«زلزال» سياسي بالجزائر بعد فضح «فبركة» مرشحين للانتخابات

تسريب صوتي يكشف صراع النفوذ والمال داخل حزب من الغالبية

أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» في نشاط دعائي للانتخابات (إعلام حزبي)
أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» في نشاط دعائي للانتخابات (إعلام حزبي)
TT

«زلزال» سياسي بالجزائر بعد فضح «فبركة» مرشحين للانتخابات

أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» في نشاط دعائي للانتخابات (إعلام حزبي)
أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» في نشاط دعائي للانتخابات (إعلام حزبي)

أحدثت مكالمة مسربة زلزالاً في الساحة السياسية بالجزائر، خصوصاً داخل الأحزاب التي تشكل الغالبية الداعمة لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون، تخص معايير اختيار المرشحين لانتخابات البرلمان، المقررة في الثاني من يوليو (تموز) المقبل.

مسؤول «التجمع الديمقراطي» مع الوالي (إعلام الولاية)

وجمعت المحادثة بين رئيس المجلس الشعبي لولاية قسنطينة، إحدى أكبر مناطق الشرق الجزائري، عصام بحري، الذي ينتمي لحزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، والقيادي المحلي في نفس الحزب لطفي بوشريط.

لم يكتفِ التسريب، الذي تناول كواليس ترتيب قائمة الحزب بقسنطينة لاستحقاق البرلمان، بكشف الأسماء والصراعات على المناصب، بل تجاوز ذلك إلى إقحام اسم الوالي في الحوار؛ الأمر الذي أشعل فتيل أزمة سياسية محلية، وأخرج حالة الارتباك داخل الحزب إلى العلن.

مقال موقع «توالى» حول التسريب الصوتي (الشرق الأوسط)

التسجيل الصوتي، المتداول بكثافة عبر منصات التواصل منذ الخميس، تناول كواليس ترتيب القوائم الانتخابية لحزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، المعروف اختصاراً بـ«أرندي»، مسلطاً الضوء على معايير اختيار الأسماء، ومحاولات استقطاب مرشحين، مع الإشارة إلى ادعاءات بوجود مبالغ مالية مقابل إدراج بعض رجال الأعمال. كما جرى الحديث عن إلزام الراغب في الترشح للانتخابات بدفع 10 ملايين دينار (نحو 40 ألف دولار)، نظير موافقة قيادة الحزب على إدراجه في القائمة.

صراع النفوذ

تركز الجدل حول إقحام اسم والي قسنطينة عبد الخالق صيودة، في التسريب ضمن حديث عن «توصية» مفترضة، وهو ما سارع الطرف المعني بالتسجيل إلى نفيه، مؤكداً «استقلالية الحزب في خياراته».

والي قسنطينة (إعلام الولاية)

كما فندت ولاية قسنطينة في بيان رسمي أي تدخل للإدارة العمومية في المسار الانتخابي، مشددة على «التزامها بالحياد التام». غير أن حذف هذه التوضيحات والبيانات لاحقاً من منصات الإعلام الاجتماعي، وفق ما نقله موقع «توالى» الإخباري، أثار موجة جديدة من التساؤلات والشكوك حول أبعاد القضية وتداعياتها، وخصوصاً أن قانون الانتخابات يتضمن عقوبات قاسية ضد من تثبت ضدهم شبهة «الفساد المالي» و«شراء الأصوات».

ويكشف التسجيل الصوتي، الممتد لأربع دقائق، كواليس هندسة القوائم الانتخابية بوضوح تام؛ إذ يتفاوض المتحدثون حول الاستحقاقات المقبلة بلغة تعكس صراع نفوذ داخل أجهزة الحزب. وتبرز في الحوار عبارات مثل «إعداد قائمة المترشحين»، و«أنصار لم يخونونا»، ما يعطي انطباعاً بأن العملية ليست مجرد اختيار للمرشحين، بقدر ما هي سعي لإحكام السيطرة على موازين القوى المحلية.

