الذكاء وقصر النظر... شفرة جينية مشتركة أم ضريبة لنمط الحياة؟

دراسة أميركية تدق ناقوس الخطر بشأن علاج لقصر النظر (جامعة هيوستن)
دراسة أميركية تدق ناقوس الخطر بشأن علاج لقصر النظر (جامعة هيوستن)
TT

الذكاء وقصر النظر... شفرة جينية مشتركة أم ضريبة لنمط الحياة؟

دراسة أميركية تدق ناقوس الخطر بشأن علاج لقصر النظر (جامعة هيوستن)
دراسة أميركية تدق ناقوس الخطر بشأن علاج لقصر النظر (جامعة هيوستن)

في عالم الطب والعلوم المعرفية، تظل الألغاز التي تربط بين التكوين الفيزيولوجي للإنسان وقدراته العقلية مثار بحث مستمر. ومن بين أكثر هذه الروابط إثارة للجدل والاهتمام، تلك العلاقة الجدلية بين قصر النظر (الميوبيا) وارتفاع مستويات الذكاء. فما كان يُنظر إليه تاريخياً في الموروث الشعبي كسمة لـ«المثقفين» و«عشاق الكتب»، بات اليوم محوراً لدراسات سريرية وتحليلات جينية تحاول فك الشفرة: هل قصر النظر علامة بيولوجية على الذكاء، أم أنه مجرد ضريبة بصرية لنمط حياة فكري؟

صورة تعبيرية من بيكسباي

الارتباط الإحصائي: الأرقام تتحدث

تشير البيانات الصادرة عن مؤسسات بحثية عالمية على غرار غوتنبرغ الصحية و جامعة ماينتس الألمانية ومختبرات معهد جورجيا للتكنولوجيا، إلى وجود ارتباط إحصائي وثيق لا يمكن إغفاله بين درجات قصر النظر والقدرات المعرفية العالية.

وتظهر الفحوصات السريرية الممنهجة أن الأفراد المصابين بقصر النظر يحققون، في المتوسط، درجات تفوق أقرانهم في اختبارات الذكاء المعياري (IQ).

ولا يقتصر هذا التميز على الذكاء الفطري المجرد، بل يمتد بشكل ملموس إلى الوظائف التنفيذية للدماغ، التي تشمل مهارات التخطيط والمنطق المرن. ويتجلى ذلك بوضوح في قدرة أصحاب النظارات على إحراز نتائج متقدمة في اختبارات قياس حل المشكلات المعقدة، مثل «اختبار برج لندن» الشهير. هذا التفوق الإدراكي يترجم عملياً على أرض الواقع التعليمي، حيث يلاحظ العلماء وجود تناسب طردي دقيق بين عمق قصر النظر وعدد سنوات التحصيل الأكاديمي المنجز، مما يجعل الخلل البصري والانكباب على العلم وجهين لعملة واحدة.

قطرة للعين تسهم في تقليل مضاعفات قصر النظر على المدى الطويل (جامعة هيوستن)

التحليل البيولوجي... الجينات في مواجهة البيئة

وفي محاولة لتفسير جذور هذه الظاهرة، ينقسم المجتمع العلمي إلى معسكرين تكتمل برؤاهما أبعاد الصورة التفسيرية، حيث تركز الفرضية الأولى على الجانب البيئي والسلوكي. وتفترض هذه النظرية أن الذكاء المرتفع يدفع صاحبه غريزياً نحو الشغف بالقراءة، والبحث، والانخراط في الأنشطة الذهنية التي تتطلب التركيز البصري القريب لفترات طويلة منذ مرحلة الطفولة المبكرة. هذا المجهود البصري المستمر والمكثف، المصحوب عادة بالعزلة داخل الغرف المغلقة وغياب التعرض الكافي للضوء الطبيعي الخارجي، يؤدي طبياً إلى استطالة كرة العين، وهو المسبب الرئيسي لقصر النظر. بناءً على هذا الطرح، يصبح ضعف البصر مجرد «أثر جانبي» حتمي لنمط الحياة الذكي والمجهد ذهنياً.

وفي المقابل، تتبنى الفرضية الثانية تفسيراً وراثياً بحتاً يُعرف بـ«التعدد المظهري للجينات» (Pleiotropy). وتستند هذه الرؤية إلى نتائج تحليلات جينية موسعة ودراسات أجريت على التوائم، أثبتت وجود عوامل وراثية مشتركة تتحكم في تطوير الأنسجة العصبية في الدماغ وتشكيل شبكية العين في آن واحد. ووفقاً لهذا المنظور البيولوجي الرصين، فإن الجينات الطافرة التي تحفز النمو المتزايد للقشرة المخية وتزيد من كفاءتها المعرفية، هي ذاتها التي تسبب استطالة المحور البصري للعين. وبذلك، لا يكون قصر النظر نتاجاً للمذاكرة والقراءة فحسب، بل هو بصمة بيولوجية متزامنة تولد مع العقل المتميز.

قضاء وقت أطول في النظر إلى الشاشات يفاقم قصر النظر جامعة جنوب غربي تكساس

ما وراء العدسات... اتساع حدقة العين

وفي سياق متصل بالروابط البصرية والمعرفية، لم تعد الأبحاث تقتصر على طول المحور البصري فقط. فقد كشفت دراسات حديثة أجراها معهد جورجيا للتكنولوجيا أن حجم حدقة العين في مرحلة الراحة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالذكاء السائل، والذاكرة العاملة، والتحكم الانتباهي. ويُعزى ذلك إلى نشاط «البقعة الزرقاء» (Locus Coeruleus) في الدماغ، وهي المنطقة التي تدير النواقل العصبية والعمليات المعرفية المعقدة، وتتحكم في الوقت ذاته باتساع الحدقة.

