«زلزال» سياسي بالجزائر بعد فضح «فبركة» مرشحين للانتخابات

تسريب صوتي يكشف صراع النفوذ والمال داخل حزب من الغالبية

أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» في نشاط دعائي للانتخابات (إعلام حزبي)
أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» في نشاط دعائي للانتخابات (إعلام حزبي)
TT

«زلزال» سياسي بالجزائر بعد فضح «فبركة» مرشحين للانتخابات

أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» في نشاط دعائي للانتخابات (إعلام حزبي)
أمين عام «التجمع الوطني الديمقراطي» في نشاط دعائي للانتخابات (إعلام حزبي)

أحدثت مكالمة مسربة زلزالاً في الساحة السياسية بالجزائر، خصوصاً داخل الأحزاب التي تشكل الغالبية الداعمة لسياسات الرئيس عبد المجيد تبون، تخص معايير اختيار المرشحين لانتخابات البرلمان، المقررة في الثاني من يوليو (تموز) المقبل.

مسؤول «التجمع الديمقراطي» مع الوالي (إعلام الولاية)

وجمعت المحادثة بين رئيس المجلس الشعبي لولاية قسنطينة، إحدى أكبر مناطق الشرق الجزائري، عصام بحري، الذي ينتمي لحزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، والقيادي المحلي في نفس الحزب لطفي بوشريط.

لم يكتفِ التسريب، الذي تناول كواليس ترتيب قائمة الحزب بقسنطينة لاستحقاق البرلمان، بكشف الأسماء والصراعات على المناصب، بل تجاوز ذلك إلى إقحام اسم الوالي في الحوار؛ الأمر الذي أشعل فتيل أزمة سياسية محلية، وأخرج حالة الارتباك داخل الحزب إلى العلن.

مقال موقع «توالى» حول التسريب الصوتي (الشرق الأوسط)

التسجيل الصوتي، المتداول بكثافة عبر منصات التواصل منذ الخميس، تناول كواليس ترتيب القوائم الانتخابية لحزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، المعروف اختصاراً بـ«أرندي»، مسلطاً الضوء على معايير اختيار الأسماء، ومحاولات استقطاب مرشحين، مع الإشارة إلى ادعاءات بوجود مبالغ مالية مقابل إدراج بعض رجال الأعمال. كما جرى الحديث عن إلزام الراغب في الترشح للانتخابات بدفع 10 ملايين دينار (نحو 40 ألف دولار)، نظير موافقة قيادة الحزب على إدراجه في القائمة.

صراع النفوذ

تركز الجدل حول إقحام اسم والي قسنطينة عبد الخالق صيودة، في التسريب ضمن حديث عن «توصية» مفترضة، وهو ما سارع الطرف المعني بالتسجيل إلى نفيه، مؤكداً «استقلالية الحزب في خياراته».

والي قسنطينة (إعلام الولاية)

كما فندت ولاية قسنطينة في بيان رسمي أي تدخل للإدارة العمومية في المسار الانتخابي، مشددة على «التزامها بالحياد التام». غير أن حذف هذه التوضيحات والبيانات لاحقاً من منصات الإعلام الاجتماعي، وفق ما نقله موقع «توالى» الإخباري، أثار موجة جديدة من التساؤلات والشكوك حول أبعاد القضية وتداعياتها، وخصوصاً أن قانون الانتخابات يتضمن عقوبات قاسية ضد من تثبت ضدهم شبهة «الفساد المالي» و«شراء الأصوات».

ويكشف التسجيل الصوتي، الممتد لأربع دقائق، كواليس هندسة القوائم الانتخابية بوضوح تام؛ إذ يتفاوض المتحدثون حول الاستحقاقات المقبلة بلغة تعكس صراع نفوذ داخل أجهزة الحزب. وتبرز في الحوار عبارات مثل «إعداد قائمة المترشحين»، و«أنصار لم يخونونا»، ما يعطي انطباعاً بأن العملية ليست مجرد اختيار للمرشحين، بقدر ما هي سعي لإحكام السيطرة على موازين القوى المحلية.