مسؤول «التجمع الديمقراطي» بولاية قسنطينة (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

أما أكثر نقطة إثارة للجدل فتمثلت في إقحام اسم الوالي؛ إذ صرح، حسب ما دار في التسريب، بأن خياره في منطق «أولاد رحمون» بقسنطينة حظي بتزكية المسؤول الأول عن الولاية. ورغم أن هذا التصريح لا يشكل دليلاً قطعياً على تدخل إداري رسمي، فإنه يفسر، حسب مراقبين، حالة الارتباك التي سادت، بدعوى أن المشكل الحقيقي يكمن في زجّ اسم ممثل الدولة في «بورصة الترشيحات الحزبية».

يشار إلى أن الغالبية الرئاسية تضم إلى جانب «أرندي»، أحزاب «جبهة التحرير الوطني»، و«حركة البناء الوطني»، و«جبهة المستقبل».

«تسليع السياسة»

بهذا الخصوص علق موقع «توالى» قائلاً: «لا شيء في هذه المحادثة يشبه الخطاب الرسمي حول الاختيار الشفاف للمرشحين للانتخابات، بل إن كل شيء فيها يحيل إلى الميكانيكا الحقيقية لإعداد القوائم: التوازنات الداخلية، والتوصيات، والمكالمات الهاتفية، والترتيبات، والمقاعد الخاضعة للتفاوض».

الصحافي محمد مولوج (من حسابه الخاص)

وحول هذا الموضوع يقول الصحافي المتابع للشؤون السياسية محمد مولوج: «سمعنا جميعاً ذلك التسريب الصوتي. وبعيداً عن بذاءة الألفاظ والشتائم، والمستوى الضحل للغة التي استخدمها السياسيان، فإن هناك عنصراً أخطر بكثير يطرق الآذان: إنه تكريس تسليع العمل السياسي، وتحويله إلى مجرد بضاعة».

ويرى الصحافي ذاته أن «فظاعة المنطق التجاري»، الذي قُيّمت به المقاعد الانتخابية في هذه المحادثة، طغت على الجانب القانوني المتعلق بخصوصية التسجيل، فـ«بينما يظل نشر المحادثات الخاصة عملاً مخالفاً للقانون، فإن الصدمة الناجمة عن امتهان العمل السياسي واختزاله في أرقام مالية، جعلت النقاش حول قانونية النشر يتراجع أمام هول الفضيحة الأخلاقية».

أمين عام «جبهة التحرير الوطني» من الغالبية الرئاسية (إعلام حزبي)

وأوضح مولوج: «عشرة ملايين دينار للانتخابات التشريعية، وخمسة للانتخابات البلدية؛ أسعار تُطرح وكأنها نقاش حول بضاعة عادية. والأنكى من ذلك أن اسم الأمين العام لـ(التجمع الوطني الديمقراطي)، منذر بودن، ذُكر صراحة. فما هي مسؤوليته؟ وهل هو متورط في هذه الفضيحة؟ وهل هو المسؤول السياسي الوحيد الذي يمارس هذا الاتجار؟ أسئلة كثيرة تظل حتى الآن بلا إجابة».

وبحسب نفس الصحافي، فإنه «سواء كان التسجيل أصلياً أو (مفبركاً)، فإنه يسلط الضوء بشكل أساسي على واقع يعرفه الجميع مسبقاً؛ إذ أصبحت تجارة الترشيحات منذ أمد بعيد سراً معلناً. ففي العديد من الأحزاب، لا سيما أحزاب السلطة، لا يزن الالتزام النضالي أو الكفاءة أو التمثيل شيئاً أمام ثقل المال وشبكات النفوذ. إن القوائم الانتخابية تُفاوض وتُوزع وتُشترى في عتامة تامة، بعيداً عن الخطابات الرسمية حول أخلقة الحياة العامة. ومع ذلك، ومنذ هذا التسريب، يظل الصمت صاعقاً».

وفي مقابل الغليان الذي أحدثته الفضيحة، ساد صمت مطبق لدى الجهات الحكومية، كما لم تتحرك السلطات القضائية، ولم تُبدِ «سلطة الانتخابات» أي نية للتقصي في الأمر. والأمر نفسه انطبق على قيادة «أرندي»، التي لم يصدر عنها أي نفي واضح أو تحرك قانوني، لتقتصر الردود الرسمية على بيان يتيم من مصالح الولاية، سعى من خلاله الوالي للنأي بنفسه عن كواليس «هندسة» قوائم الترشيحات.