قصر النظر، من المنظور الطبي التحليلي، ليس «سبباً» للذكاء ولا يعد شرطاً حتمياً له، بل هو مؤشر فيزيولوجي وسلوكي متداخل

. هو نتاج تمازج معقد بين استعداد جيني كامن ونمط حياة يرتكز على الجهد الذهني المكثف. تبقى النظارة الطبية، في نهاية المطاف، وسيلة لتصحيح الانكسار البصري، لكنها في الوقت نفسه، قد تظل وساماً غير مباشر لشغف معرفي شكّل ملامح العين والدماغ معاً.


مقالات ذات صلة

«زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك

صحتك «زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك

«زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك

عندما يتعلق الأمر بالفوائد الصحية لتناول زيت الزيتون، فليست جميع أنواعه متساوية، بل ربما أن الأنواع الأعلى جودة والأغلى ثمناً هي التي تتمتع بالمحتوى العالي...

د. عبير مبارك (الرياض)
صحتك إشراف «الأخ الأكبر» يحمي الطفل من السلوك العدواني

إشراف «الأخ الأكبر» يحمي الطفل من السلوك العدواني

أظهرت دراسة حديثة، أن الأطفال المشاركين في برنامج «الأخ الأكبر والأخت الكبرى BBBS»، أقل عرضة للانخراط في سلوكيات عنيفة أو تعاطي المخدرات مقارنة بغير المشاركين.

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك الصحة الجنسية... بين الصمت وجودة الحياة

الصحة الجنسية... بين الصمت وجودة الحياة

ماذا لو كان أكثر ما يؤثر في جودة حياة المريض... هو ما لا يُفصِح به المريضُ نفسُه، وما لا يُبادر الطبيب إلى سؤاله؟

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك استشارات: انخفاض عدد الحيوانات المنوية .. فيتامين «دي» وكبار السن

استشارات: انخفاض عدد الحيوانات المنوية .. فيتامين «دي» وكبار السن

غالباً يعلم الشخص أن عدد الحيوانات المنوية لديه منخفض إذا خضع لفحص السائل المنوي، ضمن فحوصات مواجهة صعوبة في حصول حمل زوجته.

د. حسن محمد صندقجي
صحتك يمكن أن تؤدي زيادة استهلاك السكريات المضافة إلى كثير من المشاكل الصحية (رويترز)

ماذا يحدث لضغط دمك عند تقليل استهلاك السكر؟

قال موقع «فيري ويل هيلث» إن استهلاك كميات كبيرة من السكريات المضافة يرتبط بارتفاع ضغط الدم

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

«زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك

«زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك
TT

«زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك

«زيت الزيتون البكر الممتاز» الأفضل لقدراتك الذهنية وصحة دماغك

عندما يتعلق الأمر بالفوائد الصحية لتناول زيت الزيتون، فليست جميع أنواعه متساوية، بل ربما أن الأنواع الأعلى جودة والأغلى ثمناً هي التي تتمتع بالمحتوى العالي من العناصر الغذائية والمركبات الكيميائية ذات التأثيرات الأعمق جدوى صحية على الدماغ والقدرات العقلية والذهنية، وهي القدرات عالية الأهمية، وخاصة لدى كبار السن، وذلك من خلال تأثيره على ميكروبيوم الأمعاء لدعم الوظائف الإدراكية.

زيت الزيتون البكر الممتاز

وأفادت دراسة إيطالية جديدة أن فوائد «زيت الزيتون البكر الممتاز» Extra Virgin Olive Oil قد تتجاوز الجسم لتشمل العقل، وذلك عبر حماية الدماغ من خلال تأثيره على البكتيريا الصديقة في الأمعاء.

ووجدت هذه الدراسة أن الأشخاص الذين تناولوا «زيت الزيتون البكر الممتاز» تمتعوا بأداء عقلي معرفي أفضل، وتكوَّن لديهم تنوع أوسع وأشمل في مستعمرات بكتيريا الأمعاء، وذلك مقارنةً بمن استخدموا زيت الزيتون المكرر. بل وحدد الباحثون أنواعاً معينة من الميكروبات المعوية الصديقة ذات الارتباط المباشر بهذه الفوائد الذهنية والإدراكية.

وفي بيان صحافي لجامعة روفيرا إي فيرجيلي في إيطاليا، صدر في 18 أبريل (نيسان) 2026، قالت الباحثة الرئيسية جياكي ني، من قسم الكيمياء الحيوية والتكنولوجيا الحيوية بالجامعة: «ليست جميع أنواع زيت الزيتون مفيدة للوظائف الإدراكية». وأضافت قائلة: «هذه هي أول دراسة مستقبلية على البشر لتحليل دور زيت الزيتون على وجه التحديد في التفاعل بين الميكروبات المعوية والوظيفة الإدراكية».

وتم نشر هذه الدراسة بالتزامن ضمن عدد من مجلة ميكروبيوم Microbiome (معنى ميكروبيوم هو مجموع الميكروبات المتعايشة مع الإنسان)، وفحص فيها الباحثون نوعية العلاقة المثلثة الشكل بين زيت الزيتون البكر الممتاز وبكتيريا الأمعاء Gut Bacteria وصحة الدماغ. وكانت الدراسة بعنوان «إجمالي وأنواع مختلفة من استهلاك زيت الزيتون، والميكروبات المعوية، والتغيرات في الوظيفة الإدراكية لدى كبار السن».

