الزيدي يعرض «وساطة» بين واشنطن وطهران

‏بوادر احتكاك إقليمي على الحكومة الجديدة في بغداد

صورة وزعتها الرئاسة العراقية في 27 أبريل 2026 تظهر الرئيس نزار أميدي (وسط) وهو يصافح المكلّف علي الزيدي (يمين) في بغداد
صورة وزعتها الرئاسة العراقية في 27 أبريل 2026 تظهر الرئيس نزار أميدي (وسط) وهو يصافح المكلّف علي الزيدي (يمين) في بغداد
TT

الزيدي يعرض «وساطة» بين واشنطن وطهران

صورة وزعتها الرئاسة العراقية في 27 أبريل 2026 تظهر الرئيس نزار أميدي (وسط) وهو يصافح المكلّف علي الزيدي (يمين) في بغداد
صورة وزعتها الرئاسة العراقية في 27 أبريل 2026 تظهر الرئيس نزار أميدي (وسط) وهو يصافح المكلّف علي الزيدي (يمين) في بغداد

أكد رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي فالح الزيدي استعداد بغداد للعب دور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، في سياق اتصالاته مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في وقت تتقاطع فيه رسائل متباينة من الطرفين إلى الحكومة العراقية الجديدة.

وذكر المكتب الإعلامي للزيدي، في بيان صدر الثلاثاء، أنه تلقى اتصالاً هاتفياً من بزشكيان هنأه خلاله بتكليفه تشكيل الحكومة، وبحث معه سبل تعزيز العلاقات الثنائية.

وأوضح البيان أن الزيدي شدد على دعم العراق للمسار الدبلوماسي واعتماد الحوار لحل النزاعات، مؤكداً قدرة بغداد على المساهمة في الوساطة بين طهران وواشنطن.

ويأتي طرح الوساطة من جانب الزيدي امتداداً لدور عراقي سابق في استضافة قنوات تواصل غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، إضافة إلى محادثات إقليمية استضافتها بغداد خلال السنوات الماضية، في مسعى لتخفيف التوترات وتعزيز الاستقرار، مستفيداً من علاقاته مع الطرفين وموقعه الجغرافي والسياسي.

ويقول مراقبون إن طهران اختارت خوض معركة دبلوماسية مع واشنطن عبر بغداد برسائل «ملغومة» إلى الزيدي موازية للرسائل «الملغومة» هي الأخرى التي تلقاها من واشنطن بدءاً من تغريدة ترمب إلى تهنئته الهاتفية وتصريحاته بشأن وصول الزيدي بـ «مساعدة» الأميركيين، ما يعكس بوادر احتكاك بين الطرفين بشأن الحكومة الجديدة في بغداد.

في المقابل، عكست تصريحات للرئيس الإيراني عبر منصة «إكس» نبرة أكثر تشدداً، إذ دعا إلى «سحب التهديد العسكري من المنطقة»، مؤكداً أن «المسلمين لا يمكن إخضاعهم».

ويبرز ذلك تبايناً نسبياً في الخطاب، بين طرح عراقي يركز على التهدئة والدبلوماسية، وموقف إيراني يشدد على الردع في مواجهة الضغوط.

يأتي هذا التطور في وقت لم تنل فيه حكومة الزيدي بعد ثقة البرلمان، ما يجعل أي دور وساطة محتمل مرتبطاً بالمسار السياسي الداخلي، فضلاً عن توازن العلاقات العراقية مع كل من طهران وواشنطن.

صورة نشرتها الرئاسة العراقية يوم 27 أبريل 2026 تظهر الرئيس نزار آميدي وهو يصافح رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي (أ.ف.ب)

«قوة إيران»

أما في طهران فقد نقلت وكالة أنباء «فارس»، نقلاً عن بيان للرئاسة الإيرانية، أن الزيدي شدد خلال الاتصال على أن «قوة إيران اليوم ليست حكراً عليها، بل تمثل سنداً لجميع المسلمين والشيعة»، مضيفاً أن العراق «لن يقبل أبداً أن تُنتزع هذه القوة من إيران». وبحسب البيان، ربط الزيدي بين هذه القوة والدعم الذي تلقاه العراق في مواجهة «داعش»، مشيراً إلى أن «هذه القوة هي التي ساعدتنا في الحرب ضد الإرهاب».

