فيروس «هانتا»... هل يتحول وباءً عالمياً؟

يلوح بتكرار «شبح كورونا»

الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
TT

فيروس «هانتا»... هل يتحول وباءً عالمياً؟

الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)
الإخلاء الطبي لمشتبه في إصابتهم بفيروس «هانتا» (منظمة الصحة العالمية)

في وقت تزايد المخاوف العالمية من الأمراض الفيروسية الناشئة، أعاد تفشّي فيروس «هانتا» على متن السفينة السياحية «إم في هونديوس»، المتجهة من الأرجنتين إلى الرأس الأخضر، إلى الواجهة التساؤلات بشأن احتمالية ظهور وباء جديد شبيه بجائحة «شبح كورونا»، بعدما أسفر الحادث عن ثلاث وفيات وعدد من الإصابات المؤكدة بين الركاب.

وبينما سارعت منظمة الصحة العالمية، الخميس، إلى التأكيد أن الوضع الراهن لا يشكّل «بداية جائحة» أو «وباء»، وأن خطر الانتشار الواسع لا يزال منخفضاً، يثير ظهور سلالة «الأنديز» - الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال من إنسان إلى آخر - قلق الأوساط الصحية، خصوصاً مع تنقّل الركاب بين دول عدة قبل اكتشاف الإصابات.

وفيروس «هانتا» هو مجموعة من الفيروسات التي تنتقل أساساً من القوارض إلى الإنسان، وتسبب أمراضاً قد تصيب الجهاز التنفسي أو الكلى بدرجات متفاوتة من الخطورة. وتحدث العدوى غالباً عند استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو براز أو لعاب القوارض المصابة، خصوصاً في الأماكن المغلقة أو سيئة التهوية، كما يمكن أن تنتقل عبر ملامسة الأسطح الملوثة ثم لمس الأنف أو الفم، وفي حالات نادرة عبر عضّات القوارض.

ومعظم سلالات فيروس «هانتا» لا تنتقل بين البشر، إلا أن سلالة «الأنديز» الموجودة في أميركا الجنوبية تُعدّ الاستثناء الوحيد المعروف بقدرتها على الانتقال من شخص إلى آخر من خلال المخالطة الوثيقة.

ويضع هذا التفشّي المحدود العالم مجدداً أمام اختبار يتعلق بسرعة الاستجابة، وفاعلية أنظمة المراقبة الصحية، والاستعداد لاحتمالات تحوّل الفيروسات النادرة تهديدات أوسع نطاقاً.

هل يتحول جائحةً؟

وينتقل هذا المرض النادر والقاتل عادة عبر براز أو بول أو لعاب القوارض المصابة، غير أن منظمة الصحة العالمية أكدت عدم العثور على أي قوارض على متن السفينة.

ويقول اختصاصي الأمراض المعدية الدكتور ويليام شافنر إن فيروسات «هانتا» تنتقل عادة عبر ملامسة بول أو براز القوارض الصغيرة، موضحاً أن معظم سلالات الفيروس لا تنتقل من شخص إلى آخر.

لكنه أشار، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلالة غير المعتادة المرتبطة بتفشّي العدوى على متن السفينة السياحية تختلف عن غيرها؛ إذ تمتلك القدرة على الانتقال بين البشر، وهي سلالة «الأنديز» المنتشرة في أميركا الجنوبية.

وأضاف أن التفشّي الحالي لا يزال محصوراً في عدد محدود من ركاب السفينة، ورغم احتمال تسجيل إصابات إضافية خلال الفترة المقبلة، فإنه من غير المرجح أن ينتشر الفيروس على نطاق واسع، مؤكداً أن الوضع الحالي لن يتحول جائحة أخرى مثل «كوفيد - 19».

جهود دولية للحد من انتشار فيروس «هانتا» (رويترز)

وأوضح شافنر أن فيروسات «هانتا» معروفة منذ فترة طويلة وليست فيروسات جديدة، كما أنها مستقرة جينياً ولا تتحور بسهولة، لافتاً إلى أنه من المتوقع ظهور معلومات إضافية مع استمرار التحقيقات بشأن التفشّي، لكن انتقال العدوى من الركاب إلى نطاق أوسع سيظل محدوداً على الأرجح.

