موريتانيا تمنع وفداً حقوقياً أميركياً من دخول أراضيها

أقطاب المعارضة تُحمّل النظام مسؤولية «حالة الاحتقان»

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

موريتانيا تمنع وفداً حقوقياً أميركياً من دخول أراضيها

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

أفادت مصادر موريتانية، اليوم الأربعاء، بأن السلطات منعت وفداً أميركياً من منظمتين مدافعتين عن حقوق الإنسان ومناهضة العبودية من دخول أراضيها، وأعادته من مطار نواكشوط الدولي، بحسب تقرير لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وحسب المصادر ذاتها، فقد منعت السلطات الوفد من زيارة أسرة الناشط الحقوقي البارز الراحل أبوبكر ولد مسعود، رئيس منظمة «نجدة العبيد» الذي توفي الشهر الماضي.

ويضم الوفد الحقوقي الأميركي 6 نشطاء من منظمتي «هيئة الانعتاق Abolition Institute»، و«رمبوو بوتش».

وسبق للسلطات الموريتانية أن سمحت لنشطاء من هاتين المنظمتين بزيارة موريتانيا في 2021 ودخول البلاد دون عراقيل.

وكان الوفد الحقوقي يعتزم، بعد زيارة منزل ولد مسعود، عقد لقاءات مع الحقوقيين الموريتانيين. ويرأس المنظمة الأولى الحقوقي الأميركي الدولي شان تانير، وهو مقرب من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، فيما أسس المنظمة الحقوقية الثانية الزعيم الأميركي الأسود القس الراحل جيسي جاكسون.

وسبق للسلطات الموريتانية أن منعت وفداً من المنظمات نفسها في 2017 من دخول البلاد.

من جهة ثانية، أكدت أقطاب المعارضة الثلاثة في موريتانيا أن ممارسات النظام وسياساته «هي التي أوجدت حالة الاحتقان الحالية، بعد استهداف المواطنين في حرياتهم، والتضييق عليهم في أرزاقهم، ونهب ثرواتهم، وتعميق معاناتهم اليومية، وهو ما يجعل النظام مسؤولاً بصورة كاملة عن اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوقف هذا التدهور، وإعادة التهدئة، والاستجابة لمطالب المواطنين المشروعة».

وقالت أقطاب المعارضة في بيان مشترك، تناقلته وسائل الإعلام المحلية، إن الموريتانيين من مختلف الفئات والأعمار «خرجوا مساء الأحد في العاصمة نواكشوط في حشد جماهيري غير مسبوق، استجابة لنداء أقطاب المعارضة»، مردفين أن هذه الجماهير قالت كلمتها «بصوت جهوري مسموع: لا لارتفاع الأسعار، لا للغلاء المعيشي، لا للفساد وسوء التسيير، لا لتحميل المواطنين تبعات فشل النظام في إدارة الأزمات والتعامل مع المستجدات، لا لاستهداف وحدة الشعب وتماسكه، ولا للتضييق على الحريات والتراجع عن المكاسب، التي تحققت بفضل نضالات أجيال متعاقبة من الشعب الموريتاني».

وأردفت أقطاب المعارضة أن الموريتانيين أعلنوا عبر طليعتهم التي احتشدت في ساحة المعرض، أن الوقت حان لكي «يتراجع النظام فوراً عن السياسات والإجراءات القاسية التي انتهجها، والتي عمّقت معاناة المواطنين، وفاقمت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وهددت حاضر البلد ومستقبله».


مقالات ذات صلة

موريتانيا تستدعي السفير المالي احتجاجاً على انتهاك حرمة سفارتها في باماكو

شمال افريقيا قوات موريتانية لمنع تدهورالأوضاع الأمنية على الحدود مع مالي (الجيش الموريتاني)

موريتانيا تستدعي السفير المالي احتجاجاً على انتهاك حرمة سفارتها في باماكو

احتجَّت موريتانيا بشدة، وعبَّرت عن رفضها القاطع لما شهده محيط سفارتها في باماكو من تصرفات، وصفتها بأنها «انتهاك لحرمة بعثتها الدبلوماسية».