مسؤول «التجمع الديمقراطي» بولاية قسنطينة (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

أما أكثر نقطة إثارة للجدل فتمثلت في إقحام اسم الوالي؛ إذ صرح، حسب ما دار في التسريب، بأن خياره في منطق «أولاد رحمون» بقسنطينة حظي بتزكية المسؤول الأول عن الولاية. ورغم أن هذا التصريح لا يشكل دليلاً قطعياً على تدخل إداري رسمي، فإنه يفسر، حسب مراقبين، حالة الارتباك التي سادت، بدعوى أن المشكل الحقيقي يكمن في زجّ اسم ممثل الدولة في «بورصة الترشيحات الحزبية».

يشار إلى أن الغالبية الرئاسية تضم إلى جانب «أرندي»، أحزاب «جبهة التحرير الوطني»، و«حركة البناء الوطني»، و«جبهة المستقبل».

«تسليع السياسة»

بهذا الخصوص علق موقع «توالى» قائلاً: «لا شيء في هذه المحادثة يشبه الخطاب الرسمي حول الاختيار الشفاف للمرشحين للانتخابات، بل إن كل شيء فيها يحيل إلى الميكانيكا الحقيقية لإعداد القوائم: التوازنات الداخلية، والتوصيات، والمكالمات الهاتفية، والترتيبات، والمقاعد الخاضعة للتفاوض».

الصحافي محمد مولوج (من حسابه الخاص)

وحول هذا الموضوع يقول الصحافي المتابع للشؤون السياسية محمد مولوج: «سمعنا جميعاً ذلك التسريب الصوتي. وبعيداً عن بذاءة الألفاظ والشتائم، والمستوى الضحل للغة التي استخدمها السياسيان، فإن هناك عنصراً أخطر بكثير يطرق الآذان: إنه تكريس تسليع العمل السياسي، وتحويله إلى مجرد بضاعة».

ويرى الصحافي ذاته أن «فظاعة المنطق التجاري»، الذي قُيّمت به المقاعد الانتخابية في هذه المحادثة، طغت على الجانب القانوني المتعلق بخصوصية التسجيل، فـ«بينما يظل نشر المحادثات الخاصة عملاً مخالفاً للقانون، فإن الصدمة الناجمة عن امتهان العمل السياسي واختزاله في أرقام مالية، جعلت النقاش حول قانونية النشر يتراجع أمام هول الفضيحة الأخلاقية».

أمين عام «جبهة التحرير الوطني» من الغالبية الرئاسية (إعلام حزبي)

وأوضح مولوج: «عشرة ملايين دينار للانتخابات التشريعية، وخمسة للانتخابات البلدية؛ أسعار تُطرح وكأنها نقاش حول بضاعة عادية. والأنكى من ذلك أن اسم الأمين العام لـ(التجمع الوطني الديمقراطي)، منذر بودن، ذُكر صراحة. فما هي مسؤوليته؟ وهل هو متورط في هذه الفضيحة؟ وهل هو المسؤول السياسي الوحيد الذي يمارس هذا الاتجار؟ أسئلة كثيرة تظل حتى الآن بلا إجابة».

وبحسب نفس الصحافي، فإنه «سواء كان التسجيل أصلياً أو (مفبركاً)، فإنه يسلط الضوء بشكل أساسي على واقع يعرفه الجميع مسبقاً؛ إذ أصبحت تجارة الترشيحات منذ أمد بعيد سراً معلناً. ففي العديد من الأحزاب، لا سيما أحزاب السلطة، لا يزن الالتزام النضالي أو الكفاءة أو التمثيل شيئاً أمام ثقل المال وشبكات النفوذ. إن القوائم الانتخابية تُفاوض وتُوزع وتُشترى في عتامة تامة، بعيداً عن الخطابات الرسمية حول أخلقة الحياة العامة. ومع ذلك، ومنذ هذا التسريب، يظل الصمت صاعقاً».

وفي مقابل الغليان الذي أحدثته الفضيحة، ساد صمت مطبق لدى الجهات الحكومية، كما لم تتحرك السلطات القضائية، ولم تُبدِ «سلطة الانتخابات» أي نية للتقصي في الأمر. والأمر نفسه انطبق على قيادة «أرندي»، التي لم يصدر عنها أي نفي واضح أو تحرك قانوني، لتقتصر الردود الرسمية على بيان يتيم من مصالح الولاية، سعى من خلاله الوالي للنأي بنفسه عن كواليس «هندسة» قوائم الترشيحات.