وأضاف، وفق الوكالة، أن العراق «بحاجة إلى دعم إيران»، معتبراً أن «قوة إيران هي قوة للعراق، وضعف إيران هو ضعف العراق أيضاً»، في طرح يعكس مستوى التقارب في الرؤية الأمنية بين الجانبين، لا سيما في ما يتعلق بالتحديات الإقليمية المشتركة.

كما أوردت الوكالة أن بزشكيان أكد استعداد بلاده لتطوير العلاقات مع العراق، واصفاً البلدين بأنهما «أكثر من جار»، ومشدداً على دعم طهران لبغداد في مختلف المجالات، إلى جانب إبداء الاستعداد لتسوية الخلافات مع دول المنطقة.

وبحسب الوكالة، عبّر الزيدي عن رغبته في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستويات متقدمة اقتصادياً وسياسياً وأمنياً، مع تأكيده استعداد العراق لاستضافة محادثات بين إيران والولايات المتحدة، معتبراً ذلك «واجباً إنسانياً وسياسياً».


مقالات ذات صلة

الصدر يمهل جناحه العسكري أسبوعاً للاندماج في الحكومة

المشرق العربي دراجة نارية تمر أمام لافتة لمقتدى الصدر نُصبت على أحد شوارع بغداد 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

الصدر يمهل جناحه العسكري أسبوعاً للاندماج في الحكومة

حدد زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، مهلة أسبوع لإكمال انفكاك جناحه العسكري وإلحاقه بالمؤسسات الحكومية.

حمزة مصطفى (بغداد)
رياضة عربية (الاتحاد العراقي لكرة القدم)

إلغاء كأس العراق يثير جدلاً واسعاً في الشارع الكروي

أشعل قرار الاتحاد العراقي لكرة القدم بإلغاء ما تبقى من منافسات بطولة كأس العراق للموسم الحالي حالة واسعة من الجدل داخل الوسط الكروي العراقي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عراقي بأحد شوارع بغداد يمر أمام صورة لمقتدى الصدر مرتدياً الزي العسكري الخاص بـ«سرايا السلام» (أ.ف.ب)

الصدر يدمج جناحه العسكري في الدولة العراقية

أعلن زعيم التيار الصدري في العراق، مقتدى الصدر، أمس (الأربعاء)، دمج جناحه العسكري «سرايا السلام» في الدولة، داعياً فصائل «الحشد الشعبي» إلى تسليم سلاحها.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي عراقي بأحد شوارع بغداد يمر أمام صورة لمقتدى الصدر مرتدياً الزي العسكري الخاص بـ«سرايا السلام» (أ.ف.ب)

الصدر يعلن إلحاق جناحه العسكري بالحكومة العراقية

قال زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الأربعاء، إنه قرر فك ارتباط جناحه العسكري «سرايا السلام» بالتيار وإلحاق عناصرها بالدولة.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد موظف يقوم بتعبئة الوقود في إحدى المحطات (رويترز)

العراق: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في بغداد

أعلنت شركة المنتجات النفطية العراقية، الأربعاء، أن محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في بغداد والمحافظات.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
TT

القبض على أبرز أذرع نظام الأسد في الرقة ودير الزور

تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)
تركي البوحمد (الثاني يمين) مع عناصر ميليشيات تابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (متداولة)

ألقت قوات الأمن الداخلي في مدينة الرقة القبض على تركي البوحمد داخل إحدى المزارع بريف المحافظة، في عملية أمنية نفذت بناء على متابعة ميدانية دقيقة، ويعد الموقوف من أبرز الأسماء القيادية لدى ميليشيات النظام البائد، وأبرز المجرمين في المحافظة خلال فترة النظام البائد والمتعاون مع الميليشيات الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري» و«حزب الله» اللبناني.

يعرف البوحمد، واسمه الحقيقي تركي مخلف المرعي، بكونه أحد قيادات ميليشيا قوات مقاتلي العشائر التي ارتبطت بشعبة الاستخبارات العسكرية، حيث برز اسمه خلال السنوات الأولى من الثورة في سوريا.