بينما أكد استشاري الحساسية والمناعة، الدكتور مجدي بدران، أن فيروس «هانتا» يُعدّ من الفيروسات الخطيرة التي قد ترتفع معدلات الوفاة الناتجة منها في بعض الحالات، لكنه لا يمتلك حتى الآن الخصائص الوبائية التي تجعله قادراً على التحول إلى جائحة عالمية واسعة الانتشار على غرار فيروس كورونا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن معظم الإصابات تحدث نتيجة التعرض لبول القوارض أو فضلاتها أو لعابها، في حين يظل انتقال العدوى بين البشر نادراً للغاية ومحصوراً في ظروف محددة.

وأشار إلى أنه لا توجد حتى الآن أي أدلة علمية مؤكدة على ظهور طفرات جديدة في فيروس «هانتا» تزيد قدرته على الانتقال الفعّال بين البشر، مؤكداً أن «الفيروس لا يتمتع بسرعة انتشار عالية أو بقدرة وبائية واسعة».

ولفت إلى أن «فيروس الأنديز» في أميركا الجنوبية يُعدّ السلالة الوحيدة المعروفة التي ثبتت قدرتها المحدودة على الانتقال من شخص إلى آخر، إلا أن هذا الانتقال يحدث بشكل نادر جداً، وغالباً بعد مخالطة وثيقة ومطولة، خصوصاً بين أفراد الأسرة أو المخالطين المقربين.

وأضاف بدران أن «التاريخ سجل بالفعل حالات انتقال محدودة ومؤكدة للفيروس بين البشر، خصوصاً في الأرجنتين وتشيلي، لكن التحقيقات الوبائية أظهرت أن سلاسل العدوى كانت قصيرة ومحدودة، ولم تتطور إلى انتقال مجتمعي واسع أو مستدام كما حدث مع (كوفيد -19). كما ظلت العدوى المرتبطة بالمستشفيات والرعاية الصحية نادرة للغاية، في حين بقيت معظم الإصابات عالمياً مرتبطة بالتعرض المباشر للقوارض الملوثة بالفيروس».

وأوضح أن هناك عوامل عدة تمنع فيروس «هانتا» حالياً من التحول وباءً عالمياً سريع الانتشار، أبرزها أن الفيروس يعتمد أساساً على القوارض عائلاً طبيعياً، وليس على الانتقال البشري المستمر، كما أن معظم سلالاته لا تمتلك قدرة عالية على الانتشار عبر الهواء، إضافة إلى ضعف كفاءة انتقال العدوى بين البشر حتى في حالة فيروس الأنديز.

وأشار بدران إلى أن التفشّيات المسجلة تنتهي عادة بسرعة ولا تستمر داخل المجتمعات، فضلاً عن عدم رصد أي طفرات جينية تمنح الفيروس قدرة أكبر على العدوى البشرية.

وبيّن أن شدة المرض نفسها قد تحد من انتشاره؛ إذ تؤدي الأعراض القوية إلى تقليل حركة المصابين واختلاطهم بالآخرين، في حين يحتاج انتقال العدوى غالباً إلى ظروف بيئية محددة، مثل استنشاق جزيئات ملوثة بمخلفات القوارض.

وأضاف أن المصابين لا يفرزون كميات كبيرة من الفيروس تسمح بانتشاره على نطاق واسع، في حين تسهم إجراءات الصحة العامة، مثل مكافحة القوارض والعزل السريع للمصابين، في الحد من أي تفشّيات محتملة. وشدد بدران على أن المخاوف من حدوث «كورونا جديد» لا تدعمها أي مبررات علمية كافية.

خطر محتمل

بينما يشير أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة بجامعة مصر الدولية، الدكتور إسلام عنان، إلى أن فيروس «هانتا» يصنّف على أنه خطر وبائي محتمل، رغم أن ظهوره يعود إلى عقود طويلة.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن «بدايات اكتشاف المرض تعود إلى خمسينات القرن الماضي، عندما أُصيب عدد من الجنود خلال الحرب الكورية بأعراض غامضة، قبل أن يُشتق اسم الفيروس من نهر (هانتان) الفاصل بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، في حين لم يتمكن العلماء من عزل الفيروس معملياً إلا عام 1978».

وأضاف أن الفيروس عاد إلى الواجهة بقوة عام 1993، بعدما توفي عدد من الشباب في الولايات المتحدة نتيجة فشل تنفسي حاد، حيث جرى حينها اكتشاف سلالة شديدة الخطورة وصلت معدلات الوفاة فيها إلى نحو 50 في المائة، وكانت العدوى تقتصر على الانتقال من القوارض إلى الإنسان.