وتتبّع فريق الباحثين الإيطاليين، لمدة عامين، الأنظمة الغذائية لـ 656 بالغاً يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، بما في ذلك مدى استهلاكهم لزيت الزيتون البكر أو زيت الزيتون المكرر.

وتراوحت أعمار المشاركين بين 55 و75 عاماً، وكان لديهم مجموعة من عوامل خطر الإصابة بأمراض القلب تُعرف باسم متلازمة الأيض Metabolic Syndrome (متلازمة التمثيل الغذائي).

وخلال المتابعة الإكلينيكية في الدراسة، رصد الباحثون التغيرات في مهارات التفكير لدى المشاركين.

ومتلازمة الأيض هي مجموعة من عوامل الخطر الأيضية التي تجتمع لدى فرد واحد. وتشمل هذه العوامل مقاومة الإنسولين Insulin Resistance، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الكوليسترول، وزيادة خطر تجلط الدم. وغالباً ما يكون المصابون بها يعانون من زيادة الوزن أو السمنة.

وتُعتبر متلازمة الأيض عامل خطر للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وداء السكري من النوع الثاني. وتشير مقاومة الإنسولين إلى انخفاض قدرة الخلايا على الاستجابة لتأثير الإنسولين في تعزيز نقل سكر الغلوكوز من الدم إلى العضلات والأنسجة الأخرى. وينتج داء السكري من النوع الثاني عن مقاومة الإنسولين.

تحسّن الوظائف الذهنية

ووفق النتائج، أظهر أولئك الذين تناولوا بانتظام ما يُعرف بزيت الزيتون البكر الممتاز EVOO تحسناً في الوظائف الذهنية الإدراكية، وتنوعاً أكبر في أنواع البكتيريا الصديقة في الأمعاء. وهو ما يُعدُّ إكلينيكياً مؤشراً على ارتفاع مستوى صحة التمثيل الغذائي في العمليات الكيميائية الحيوية بالجسم، وكذلك ارتفاع مستوى صحة البيئة الداخلية في الأمعاء. وتحديداً ربط فريق الباحثين الإيطاليين هذه الفوائد بمجموعة محددة من بكتيريا الأمعاء تُعرف باسم أدلركرتزيا Adlercreutzia. وهي البكتيريا التي يبدو أن وجودها يُؤكد العلاقة الإيجابية بين استخدام زيت الزيتون البكر الممتاز والوظائف الإدراكية. وبعبارة أخرى، قد يعود جزء من فوائد «زيت الزيتون البكر الممتاز» للدماغ إلى كيفية تأثيره على تكوين بكتيريا الأمعاء.

ولطالما كان «زيت الزيتون البكر الممتاز» ركيزة أساسية في النظام الغذائي للبحر الأبيض المتوسط، المعروف بفوائده في دعم صحة القلب والتمثيل الغذائي. وتشير النتائج الحديثة إلى أن اختيار زيت زيتون عالي الجودة قد يكون وسيلة بسيطة لدعم صحة الدماغ مع التقدم في السن، ما يجعل شأن الجودة في انتقاء زيت الزيتون أكثر أهمية من أي وقت مضى. هذا بالرغم من أن زيت الزيتون المكرر، وهو أرخص ثمناً بشكل عام، يظل ذا فوائد صحية عالية على القلب والشرايين، والأهم أنه هو النوعية الصحية الملائمة للاستخدام في الطهي والقلي.

وهذا ما يُعيد للأذهان ضرورة فهم كيفية الاستفادة من الدرجات المختلفة لزيتون الزيتون، ذي الفوائد الصحية العالية بغض النظر عن طريقة عصره، وذلك فيما بين ما هو ملائم للتناول الطازج وما هو ملائم للاستفادة منه في الطهو أو القلي.

طريقة إنتاج الزيت

ولكن لماذا وُجد أن زيت الزيتون البكر الممتاز أكثر فائدة من زيت الزيتون المكرر؟ والإجابة أن الفضل يعود في ذلك إلى طريقة إنتاجه.

وللتوضيح، يُنتج زيت الزيتون البكر الممتاز بطرق ميكانيكية تُساعد في الحفاظ على مركباته المفيدة. أما زيت الزيتون المكرر، فيُعالج لإزالة الشوائب، وتحسين مدة صلاحيته، والحفاظ على مذاقه. وتُقلل هذه المعالجة أيضاً من مستويات المركبات المفيدة للصحة، مثل مضادات الأكسدة، والبوليفينولات، والفيتامينات.

وعلق الدكتور جوردي سالاس-سالفادو، أستاذ التغذية في جامعة روفيرا إي فيرجيلي والباحث المشارك في الدراسة، قائلاً: «يؤكد هذا البحث على أن جودة الدهون التي نستهلكها لا تقل أهمية عن كميتها». وأضاف: «لا يحمي زيت الزيتون البكر الممتاز القلب فحسب، بل يُمكنه أيضاً المساعدة في الحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في السن»، مُشيراً إلى أن تحديد الميكروبات التي تُساهم في هذه الفوائد يُمهد الطريق لاستراتيجيات وقائية جديدة قائمة على التغذية للحفاظ على الوظائف الإدراكية. وذلك كتغيير غذائي بسيط لكبار السن.

وأفاد الباحثون: «في وقت تتزايد فيه حالات التدهور المعرفي والخرف، تؤكد نتائجنا على أهمية تحسين جودة النظام الغذائي، ولا سيما إعطاء الأولوية لزيت الزيتون البكر الممتاز على الأنواع المكررة الأخرى، كاستراتيجية فعَّالة وبسيطة ومتاحة لحماية صحة الدماغ».