مقالات ذات صلة

رياضة عربية منتخب الجزائر يستعد للمونديال بتشكيلة شابة (منتخب الجزائر)

الجيل الجديد يقود طموحات الجزائر في المونديال

يمرُّ المنتخب الجزائري بمرحلة انتقالية واعدة، يقودها جيل جديد من اللاعبين الشبان الذين يجمعون بين الموهبة والخبرة والسن المثالي، للتألق في البطولات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا اجتماع الإعلان عن التغيير في قيادة الأمن الداخلي بإشراف الوزير المنتدب للدفاع (وزارة الدفاع)

الجزائر: إقالة «الجنرال حسان» تفتتح مرحلة «إعادة التموضع» ومواجهة التحديات الإقليمية

أشرف الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، على التنصيب الرسمي للواء منير زاهي مديراً عاماً للأمن الداخلي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

صدور قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» للجزائر في الجريدة الرسمية

صدر في الجريدة الرسمية للدولة الجزائرية قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر منذ 14 يونيو 1830 حتى الخامس من يونيو 1962، وآثاره المباشرة وغير المباشرة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع أشرف على التمرين التكتيكي (وزارة الدفاع)

الجيش الجزائري ينفّذ تمريناً بالذخيرة الحية يحاكي الواقع

نفَّذ الجيش الجزائري، الخميس، تمريناً تكتيكياً بالذخيرة الحية نفَّذته وحدات اللواء السابع المدرع، مدعمة بوحدات من القوات الجوية والدفاع الجوي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

ليبيا تنشد مزيداً من الملاحقات الدولية لمتهمين ارتكبوا «جرائم حرب»

نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية خلال الحديث عن ليبيا أمام مجلس الأمن أخيراً (الأمم المتحدة)
نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية خلال الحديث عن ليبيا أمام مجلس الأمن أخيراً (الأمم المتحدة)
TT

ليبيا تنشد مزيداً من الملاحقات الدولية لمتهمين ارتكبوا «جرائم حرب»

نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية خلال الحديث عن ليبيا أمام مجلس الأمن أخيراً (الأمم المتحدة)
نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية خلال الحديث عن ليبيا أمام مجلس الأمن أخيراً (الأمم المتحدة)

ترسَّخت لدى حقوقيِّين ليبيِّين قناعة بأنَّ حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا تتجه نحو «تعزيز مسار الملاحقات الدولية بحق المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية»، في ظلِّ ما عُدَّت «مؤشرات على توسيع نطاق التعاون مع الآليات القضائية الدولية».

ويستند هذا التقدير إلى ما ورد في كلمة مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير طاهر السني، أمام مجلس الأمن، أخيراً، والتي شدَّد فيها على «أهمية ملاحقة مرتكبي تلك الجرائم، في إطار مبدأ التكامل القضائي، وتقاسم الأعباء مع القضاء الوطني، وبما يقوم على شراكة مع المؤسسات الليبية ذات الصلة؛ لضمان عدم إفلات الجناة من المساءلة».

ويأتي ذلك بالتزامن مع تحذيرات نائبة المدعي العام لـ«المحكمة الجنائية الدولية»، نزهة خان، خلال الجلسة ذاتها، من أنَّ قضية الليبي خالد الهيشري، الماثل أمام المحكمة بتهم تتعلق بـ«ارتكاب جرائم حرب واغتصاب واستعباد»، لا تمثل سوى جزء من جهد أوسع نطاقاً يستهدف تحقيق المساءلة، مشيرة إلى «استمرار وجود 9 مذكرات توقيف علنية قيد التنفيذ في إطار التحقيقات الجارية بشأن الانتهاكات المرتبطة بالنزاع الليبي».

الهيشري المتهم بـ«ارتكاب جرائم حرب» (الجنائية الدولية)

وخلال جلسة لمجلس الأمن بشأن «الحالة في ليبيا»، بدا حرص السفير السني على التأكيد، أكثر من مرة، أنَّ ما يُنسب إلى بعض موظفي الدولة الليبية من أفعال، أو ممارسات غير مشروعة، لا يعكس نهج الدولة أو مؤسساتها، واصفاً إياها بأنها «تصرفات فردية» تقع مسؤوليتها على مرتكبيها شخصياً، دون أن يترتب على الدولة أي التزام بتعويضات.