مقالات ذات صلة

الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

شمال افريقيا أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)

الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

شهدت الأيام الأولى من حملة انتخابات الثاني من يوليو (تموز) بالجزائر تطورات مفاجئة خلطت أوراق الأحزاب وجعلتها في ورطة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء في ملف استرداد الأموال المنهوبة خلال زيارته فرنسا يوم 1 يونيو الحالي (وزارة الداخلية)

الجزائر: استرجاع ممتلكات بالخارج واتهامات ثقيلة في «ملفات فساد»

أفضت عملية تفكيك شبكة إجرامية منظمة في الجزائر، وُصفت بأنها الكبرى منذ سنوات، إلى استرجاع وحجز ممتلكات عقارية ومنقولات فاخرة...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

الجزائر وواشنطن لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل

الجزائر وواشنطن يوقعان اتفاقيات لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الرياضة كأس العالم 2026... مسرح ولادة «الأوراق الرابحة» للكرة العربية

شبان برتبة نجوم... أصغر الوجوه العربية في مونديال 2026

شباب عرب يقتحمون المسرح العالمي بمونديال 2026. «الشرق الأوسط» ترصد الترتيب العمري، والأدوار التكتيكية لأصغر 9 مواهب واعدة بقيادة المصري حمزة عبد الكريم.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)

قضاة جزائريون في باريس لتسريع إجراءات «الأموال المنهوبة»

بحث وفد قضائي جزائري وصف بـ«المهم» الاثنين في فرنسا تسريع إجراءات استرداد «الأموال المنهوبة» وتسليم مطلوبين لدى الجزائر متهمين بـ«الفساد»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

جهاز أمني بطرابلس الليبية ينفي توقيف «بلوغر» عراقية بتهمة القتل

عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
TT

جهاز أمني بطرابلس الليبية ينفي توقيف «بلوغر» عراقية بتهمة القتل

عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)
عناصر من «جهاز دعم مديريات الأمن بالمناطق» في غرب ليبيا (الجهاز)

نفى جهاز أمني بالعاصمة الليبية ما تردد بشأن إلقاء القبض على «بلوغر» عراقية لضلوعها في مقتل صانعة المحتوى الليبية خنساء مجاهد في طرابلس في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وكانت السلطات في طرابلس قد أعلنت عن مقتل «المدوّنة» خنساء مجاهد، زوجة معاذ المنفوخ، العضو السابق في «ملتقى الحوار السياسي»، إثر إطلاق النار عليها في منطقة السراج، دون توجيه اتهامات لأحد بالتورط في قتلها.

صورة متداولة لجثمان المدونة الليبية خنساء مجاهد بعد اغتيالها بطرابلس في 21 نوفمبر الماضي (وسائل إعلام محلية)

ووجّه عماد الطرابلسي، وزير الداخلية المكلف بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في حينه، بتشكيل فريق تحقيق «عالي المستوى»، وألزمه برفع تقارير يومية مباشرة له، ورفع درجة الاستعداد الأمني في العاصمة والمناطق المجاورة، مع تعزيز الحواجز والدوريات.

وكانت صفحات على وسائل التواصل الليبية قد ذكرت، الأحد، أن «جهاز دعم المديريات بالمناطق» في غرب البلاد، ألقى القبض على «البلوغر» العراقية (د.ف) على خلفية الاشتباه بوجود صلة لها بقضية مقتل خنساء مجاهد، لكن الجهاز سارع ونفى هذا الأمر جملة وتفصيلاً.

وقال «جهاز دعم المديريات بالمناطق» - من دون الإشارة إلى اسم «البلوغر» العراقية - إن «ما يتم تداوله عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن ضبط بعض المتهمات اليوم، وأنهنّ متورطات في جريمة قتل وقعت خلال الفترة الماضية، هو خبر عارٍ من الصحة تماماً».

وأضاف الجهاز: «أي تفاصيل حول حالات الضبط سيتم نشرها لاحقاً إذا لزم الأمر، فور استكمال الإجراءات القانونية اللازمة».