زيت الزيتون البكر الممتاز والصحة النفسية

راجعت دراسة كندية علاقة تناول زيت الزيتون والقدرات النفسية، وكان عنوانها " دور زيت الزيتون ومكوناته في الصحة النفسية: مراجعة شاملة"، نشرت ضمن عدد 19 ديسمبر (كانون الاول) 2025 من المجلة البريطانية للتغذية Br J Nutr. وقال الباحثون في مقدمتها:" تشير أدلة متزايدة إلى أن نظام تغذية البحر الأبيض المتوسط ​​له تأثير إيجابي على الصحة النفسية. وهذا التأثير ناتج عن مجموعة متنوعة من الأطعمة والعناصر الغذائية والمكونات. وبمراجعة الأبحاث المتعلقة بزيت الزيتون ومكوناته وتأثيرها على الصحة النفسية، أشارت جميع الدراسات التجريبية على البشر، وتسع من أصل عشر دراسات حيوانية قيّمت زيت الزيتون كتدخل علاجي، إلى تحسن في أعراض القلق أو الاكتئاب. لذا، فقد يُفيد زيت الزيتون في تحسين الصحة النفسية".

ووفق مراجعة مجمل الدراسات الطبية حول علاقة زيت الزيتون البكر الممتاز بالصحة النفسية، فإن النتائج تشير إلى ارتفاع احتمالات تحسين تناول زيت الزيتون البكر الممتاز الصحة النفسية. وذلك عن طريق تقليل الالتهاب والإجهاد التأكسدي في الدماغ. وربطت الدراسات الاكلينيكية بين استهلاكه اليومي وانخفاض الاكتئاب والقلق، نظراً لغناه بمضادات الأكسدة البوليفينولية (مثل الأوليوكانثال)، والدهون الأحادية غير المشبعة، مما يدعم مرونة الدماغ Neuroplasticity ، ويُحسّن الوظائف الإدراكية Cognitive Function، وقد يُساعد في إدارة اضطرابات المزاج. وتشير الأبحاث إلى أن الفوائد تزداد مع زيادة الاستهلاك، مع تحسن ملحوظ عند تناول ما بين 10 إلى 53 غرامًا (ما يُعادل ملعقتين صغيرتين إلى 4 ملاعق كبيرة تقريبًا) يوميًا.وتتلخّص الفوائد الرئيسية لزيت الزيتون البكر الممتاز على الصحة النفسية في عدد من الجوانب، منها:-انخفاض الاكتئاب والقلق. تُشير الدراسات إلى أن تناول زيت الزيتون، وخاصة البكر الممتاز، يُمكن أن يُخفف من أعراض القلق والاكتئاب. وقد وجدت دراسة استمرت 12 أسبوعًا أن اتباع نظام غذائي متوسطي، غني بزيت الزيتون، أدى إلى تحسن حالة 30 بالمائة من المشاركين الذين يُعانون من اكتئاب متوسط ​​إلى حاد.-تقليل الالتهاب العصبي. تُقلل البوليفينولات Polyphenols (مركبات من مضادات أكسدة) الموجودة في زيت الزيتون البكر الممتاز، وخاصة الأوليوكانثال Oleocanthal، من الالتهاب الذي تُنتجه خلايا الدبق الصغير Microglia Cells في الدماغ، والذي يرتبط بالاكتئاب والأمراض التنكسية العصبية Neurodegenerative Diseases.-تحسين الوظائف الإدراكية وتقليل خطر الإصابة بالخرف. تشير بيانات الدراسات التي أُجريت على زيت الزيتون إلى أن استهلاكه يقلل من خطر الإصابة بالخرف بنسبة 28 بالمائة. كما يرتبط بتحسين الذاكرة والأداء الإدراكي، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من ضعف إدراكي طفيف.-حماية خلايا الدماغ. يحتوي زيت الزيتون البكر الممتاز على مكونات تعمل كمضادات للأكسدة، ما يساعد على حماية خلايا الدماغ من الإجهاد التأكسدي والحفاظ على سلامة بنية الدماغ.-تحسين النوم والمزاج. قد تُحسّن مركبات مُحددة، مثل الأوليميد Oleamide ، جودة النوم وتُثبّت المزاج من خلال التأثير على مستويات السيروتونين Serotonin.

أنواع متفاوتة في مستوى الجودة وطريقة استخدام زيت الزيتون

تتراوح أنواع زيت الزيتون من زيوت ذات نكهات قوية ومعصورة على البارد، والتي تُستخدم في تتبيل الأطباق وتتبيلها، إلى زيوت أقل جودة وتتحمل درجات الحرارة العالية، ومناسبة بالتالي للطهو أو للقلي. وتُصنّف أنواع زيت الزيتون بشكل أساسي حسب طريقة الإنتاج والجودة، وتشمل:

-زيت الزيتون البكر الممتاز Extra Virgin Olive Oil. زيت غير مكرر، معصور على البارد، عالي الجودة، خالٍ من العيوب، ونسبة حموضته أقل من 0.8 بالمائة. يتميز بنكهة قوية (عشبية، فاكهية، أو حارة)، وهو الأنسب للتغميس، والسلطات.

-زيت الزيتون البكر Virgin Olive Oil: وجودته جيدة ولكنها أقل جودة بقليل من زيت الزيتون البكر الممتاز. ويتميز بنسبة حموضة أعلى قليلاً (تصل إلى 2.0 بالمائة)، ويُنتج بدون استخدام الحرارة أو المذيبات الكيميائية. مناسب للطهي اليومي على نار هادئة.