كما جدَّد التأكيد على أنَّ توسيع التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية حتى نهاية عام 2027 يعزِّز اختصاصها، استناداً إلى مبدأ «التكامل لا الإحلال»، موضحاً أنَّ القضاء الوطني الليبي يظلُّ صاحب الولاية الأصيلة، بينما يقتصر دور المحكمة على الدعم والتعاون، وتبادل الأدلة عند تعذُّر الملاحقة الوطنية أو تعذُر الوصول إلى المطلوبين.

وانتهت المحكمة الجنائية الدولية، الخميس الماضي، من جلسات «تأكيد التهم» في قضية المدعي العام ضد الهيشري (47 عاماً)، أحد المسؤولين السابقين عن سجن معيتيقة في طرابلس، في حين تبدأ الدائرة التمهيدية الأولى مداولاتها، تمهيداً لإصدار قرارها خلال 60 يوماً.

أما نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية فقد كشفت عن أنَّ «محاكمة الهيشري لا تُمثِّل سوى جزء من جهد أوسع نطاقاً يهدف إلى تحقيق المساءلة، إذ تواصل المحكمة تحقيقاتها في الجرائم المرتبطة بالنزاع الذي دار بين عامَي 2014 و2020، وكذلك في الانتهاكات المرتكبة داخل مراكز الاحتجاز في مختلف أنحاء شرق ليبيا وغربها»، مؤكدة أن «هناك 9 مذكرات توقيف علنية لا تزال قيد التنفيذ».

ووجَّهت نائبة المدعي العام تحذيراً إلى الجناة، قائلة: «اعلموا أن مكتبنا يظل ملتزماً بفرض المساءلة عن أفعالكم، ونمضي بخطى متسارعة عبر مسارات التحقيق لضمان إنصاف الضحايا، كما شهدنا في لاهاي هذا الأسبوع».

مندوب ليبيا الدائم لدى الأمم المتحدة طاهر السني (البعثة الليبية لدى الأمم المتحدة)

ووفقاً للمحكمة الجنائية الدولية، يواجه الهيشري 17 تهمة، تتعلق بـ«ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية داخل سجن معيتيقة، تشمل القتل والتعذيب والاضطهاد والاسترقاق، إضافة إلى الاغتصاب والعنف الجنسي ضد رجال ونساء ليبيِّين ومهاجرين أفارقة، خلال الفترة بين 2014 و2020».

ويرى حقوقيون أنَّ هذا التوجُّه من جانب سلطات غرب ليبيا لتعزيز مسار الملاحقات الدولية يبدو منطقياً في ظلِّ الانقسام السياسي والأمني، الذي تعيشه البلاد، بين حكومتين؛ إحداهما في غرب ليبيا وهي حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والأخرى هي «الاستقرار» في الشرق، وأجزاء واسعة من الجنوب، برئاسة أسامة حماد، وتحظى بدعم «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

ويؤكد الناشط الحقوقي، هشام الحاراتي، لـ«الشرق الأوسط» ضرورة التكامل بين القضاءين المحلي والدولي، مع «ضرورة التزام المحكمة الجنائية الدولية بمعايير موحدة، وعدم انتهاج الانتقائية في قضايا التعذيب والإخفاء القسري، بما يضمن عدالة متساوية بين مختلف مناطق البلاد».

من جانبها، قالت «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان» في ليبيا، في بيان سابق: «مهما طال أمد الإفلات من العقاب، فإنَّ مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا لن يفلتوا من المساءلة والمحاسبة عبر مختلف الوسائل القانونية والقضائية المحلية والدولية، بما يضمن للضحايا حقهم في الوصول إلى العدالة والإنصاف».

ومنذ عام 2011 تتمتع «المحكمة الجنائية الدولية» بولاية قضائية على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، استناداً إلى قرار مجلس الأمن رقم 1970، الذي أحال الوضع في ليبيا إلى المحكمة، ما يجعلها مختصة، حتى دون أن تكون ليبيا دولة طرفاً في نظام روما الأساسي، في إطار مبدأ «التكاملية» الذي يجعلها محكمة ملاذ أخير لا تتدخل إلا عند عجز القضاء الوطني عن المحاكمة الفعلية.