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
شمال افريقيا الرئيس الموريتاني مستقبلاً الوفد المغربي بالقصر الرئاسي في نواكشوط (الرئاسة الموريتانية)

الرئيس الموريتاني يبحث مع وفد مغربي تطوير «شراكة متكاملة»

زار وفد حكومي مغربي العاصمة الموريتانية نواكشوط، والتقى أمس الأربعاء بالرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، وعدد من الوزراء، والمسؤولين.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا جانب من لقاء سابق للرئيس الموريتاني مع ائتلاف معارض أمس في القصر الرئاسي (الرئاسة الموريتانية)

موريتانيا: إقالة مسؤول حكومي انتقد سجن ناشطين معارضين

أقالت الحكومة الموريتانية مسؤولاً في وزارة التربية، بسبب ما قيل إنها تصريحات تنتقد سجن ناشطين حقوقيين، وجهت إليهم تهمة الإساءة لشخص رئيس الجمهورية ورموز الدولة.

الشيخ محمد (نواكشوط)
شمال افريقيا جانب من الاحتجاجات التي نظمها المحامون وسط العاصمة التونسية (أ.ف.ب)

محامو تونس يبدأون سلسلة احتجاجات وإضرابات في المحاكم

بدأ المحامون في تونس، اليوم (الثلاثاء)، سلسلة احتجاجات وإضرابات بالمحاكم، للمطالبة بإصلاحات في القطاع والاحتجاج ضد قيود على ممارسة المهنة وعلى استقلالية القضاء.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم العربي هدفت عملية «الإنتربول» إلى تفكيك الأدوات وتحديد الأفراد المشتبه بهم في عمليات احتيال عبر الإنترنت تسبّبت في خسائر مالية كبيرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (رويترز)

«الإنتربول»: تفكيك شبكات احتيال إلكتروني في 13 دولة عربية

أعلنت الشرطة الدولية (الإنتربول) أنّ عملية لمكافحة الجرائم الإلكترونية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أدت إلى تحديد هوية نحو 4 آلاف ضحية ومئات المشتبه بهم.

«الشرق الأوسط» (ليون)

توقيف صبري نخنوخ يفجر جدلاً واسعاً في مصر

رجل الأعمال المصري المثير للجدل صبري نخنوخ (صفحته على فيسبوك)
رجل الأعمال المصري المثير للجدل صبري نخنوخ (صفحته على فيسبوك)
TT

توقيف صبري نخنوخ يفجر جدلاً واسعاً في مصر

رجل الأعمال المصري المثير للجدل صبري نخنوخ (صفحته على فيسبوك)
رجل الأعمال المصري المثير للجدل صبري نخنوخ (صفحته على فيسبوك)

فجّر توقيف رجل الأعمال المصري المثير للجدل، صبري نخنوخ، الثلاثاء، إثر مشاجرة في منطقة التجمع الخامس (شرق العاصمة)، حالة من الزخم في مواقع التواصل الاجتماعي، بين احتفاء بتوقيفه في تعزيز لمبدأ سيادة القانون وردع المخالفين، وتساؤلات عن مصيره واحتمالات عودته إلى السجن مرة أخرى، بعدما خرج منه بعفو رئاسي صحي، عن عقوبة سابقة بالسجن المؤبد (25 عاماً).

وتلقت قوات الأمن بلاغاً من أصحاب معرض للسيارات يفيد بتعدي نخنوخ ونجل شقيقه «جون»، وعدد من رجال الأمن الخصوصيين (بودي جارد)، عليهم في المعرض، وتحطيم الكاميرات، وإحداث أضرار بالمكان وإلحاق الأذى بالعاملين به.

وانفجرت المشاجرة إثر خلاف مالي بين طرفي الواقعة، بعدما باع نخنوخ في وقت سابق فيلا إلى الطرف الثاني، بقيمة 50 مليون جنيه (الدولار 52 جنيهاً تقريباً)، وحصل على جزء من المبلغ، وتوجه إلى مقر المعرض للمطالبة بباقي المبلغ أو الحصول على عقود البيع. ووجهت النيابة إلى المتهمين اتهامات بـ«البلطجة واستعراض القوة، والسرقة بالإكراه والابتزاز»، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية.