-زيت الزيتون النقي Pure Olive Oil: مزيج من زيت الزيتون المكرر (لإزالة الشوائب) وكمية قليلة من زيت الزيتون البكر لإضافة النكهة. يتميز بمذاقه المحايد، وتكلفته المنخفضة، وهو مثالي للتحميص والقلي السريع والخبز.

-زيت الزيتون الخفيف/المتوسط Light/Mild Olive Oil: وهو زيت زيتون عالي التكرير ذو نكهة ولون خفيفين، ويُستخدم غالبًا في الخبز أو القلي نظرًا لارتفاع درجة احتراقه.

-زيت ثفل الزيتون Olive-Pomace Oil. يُستخرج باستخدام الحرارة أو المذيبات من بقايا العصر الأولي. وهو الأقل جودة، وغالبًا ما يُكرر ويُخلط مع زيت الزيتون البكر، وهو الأنسب للقلي العميق أو الاستخدامات الصناعية. وتجدر ملاحظة أن درجة الاحتراق Smoke Point لزيت الزيتون البكر الممتاز تقريباً 180 درجة مئوية. بينما يمكن استخدام الزيوت المكررة والمعصورة على غير البارد في الطهو بدرجات حرارة أعلى تصل إلى 230 درجة مئوية، مثل القلي. ويشير مصطلح "معصور على البارد" إلى عدم استخدام الحرارة أو المواد الكيميائية، ما يحافظ على النكهة والفوائد الصحية. كما تجدر ملاحظة أنه يجب حفظ زيت الزيتون في عبوات زجاجية أو معدنية داكنة اللون بعيدًا عن الضوء والحرارة لمنع تلفه من خلال عملية الأكسدة التي تتسبب بتزنخ الزيت Degradation بفعل الضوء والتعرّض لأوكسجين الهواء.

* استشارية في الباطنية


إشراف «الأخ الأكبر» يحمي الطفل من السلوك العدواني

إشراف «الأخ الأكبر» يحمي الطفل من السلوك العدواني
TT

إشراف «الأخ الأكبر» يحمي الطفل من السلوك العدواني

إشراف «الأخ الأكبر» يحمي الطفل من السلوك العدواني

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من جامعة إلينوي في شيكاغو University of Illinois Chicago نُشرت في مطلع شهر أبريل (نيسان) من العام الحالي في مجلة أكاديمية نيويورك للعلوم Annals of the New York Academy of Sciences، أن الأطفال المشاركين في برنامج «الأخ الأكبر والأخت الكبرى BBBS»، وهو أقدم وأكبر برنامج من نوعه في الولايات المتحدة، أقل عرضة للانخراط في سلوكيات عنيفة أو تعاطي المخدرات مقارنة بغير المشاركين.

أطفال ومرشدون

من المعروف، أن برنامج «الأخ الأكبر والأخت الكبرى» يُعدّ من أهم البرامج الاجتماعية التي تعزز النمو النفسي السليم وتنمية المهارات لدى الأطفال والمراهقين المحرومين اجتماعياً واقتصادياً، حيث تم تأسيسه في أوائل القرن العشرين. وتعتمد فكرة البرنامج بشكل أساسي على ربط الأطفال والمراهقين من الجنسين، بمرشدين بالغين متطوعين بشكل فردي، حيث يكون المرشد بمثابة أخ أكبر، والمرشدة بمثابة أخت كبرى.

وبمجرد التوفيق والارتياح بينهما، يقوم المرشد والطفل بقضاء وقت منتظم معاً، في أنشطة مختلفة ترفيهية واجتماعية، جميعها تتوافق مع اهتمامات المراهقين وليس المرشدين؛ حتى لا يشعر الأطفال بنوع من الإجبار.

وبعد توطيد علاقة المرشد بالطفل، يتم التواصل مع المرشد بانتظام ومتابعته من قِبل فريق نفسي متخصص؛ لضمان ترك آثار إيجابية دائمة على نفسية الطفل. وتوجد فروع للبرنامج في جميع الولايات الأميركية، وتُغطي كل المجتمعات والمناطق سواء المجتمعات الريفية أو الحضرية، ومن كل الخلفيات العرقية.

أوضح الباحثون، أن جوهر البرنامج يكمن في بناء علاقات شخصية مع الأطفال في المراحل المتأخرة من الطفولة وبداية المراهقة، بداية من التعرف على الطفل وأسرته واهتماماته واحتياجاته، وبناء علاقة وثيقة معه؛ على أمل إحداث أثر إيجابي في حياته على المدى البعيد، وقالوا إن هذا البرنامج، على عكس الكثير من البرامج المجتمعية المخصصة للأطفال والمراهقين، لا يمتلك بداية أو نهاية محددة؛ ما يجعله أقرب للعلاقات الطبيعية.

وفي المعتاد، يُطلب من الأسر والمرشدين الالتزام بالمقابلات المستمرة لمدة عام واحد بشكل مبدئي، ولكن في الأغلب تستمر العلاقة لفترة أطول بكثير، وقد تمتد لسنوات عدة؛ ما يؤدي إلى تعميق التجربة الإنسانية، ونمو مشاعر الألفة بين المرشدين والأطفال، ومع مرور الوقت تتحول علاقة المرشد أو المرشدة بالطفل علاقةً عائلية حقيقية.

