس) من قطاع غزة». وختم الليكود بالقول إنه «لو تم إبلاغ رئيس الحكومة نتنياهو في الوقت الحقيقي، لكان كل شيء قد بدا مختلفاً».