وتابع عنان أن «التحول الأبرز حدث عام 1995 مع ظهور سلالة (الأنديز) في أميركا الجنوبية، وهي السلالة الوحيدة المعروفة بقدرتها على الانتقال من إنسان إلى آخر، وهي نفسها السلالة المرتبطة بالتفشّي الذي شهدته السفينة السياحية مؤخراً؛ ما أعاد المخاوف المتعلقة بإمكانية انتشار المرض إلى الواجهة الدولية».

وأوضح أن «العدوى تنتقل إلى الإنسان غالباً عبر استنشاق جزيئات ملوثة ببول أو براز القوارض، خصوصاً بعد جفاف هذه المخلفات وتحولها جسيمات دقيقة قابلة للانتشار في الهواء؛ ما يزيد احتمالات انتقال الفيروس. كما توجد سلالات مختلفة من فيروس (هانتا) حول العالم؛ إذ تنتشر بعض السلالات في آسيا وأوروبا وتهاجم الكلى مسببة حالات فشل كلوي، في حين تنتشر سلالات أخرى في الأميركيتين وتستهدف الرئتين؛ ما قد يؤدي إلى فشل تنفسي حاد وسريع».

وعن احتمالات تحول الفيروس وباءً عالمياً، يشير عنان إلى أنه رغم تأكيد منظمة الصحة العالمية أن مستوى الخطر العالمي لا يزال منخفضاً، فإن هناك مخاوف متزايدة من تأثيرات التغير المناخي، خصوصاً مع احتمال تسبب ارتفاع درجات الحرارة في اتساع نطاق انتشار القوارض الحاملة للفيروس ووصولها إلى مناطق جديدة.

وفيما يتعلق بالعلاج، أوضح أنه «لا يوجد حتى الآن علاج نوعي مخصص لفيروس (هانتا)؛ إذ تعتمد الرعاية الطبية الحالية على علاج الأعراض وتقديم الرعاية الداعمة، مع إمكانية استخدام بعض مضادات الفيروسات في حالات محددة. كما لا يتوافر لقاح معتمد للمرض حتى الآن، إلا أن هناك لقاحات عدة لا تزال قيد التطوير والدراسة».


مقالات ذات صلة

إصابات «إيبولا» في أفريقيا تتجاوز 10 آلاف معظمها بالكونغو الديمقراطية

أفريقيا عامل صحي يرتدي ملابس واقية يخضع للتعقيم على يد زميل داخل مركز لعلاج مرضى «إيبولا» في بيني بمقاطعة شمال كيفو بشرق الكونغو الديمقراطية يوم 26 سبتمبر 2026 (أ.ب)

إصابات «إيبولا» في أفريقيا تتجاوز 10 آلاف معظمها بالكونغو الديمقراطية

تجاوز عدد الإصابات المؤكَّدة بـ«إيبولا» في أحدث تفشٍّ للمرض في أفريقيا 10 آلاف شخص، سُجِّلت غالبيتها العظمى في جمهورية الكونغو الديقراطية.

«الشرق الأوسط» (كينشاسا)
أفريقيا شخص يتلقى جرعة من لقاح ضد فيروس «إيبولا» في الكونغو (أ.ب)

«الصحة العالمية»: أول تجربة سريرية للقاح ضد «إيبولا» في الكونغو الديمقراطية

أعلن مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، أمس الجمعة، البدء بأول تجربة سريرية للقاح ضد فيروس «إيبولا» لمواجهة التفشي الذي تشهده جمهورية الكونغو.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي سيارة إسعاف في مدينة تعز تعرضت لقصف حوثي بمن فيها من المرضى (أ.ف.ب)

حصار الحوثيين يضع مستشفيات تعز أمام خطر التوقف

حذَّرت منظمة الصحة العالمية من خطر تعطل الخدمات الطبية في محافظة تعز اليمنية مع استمرار الحصار الحوثي، وسط نقص حاد في الأدوية والوقود والأكسجين، يهدد المرضى.