وكانت قوات الأمن قد داهمت مقر سكنه فلم تجده، ثم تتبعته على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، حتى توقيفه، وعُرض على النيابة، التي قضت بحبسه وآخرين 4 أيام على ذمة التحقيقات، وفق وسائل إعلام محلية.

ووفق الخبير الأمني والقانوني، اللواء شوقي صلاح، فإن نخنوخ قد يتعرض للسجن المشدد في حال ثبوت ما يتم تداوله من حدوث اقتحام بأسلحة وإلحاق أذى بدني أو مادي أو سلب للمال.

وتنص المادة «375 مكرر» من «قانون العقوبات» على أنه يُعاقب بالحبس لمدة تتراوح بين عام إلى عامين، كل من قام باستعراض القوة أو التلويح بالعنف أو التهديد باستخدامه، وتشدد المادة «375 مكرر أ» العقوبة، أو تضاعفها إلى السجن المشدد في عدة حالات من بينها «إذا اقترنت الجريمة باستخدام الأسلحة أو الآلات الحادة».

توقيف نخنوخ يعزز شعور المواطنين بسيادة القانون في مصر (وزارة الداخلية المصرية)

واحتفى العديد من النشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي بتوقيف نخنوخ، ورأى أحدهم أن توقيفه «انتصار لدولة القانون، التي لا تفرق بين صاحب نفوذ أو شخص عادي»، واعتبر آخر أن القبض عليه «رسالة إلى من يتخطون الخطوط الحمراء»، وعلق آخرون على التوقيف بعبارة «ليلة سقوط نخنوخ».

ورأى صلاح في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «توقيف نخنوخ يعكس يقظة أجهزة الأمن، وسرعة قيامها بدورها، فالجميع أمام القانون سواء»، مضيفاً أنه «رغم أن أطراف الواقعة قد يلجأون للتصالح، فإنه لا يجوز التصالح أو التنازل في جريمة البلطجة واستعراض القوة قانوناً؛ لكونها تُصنف ضمن الجرائم الجنائية التي تقع على حق المجتمع، وتهدد السلم والأمن العام». وأكد أن ما تبين من حقائق عن الواقعة لا يزال يكتنفه الغموض، وستظل سلطة النيابة التقديرية في حفظ الواقعة أو إحالتها للقضاء.

وارتبط اسم نخنوخ بإدارة شركة «فالكون»، التي تعد إحدى أكبر شركات الأمن الخاص والحراسات في مصر، رغم أن رئيس مجلس الإدارة، ووفق موقع الشركة الرسمي هو شريف خالد. وتتعامل مجموعة «فالكون» مع العديد من القطاعات في السوق «الصناعية والتجارية والمالية والسياحية ومنشآت حكومية»، بما في ذلك 26 مصرفاً، ومؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة وعدد قليل من السفارات العربية.

واعتبر نائب رئيس جهاز أمن الدولة الأسبق، اللواء عبد الحميد خيرت شكري، أن دلائل القبض على نخنوخ قد تتجاوز الواقعة إلى تغيرات في «موازين القوة»، قائلاً: «في عالم السياسة والنفوذ، نادراً ما تكون الأخبار المهمة هي ما تظهر في عناوينها الأولى. فالعناوين تتحدث عن مشاجرة أو واقعة جنائية أو خلاف عابر، بينما تبقى القصة الحقيقية مختبئة في الخلفية، حيث تتقاطع المصالح والعلاقات وموازين القوة. ومن هذا المنطلق يبدو خبر القبض على صبري نخنوخ مثيراً للتساؤلات أكثر من كونه مثيراً للدهشة».

وأضاف في تحليل عبر صفحته على «فيسبوك» أن «الرجل ارتبط اسمه بإدارة شركة (فالكون) للخدمات الأمنية، وهي شركة لعبت أدواراً بارزة في مجالات مختلفة. وبغض النظر عن طبيعة العلاقة الحالية، أو السابقة بين الرجل والشركة، فإن مجرد ارتباط اسمه بهذا الكيان جعل الكثيرين ينظرون إليه باعتباره جزءاً من منظومة أكثر تعقيداً من مجرد رجل أعمال تقليدي. لذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه، ليس وجود مشاجرة وقعت بالفعل أم لا، وإنما ما إذا كانت الواقعة تعبر عن تحول في مكانة الرجل أو في شبكة العلاقات التي أحاطت به لسنوات».

