لبنان يحصر مهام وفده الأمني بالمباحثات «التقنية» مع إسرائيل

«حزب الله» يهدّد بقتال أي قوة رديفة… وبيروت تنفي نوايا تشكيلها

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون وسط بيروت الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون وسط بيروت الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

لبنان يحصر مهام وفده الأمني بالمباحثات «التقنية» مع إسرائيل

عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون وسط بيروت الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون وسط بيروت الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

هدَّد «حزب الله»، الثلاثاء، بمهاجمة أي قوَّة مسلَّحة تنسّق مع إسرائيل في حال تشكيلها، على غرار قتاله القوات الإسرائيلية، وذلك استباقاً للاجتماع الأمني بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي المزمع عقده في واشنطن في 29 مايو (أيار) الحالي، رغم أن مقترحاً من هذا النوع لتشكيل أي قوة رديفة لإسرائيل، «غير مطروح بتاتاً».

ومع أن الاجتماع الأمني المنتظر في 29 مايو الحالي، سيبحث أموراً تقنية ولوجستية بين ممثلين عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي برعاية ووساطة أميركية، حسبما تقول مصادر لبنانية رسمية لـ«الشرق الأوسط»، برز هجوم لافت من قِبل عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية النائب حسن فضل الله، الذي حذَّر «من الحديث الأميركي - الإسرائيلي عن تشكيل قوَّة مسلَّحة عميلة على غرار جيش لبنان الحر عام 1978 وجيش لبنان الجنوبي عام 1984 (المتعاملَين مع إسرائيل)»، مؤكداً مواجهتها «كما نواجه العدو»، لكنه في الوقت نفسه أشاد بعلاقة «حزب الله» مع الجيش اللبناني، واصفاً إياها بـ«الممتازة».

امرأة تسير قرب ركام مبنى دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

والواقع أن فضل الله يرد على «تقديرات إعلامية افتراضية حول مخرجات الاجتماع الأمني المقبل»، بالنظر إلى أن مقترحاً مشابهاً «غير صحيح بتاتاً»، حسبما تؤكد مصادر رسمية لـ«الشرق الأوسط»، موضحة أن طرح كهذا «لم يتم التطرق إليه بتاتاً في جلسات المفاوضات التي عقدت في واشنطن، كما لم يحمله أي من الموفدين الدوليين إلى لبنان»، مشددة على أن الجيش اللبناني يرفض قطعاً تشكيل أي لواء مستقل كانت تحدثت عنه (افتراضاً أيضاً) وسائل إعلام محلية.

لجنة ثلاثية... وتفعيل مراقبي الأمم المتحدة

وقالت المصادر إن الاجتماع الأمني المزمع عقده، سيبحث في اقتراحين، أولهما تشكيل لجنة ثلاثية تضم ممثلين عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي، والجيش الأميركي لمتابعة الخروق وخطوات الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية وانتشار الجيش اللبناني في تلك النقاط، كما ستبحث في إمكانية تفعيل عمل بعثة «هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة» (UNTSO) لمراقبة الهدنة بهدف ضبط الخروق من الجهتين، علماً أن فريق المراقبين هو أول بعثة لحفظ السلام أنشأتها الأمم المتحدة في تاريخها، حيث تأسست في مايو 1948 لمراقبة اتفاقيات وقف إطلاق النار بين إسرائيل ومحيطها، ومن ضمنه لبنان، ويقتصر دور مراقبيها على «المراقبة والإبلاغ»، وليس القتال. وقالت المصادر إن أحد المقترحات هو «تفعيل عمل المراقبين»، بمعنى زيادة عددهم وتعزيز عملهم.

آلية لقوات «يونيفيل» في إحدى القرى الحدودية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وخلافاً لـ«يونيفيل» التي تنسحب أواخر العام بشكل كامل من لبنان، تطبيقاً لقرار مجلس الأمن في أواخر أغسطس (آب) الماضي، لا تمتلك بعثة «UNTSO» عديداً كبيراً في لبنان، ويعمل المراقبون الذين يُعدّ عددهم بالعشرات فقط، في «مجموعة المراقبين في لبنان»، وينتشرون على طول الخط الأزرق لدعم ومراقبة اتفاقية الهدنة بين لبنان وإسرائيل.