محمد ناصر (عدن)
أفريقيا تعقيم أحد العاملين في المجال الصحي داخل أحد مراكز مكافحة فيروس «إيبولا» في منطقة بيني بمقاطعة شمال كيفو شمال شرقي الكونغو الديمقراطية (أ.ب)

«الصحة العالمية»: لسنا على علم بزيارة مصابة إيبولا في نيجيريا للكونغو

أعلنت «الصحة العالمية» أن المعلومات المقدمة عن مصابة ​بالإيبولا في نيجيريا لم تتضمن سفرها إلى الكونغو، وذلك بعد أن قالت سلطات أوغندا إن المرأة ذهبت إلى هناك.

«الشرق الأوسط» (دكار)
صحتك ذبابة من نوع «كوليكويدس» (الهاموش القارض) تحت المجهر المتهم الأول والناقل الرئيسي لفيروس «شاموندا» الناشئ في أوروبا (معهد بيربرايت)

بعد وفاة أول حالة في فرنسا... ما فيروس شاموندا وكيف ينتقل إلى البشر؟

وفاة أول إصابة بشرية بفيروس شاموندا في فرنسا تثير قلقاً صحياً، حيث ينتقل عبر لدغات الحشرات ويهدد الفئات المصابة بنقص حاد في المناعة.

كوثر وكيل (لندن)

​ ناجية هيروشيما: لا أكره الأميركيين... ولا أريد لأي إنسان أن يعاني ما عانيناه

ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
TT

​ ناجية هيروشيما: لا أكره الأميركيين... ولا أريد لأي إنسان أن يعاني ما عانيناه

ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)
ساداي كاساوكا 94 عاماً إحدى الناجيات من القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما 1945 (الشرق الأوسط)

«امتزج وميض أحمر بآخر برتقالي، كقرص الشمس، ثم دوّى انفجار تطايرت على أثره شظايا الزجاج، ودفعني الهواء إلى الخلف، أصابت رأسي شظايا، ففقدت الوعي، وحين فتحت عيني، لم أشعر بالألم؛ ووضعت يدي على رأسي، فإذا بها ملطخة بالدماء. أسرعت مع جدتي إلى ملجأ قريب، ولم نكن نعرف ما الذي حدث، خرجنا بعد قليل، فلم نجد حولنا سوى الركام والمنازل المنهارة، عاد رجل من وسط المدينة وكان جسده محروقاً، وأخبرنا بأن هيروشيما دُمّرت، رأيت أشخاصاً يمشون ببطء، جلودهم متدلية وأجسادهم مغطاة بالغبار والرماد. بدوا لي كالأشباح، ففزعت وعدت إلى المنزل».

ساداي كاساوكا ناجية من القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما في أغسطس 1945 (الشرق الأوسط)

هكذا تستعيد ساداي كاساوكا، البالغة 94 عاماً، لحظات نجت فيها من القنبلة الذرية التي ألقتها القوات الجوية الأميركية على هيروشيما في السادس من أغسطس (آب) 1945.

كانت كاساوكا في الثانية عشرة من عمرها حينذاك، ولم تكن تعرف أن ذلك الصباح سيقسم حياتها إلى ما قبل القنبلة وما بعدها. وتقول: «كنت في منزل أسرتي بحي إبا، على بُعد نحو 3.5 كيلومتر من مركز الانفجار، أنهي بعض الأعمال المنزلية البسيطة، فيما غادر والداي لمساعدة معارفنا في هدم منزل بوسط هيروشيما».

وبعد نحو ثمانية عقود، لا تزال ساداي تستعيد المشهد كما لو أن الوميض البرتقالي لم ينطفئ، تروي قصتها، كما تقول، لا لتستعيد الألم وحده، بل كي لا تبقى تجربة الناجين رقماً في سجل الكارثة.

ووفق تقديرات مدينة هيروشيما، التي كان يعيش فيها نحو 350 ألف شخص آنذاك، أودت القنبلة بحياة ما يُقدّر بنحو 140 ألفاً حتى نهاية ديسمبر (كانون الأول) من ذلك العام.

صباحٌ تغيّر في لحظة

تقول كاساوكا: «كنت الابنة السابعة في أسرة كبيرة، قُتل شقيقي الأكبر في الحرب، وكانت ثلاث من شقيقاتي متزوجات، فيما كان شقيقي يدرس في كوبي، وأُجلي شقيقي الأصغر إلى الريف، وبقيت في المنزل مع والديّ وجدتي المسنة».

وأضافت: «كنت في المرحلة المتوسطة، لكن الحرب حرمتنا من الدراسة، وكنا نُكلّف بهدم المباني لفتح ممرات تحدّ من انتشار الحرائق أثناء الغارات، وفي اليوم السابق للقصف، عملت مع زميلاتي في وسط المدينة».