وفي مايو (أيار) 2025 قدّمت حكومة «الوحدة» إعلاناً يقبل اختصاص المحكمة على الجرائم المرتكبة في ليبيا منذ عام 2011 وحتى نهاية 2027، وهو ما وسّع عملياً نطاق الولاية الزمنية للمحكمة داخل الإقليم الليبي. وأثار هذا الإعلان حينها جدلاً محلياً، إذ عدّه مجلس النواب وحكومة «الاستقرار» غير دستوري، وتم الطعن في شرعيته، بوصف أنَّ ليبيا ليست دولة طرفاً في المحكمة، وأنَّ القضاء الوطني هو المختص، ما فتح نقاشاً سياسياً وقانونياً حول حدود تعاون الدولة مع المحكمة الجنائية الدولية ومدى إلزاميته.


حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
TT

حمدوك: السودان يواجه معركة وجودية «يكون أو لا يكون»

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)
حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية في نيروبي (تحالف صمود)

دعا رئيس الوزراء السوداني السابق رئيس التحالف المدني «صمود»، عبد الله حمدوك، القوى السياسية والمدنية إلى الالتفاف حول رؤية وطنية واضحة تهدف إلى وقف الحرب، مؤكداً أن السودان يواجه «معركة وجودية... يكون أو لا يكون»، تهدد بقاء الدولة ومستقبلها. وقال إن الكارثة الإنسانية التي تشهدها البلاد تفوق، من حيث الحجم والتداعيات، ما يحدث في قطاع غزة بفلسطين، مجدداً تأكيده على أن الأزمة السودانية لا يمكن أن تُحسم عسكرياً، وأن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد لإنقاذ البلاد.

وجاءت تصريحات حمدوك خلال مخاطبته الجلسة الافتتاحية لاجتماع «قوى إعلان المبادئ السودانية لبناء وطن جديد» المنعقد في العاصمة الكينية نيروبي، حيث شدد على أهمية التوافق بين القوى المدنية والسياسية حول أهداف العملية السياسية، موضحاً أن هذه العملية ينبغي أن تبدأ بثلاثة مسارات مترابطة تشمل: الملف الإنساني، ووقف إطلاق النار، ثم إطلاق المسار السياسي، وصولاً إلى اتفاق سلام شامل ومستدام، مع ضرورة توحيد جهود الوساطات الإقليمية والدولية.

صورة جماعية للقيادات المشاركة في إعلان نيروبي (تحالف صمود)

وتركز اجتماعات «قوى نيروبي» على تنسيق العمل المشترك بين القوى السياسية والحركات المسلحة والقوى المدنية، بهدف إنهاء الحرب وتحقيق السلام والاستقرار في السودان. وقال حمدوك إن «هناك العديد من المبادرات الإقليمية والدولية التي تتناول الشأن السوداني، من بينها مبادرات الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، إضافة إلى منابر دولية أخرى»، لكنه قال إن أهم هذه المبادرات هي «الرباعية» التي تضم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والولايات المتحدة، «نظراً لأنها وضعت خريطة طريق واضحة تستند إلى 5 مبادئ و7 التزامات رئيسية». وأضاف أن من أهم ما يميز هذه المبادرة هو موقفها الرافض لإشراك الأطراف التي «خربت الحياة السياسية»، في إشارة إلى جماعات الإسلام السياسي.

كما أعرب حمدوك عن تقديره لدول الجوار السوداني التي استضافت ملايين اللاجئين السودانيين الفارين من الحرب، داعياً إلى إجراء نقاش وطني واسع حول خريطة الطريق السياسية وأهدافها والأطراف المشاركة فيها، بما يفضي إلى عملية سياسية شاملة وذات مصداقية. وحذّر من أن فشل القوى المدنية في التوافق على رؤية موحدة سيؤدي إلى فرض ترتيبات خارجية على السودان دون إرادة السودانيين.

من جانبه، أكّد رئيس حزب البعث العربي الاشتراكي، علي الريح السنهوري، أن الأولوية الوطنية الراهنة تتمثل في وقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان، داعياً إلى توحيد صفوف القوى المدنية من أجل إعادة السلطة إلى الشعب السوداني، ومشدداً على ضرورة التصدي لأي مخططات تستهدف تقسيم البلاد. بدوره، أعلن رئيس حركة جيش تحرير السودان، عبد الواحد محمد أحمد النور، استعداد حركته للتوصل إلى خريطة طريق وآليات واضحة لوقف الحرب، مؤكداً أهمية معالجة الجذور التاريخية للأزمة السودانية وعدم الاكتفاء بالحلول الجزئية أو المؤقتة.