واستغرب مصدرٌ أمني بطرابلس تحدث لـ«الشرق الأوسط» الربط بين مقتل «المدونة» الليبية وبين «البلوغر» العراقية، وقال إن «التحقيقات لا تزال جارية في القضية لكشف الملابسات، والتأكد من صحة المعلومات المتداولة».

وعبّر نشطاء حقوقيون عن غضبهم مما سموه «صمت بعض الجهات المعنية بحقوق المرأة حيال الجريمة»، مطالبين بموقف واضح تجاه القضية.

وسبق أن أدان «منبر المرأة الليبية من أجل السلام» جريمة اغتيال خنساء. وقال إن مثل هذه الجرائم «تعكس ازدياد العنف ضد المرأة في أثناء النزاع وبعده، وتدهور الوضع العام، وانعدام توفر آليات الوقاية والإنذار المبكر وإجراءات الحماية. وهذا يعد إنذاراً شديداً لتدهور حالة العنف ضد النساء في بلادنا».

وكانت قبيلة «القمامدة» - التي تنتمي إليها خنساء مجاهد - قد أعربت عن غضبها إزاء مقتلها، وحمّلت النائب العام ووزير داخلية «الوحدة» مسؤولية الواقعة، وطالبت بتحقيق عاجل وشفاف، وكشف الفاعلين والمتورطين وإعلان النتائج للرأي العام.


حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية مدينة الأُبيّض، أكبر مدن إقليم كردفان، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في ولاية شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات التي ظلت تتعرض لها المنطقة منذ شهور، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وتدمير محطات وشاحنات وقود مما فاقم أزمة الوقود، وارتفاع أسعار النقل.

ورجحت مصادر محلية أن تكون المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» التي تقاتل الجيش منذ أكثر من ثلاث سنوات. وقال ثلاثة شهود لـ«الشرق الأوسط» إن الهجمات الأخيرة استهدفت منشآت وقوافل داخل مدينة الأُبيّض وفي الطريق الوحيد المؤدي إليها. وذكر سائق شاحنة أن المسيّرات تحلق بكثافة فوق الطريق، وأنه شاهد استهداف ثلاثة خزانات وقود متحركة قرب بلدة أم روابة، ما أدى إلى تدميرها، واندلاع حرائق كبيرة شوهدت من مسافات بعيدة.

وفي مدينة الأُبيّض ، الأكبر في إقليم كردفان وإحدى أهم المدن الاستراتيجية في البلاد، قال شاهد آخر لـ«الشرق الأوسط»، إن المسيّرات استهدفت، صباح يوم الأحد، أربع محطات وقود داخل المدينة، أثناء تفريغ شحنة وقود، ما أدى لمقتل عدد من المواطنين وإصابة آخرين، فيما ظلت أعمدة الدخان تتصاعد لساعات طويلة فوق أجزاء واسعة من المدينة.

وأفاد شاهد ثالث بأن مدينة الرهد في ولاية شمال كردفان، تعرضت أيضاً لقصف بالمسيّرات، وأن قذيفة سقطت على منزل أحد المواطنين، وتسببت في أضرار مادية وحالة من الذعر وسط السكان.

المسيّرات مشهد يومي

أصبحت المسيّرات القتالية جزءاً من المشهد اليومي في الأُبيّض، حيث تواصل التحليق في سماء المدينة، وأجزاء واسعة من كردفان لساعات طويلة، فيما تتكرر الهجمات بصورة شبه منتظمة منذ أكثر من شهر. ويقول السكان إن الشعور السائد لم يعد الخوف وحده، بل الغضب أيضاً، مع ازدياد أعداد الضحايا المدنيين، واستمرار استهداف المرافق الخدمية التي يعتمد عليها مئات الآلاف من المواطنين.

ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش أو «قوات الدعم السريع» بشأن الهجمات الأخيرة، وهما عادة ما يلتزمان الصمت حيال كثير من العمليات العسكرية أو يقدمان روايات متباينة حولها.