تقول كاساوكا إنها تبكي عندما تتذكر حياتها ومع ذلك تحاول نقل تجربتها للأجيال المقبلة (الشرق الأوسط)

تغمض عينيها قليلاً، وكأنها تقاوم صور ذلك اليوم الذي غيّر مجرى حياتها وحياة آلاف اليابانيين، وتضيف: «في صباح السادس من أغسطس، أنهيت غسل الأطباق ونشرت الغسيل في الحديقة، عند الساعة 8:15 كنت عائدة إلى المنزل حين رأيت من النافذة ضوءاً جميلاً أحمر امتزج بالبرتقالي، كقرص الشمس، ثم دوّى الانفجار وتطاير الزجاج، ودفعني الهواء إلى الخلف، وأصابت رأسي شظايا الزجاج وفقدت الوعي، وحين فتحت عيني، لم أشعر بالألم؛ وضعت يدي على رأسي، فوجدت الدم».

كيف تعرفت على أبي؟

بعد هول الصدمة، تقول ساداي إن أكثر ما أقلقها كان مصير والديها، وتتابع: «عاد شقيقي كيتشيتارو من كوبي وبدأ البحث عنهما، وفي اليوم التالي، أُحضر أبي على عربة يدوية، لم أعرفه؛ كان جسده محترقاً ومتورماً، ولم أتعرف إليه إلا حين سمعت صوته يطلب الماء».

فقدت ساداي والديها بسبب القنبلة النووية وتولى رعايتها أشقاؤها بعد ذلك حتى كبرت (الشرق الأوسط)

تضيف وهي تأخذ نفساً عميقاً: «لم نكن نملك دواءً أو علاجاً للحروق، فاستخدمنا الخيار والبطاطا المبشورين لتغطية جسده، وكان جلده يتقشر حين نلمسه، وتجمّع الذباب حول جروحه، وكان يطلب الماء، لكننا كنا نعتقد أن شربه سيعجّل بوفاته، فكذبنا عليه وقلنا إن الماء غير متوفر، وما زال هذا القرار يؤلمني حتى اليوم».

وتستطرد قائلة: «توفي أبي في الثامن من أغسطس، وفي اليوم نفسه، توفيت أمي في جزيرة نينوشيما، حيث نُقل المصابون، وعادت الأسرة ببقايا قيل إنها تعود إليها، لكننا لم نستطع التأكد من هويتها».

حياةٌ بعد الفقد

وعن معاناتها بعد وفاة والديها، تقول كاساوكا: «ترك شقيقي الدراسة ليعمل ويعيل الأسرة، وساعدتنا شقيقاتي المتزوجات في رعاية إخوتي وجدتي، وكنت أجمع المحار والتين وأبيعهما، ثم عدت إلى المدرسة وسط مبانٍ متضررة، وكان المعلمون يستخدمون قصاصات الصحف بدلاً من الكتب، وفي العام التالي، أُصبت بطفح جلدي ودمامل استمرت أشهراً، كما عانيت من فقر الدم».

دراجة طفل محترقة معروضة بمتحف هيروشيما تذكيراً بالمأساة التي تعرّضت لها المدينة (الشرق الأوسط)

من الذاكرة إلى الشهادة

وعن حياتها الحالية، تقول ساداي: «عندما أتذكر حياتي أحياناً أبكي، لكن أحاول نقل تجربتي للأجيال المقبلة، عملت في حكومة محافظة هيروشيما، ثم مستشارةً للناجين حتى بلغت 79 عاماً، وبدأت أروي تجربتي علناً عام 2000، بعدما تحدثت إلى طلاب مدرسة أحفادي، ومنذ ذلك الحين، رويت قصتي لطلاب المدارس وزوار متحف هيروشيما للسلام».

لا أكره الأميركيين

تقول ساداي كاساوكا إنها شعرت في السنوات التي أعقبت إلقاء القنبلة النووية بغضب تجاه الولايات المتحدة، لكنها غيّرت نظرتها بعد أن التقت أشخاصاً كثيرين من بلدان مختلفة، ساعدوا ضحايا هيروشيما وعملوا من أجل السلام، وتقول: «فتغيّرت نظرتي».