ملفات عسكرية تقنية

ومن المزمع أن تكون جلسة 29 مايو، تقنية، وتبحث في أمور عسكرية ذات اختصاص، وهي ملفات ونقاط لا يدخل بها السفراء المفاوضون، سواء رئيس وفد لبنان للتفاوض مع إسرائيل السفير سيمون كرم، أو سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض. وقالت المصادر إن أبرز الملفات في البحث، ستكون وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي وآلية انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، وهي ملفات «من اختصاص ضباط الميدان»، ويتوقع أن يكونوا من الضباط الميدانيين الذين ينسّقون مع «الميكانيزم»، إلى جانب ضابط يمثل قيادة الجيش.

وشددت المصادر على أن المهمة «تقنية فقط لا غير»، نافية أن يكون من اختصاصها بحث ملف نزع سلاح «حزب الله» أو أي تعاون على هذا الملف؛ «لأن هذا الأمر من اختصاص الوفد الدبلوماسي المفاوض».

الصورة الرسمية لأول جلسة تفاوض بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي بحضور مسؤولين دبلوماسيين أميركيين في واشنطن (الخارجية الأميركية)

انتقادات «حزب الله» للدولة

رغم ذلك، واصل «حزب الله» انتقاداته للمسار السياسي والدبلوماسي الذي يسلكه رئيس الجمهورية جوزيف عون، لإنهاء الأزمة القائمة، وسط قطيعة بين الحزب وعون. ومع أن «حزب الله» عيّن النائب فضل الله موفداً من قِبله للتنسيق مع عون، إلا أن فضل الله لم يلتقِ الرئيس اللبناني بتاتاً، ولم يعقد أي اتصال معه، وأوقف الحزب حواره مع عون، رغم أن «أبواب القصر الجمهوري مفتوحة للحوار والتباحث»، حسبما تقول مصادر رسمية.

وهاجم فضل الله الدولة اللبنانية، في مؤتمر صحافي عقده في مجلس النواب. وقال: «إن نقض السلطة لتعهدها بعدم السير في المفاوضات قبل وقف إطلاق النار يشكّل استهانة خطيرة بدماء الناس»، متسائلاً عن «كيفية القبول بالجلوس على طاولة واحدة مع من يواصلون جرائمهم، في وقتٍ يتباهى فيه العدو بدور حليفته في مشروعه التدميري، في حين تلتزم السلطة الصمت».

وإذ لفت إلى أن «حزب الله» كلفه التشاور مع بعبدا، حيث إنه «لا قطيعة مع رئيس الجمهورية ولا مانع من التواصل مع الرئيس عون»، دعا الدولة إلى التراجع عن التفاوض المباشر المذلّ وعدم التفرد بالقرارات بعيداً من التفاهم الوطني.

وأكد فضل الله أن الخيار المتاح أمام لبنان «هو مواصلة المقاومة، واعتماد دبلوماسية تستند إلى قوة لبنان ووحدة موقفه عبر مفاوضات غير مباشرة»، لافتاً إلى أنه «لا يوجد أي خيار سياسي بديل يُلزم العدو بوقف الحرب والانسحاب من الأراضي اللبنانية».

وأضاف أن ما يُطرح على لبنان هو «الاستسلام الكامل للشروط الإسرائيلية، بما يؤدي إلى إخضاعه وتضييع الجنوب»، وأضاف أن أي التزامات أمنية أو سياسية تُقدَّم على حساب السيادة لن يكون لها أي مفاعيل على الأرض، ولن تُفرض على اللبنانيين.

ورقة بيد إيران

في المقابل، دعا حزب «الكتائب اللبنانية» إلى «أوسع دعم وطني لمسار التفاوض الجاري في واشنطن، والذي قررت الدولة الانخراط فيه تثبيتاً لوقف إطلاق النار، وتأميناً للانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات، وإنهاء حالة الحرب، والإفراج عن الأسرى وعودة النازحين إلى قراهم».

ورأى في بيان، أنّ الحملة التي يشنّها «حزب الله» على الرئيس عون والعملية التفاوضية، «ليست سوى دليل إضافي على تمسّكه بإبقاء لبنان واللبنانيين ورقة في يد إيران، على حساب الجنوب وأهله».