وفي وقت سابق، اتفقت قوى «إعلان مبادئ نيروبي» على ضرورة تطوير المبادرة وتوسيع قاعدة المشاركة لتشمل مختلف القوى السياسية والمدنية الداعمة للسلام والاستقرار، مع استثناء حزب المؤتمر الوطني المعزول. كما تضمنت المبادئ التأكيد على ضرورة الربط بين المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية ضمن حزمة واحدة تقود إلى انتقال مدني ديمقراطي، إلى جانب اشتراط عدم مشاركة الأطراف المتحاربة في ترتيبات ما بعد وقف الحرب. وشارك في الاجتماعات ممثلون عن «تحالف صمود»، وحزب الأمة القومي، وحزب البعث العربي الاشتراكي، وحركة تحرير السودان، والتجمع الاتحادي، ومنسقية اللاجئين والنازحين في دارفور، وهيئة محامي دارفور، إضافة إلى عدد من الشخصيات الوطنية المستقلة.


تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
TT

تحرك دولي لتعزيز السلامة وتطهير ليبيا من مخلفات الحروب

الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)
الاجتماع السنوي الثاني لمجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا (البعثة الأممية)

جددت مجموعة دعم الأعمال المتعلقة بالألغام في ليبيا التزامها بمواصلة دعم الجهود الوطنية، الرامية إلى تطهير البلاد من مخلفات الحروب، وتعزيز سلامة المدنيين في المناطق المتضررة بمختلف أنحاء البلاد.

وقالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن مجموعة الدعم عقدت اجتماعها السنوي الثاني، حيث أكد ممثلو عشر دول أن الأعمال المتعلقة بالألغام «تشكل ركيزة أساسية لحماية المدنيين، وتعزيز الاستقرار وبناء السلام المستدام في ليبيا».

وشهد الاجتماع مشاركة ممثلين دبلوماسيين وعسكريين من الاتحاد الأوروبي، ومصر، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، وقطر، وجمهورية كوريا، وتونس، وتركيا، والمملكة المتحدة؛ وذلك بهدف تعزيز التنسيق الدولي، وتوحيد الدعم المقدم لجهود مكافحة الألغام في ليبيا.

واستضاف سفير إيطاليا لدى ليبيا، جيانلوكا ألبيريني، بمقر السفارة في طرابلس، الاجتماع وترأسه بالشراكة مع نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة في بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أولريكا ريتشاردسون.

خلال عملية سابقة لنقل مخلفات حربية في ليبيا (البعثة الأممية)

وركزت المناقشات على «التداعيات الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية لمخلفات الحرب القابلة للانفجار»، إضافة إلى «مخاطر التخزين غير الآمن للذخائر، بما في ذلك التهديدات المستمرة، التي تشكلها مستودعات الذخيرة الواقعة بالقرب من المناطق السكنية على المدنيين في مختلف أنحاء البلاد».

وانفجرت مخازن ذخيرة أكثر من مرة داخل ثكنات تتبع تشكيلات مسلحة في مدن بغرب ليبيا، وخاصة مصراتة. وفي سبتمبر (أيلول) 2025، تظاهر مواطنون في مصراتة للمطالبة بإخراج مخازن الأسلحة والذخائر من منطقتهم، ونقلها إلى مواقع بعيدة عن التجمعات السكنية.

وحسب تقارير المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام ومخلفات الحروب، تم تحديد أكثر من 688 مليون متر مربع من المناطق المؤكدة، أو المشتبه بتلوثها بمخلفات الحروب في مختلف أنحاء ليبيا منذ عام 2011؛ الأمر الذي لا يزال ينعكس سلباً على المناطق السكنية والأراضي الزراعية والبنية التحتية الحيوية.