رجل الأعمال المصري صبري نخنوخ (صفحته على فيسبوك)

وسبق وألقي القبض على نخنوخ في أغسطس (آب) 2012، بتهمة البلطجة وحيازة أسلحة وتعاطي مخدرات، وقضت المحكمة بسجنه 25 عاماً، وفي مايو (أيار) من عام 2018، شمله عفو رئاسي صحي.

وجاء خبر القبض على نخنوخ ضمن قائمة الترند في مصر على مدار يومي الثلاثاء والأربعاء، وسط استعراض لقضايا سابقة له، وعلقت ناشطة معترضة على تسميته «رجل أعمال»، في ظل سجل مليء بالخروج عن القانون.

وفسر الباحث في الأنثروبولوجيا، وليد محمود، أسباب الاحتفاء الشعبي بالقبض على نخنوخ قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن «نفاذ القانون ركيزة أساسية لترسيخ الأمل لدى المواطن العادي، إذ يؤكد مبدأ المساواة ويعزز الشعور بالعدل والأمان، ودائماً ما يزداد أثر هذا الشعور عندما يطال نفاذ القانون من يُنظر إليهم بوصفهم منتمين إلى الشرائح الاجتماعية الأكثر قوة ونفوذاً؛ لأن ذلك يؤكد عملياً أن سيادة القانون فوق الجميع، ويمنح المواطن العادي يقيناً بأن العدالة ليست شعاراً، بل واقعاً يُطبق على الجميع على قدم المساواة».


ليبيا: تقرير أممي يتهم صدام حفتر بـ«تهريب النفط»... و«الاستقرار» تطعن

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)
نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)
TT

ليبيا: تقرير أممي يتهم صدام حفتر بـ«تهريب النفط»... و«الاستقرار» تطعن

نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)
نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي الفريق أول صدام حفتر (إعلام القيادة العامة)

طعنت حكومة «الاستقرار» المكلّفة من مجلس النواب في شرق ليبيا، برئاسة أسامة حماد، الأربعاء، فيما ورد بتقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن مواطنين، ومؤسسات ليبية، معتبرة أن بعض الوقائع والاستنتاجات التي تضمنها التقرير «محل نزاع»، وتفتقر إلى أدلة قاطعة.

وكان التقرير الأممي، الصادر في أبريل (نيسان) الماضي، قد تناول شركة «أركينو» التي تأسست عام 2023 بوصفها شركة خاصة، ونسب إليها تصدير النفط الليبي خارج إطار «المؤسسة الوطنية للنفط»، مشيراً إلى أنها تخضع بصورة غير مباشرة لسيطرة الفريق أول صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني الليبي»، إلى جانب إبراهيم الدبيبة، مستشار الأمن القومي لرئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب البلاد.

وفيما لم ترد حكومة «الوحدة» على التقرير الأممي، فإن خطاباً وجّهه حماد إلى رئيس مجلس الأمن، وأعضائه، قال فيه إن حكومته تلقت «تظلّمات قانونية من مواطنين، ومؤسسات وردت أسماؤهم أو أُشير إليهم في التقرير»، موضحاً أن «المتضررين تقدموا بمستندات ووثائق رسمية إلى الجهات المختصة، من بينها مكتب النائب العام، للطعن في بعض الوقائع والاستنتاجات الواردة فيه، أخذاً في الاعتبار أن حكومة «الاستقرار» تعمل في نطاق سيطرة «الجيش الوطني» بشرق البلاد، وأجزاء واسعة من جنوب ليبيا.