آثار إيجابية

لتقييم الإثار الإيجابية للبرنامج على الأطفال والمراهقين المشاركين، بعد مرور فترة طويلة من بدايته، أجرى الباحثون التجربة على ما يزيد على 1300 طفلاً من الجنسيين، يبلغ متوسط أعمارهم نحو 10 سنوات أو أكثر، وتمت متابعة الأطفال مرتين، الأولى بعد مرور سنة ونصف السنة من بداية التجربة والأخرى بعد مرور أربع أعوام. وهذه المتابعة كانت من خلال عمل مقابلات شخصية مع الأطفال، وأيضاً تم توزيع استبيانات عليهم.

شملت الاستبيانات أسئلة معينة، تم وضعها من قِبل جهات مثل المعاهد الوطنية للصحة، ومراكز مراقبة الأمراض والوقاية منها CDC، مصممة لتقييم الصحة النفسية، حيث استطلع الباحثون آراء المشاركين وأولياء أمورهم، فيما يتعلق بالصحة النفسية للأطفال، والسلوكيات العنيفة تجاه الآخرين، سواء في المنزل أو المدرسة، والمهارات الشخصية والاجتماعية ومستوى التحصيل الدراسي.

كما تم سؤال المشاركين أيضاً عن تجربة تعاطي المواد المخدرة، سواء كانت هذه المواد طبيعية مثل المخدرات أو مخلقة مثل الأدوية التي تحتوي على مواد مخدرة، أو التدخين. وفي حالة تعاطي المخدرات تم سؤالهم عن مدى تكرار التعاطي، كما اطلع الباحثون على السجلات الرسمية لتتبع أي حالات كسر للقانون أو اعتقال للمشاركين، وتابعوا الاستجابات بعد 18 شهراً، وفي نهاية الدراسة بعد أربع سنوات.

وجد الباحثون، أن الأطفال المشاركين في البرنامج، أبلغوا عن ارتفاع مستوى ثقتهم بأنفسهم وتحسن صحتهم النفسية بشكل كبير، وبعد عام ونصف العام من بدء البرنامج، بدأ الباحثون بلمس فوائده فيما يتعلق بتعاطي المخدرات، وكان المراهقون المشاركون في البرنامج، أقل عرضة لتعاطي المخدرات بشكل متكرر بنسبة تزيد على 40 في المائة، من أقرانهم الآخرين.

وبالنسبة للسلوكيات المنحرفة والتصرفات العدوانية، فإنها انخفضت بنسبة بلغت 30 في المائة مقارنة بالآخرين. وبعد أربع سنوات، لاحظ الباحثون أن المشاركين في البرنامج، أبلغوا عن انخفاض واضح في معدلات الأعراض النفسية السلبية مثل الاكتئاب والقلق، والأفكار الانتحارية.

أظهرت النتائج أيضاً، انخفاض عوامل الخطورة المؤدية إلى السلوكيات العدوانية بشكل عام، مثل تحسن العلاقات مع الأقران، وزيادة ضبط النفس، واكتساب الكثير من المهارات الاجتماعية، والتكيف مع الظروف المحيطة، وتحسن الأداء الأكاديمي.

أوضحت الدراسة، أن فكرة البرنامج نفسها أسهمت في تعزيز صورة الذات لدى الأطفال المشاركين؛ إذ شعروا بالرضا عن الحياة والثقة بالنفس، حيث قال الأطفال في المقابلات الشخصية جملاً مثل: «كان هناك شخص ما في العالم يرغب في قضاء الوقت معي لمجرد الاستمتاع»؛ ما انعكس بالإيجاب على ثقة الأطفال بأنفسهم.

أكد الباحثون، أن الآثار الإيجابية لهذا البرنامج يمكن أن تتحقق، بعيداً عن العمل التطوعي المنظم، حيث تُظهر الدراسة، القيمة الكبيرة للتفاعل الإنساني بين الأطفال والمراهقين والبالغين المتفهمين والداعمين، سواء كانوا مدرسين أو مدربين في النوادي أو قادة دينيين واجتماعيين.

بالإضافة إلى الفوائد الإيجابية للبرنامج على الأطفال والمراهقين، هناك أيضاً فوائد كبيرة تنعكس على المرشدين البالغين، على المستويين النفسي والاجتماعي، حيث يساعدهم هذا البرنامج على فهم الأطفال الأصغر عمراً، واحترام وجهة نظرهم وتقدير الألم الذي يمرون به؛ ما يجعلهم آباءً أفضل في المستقبل.

* استشاري طب الأطفال


الصحة الجنسية... بين الصمت وجودة الحياة

الصحة الجنسية... بين الصمت وجودة الحياة
TT

الصحة الجنسية... بين الصمت وجودة الحياة

الصحة الجنسية... بين الصمت وجودة الحياة

ماذا لو كان أكثر ما يؤثر في جودة حياة المريض... هو ما لا يُفصِح به المريضُ نفسُه، وما لا يُبادر الطبيب إلى سؤاله؟

في العيادة الطبية، حيث تُقاس الصحة بالأرقام، وتُتابع المؤشرات الحيوية بدقة، تبقى هناك مساحات لا تُقاس، لكنها تؤثر بعمق في حياة الإنسان... مساحات من التردد، والحرج، والصمت، تتوارى خلف أسئلة لم تُطرح، وأجوبة لم يُتح لها أن تُقال.

في مقدمة هذه المساحات، تأتي الصحة الجنسية، بوصفها أحد أكثر الجوانب ارتباطاً بجودة الحياة، وأقلها حضوراً في الحوار السريري. فبين حساسية الموضوع، وضيق الوقت، وتردد كلٍ من المريض والطبيب، يتشكل صمتٌ مزدوج، قد يحجب فهماً مهماً للحالة الصحية، ويؤخر فرص التدخل المبكر.