تركي البوحمد قائد ميليشيا العشائر في الرقة ودير الزور (متداولة)

عرفت مجموعته باسم بـ«مغاوير الصحراء» التابعة لميليشيا الدفاع الوطني السابقة. وقد ارتبط اسمه بعمليات نهب وسلب وتعذيب طالت معظم سكان المناطق التي دخلتها تلك الميليشيا، فضلاً عن مساهمته في اعتقال عدد كبير من مؤيدي الثورة السورية. ونشرت مواقع سورية فيديو لـ«قصر» يملكه المدعو تركي مخلف المرعي بين قريتي البوحمد وغانم - العلي في ريف الرقة الشرقي.

يُعتبر البوحمد مسؤولاً عن ارتكاب العديد من الجرائم بحق أبناء المنطقة الشرقية منذ عام 2017، بما في ذلك جرائم الحرب، والتهجير القسري، كما يُعدّ من أبرز المسؤولين عن تجنيد الشباب في المنطقة للانضمام إلى صفوف الميليشيات الإيرانية.

مجموعة صور لقائد الميليشيا السابق مع رموز نظام الأسد ويبدو فيها اثنتان منهما مع العميد سهيل الحسن بنظام الأسد (إعلاميون بلا حدود - الرقة)

وكان موقع «الذاكرة السورية» قد وثّق أنه عمل لصالح الأجهزة الأمنية في بدايات الثورة السورية، وساهم باعتقال المتظاهرين والمتعاطفين مع الجيش الحر. وفي منتصف عام 2014 شكّل مع «عمر العلاوي» الأمين العام لـ«حركة الاشتراكيين العرب» ميليشيا مسلحة تدعى «قوات مقاتلي العشائر» للقتال إلى جانب قوات الأسد في الرقة ودير الزور، وتتبع الميليشيا لشعبة الاستخبارات العسكرية، وتخضع لتدريب من روسيا و«حزب الله»، وربطته علاقة متينة مع سهيل الحسن وروسيا التي منحت الأخير 15 وساماً، بالإضافة إلى دكتوراه فخرية في العلوم العسكرية.

يُعد البوحمد أحد أبرز قادة الميليشيات التي قـاتلت إلى جانب النظـام السوري السابق في ريف الرقة الجنوبي الشرقي كما شارك في المعارك التي شهدها ريف دمشق وسط اتهـامات بارتكـاب انتـهاكات وجـرائم حـرب بحق المدنيين.

ارتبط اسمه خلال سنوات سيطرة ميليشياته على مناطق ريف الرقة بسلسلة من الانتهاكات بحق المدنيين، شملت وفق مصادر محلية عمليات نهب وابتزاز، إضافة إلى فرض قيود على عودة السكان إلى قراهم، حيث جرى اشتراط انخراط مقاتلين من بعض العائلات للسماح لهم بالعودة، إلى جانب منع عائلات أخرى لأسباب تتعلق بالانتماء أو المواقف السياسية.

تركي البوحمد قائد ميليشيا العشائر في الرقة ودير الزور (متداولة)

في عام 2017، أعلن البوحمد نفسه شيخ عشائر «البوشعبان» خلال فعالية أقامتها مجموعته، وهو ما أثار حالة من الجدل والاستياء داخل أوساط اجتماعية وعشائرية، في ظل رفض بعض أبناء العشيرة لهذا التوصيف والانقسام حوله.

تركي البوحمد الذي يُلقب شعبياً بـ«كركاعة»، هو من قرية البوحمد شرق الرقة ونسب نفسه إليها في اسمه. وبعد تشكيله ميليشيا مقاتلي العشائر بدأ بعمليات نهب وسرقة وخطـف وابتــزاز بحق مدنيين في المناطق التي دخلها عناصره. وبحسب مصادر محلية، فإن تركي له علاقة بعمليات استهداف رُعاة الأغنام في البادية السورية وسرقة مواشيهم، وتعفيش منازل المدنيين في قرى حطلة وخشام ومراط خلال سيطرة النظام البائد على هذه القرى.

وكان موقع «الرقة تذبح بصمت» قد نشر في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن قوى الأمن الداخلي في معدان ألقت القبض على عناصر خلية مسلحة مرتبطة بالمدعو «تركي البوحمد» العامل تحت جناح ميليشيا#قسد وذلك في بلدة معدان شرق الرقة.

مجموعة صور لقائد الميليشيا السابق البوحمد مع رموز نظام الأسد (إعلاميون بلا حدود - الرقة)

وبعد اعتقال البوحمد اليوم تفاعلت مواقع التواصل الاجتماعي مع الخبر ودعم معظمها القبض على أحد رجالات الأسد من مجرمي الحرب، وأشارت إلى أن بعض المتنفذين يتواصلون مع السلطات السورية للإفراج عنه.