رئيس حكومة الاستقرار الليبية المكلفة من البرلمان أسامة حماد (الصفحة الرسمية للحكومة)

ورأى حماد أن بعض ما تضمنه التقرير «لا يستند إلى أدلة كافية تبرر اعتماده كاستنتاجات نهائية»، مطالباً بإجراء مراجعة فنية وإجرائية مستقلة، للتحقق من سلامة مصادر المعلومات التي استند إليها التقرير، وتقييم مدى التزام فريق الخبراء بمبادئ الحياد، والاستقلالية، والنزاهة المهنية.

كما دعا إلى «تمكين جميع المتضررين من تقديم ردودهم، وأدلتهم، وإدراجها ضمن السجلات الرسمية، وإعادة فتح قنوات التواصل بين فريق الخبراء والأشخاص أو الجهات المعنية للنظر في تظلماتهم»، مطالباً «بعدم الاستناد إلى النتائج محل الاعتراض لاتخاذ أي تدابير، أو إجراءات دولية قبل استكمال مراجعة مستقلة».

وكان تقرير الخبراء المؤرخ في مارس (آذار) الماضي قد وجّه اتهامات لشخصيات سياسية وعسكرية من شرق ليبيا وغربها بـ«التطاول على المال العام»، وأعاد تسليط الضوء على شركة «أركينو»، متحدثاً عن عمليات تصدير للنفط خارج القنوات الرسمية، وعما وُصف بأنه «نهب واسع لإيرادات النفط»، و«استيلاء لافت على المحروقات».

وذكر التقرير، الذي اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، أن حجم وتنظيم عمليات تصدير النفط غير المشروعة، سواء الخام، أو المنتجات المكررة، بلغا مستويات غير مسبوقة خلال فترة الرصد، معتبراً أن «التدخل المباشر لكل من إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر أسهم في توفير مظلة من الإفلات من العقاب»، الأمر الذي أضعف قدرة «المؤسسة الوطنية للنفط» على حماية مصالح الدولة الليبية.

وأضاف التقرير موضحاً أن قطاع النفط والوقود بات محكوماً بمنظومة تقوم على الإفلات من العقاب، حيث جرى تمرير معاملات التصدير والاستيراد، واتفاقيات الاستغلال، وعقود الخدمات لخدمة مصالح شبكات متنافسة مرتبطة بجماعات مسلحة. كما أشار التقرير كذلك إلى أن شركة «أركينو» استُخدمت، بحسب وصفه، كـ«حصان طروادة» لتحويل أكثر من ثلاثة مليارات دولار خلال الفترة الممتدة من يناير (كانون الثاني) 2024 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وليست هذه المرة الأولى التي يرد فيها اسما صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة في تقارير أممية؛ إذ سبق أن وردا في تقرير صدر في فبراير (شباط) 2025، ضمن اتهامات تتعلق بتهريب النفط عبر نفوذ غير مباشر من خلال شركة «أركينو».

رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة (مكتب الدبيبة)

وينظر مراقبون إلى رسالة حكومة حماد، التي لا تحظى باعتراف دولي، باعتبارها تحركاً استباقياً يهدف إلى «الحيلولة دون فرض عقوبات دولية على شخصيات ليبية، خصوصاً مع اقتراب جلسة مجلس الأمن الدورية بشأن ليبيا خلال الشهر الحالي، والتي من المقرر أن تقدم خلالها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، إحاطة حول تطورات الملف الليبي».

وفي هذا السياق، رأى الخبير المتخصص في الشؤون الليبية، جلال حرشاوي، أن الرسالة تعكس حالة قلق متزايدة لدى عدد من الشخصيات المحسوبة على سلطات شرق ليبيا أو المقربة منها، في ظل تنامي احتمالات فرض عقوبات دولية، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذا الاحتمال لم يعد يُنظر إليه بوصفه تهديداً نظرياً.

وسبق لتيتيه أن استندت في إحاطة أمام مجلس الأمن، خلال أبريل الماضي إلى «نتائج فريق الخبراء لتفسير تراجع قدرة الدولة الليبية على الحكم عبر مؤسسات موحدة، وخاضعة للرقابة»، محذرة من «استنزاف الثروة الوطنية في إطار اقتصاد سياسي مشوّه، يوظف عائدات النفط خارج آليات المساءلة».