تأمل كاساوكا أن تصل قصص من ماتوا ومن نجوا إلى الأجيال المقبلة (الشرق الأوسط)

وتضيف: «لم أعد أكره شعباً؛ ما أكرهه هو القنبلة الذرية، أريد للعالم أن يعرف ما تفعله الأسلحة النووية بالبشر، وأن تصل قصص من ماتوا ومن نجوا إلى الأجيال المقبلة، الحرب تسرق السعادة من البشر. القنبلة كتلة من الشر. لا نحتاج إلى الحرب، ولا أريد لأي إنسان، في أي مكان، أن يعاني ما عانيناه».


«الممثلين» المصرية تواجه أزمة الصور المفبركة لدينا الشربيني

الفنانة دينا الشربيني (إنستغرام)
الفنانة دينا الشربيني (إنستغرام)
TT

«الممثلين» المصرية تواجه أزمة الصور المفبركة لدينا الشربيني

الفنانة دينا الشربيني (إنستغرام)
الفنانة دينا الشربيني (إنستغرام)

توعدت نقابة «الممثلين» المصرية بملاحقة مروجي صورة مفبركة للفنانة دينا الشربيني صممت بتقنية الذكاء الاصطناعي، وأظهرتها بشكل لا يليق، مما عرضها لانتقادات واسعة عقب انتشارها عبر «السوشيال ميديا» خلال الساعات الماضية.

وتصدر اسم دينا الشربيني، وكذلك أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية، على موقع «غوغل» في مصر الأربعاء بعد تداول الصورة، وتحرك النقابة لمواجهة الأزمة، واتخاذها إجراءات قانونية ضد الشاب الذي نشر الصورة، وملاحقته، في إطار حرص النقابة على حماية الفنانين من حملات الإساءة والتشهير على «السوشيال ميديا»، التي انتشرت أخيراً بشكل واسع، خصوصاً مع الاستعانة بتقنية الذكاء الاصطناعي، حسب تعليقات ومشاركات «سوشيالية» أكدت أنها سلاح ذو حدين، ويجب الحرص في استخدامها.

من جانبها علقت دينا الشربيني على تحرك النقابة القانوني، وموقفها الداعم، عبر خاصية «ستوري» بحسابها على موقع «إنستغرام»، معربة عن امتنانها وشكرها لنقيب الممثلين، كما اهتمت بالترويج لأحدث عروضها المسرحية «علمي علوم» على الخاصية نفسها.

الناقد الفني المصري عماد يسري أكد أن «ظاهرة الإساءة للفنانين وفبركة الصور ومقاطع الفيديو ليست جديدة، لكنها ازدادت مع انتشار تقنية الذكاء الاصطناعي بالسنوات الأخيرة، ومحاولة صناعة (ترند) غير مناسب، وبعيد عن التمثيل، ومحتوى الفنان الأساسي»، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الظاهرة مرفوضة، ويجب التصدي لها، ومحاسبة من يسير وفقها، وملاحقته، ومعاقبته».

وأشاد يسري بحرص النقابة على اتخاذ إجراءات قانونية لحفظ حقوق أعضائها، وحمايتهم من التشويه، مضيفاً: «الفنان إنسان أولاً وأخيراً، وليس من حق أحد الإساءة إليه، بينما انتقاد أعماله الفنية أمر متاح، ولكن دون إساءة لشخصه».

الفنانة المصرية دينا الشربيني (إنستغرام)

من جهته، كشف المحامي الدكتور حسام لطفي لـ«الشرق الأوسط» أن أي فبركة تنشر على وسائل التواصل الاجتماعي تعد جريمة، وجنحة في حق مرتكبها، وستتم معاقبته بالقانون وفق المادة 25 في الفصل الثالث من قانون «مكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات» رقم 175 لسنة 2018 الذي يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وغرامة لا تقل عن 50 ألف جنيه، ولا تتجاوز 100 ألف جنيه.

وقبل واقعة دينا الشربيني، تعرضت الفنانة ريهام عبد الغفور لواقعة مشابهة، بعد تداول صور ومقاطع فيديو التقطت لها خلسة من زاوية غير لائقة أثناء حضورها العرض الخاص لفيلم «خريطة رأس السنة» قبل أشهر عدة، مما عرضها لانتقادات وتعليقات مسيئة، عقب انتشارهما، ودفعها لاتخاذ الإجراءات القانونية، وساندتها النقابة حينها، حتى تم الإعلان عن القبض على المتهم بالتصوير، والنشر.