إلا أن حساب «إعلاميون بلا حدود - الرقة»، نشر أنه بعد الأنباء المتداولة عن خروج المدعو «تركي البوحمد» المعروف بلقب «كركاعة»، والمتهم بالتورط بعدة انتهاكات وتجاوزات بحق المدنيين في مدينة الرقة وريفها الشرقي، إضافة لورود اسمه ضمن شهادات وملفات متداولة تتعلق بقضايا تعذيب وانتهاكات بحق عدد من أبناء المنطقة؛ أطلق عدد من الأهالي مناشدات للجهات المعنية بضرورة تحويله إلى القضاء وفتح كامل الملفات المرتبطة به ومحاسبة جميع المتورطين وفق القانون، مؤكدين أن الجهات الأمنية تتحمل كامل المسؤولية أمام الأهالي والرأي العام في حال تم الإفراج عنه أو إغلاق ملفه دون محاسبة قانونية واضحة وعادلة.


التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
TT

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)

على الرغم من التصريحات التي توحي بأن التصعيد الحربي الإسرائيلي على لبنان جاء لـ«سحق (حزب الله)»، كما قال رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ولأجل «تدمير ما تبقى من قدرات للحزب»، كما يقول الجيش، ومن أجل تحطيم القوة المتنامية لحركة «حماس» في قطاع غزة، يبدو أن الأمر الحاسم فعلاً هو الحسابات الداخلية التي يجريها القادة السياسيون والعسكريون في تل أبيب.

فالحكومة تتعرض لانتقادات لاذعة، ليس فقط من أحزاب المعارضة، بل من الجمهور الواسع والصحافة وحتى من بعض الشخصيات اليمينية، لأن الجميع يجد أن أهداف الحرب لم تتحقق. وكل الوعود الرسمية العلنية، بتصفية المشروع النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، وإسقاط النظام في طهران، والقضاء على الأذرع العسكرية الإقليمية، وتفكيك «حزب الله» من سلاحه وإلحاق ضربة قاضية بـ«حماس»، تبخرت. صحيح أن هذه القوة تلقت ضربات قاسية جداً، ولم تستطع حماية كبار قادتها من الاختراق الأمني الإسرائيلي والاغتيالات، إلا أن إيران تحافظ على نحو نصف ترسانتها، وتواصل تهديداتها، و«حزب الله» يجعل حياة سكان الشمال الإسرائيلي كابوساً، ويقوّض قدرات الحكومة اللبنانية على إدارة مفاوضات واشنطن من موقع قوة، و«حماس» تفرض سيطرتها بالقوة في قطاع غزة.

بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير خلال جلسة للكنيسيت في 23 مايو 2026 (أ. ب)

ويسخر الإسرائيليون من تصريحات نتنياهو، التي يعلن فيها مرتين في اليوم أنه والرئيس الأميركي، دونالد ترمب، صديقان، وعلى تنسيق تام في المواقف، بينما يقول ترمب إن «نتنياهو ولد جيد يفعل كل ما أطلبه منه». ويسخرون أيضاً من ترمب الذي «لم يفِ بوعوده حول أهداف الحرب».

ويتعرض الجيش الإسرائيلي لهزة في هيبته؛ فالحكومة نفسها تتهمه بالعجز عن توفير الأمن، وتتهمه بالإهمال. وقد ظهر نتنياهو بنفسه يدعي بأنه عندما ظهرت الطائرات المسيّرة بالألياف البصرية في حرب أوكرانيا، تنبه إلى خطورتها، وحذر جيشه، وطلب الاستعداد لمواجهتها. وسكان الشمال الإسرائيلي، الذين يضطرون إلى الركض إلى الملاجئ أكثر من 20 مرة في اليوم الواحد، يتهمون الجيش بالفشل في حمايتهم، ويطالبونه باستغلال كل قدراته للقضاء على «حزب الله» حتى لو كان الأمر يتطلب احتلال لبنان كله.