وفي مارس الماضي، قدرت مجموعة «الأزمات الدولية» عائدات عمليات تهريب الوقود في ليبيا بأنها تدر ما بين 6 و7 مليارات دولار سنوياً، موضحة أن «هذه الأموال تُستخدم في تعزيز نفوذ النخب السياسية والعسكرية في شرق البلاد وغربها»، على حد قولها.


الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»
وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»
TT

الجزائر وباريس ترسمان ملامح «التطبيع المشروط»

وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»
وزير الداخلية الفرنسي مستقبلاً نظيره الجزائري في باريس في الثاني من يونيو الحالي «وزارة الداخلية الجزائرية»

دخلت مساعي التقارب بين الجزائر وباريس مرحلة جديدة، إثر الزيارة التي قام بها وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود إلى العاصمة الفرنسية يومي 2 و3 يونيو (حزيران) الحالي. والتي اتخذت أبعاداً سياسية بارزة تمثلت في استقبال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أمس الثلاثاء، للوزير الجزائري في جلسة عمل رفيعة المستوى، تترجم الزخم الذي تشهده العلاقات الثنائية.

وأسفرت اللقاءات عن ضبط أولويات مشتركة تشمل محاربة المخدرات، وملاحقة الفارين من القضاء، ومكافحة التزوير، مع تعيين ملحق فرنسي أمني بالجزائر لتفعيل التنسيق المباشر.

الوفد الجزائري في أثناء المباحثات مع مسؤولي وزارة الداخلية الفرنسية «وزارة الداخلية الجزائرية»

وكتب وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز بحسابه بمنصة «إكس»، أن استقباله المسؤول الجزائري، الثلاثاء، بمقر وزارته، يأتي في سياق الزيارة التي قادته إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي، مؤكداً «مواصلة تبادلاتنا بشأن القضايا الرئيسية ذات الاهتمام المشترك لبلدينا، بهدف تعزيز النتائج المحققة بالفعل في مجالات الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب، ومحاربة الجريمة المنظمة، وقضايا الهجرة، والحماية المدنية».

ورشة لتعديل «اتفاق 1968»

وفق مصادر جزائرية، توجت الزيارة باتفاق على تعزيز قنوات الاتصال وتجنيد القنصليات الجزائرية لرفع وتيرة ترحيل المقيمين بطرق غير قانونية، الذين صدرت بحقهم قرارات الإبعاد من التراب الفرنسي، مقابل تسهيل الهجرة النظامية. وأشارت نفس المصادر إلى اتفاق الطرفين على بدء ورشة عمل لتعديل «اتفاق عام 1968» التاريخي، بناء على مقترحات ملموسة ستقدمها فرنسا لاحقاً، تلبية لرغبة باريس في تقليص الهجرة العائلية.

جلسة عمل عقدها الرئيس الفرنسي مع وزير الداخلية الجزائري «الوزارة الجزائرية»

ويشمل الاتفاق قضايا العمل والتجارة والدراسة في الجامعات، و«لم الشمل العائلي» بالنسبة للجزائريين في فرنسا. وعاد الجدل حول هذه الوثيقة بقوة، خلال التصعيد الذي شهدته العلاقات الثنائية بعد اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء في صيف 2024. وشن تيار اليمين الفرنسي حملة كبيرة بهدف إلغاء الاتفاق، بدعوى أنه «تفضيلي» للجزائريين مقارنة ببقية الشعوب. كما أنه في نظر رافضيه، يعيق جهود الدولة في الحد من الهجرة.

من جانبها، أكدت الجزائر أن الجانب الفرنسي «أفرغ الاتفاق من محتواه» في السنين الأخيرة، بسبب عقبات إدارية حالت دون استفادة رعاياها من بنوده، خاصة ما تعلق بـ«لم الشمل العائلي».

وأفاد بيان صادر عن وزارة الداخلية الفرنسية بأن المباحثات السياسية والتقنية، التي أجراها نونيز مع سعيود، «أكدت وجود رغبة مشتركة لتعزيز التعاون الثنائي وفق أسس براغماتية وتدريجية، وموجهة نحو تحقيق نتائج ملموسة تخدم مصالح الطرفين». كما كرّس البلدان رسمياً استئناف الحوار بينهما، واتفقا على إعادة بناء آليات عمل حقيقية ودائمة بين الأجهزة الميدانية والتنفيذية حول أولويات محددة، مدعومة بأدوات للمتابعة تأخذ في الحسبان انشغالات كل جانب، وفق ما جاء في ذات البيان.