وفي السياق، وقبل أيام وقعت نقابة الممثلين مذكرة تفاهم مع شركة «ميتا» خلال فعاليات مهرجان «الجونة»، لإطلاق مبادرة تهدف لـ«نشر الوعي الرقمي»، وحماية الفنانين، والحد من الأضرار الناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وانتهاك الخصوصية، وفق ما أعلنه المهرجان.

وفنياً، تستعد دينا الشربيني للمشاركة في فعاليات موسم الرياض خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، عبر مسرحية «علمي علوم»، والتي تجمعها بعدد من نجوم الكوميديا، كما تواصل تصوير دورها في «الفيل الأزرق 3»، وتعاقدت أخيراً على بطولة فيلم «أهل العيب»، إلى جانب تحضيرات الجزء الجديد من المسلسل الرمضاني «كامل العدد».


«الله يستر»... لماذا الضحك على مادة استُهلِكت كثيراً؟

للطائفية عمر طويل... وللنكتة عنها 7 أرواح (الشرق الأوسط)
للطائفية عمر طويل... وللنكتة عنها 7 أرواح (الشرق الأوسط)
TT

«الله يستر»... لماذا الضحك على مادة استُهلِكت كثيراً؟

للطائفية عمر طويل... وللنكتة عنها 7 أرواح (الشرق الأوسط)
للطائفية عمر طويل... وللنكتة عنها 7 أرواح (الشرق الأوسط)

تضع مسرحية «الله يستر» جمهورها أمام شخصيات يعرفها قبل أن تبدأ الحكاية. في مقدّمها «جورجيت الخازن»، المرأة المسيحية المتشدّدة التي تنتمي إلى مخزون اجتماعي لبناني يملك المتفرّج مفاتيحه مُسبَقاً، فتبدو أقرب إلى صورة نمطية متوارَثة منها إلى شخصية من لحم ودم. ومن حولها تتشكَّل سلسلة من الصِدامات العائلية التي تستحضر الاختلاف الديني وما يرافقه من أحكام وتوقُّعات. تستعير المسرحية التي كتبتها نبال عرقجي وأنتجتها، من إخراج علي اتحاد (مسرح «دوار الشمس»)، فكرتها من الفيلم الفرنسي «ماذا فعلنا بالرب؟»، وتُعيد توزيعها على مجتمع تُدار فيه العلاقات الشخصية أحياناً وفق حسابات الجماعة الدينية. وإنما استمرار انجذاب الجمهور إلى هذه المادة المُستَهلكة يستحق قراءة في أسباب جاذبيتها، وما تكشف عنه تلك الجاذبية من وظيفة الكوميديا داخل مجتمع اعتاد تنظيم علاقاته عبر التصنيفات.

نضحك معاً على ما يعجز عن جمعنا (الشرق الأوسط)

تقوم آلية الإضحاك على استحضار أنماط اجتماعية جرى تثبيتها طويلاً في الوعي اللبناني. فكلّ شخصية تحمل معها تاريخاً من الأحكام التي يتداولها الناس عن جماعتها، وتكفي بعض الإشارات ليستحضر المتفرّج الصورة بأكملها. بذلك يصبح الجمهور شريكاً في بناء الموقف الكوميدي، إذ يُضيف إلى ما يسمعه خبرته الخاصة ومخزونه من النكات والتصوّرات. وتستفيد المسرحية من هذه المُشاركة الذهنية، فتختصر الطريق إلى الضحك وتضمن سرعة التواصل، لكنها تجعل بناء الشخصيات تابعاً لِما يُعرَف عنها مُسبَقاً.

كلّ طائفة تعرف دورها... حتى قبل رفع الستارة (الشرق الأوسط)

في هذا النوع من الكوميديا، يؤدّي الاختلاف الديني وظيفة تتّصل بتأكيد الهوية أكثر من مناقشتها. فالانتماء الطائفي في لبنان يتشكَّل أيضاً عبر ما تقوله الجماعة عن سواها، وما تتخيَّله من صفات تُميّز أفرادها. وتتغذَّى هذه العملية من ميل الإنسان إلى تصنيف محيطه الاجتماعي وفق انتماءات محدّدة، تمنحه شعوراً بالانتماء وتؤثّر في نظرته إلى الآخرين. وعندما يضحك المتفرّج على صورة طائفية متداوَلَة، فهو يتعرَّف إلى نظام التصنيفات الذي نشأ داخله، ويُشارك في إعادة تداوله. هكذا تنشأ علاقة حسّاسة بين السخرية من التعصُّب واستمرار حضوره في المُخيّلة.