مقالات ذات صلة

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

المشرق العربي تصاعد الدخان في جنوب لبنان إثر غارة إسرائيلية كما بدا من زوطر الغربية (رويترز)

القصف الإسرائيلي يعبر الليطاني... ويلغي «الخط الفاصل»

توسّع إسرائيل عملياتها في جنوب لبنان على جانبي نهر الليطاني، ما يعني أنه لم يعد حداً فاصلاً بين منطقتين مختلفتين للعمليات العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الحكومة حاضرة في قاعة مجلس النواب خلال جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

مساءلة الحكومة اللبنانية... مبارزة متوقعة بين مؤيدي «اتفاق الإطار» و«مذكرة التفاهم»

تستعد حكومة الرئيس نواف سلام للمثول أمام البرلمان في جلسة صباحية تُعقَد يومي الثلاثاء والأربعاء في 15 و16 سبتمبر (أيلول) الحالي، هي الثانية منذ تشكيلها

محمد شقير (بيروت)
خاص سجن رومية

خاص تعليق العفو العام يشعل غضب نزلاء سجن رومية في لبنان

بدأ السجناء الإسلاميون في سجن رومية إضراباً مفتوحاً عن الطعام والشراب، والامتناع التام عن تناول الأدوية داخل السجن، بما في ذلك أصحاب الأمراض المزمنة.

يوسف دياب (بيروت)
عالم الاعمال الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» تؤسسان معهداً للذكاء الاصطناعي

الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» تؤسسان معهداً للذكاء الاصطناعي

وقّعت الجامعة الأميركية في بيروت و«سي إم إيه سي جي إم» (CMA CGM) شراكة لتأسيس معهد متخصص في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

المشرق العربي طوافة لبنانية تشارك في إخماد الحريق في مرفأ بيروت بعد انفجار 4 أغسطس 2020 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ملف انفجار مرفأ بيروت قيد الحسم... والنيابة العامة تصدر مطالعتها

دخلت قضية انفجار مرفأ بيروت مرحلة حاسمة، مع إنجاز المحامي العام التمييزي، القاضي محمد صعب، مطالعته بالأساس في الملف، تمهيداً لتسليمها الثلاثاء

يوسف دياب (بيروت)

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
TT

ترسانة الفصائل العراقية «باقية حتى 2028»

دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)
دورية تابعة لـ«الحشد الشعبي» العراقي (أرشيفية - موقع الحشد الشعبي)

مع اقتراب موعد اكتمال الانسحاب الأميركي من العراق والمحدد بنهاية سبتمبر (أيلول) الجاري، ما زالت قضية حصر السلاح الموجود خارج إطار الدولة تواجه تعقيدات، وسط معلومات عن أن ترسانة الفصائل باقية حتى 2028.

ووفق مصادر عدة تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، يبدو أن الفصائل نجحت بمساعدة إيرانية في «إفراغ خطة حصر السلاح بعدما حاصرت رئيس الحكومة علي الزيدي سياسياً وانتزعت منه أدوات الضغط والتنفيذ».

وخلال الأسابيع الماضية، قضى أعضاء لجنة التفاوض على حصر السلاح، وهم نوري المالكي، رئيس الوزراء الأسبق، ومحمد شياع السوداني، رئيس الوزراء السابق، وهادي العامري، مسؤول «منظمة بدر»، ساعات في أربعة اجتماعات على الأقل، للتفاوض على تسوية أساسها «عدم استخدام السلاح» لكن بشرط «عدم التفريط فيه»، وفق المصادر.

ورغم هذه الصيغة «الصورية»، زرع ممثلو الفصائل «قنبلة موقوتة» في التسوية، تعتبر «أي اتفاق على عدم استخدام السلاح ملغى في ظروف محددة»، بينما توصل الجانبان إلى جدول زمني يستمر حتى مطلع 2028 حتى توافق الفصائل في النهاية على حصر سلاحها.

والحال أن اليأس يطبق على مسؤولين في سلطات مختلفة ببغداد. فخلال اجتماع مع مسؤول أميركي زار العراق أخيراً، خاطبه مسؤول كردي كبير قائلاً: «النظام السياسي الآن يشبه حافلة قديمة تنطلق بسرعة على منحدر من دون مكابح».


اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
TT

اتساع «احتجاجات الوقود» في سوريا

جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)
جانب من المظاهرات التي شهدتها حلب على زيارة أسعار الوقود (رويترز)

اتسعت المظاهرات الرافضة لقرار رفع أسعار الوقود في سوريا، أمس الاثنين، لليوم الثاني على التوالي، إذ شهدت مدينة الشحيل في ريف دير الزور (شرق) تجدد الاحتجاجات التي جرى خلالها إشعال إطارات، كما قطع محتجون الطريق الدولي بين العراق وسوريا في ريف البوكمال شرق المحافظة، وكذلك طريق حقل العمر النفطي.