وسكان الجنوب يروون أنهم كلما رأوا كيف تتصرف «حماس» يستعيدون ذكريات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

لذلك، انطلق نتنياهو إلى التصعيد، لأن الانتقادات ضده تتغلغل في نفوس الجمهور الواسع، وهو في عزّ معركته الانتخابية. ومع أن منافسيه من المعارضة يعانون من الشرذمة والضعف ولا يطرحون بديلاً مقنعاً لسياسته، فإنه يخشى من هزيمة. وهو يحتاج إلى لهيب الحرب للتغطية على فشله، وربما يستغل الحرب لتأجيل الانتخابات «بسبب حالة الطوارئ الحربية».

فلسطينيون يعاينون الدمار قرب مبنى استهدفته غارة إسرائيلية مدينة غزة الخميس (رويترز)

والجيش، الذي لا يطيق اعتباره ضعيفاً أمام الجمهور وأمام أهالي جنوده وضباطه، ويحاول الظهور كأقوى جيش في الشرق الأوسط، ويدير حملات حربية شرسة لا ترحم طفلاً أو امرأة في لبنان أو غزة، يوسع نطاق احتلاله ويدمر العمارات والبنى التحتية أكثر، ويشرد مئات الألوف، ويعيث فساداً ونهباً للبيوت التي يجتاحها، ويفرض معادلة مريعة: «مقابل كل إسرائيلي يقتله (حزب الله) نقتل 30 لبنانياً»، و«مقابل كل جدار تدمره مسيرات (حزب الله) في البلدات الإسرائيلية ندمر عشرات العمارات في لبنان»، ويطلق موجة جديدة من عمليات الاغتيال في قطاع غزة، وفي لبنان (حاولوا اغتيال نعيم قاسم مرتين على الأقل). وجنباً إلى جنب مع ذلك، رد بحملة يلقي فيها باللائمة على الحكومة.

في البداية، قال إنه حقق إنجازات عسكرية هائلة، لكن الحكومة لم تنجح في استثمارها سياسياً. ثم قال إن سحق «حزب الله» هو شعار شعبوي، وإن نزع سلاح «حزب الله» يحتاج إلى قرار سياسي باحتلال لبنان كله، وحتى في هذه الحالة لا نضمن القضاء على كل بندقية.

والأمر نفسه في قطاع غزة. لكنه راح لاحقاً يتهم الحكومة بأنها تقيد يديه، ولا تصدر القرارات السياسية المناسبة.

وقد اضطر نتنياهو إلى إلقاء المسؤولية على ترمب، قائلاً إنه لا يريد أن يقصف بيروت، أو أن يتخذ قرارات حربية واسعة تخرب على ترمب في مفاوضاته مع إيران، «وهو أكبر صديق لإسرائيل في التاريخ الأميركي».

دمار بمبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مدينة صور بجنوب لبنان الخميس (أ. ب)

من هنا، فإن الصراعات الداخلية في إسرائيل، الغارقة في المصالح الشخصية والحزبية لنتنياهو وحكومته من جهة، والمصالح الذاتية التي تتعلق بالهيبة للجيش، من جهة ثانية، هي التي تحكم التصرفات وتملي التصعيد. وفي ممارسات «حزب الله» و«حماس» ما يجدون فيه دائماً حجة يتذرعون بها، ويقنعون الرئيس ترمب بدعمهم في «معالجتها» بمزيد من التصعيد. وعلى الطريق، يجربون مزيداً من الأسلحة الفتاكة لتصبح قابلة للبيع بأسعار تفضيلية خدمةً لشركات الأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي تُعتبر أكبر الرابحين من هذه الحرب.


بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

منذ دخوله العمل السياسي عام 1992، انتقل «حزب الله» مع مرور السنوات من لاعب نيابي محدود التأثير إلى طرف أساسي في معادلة الحكم اللبنانية. فهو الذي انخرط في العمل التشريعي أولاً، ولم يدخل الحكومات مباشرة إلا في عام 2005، بعد اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان.

ومنذ ذلك الوقت حاول الحزب فرض سيطرته ونفوذه على الحكومات المتعاقبة، فعطّل بعضها، وأطاح ببعضها الآخر بعد ابتداعه مفهوم «الثلث المعطل»، والتوافقية في اتخاذ القرارات، واستحواذه وحليفته حركة «أمل» على كامل الحصة الوزارية الشيعية لاستخدامها ورقة لإسقاط الحكومات، أو منعها من العمل.