دكتور عمر باناعمة

الصحة الجنسية

• مفهوم الصحة الجنسية. في هذا الموضوع، يطرح ملحق «صحتك» قضية الصحة الجنسية للنقاش، مستنداً إلى محاضرة علمية متخصصة ألقيت أخيراً في أحد المؤتمرات الطبية، قدّمها الدكتور عمر باناعمة، استشاري طب الأسرة بمدينة الملك عبد العزيز الطبية بالحرس الوطني في جدة، والحاصل على زمالة اللجنة الأوروبية للطب الجنسي (FECSM)، بهدف إطلاع القارئ على هذا الملف الطبي، والاجتماعي الحساس من منظور توعوي، وعلمي، وسريري متكامل.

يستهلّ الدكتور عمر باناعمة حديثه بتعريف الصحة الجنسية، مؤكداً، استناداً إلى تعريف منظمة الصحة العالمية، أنها حالة من الرفاه الجسدي، والنفسي، والاجتماعي، وليست مجرد غياب الاضطراب، أو الخلل. ويشير إلى أن هذا التعريف يعيد صياغة المفهوم الطبي التقليدي، لينقل الصحة الجنسية من إطار ضيق مرتبط بالوظيفة البيولوجية، إلى مفهوم أوسع يشمل جودة الحياة، والعلاقات الإنسانية، والتوازن النفسي.

كما يوضح أن هذا البعد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدة محاور صحية، من بينها:

- التوازن النفسي، والعاطفي.

- جودة العلاقات الإنسانية.

- الشعور بالرضا، والقبول الذاتي.

ويؤكد الدكتور باناعمة أن الاضطرابات في هذا المجال قد تكون مؤشراً مبكراً لمشكلات صحية أعمق، مثل:

- أمراض القلب، والأوعية الدموية.

- داء السكري.

- اضطرابات القلق، والاكتئاب.

- التأثيرات الجانبية لبعض الأدوية.

ومن هنا، فإن تجاهل هذا الجانب لا يعني عزله، بل قد يؤدي إلى إغفال إشارات مهمة تتعلق بصحة المريض العامة. ويضيف أن الدراسات العالمية تشير إلى أن تحسن الصحة الجنسية يرتبط بشكل مباشر بتحسن جودة الحياة لدى نسب كبيرة من الرجال، والنساء، وهو ما يعزز أهمية إدماجها ضمن التقييم الصحي الشامل.

• الاضطرابات الجنسية. يشير الدكتور عمر باناعمة إلى أن البيانات المحلية لا تترك مجالاً للشك في أن الصحة الجنسية ليست قضية هامشية، بل تعد واقعاً حاضراً، وإن كان غير معلن، حيث تكشف الأرقام فجوة واضحة بين ما يحدث فعلياً وما يُطرح داخل العيادات.

في دراسة مدرسية (Alsubaie AS et al.، Journal of Family & Community Medicine.2019) أُجريت في مدينة الرياض بالمملكة، أفاد نحو نصف المراهقين الذكور بسلوكيات مرتبطة بالتجربة الجنسية، في سياق يعكس مزيجاً من الفضول، والارتباك، ونقص المعلومات، وهي عوامل قد تقود إلى سلوكيات غير مدروسة في غياب التوجيه العلمي المناسب.

وفي بيئة العيادات، يلفت الدكتور باناعمة إلى دراسة أخرى (Madbouly K et al.، Sexual Medicine.2021) منشورة في مجلة الطب الجنسيSexual Medicine Journal التي أظهرت أن نسبة ملحوظة من النساء تنطبق عليهن معايير الاضطرابات الجنسية، ما يعكس فجوة حقيقية بين الاحتياج الفعلي وطلب المساعدة.

كما تشير دراسات وبائية حديثة إلى أن ما يقارب واحداً من كل خمسة رجال يعاني من ضعف الانتصاب، وهو رقم لا يعكس مجرد حالة فردية، بل يُعد مؤشراً متعدد الأبعاد يتقاطع مع الصحة الجسدية، والنفسية، والاجتماعية.

ويختصر الدكتور باناعمة هذه الصورة بوضوح بقوله: «المشكلة موجودة... لكن الوصول إليها ليس مباشراً؛ لأن ما لا يُسأل عنه غالباً لا يُكشف. إنهم لا يحتاجون إلى مزيدٍ من الوقت، بل يحتاجون إلى من يتجاوز الخطوط الحمراء، ويكسر حاجز الصمت...».

متابعة الصحة الجنسية

• «صمت مزدوج» بين المريض والطبيب. يوضح الدكتور عمر باناعمة أن ما يميز هذا الموضوع هو ما يسميه «الصمت المزدوج»، حيث يتردد المريض في الحديث، ويتردد الطبيب في السؤال، لتبقى هذه القضية الحساسة خارج نطاق النقاش.

ويرى أن هذا الصمت لا يرتبط فقط بالثقافة، بل هو نتيجة تفاعل عدة عوامل، من أبرزها:

- الحرج، والخوف من الوصمة الاجتماعية.

- الاعتقاد بأن المشكلة طبيعية، أو غير قابلة للعلاج.

- نقص التثقيف الصحي.

- غياب المبادرة داخل العيادة.

وفي المقابل، يشير إلى أن الطبيب قد يواجه تحديات تتعلق بضيق الوقت، أو محدودية التدريب، أو الحساسية الثقافية. وهنا يؤكد على رسالة محورية في محاضرته: «إذا لم تسأل... فلن يخبرك المريض».

• الصحة الجنسية والعمر. يؤكد الدكتور عمر باناعمة أن احتياجات الصحة الجنسية تتغير مع مراحل العمر، لكنها لا تختفي، بل تتخذ أشكالاً مختلفة تتطلب فهماً سريرياً مرناً.