وأغلق الأهالي في مدينة تل تمر الطريق الدولي «إم 4»، ما أدى إلى توقف حركة مئات صهاريج نقل النفط. وشهد معبر باب السلامة مع تركيا في محافظة حلب، إغلاق محتجين للمعبر أمام شاحنات البضائع ومنعوا حركة خروج السيارات بشكل كامل.

وشمل تجدد الاحتجاجات أيضاً مدينة الرقة، إذ أقدم مدنيون على قطع الطريق أمام مقر صوامع الحبوب. وتجمع الأهالي في مناطق بمحافظة الحسكة (شمال) بينها الشدادي وتل براك، مشعلين الإطارات وقطعوا الطرقات، وسط مطالب بالتراجع عن القرار الذي أصدره وزير الطاقة الذي طلب منه مجلس الشعب جلسة استماع الخميس المقبل.

ويعتقد مراقبون أن الاحتجاجات جاءت نتيجة عدم تحسن الوضع المعيشي للسوريين وما كانوا يأملونه أن يتحقق على يد السلطات الجديدة عقب إسقاط نظام الأسد، خاصة أن غالبية المحتجين يعدون من الحاضنة الاجتماعية لحكومة الرئيس أحمد الشرع.


توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
TT

توافق فرنسي - عراقي على تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)
مصافحة بين الرئيس ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عقب مراسم التوقيع (أ.ف.ب)

زيارة قصيرة ولكنها حافلة قام بها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، يرافقه وفد رسمي كبير، إلى باريس، محطته الأوروبية الأولى منذ تسلمه رئاسة الوزراء، في حين ستكون برلين محطته الثانية قبل عودته إلى بغداد. وعكس البيان المشترك الذي وزّعه قصر الإليزيه، عصر الاثنين، المروحة الواسعة من الملفات التي تناولها الطرفان، على مستوى الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء علي الزيدي، ولكن أيضاً على المستوى الوزاري بين الجانبين ومع الشركات الفرنسية، ومنها شركة «توتال إنرجيز» الساعية لتوسيع حضورها في العراق.

وقال رئيس الوزراء العراقي، في مقالة له نشرتها صحيفة «لو فيغارو» ظهر الاثنين، إن بلاده تمثل رابع احتياطي نفطي مؤكد في العالم بما يقدّر بـ145 مليار برميل. وفي المقالة ذاتها، عرض الزيدي رؤيته للعلاقات الجديدة التي يريد لبلاده أن تبنيها مع فرنسا بحيث «يكون فيها العراق شريكاً فاعلاً، لا دولة تأتي محمّلة بقائمة من المطالب أو تبحث عن مظلة سياسية». وفي نظره، فإن زيارته «تكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها»، ولكن أيضاً لأنها تحل «في مرحلة يسود فيها قدر كبير من عدم اليقين في الشرق الأوسط، حيث باتت فيه الحاجة ملحّة إلى جهود إقليمية وأوروبية ودولية لاحتواء التوترات وإعادة الهدوء إلى المنطقة».

وفي نظر الزيدي، فإن أهمية الزيارة «تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين العراق وفرنسا؛ فهي تتيح للعراق توسيع دائرة شراكاته وانخراطه في أوروبا، وتعزيز دوره في الجهود الجماعية الرامية إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة».

وبحسب البيان المشترك، فإن الغرض الأسمى للزيارة يكمن في «تعزيز الشراكة الاستراتيجية وعلاقات الصداقة بين فرنسا والعراق».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يشرفان على توقيع عدد من المذكرات والتفاهمات في قصر الإليزيه بعد ظهر الاثنين (أ.ف.ب)

يتكون البيان من عشرين فقرة تتناول كل ما حصل خلال الزيارة، بما في ذلك الاتفاقات وإعلانات النوايا والتفاهمات التي فصّلها بيان منفصل صادر عن الرئاسة الفرنسية، ومنها ستة اتفاقات وُقّعت بحضور ماكرون والزيدي. وكانت لافتة الإشارة إلى «الرؤية المشتركة» للطرفين حول كيفية التعامل مع أزمات الشرق الأوسط وكيفية تعزيز الأمن والاستقرار فيه «على أساس احترام السيادة الوطنية، وعدم التدخل، وحسن الجوار، وسلامة الأراضي، واحترام القانون الدولي، واللجوء إلى الحلول الدبلوماسية للتعامل مع الأزمات والتهديدات المشتركة التي تواجهها المنطقة». وفي الفقرة تلميح للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، ورؤية الطرفين أن الانتهاء منها يجب أن يمر عبر الحلول الدبلوماسية.