ورافق سعيد وفد أمني مهم متكون من مدير عام الشرطة علي بدوي، ومسؤولين في الأمن الداخلي، وأطر من الحماية المدنية.

الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 «الرئاسة الجزائرية»

وفي مضمار مكافحة الجريمة المنظمة، وتهريب المخدرات، وغسل الأموال، حدد الطرفان ثلاثة محاور عمل ذات أولوية قصوى، وهي مجابهة المؤثرات العقلية والمخدرات الاصطناعية، وملاحقة الفارين المتورطين في الجريمة المنظمة، بالإضافة إلى مكافحة الهجرة غير النظامية وتزوير الوثائق. ولتجسيد هذه المساعي، أعلنت باريس عن تعيين ملحق فرعي للأمن الداخلي ينتمي إلى سلك الدرك الوطني الفرنسي، وهي خطوة يراها مراقبون إشارات ملموسة تعكس الإرادة الفعلية لإعادة تفعيل مصلحة الأمن الداخلي في الجزائر بكامل طاقتها وعملها المعتاد.

شروط الجزائر ومطالب باريس

تم كذلك التطرق إلى التعاون في مجال مكافحة الإرهاب؛ حيث استؤنف تبادل المعلومات بين الأجهزة الأمنية، ومن المرتقب تكثيفه بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة، حسب مصادر صحافية. وقد أتاحت المباحثات تحديد المخاطر الناشئة والمشتركة بين البلدين، بهدف الاستباق الأمثل للتهديدات، وضمان مرونة وسلاسة تدفق الاستعلامات والمعلومات الاستخباراتية ذات الفائدة المشتركة للجانبين.

وزير الصناعة الجزائري سابقاً أحد أبرز المطلوبين قضائياً «الشرق الأوسط»

ووفق المصادر الجزائرية، فقد طرح سعيود خلال زيارته مطالب بلاده بدقة: تسليم مطلوبين لدى القضاء الجزائري بسبب تورطهم في قضايا «فساد» وفي «المساس بوحدة البلاد». وتشمل التهمة الأولى شخصيات بارزة في نظام الحكم في وقت سابق. فيما تتضمن الثانية معارضين يقيمون في فرنسا كلاجئين سياسيين.

من جهتها، طالبت باريس من الجزائر تسليمها عناصر من شبكة «مافيا دي زاد»، تعتقد أنهم يقيمون في ترابها، حيث يلاحقهم الأمن الفرنسي بجرائم تجارة المخدرات في مدن جنوب البلاد.

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي «الرئاسة الجزائرية»

وتتجاوز زيارة سعيود أبعادها البروتوكولية المعتادة لتكتسي دلالة سياسية خاصة، حسب المراقبين، إذ تأتي في سياق دبلوماسي تعكسه الرغبة المعلنة من العاصمتين لطي صفحة التوترات، التي ألقت بظلالها الثقيلة على العلاقات الثنائية خلال العامين الأخيرين. ومع ذلك، فإن مساعي التطبيع من المنظور الجزائري لم تعد مجرد هدف مبدئي، بل أضحت مساراً مشروطاً بالتزامات ملموسة من جانب فرنسا.

ومن الجزائر، ينظر إلى وجود وزير الداخلية في باريس كإشارة قوية تؤكد عزم سلطاتها على طرح تطلعاتها، وشروطها بشكل مباشر قبل أي تكريس نهائي للتقارب الثنائي، حيث تتطلع السلطات الجزائرية إلى نتائج ملموسة ترتبط بالملفات، التي طالما غذت التوتر بين البلدين. وخلف الشق الفني والأمني التقليدي، الذي تضمنته أجندة اجتماعات وزيري الداخلية، يبرز الرهان الحقيقي المتمثل في رسم أسس علاقة مستقرة ومستدامة.