لذلك لا يبدو خروج أمين عام الحزب الحالي الشيخ نعيم قاسم، على اعتبار أنه «من حق الناس أن تنزل إلى الشوارع، وتسقط الحكومة، وتسقط المشروع الأميركي–الإسرائيلي»، مفاجئاً لمن تابع عن كثب على مر السنوات أداء «حزب الله» في عمليتي تشكيل وإسقاط الحكومات، كذلك قول عضو المجلس السياسي في «حزب الله» الوزير السابق محمود قماطي «رئيس الجمهورية أو غيره بأغلبية حكومية يريدون ضرب المقاومة في هذا العهد، وبالتالي على هؤلاء أن يعلموا أنهم جهة عابرة تأتي، وتذهب، فيما نحن المتجذّرون في هذا البلد...».

نعيم قاسم الأمين العام لـ«حزب الله»

مسار طويل من محاصرة الحكومات

وتعود أول محاولة لـ«حزب الله» لمحاصرة الحكومة سعياً لإسقاطها للعام 2006 حين سحب وحركة «أمل» وزراءهما من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة احتجاجاً على التصويت لصالح إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الحريري.

ونظم «الثنائي الشيعي» و«التيار الوطني الحر» اعتصاماً طويلاً في وسط بيروت لاعتبارهم الحكومة غير ميثاقية. إلا أنها واصلت أعمالها حتى مايو (أيار) 2008 حين تحرك «حزب الله» عسكرياً في بيروت وبعض مناطق جبل لبنان للتصدي لقرارات اتخذتها الحكومة بخصوص شبكة اتصالاته. وقد أدى ذلك إلى اجتماع القوى اللبنانية في قطر ليخرجوا بما عُرف بـ«اتفاق الدوحة» الذي انتزع الحزب من خلاله «الثلث المعطل»، أي حصوله وحلفائه على ثلث عدد الوزراء، ما يسمح لهم بإسقاط الحكومة.

وهذا ما حصل فعلياً في العام 2011، فأقدم «حزب الله» وحلفاؤه على سحب وزرائهم من حكومة الرئيس سعد الحريري، ما أدى إلى سقوطها.

«تحرر» حكومة سلام

وبعدها توالى تشكيل الحكومات التي يمتلك فيها الحزب وحلفاؤه «الثلث المعطل» الذي سمح لهم بالتحكم بقرارات ومصير مجالس الوزراء المتعاقبة. بحيث تم تشكيل 6 حكومات منذ العام 2011، وصولاً للحكومة الحالية التي يرأسها نواف سلام، والتي تُعتبر أول حكومة من العام 2008 تتحرر من سطوة الحزب عبر «الثلث المعطل». ونتيجة لذلك، فشل في منع الحكومة من اتخاذ قرارات حصرية السلاح، واعتبار جناحه العسكري غير شرعي، وغيرها من القرارات التي رفضها الحزب، وهاجمها، ولم يتمكن من منع صدورها.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتوسط النائبين علي حسن خليل وقاسم هاشم خلال زيارته إلى بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان قبل بدء الحرب الأخيرة (أ.ف.ب)

ابتزاز الحكومات المتعاقبة

ويعتبر الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، أن «حزب الله»، ومنذ «اتفاق الدوحة»، «حاول ابتزاز الحكومات المتعاقبة التي كان يتم تشكيلها، سواء من خلال بدعة (الثلث الضامن)، أو التوافق، أو الميثاقية»، لافتاً إلى أنه «في المرحلة الأخيرة، وبالتحديد في الحكومة الحالية، انقلبت المعادلات تماماً، فتشكلت على قواعد مختلفة عكست التوازنات السياسية الجديدة».

ويرى الأمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «حتى ولو كان (حزب الله) يعتبر أن إسقاط الحكومة الحالية ممكن في الشارع، ولكنه يدرك أن تشكيل أخرى بشروطه أمر غير متاح، لذلك فإن تهديداته راهناً بإسقاط الحكومة لا تتعدى التهويل، والصراخ، وليس أكثر من تعبير عن المأزق الذي يعيشه الحزب، ويعبر عنه الشيخ نعيم قاسم بخطابه المتناقض. أضف أن الرئيس بري ليس بالوارد ملاقاة الحزب في هذه الخطوة، وبالتالي لا فرصة للحزب إطلاقاً لإسقاط الحكومة، أو تعديل السياسات التي يشكو منها».