وإذ تضمن البيان المشترك إشادة ماكرون بـ«السياسة الخارجية المتوازنة التي ينتهجها العراق»، و«الدور الذي يضطلع به هذا البلد في إقامة الروابط وتعزيز الحوار وتشجيع التعاون الإقليمي»، فإن الزيدي حرص في مقالته على طرح العراق «منصة للحوار»، مضيفاً أنه «لن يسمح بأن تتحول أراضيه إلى قاعدة لشن تهديدات ضد الدول المجاورة، أو إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية». ووفق ما قاله، فإن العراق «مستعد لاستضافة حوارات مباشرة بين أطراف النزاع متى توافرت الإرادة السياسية اللازمة».

ويشكل الملف الأمني أحد أهم الملفات التي تمت مناقشتها في اجتماع الإليزيه. وجاء في البيان المشترك أنه «نظراً إلى الدور الإيجابي الذي تؤديه فرنسا ضمن (التحالف الدولي)، اتفق رئيس الجمهورية الفرنسية ورئيس الوزراء العراقي على مواصلة وتعميق التعاون العسكري، ولا سيما تعزيز القدرات العراقية بهدف حماية الحدود ودعم سيادة العراق على أراضيه، وذلك في إطار ثنائي يحترم سيادة البلدين، وسيتم الاتفاق عليه لاحقاً، بعد انتهاء مهمة (التحالف الدولي)».

الرئيس ماكرون في استقبال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في قصر الإليزيه (أ.ب)

ويندرج هذا التفاهم في إطار رغبة البلدين في تعزيز علاقاتهما بالاستناد إلى «معاهدة الشراكة الاستراتيجية الثنائية الموقعة عام 2023»، والتي صادقت عليها فرنسا بالفعل، في حين أن العراق «عازم على المصادقة عليها قريباً». وتبرز أهمية الجانب الأمني في توصل الطرفين إلى «خريطة طريق استراتيجية خاصة باستحواذ العراق على تجهيزات عسكرية فرنسية في إطار سعيه لإعادة بناء وتحديث قدراته العسكرية». كذلك وقّع الطرفان «رسالة نوايا» بشأن «أنظمة الدفاع الجوي الذاتية» بين وزارة الدفاع العراقية والشركة الفرنسية «هارماتان AI». وترى باريس في هذين العنصرين «تأكيداً لرغبة الطرفين في مواصلة تعاونهما في مجال تعزيز القدرات العسكرية ودعم العراق من أجل مهماته السيادية». وجاء في إحدى فقرات البيان المشترك أن الزيدي أعرب عن عزمه على «تشجيع المناقشات بين الشركات الفرنسية ووزارة الدفاع العراقية في مجالات الحركة الجوية، وأنظمة المدفعية، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة (C-UAS)، وأنظمة الدفاع والمراقبة الجوية».

ما سبق يعكس ميلاً عراقياً لتنويع مصادر تسلحه، وباريس تعد مدخلاً ملائماً لهذا الغرض. وإذا كان صحيحاً أنها تسعى إلى تعزيز حضور متعدد الأشكال (سياسياً ودبلوماسياً وثقافياً وصحياً) في العراق، فإنها تولي اهتماماً خاصاً لقطاعين رئيسيين هما الدفاع من جهة، والطاقة من جهة أخرى.

وكما في القطاع الدفاعي، فقد تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الكهرباء العراقية ومجموعة «توتال إنرجيز» من أجل تزويد العراق بالغاز الطبيعي المسال. وفي هذا السياق، استقبل علي الزيدي رئيسَ الشركة النفطية الفرنسية باتريك بويانيه. كذلك وقّع الطرفان مذكرة تفاهم خاصة ببرنامج تأهيل وتعزيز القدرات العراقية في قطاع الطاقة. بيد أن طموحات فرنسا النفطية والغازية في العراق تذهب أبعد من ذلك؛ فقد ورد في البيان المشترك أن العراق اتفق مع شركة «توتال إنرجيز» على الدخول في مناقشات بشأن عدد من مشاريع الطاقة «تقوم على استثمارات واسعة النطاق، وتهدف إلى تعزيز إنتاج النفط العراقي، والمساهمة في زيادة كفاءة الطاقة، وتعزيز السيادة في مجال الطاقة، ودعم التحول في مجال الطاقة» في العراق. وفي زمن يعاني فيه العالم من أزمة طاقة حادة، فإن اتفاقاً مع بلد يمتلك احتياطياً نفطياً كبيراً يعد لفرنسا إنجازاً بالغ الأهمية.