تتعب الحكايات من التكرار ولا يتعب الجمهور من الضحك (الشرق الأوسط)

تستمدّ «الله يستر» مادتها الكوميدية من هذا الموروث. فالمفارقات تتوالى وفق منطق الاختلافات المعروفة، والشخصيات تتحرَّك داخل حدود رسمتها لها هوياتها الاجتماعية. وتُستخرج الطرافة من المُبالَغة في الصفات وردود الأفعال، فيما يظلُّ الاشتغال على التحوّلات الداخلية محدوداً. ويتيح هذا البناء إيقاعاً سريعاً ومواقف مُضحِكة، لكنه يجعل العمل أقرب إلى إعادة تمثيل التصوّرات الشائعة منه إلى مُساءلتها درامياً. فالمسرح يمتلك القدرة على جَعْل الشخصية تتصرَّف على خلاف ما ينتظره الجمهور منها، وعلى كشف ما تُخفيه وراء صورتها الاجتماعية. وفي هذه المسرحية، تُحافظ الشخصيات غالباً على وظائفها الكوميدية المعروفة.

والطائفية بما تحمله من تاريخ اجتماعي ونفسي، مادة قابلة لمعالجات درامية متعدّدة. لكنّ الاعتماد على صُورها الأكثر تداولاً يجعل التعرُّف إليها أسرع من اكتشافها. ومن هذه الناحية، تعرف كوميديا «الله يستر» مُسبَقاً كيف تصل إلى جمهورها، وتُفضّل الاستثمار في استجابته المتوقَّعة على المُغامرة في تشكيل تجربة مسرحية مختلفة.

الطائفية التي تُفسد العيش تُصلح أحياناً مزاج الأمسية (الشرق الأوسط)

يمنح الأداء المسرحية حيوية، ويُسهم الانسجام بين الممثلين في الحفاظ على إيقاعها الكوميدي. وتلفت مايا يمّين في شخصيتَي «فاطمة أم حسن»، و«أنطوانيت»، جارة «جورجيت» الفضولية، بما تُحدثه من اختلاف في اللهجة والحركة وردود الفعل، خصوصاً في الشخصية الأولى التي تمنحها طرافة خاصة تتعدَّى حدود الحوار المكتوب. أما لمى لاوند فتؤدّي «جورجيت الخازن» بحضور مُقنع، وتمنح تعصّبها الطائفي ملامح امرأة تشكَّلت قناعاتها عبر التربية والعادات، وإن ظلَّت الشخصية أسيرة صورتها النمطية. وإلى جانبهما، تؤدّي ميليسا عزيز دور «ماري كريستين»، ابنة «جورجيت»، ويجسّد محمد فوعاني شخصية حبيبها «حسن»، فيما تحضر نبال عرقجي في دور «ماري إيلين»، ووليد عرقجي في دور «جان ماري»، وجويل منصور في دور الابنة الصغرى. وتسهم هذه المجموعة في إضفاء خفّة على المَشاهد العائلية، من خلال تبادُل الحوار وسرعة التفاعل، وإن بقيت الشخصيات محكومة في معظمها بالمواقف التي أُعدَّت لإثارة الضحك.

يضحك اللبنانيون على اختلافاتهم كأنهم يسمعونها للمرة الأولى (الشرق الأوسط)

وتكشف خاتمة المسرحية عن البُعد الشخصي الذي يحكم نيّات الكاتبة. تحمل نبال عرقجي صورة والدها الراحل، وتروي كيف نشأت على احترام الناس بمعزل عن انتماءاتهم الدينية، وكيف عرفت طائفتها مصادفةً في مراهقتها. تضع هذه اللحظة ما سبقها في إطار إنساني شخصي، وتكشف عن الدافع الذي حمل الكاتبة إلى معالجة الاختلافات بين اللبنانيين. فالمسرحية التي تمضي معظم وقتها في إبراز الفوارق تنتهي إلى الإشارة إلى إمكان العيش خارج سلطانها.

للضحك ضرورته في بلد أثقلته انقساماته وأزماته، و«الله يستر» تمنح جمهورها نصيباً منه. لكن كان يمكن للعرض أن يمضي أبعد في مُساءلة ما جعلنا نضحك طوال الأمسية.