ومنذ مايو (أيار) 2020، تسببت حوادث الألغام والذخائر المتفجرة في سقوط 487 ضحية، بينهم 175 قتيلاً و312 مصاباً، من ضمنهم 87 طفلاً. وأكد المشاركون في الاجتماع أهمية تكثيف التنسيق للحيلولة دون وقوع المزيد من المآسي الإنسانية، الناجمة عن الذخائر المتفجرة في ليبيا.

وأشار المشاركون كذلك إلى أن جهود مكافحة الألغام في ليبيا لا تزال تواجه تحديات كبيرة، أبرزها محدودية القدرات الفنية، وصعوبات الوصول إلى بعض المناطق، إضافة إلى نقص التمويل مقارنة بحجم التلوث الناتج عن مخلفات الحروب في ليبيا.

وعلى الرغم من تحرير وتسليم نحو 219 مليون متر مربع من الأراضي من خلال عمليات المسح، والتطهير منذ وقف إطلاق النار عام 2020، فإن التلوث بمخلفات الحروب لا يزال يؤثر بشكل مباشر على المدنيين في عدد من المناطق، من بينها جنوب طرابلس، ومصراتة، وسرت، وغريان ومزدة، إضافة إلى بنغازي، وطبرق، ومرزق وسبها.

وأكد المشاركون أهمية ترسيخ الملكية الوطنية، وتعزيز القيادة الليبية للأعمال المتعلقة بالألغام، إلى جانب ضمان استمرار الدعم الدولي لهذه الجهود التي تقودها ليبيا، من خلال بناء القدرات، وتعزيز التعاون الثنائي، ودعم المؤسسات الوطنية العاملة في مجالي مكافحة الألغام، والإدارة الآمنة للأسلحة والذخائر.

كما شددوا على ضرورة تنسيق الجهود الدولية وتوحيد الرسائل والمواقف الداعمة، بما ينسجم مع الأولويات الوطنية، ويسهم في تعزيز فاعلية الجهود الليبية بقيادة وطنية.

وفي هذا السياق، أكد المشاركون ضرورة منح قضايا مكافحة الألغام والإدارة الآمنة للذخائر اهتماماً أكبر، ضمن أعمال مجموعة العمل الأمنية الدولية المنبثقة عن مسار برلين.

جانب من أنشطة «أونماس» التي تعمل على توعية الأطفال بمخاطر الألغام (البعثة الأممية)

وأشاد السفير ألبيريني بالجهود المبذولة للتصدي للتهديد، الذي تمثله مخلفات الحرب القابلة للانفجار والذخائر المتفجرة في مختلف أنحاء البلاد، مشيداً بالاستجابة التي قادها المركز الليبي للأعمال المتعلقة بالألغام، بالتعاون مع شركائه وبدعم من بعثة الأمم المتحدة، عقب انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة في أغسطس (آب) 2025.

وكان الانفجار قد نجم عن اشتعال ذخائر داخل مستودع ذخيرة يقع في منطقة سكنية مكتظة، محدثاً انفجاراً هائلاً. وأسفر الحادث عن أضرار امتدت ضمن نطاق يتراوح بين ثلاثة وأربعة كيلومترات؛ ما أدى إلى إصابة ما لا يقل عن 21 شخصاً، فضلاً عن تضرر عدد من المباني التجارية والمنازل السكنية.

وقال ألبيريني: «لقد شهدنا في موقع الانفجار قدراً كبيراً من المهنية والكفاءة في تنفيذ عمليات إزالة المخلفات المتفجرة وأنشطة التوعية بمخاطر الذخائر غير المتفجرة».

كما استحضرت نائبة الممثل الخاص للأمين العام والمنسقة المقيمة ريتشاردسون رسالة الأمين العام للأمم المتحدة، بمناسبة اليوم الدولي للتوعية بمخاطر الألغام، والمساعدة في الأعمال المتعلقة بها لعام 2026 تحت شعار: «استثمروا في السلام، استثمروا في الأعمال المتعلقة بالألغام»، داعيةً إلى مواصلة الجهود الرامية إلى الحد من المخاطر الناجمة عن تخزين الذخائر داخل المناطق السكنية، وتعزيز حماية المدنيين، بمن فيهم الأطفال، وتسريع وتيرة التعافي والتنمية.

وأوقعت الألغام ضحايا كثيرين في ليبيا، وخاصة من الأطفال، لا سيما في المناطق التي شهدت حروباً واشتباكات.