ففي مرحلة المراهقة، يمر الأفراد بحالات من الفضول، والارتباك، ونقص المعرفة، مما يجعل التوجيه المبكر ضرورة صحية، وليس خياراً. وفي مرحلة البلوغ، تتداخل العوامل الجسدية، والنفسية، وتظهر قضايا الأداء، والضغوط، والتوقعات.

أما في مراحل العمر المتقدمة، فيؤكد أن الحاجة إلى الحميمية لا تنتهي، بل تتغير طبيعتها، مشيراً إلى عبارة لافتة وردت في محاضرته: «الحميمية لا تتقاعد». ويضيف أن تقارير منظمة الصحة العالمية تؤكد أن هذا الجانب يظل جزءاً مهماً من جودة الحياة حتى في الشيخوخة.

• دور الرعاية الأولية. يرى الدكتور عمر باناعمة أن الرعاية الصحية الأولية تمثل نقطة التحول الحقيقية في التعامل مع هذا الملف الحساس، من الصمت إلى المبادرة؛ نظراً لطبيعتها الشمولية، واستمرارية العلاقة بين الطبيب والمريض.

ويؤكد أن الصحة الجنسية ليست موضوعاً فرعياً، بل هي جزء أصيل من ممارسة طب الأسرة الذي يقوم على فهم المريض فهماً شمولياً، لا اختزاله في أعراضه فقط.

وأشار إلى إرشادات الأكاديمية الأميركية لأطباء الأسرة التي توصي بإدماج أسئلة بسيطة ومهنية ضمن التاريخ المرضي، وبطريقة طبيعية، وغير مباشرة، وتراعي الخصوصية، والسياق الثقافي.

كما أوضح أن نموذج ExPLISSIT (وهو أحد النماذج المعتمدة في الممارسة الإكلينيكية للصحة الجنسية) يوفر إطاراً عملياً يساعد طبيب الأسرة على فتح الحوار بشكل آمن، ومهني، بدءاً بمنح المريض الإذن للحديث عن مشكلته، ومروراً بتقديم معلومات محددة، وملائمة، ثم اقتراح تدخلات أولية، وصولاً إلى الإحالة للتدخل المتخصص عند الحاجة.

وفي السياق ذاته، يؤكد الدكتور عمر باناعمة أن إدماج الصحة الجنسية ضمن التقييم الروتيني قد يُحدث فرقاً جوهرياً في جودة الرعاية، وهو ما تدعمه إرشادات مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC).

ويشير إلى أن الفرق بين صمتٍ طويل وتشخيصٍ مبكر قد يكون مجرد سؤالٍ بسيط؛ إذ إن كثيراً من المرضى لا يحتاجون إلى وقتٍ إضافي، بل إلى مساحةٍ آمنة للحديث.

الخلاصة

رغم التقدم الكبير في مفاهيم الرعاية الصحية، لا تزال بعض الجوانب المرتبطة بجودة حياة المريض تُطرح على استحياء، أو تُترك دون نقاش كافٍ، وفي مقدمتها الصحة الجنسية. فهذا الجانب، على أهميته، كثيراً ما يبقى خارج دائرة التقييم السريري، ليس لغيابه، بل لحساسيته، وهو ما قد يحوّل الصمت مع مرور الوقت إلى عائق حقيقي أمام التشخيص المبكر، والفهم المتكامل للحالة الصحية.

وقد نُجيد في العيادة متابعة المؤشرات الحيوية، وضبط الأمراض المزمنة، لكن تبقى هناك مساحة لا تُقاس بالأرقام، ومع ذلك تؤثر بعمق في حياة المريض. وهنا تتقاطع المسؤولية بين المريض والطبيب، وتبدأ بخطوة بسيطة قد تغيّر كل شيء.

رسالتنا إلى القارئ: إذا كنت، سابقاً، تظن أن الحديث عن هذا الجانب من صحتك يمكن تأجيله، أو تجاهله، فقد حان الوقت، الآن، لإعادة التفكير. فالصحة لا تقتصر على ما يظهر في الفحوصات، بل تشمل أيضاً ما تشعر به، وما قد تتردد في الإفصاح عنه. لا تجعل الحرج حاجزاً بينك وبين فهم أعمق لصحتك؛ فقضايا كثيرة من هذا الجانب قابلة للفهم، والتعامل، لكنها تحتاج فقط إلى خطوة أولى... قد تكون إفصاحاً صريحاً، أو حتى بداية حديث.

وإلى طبيب الأسرة، والرعاية الأولية، نقول: إن تجاهل هذا الجانب لم يعد خياراً مهنياً. فالصحة الجنسية جزء لا يتجزأ من الرعاية الشاملة، وطرحها لا يعني تجاوزاً، بل ممارسة طبية متكاملة. ابدأ بسؤال بسيط، بصياغة مهنية، وفي الوقت المناسب؛ فليس المطلوب أن تملك جميع الإجابات، بل أن تفتح الباب، وتوفر بيئة آمنة للحديث. ففي كثير من الأحيان لا يكون دور الطبيب في الحل المباشر، بقدر ما يكون في تمكين المريض من التعبير، والوصول إلى الرعاية المناسبة.

ولعل البداية لا تحتاج إلى أكثر من وعي مختلف... وسؤال يُطرح في الوقت المناسب؛ سؤال قد يبدو عابراً، لكنه كفيل بأن يزيح غموضاً طال السكوت عنه، ويكسر حاجز الصمت، ويعيد تعريف معنى الرعاية الصحية.

*استشاري طب المجتمع