ورغم الصمت الرسمي، فقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع مصورة وصور وتعليقات حول القصف، بينما واصل أنصار كل طرف وصف الهجمات التي شنها بالإنجاز العسكري في تجاهل لمعاناة المدنيين الذين يتحملون تكلفة الحرب.

ولقي الأسبوع الماضي، أكثر من عشرة أشخاص مصرعهم، وأصيب آخرون جراء هجوم بطائرة مسيّرة يرجح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع».

وفاقمت الهجمات الأخيرة أزمة الوقود التي تعاني منها مدينة الأُبيّض، بعد استهداف محطات الوقود والخزانات. وقال أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إن الحصول على الوقود أصبح أكثر صعوبة خلال الأيام الأخيرة، مما أدى إلى قلة عدد المركبات العامة، وتراجعت حركة النقل بصورة كبيرة، فضلاً عن ارتفاع تكلفته.

التحولات الديمغرافية

صورة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «قوات الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (صورة متداولة - أرشيفية)

وتزداد خطورة هذه الأزمة بسبب التحولات الديمغرافية التي شهدتها مدينة الأُبيّض منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، إذ تحولت إلى ملاذ رئيسي لعشرات الآلاف من الأسر الفارة من المعارك في القرى والمدن المحيطة.

ويقدر سكان محليون أن عدد سكان المدينة تضاعف أكثر من ثلاثة مرات مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، ما أدى إلى ضغوط هائلة على الخدمات الأساسية والبنية التحتية، بما في ذلك الأساسية مثل المياه والكهرباء والصحة والنقل.

وتعد الأُبيّض واحدة من أكثر المدن أهمية في السودان من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، فهي تمثل مركزاً رئيسياً للزراعة والتجارة والنقل، وتُشكل بوابة تربط وسط السودان بغربه، خصوصاً إقليم دارفور.

ومنذ عدة أشهر، تحاصر «قوات الدعم السريع» المدينة من ثلاث جهات، بينما يسيطر الجيش على المدينة والطريق البري الرابط بينها وبين مدينة كوستي في ولاية النيل الأُبيّض، ما جعلها إحدى أهم نقاط التماس في الحرب المستمرة بين الطرفين.

ويرى مراقبون أن السيطرة على الأُبيّض أو إضعاف قدراتها اللوجستية يمثل هدفاً استراتيجياً لـ«قوات الدعم السريع»؛ نظراً لدورها بوصفها مركزاً للإمدادات والتجارة، وارتباطها بشبكة الطرق التي تربط إقليمي كردفان ودارفور ببقية أنحاء البلاد، إضافة إلى تمركز أعداد كبيرة من الجيش في تلك المنطقة.

منظومة دفاع جوي

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض

يُذكر أن «قوات الدعم السريع» أعلنت في وقت سابق، أنها دمرت منظومة دفاع جوي تركية الصنع مضادة للطائرات المسيّرة كانت تؤمن المدينة، دون تعليق من الجيش، وهو ما عدّه كثير من المراقبين تطوراً خطيراً في معركة السيطرة على الأجواء فوق كردفان.

وتعكس الهجمات المستمرة على الأُبيّض تحولات أوسع سادت الحرب السودانية خلال العامين الأخيرين، إذ بعد أشهر طويلة من المعارك البرية الواسعة التي اتسمت بالسيطرة على المدن والأحياء والتقدم الميداني المباشر، أخذت الحرب تتجه بصورة كبيرة نحو الاعتماد على الضربات بعيدة المدى، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة.

ويقول خبراء عسكريون إن طرفي الحرب يسعيان إلى استنزاف بعضهما بعضاً، عبر استهداف مراكز القيادة والإمداد والبنية التحتية الحيوية، بدلاً من الاعتماد فقط على العمليات البرية المكلفة بشرياً ولوجستياً.

وخلال السنتين الماضيتين من الحرب، برزت المسيّرات بوصفها سلاحاً رئيسياً في النزاع، سواء لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات، أو لتنفيذ هجمات دقيقة على أهداف ثابتة ومتحركة.

ويمتلك طرفا الحرب أنواعاً مختلفة من المسيّرات، بدءاً من المسيرات الاستطلاعية الصغيرة التي تقوم بتحديد الأهداف، إلى المسيّرات الهجومية القادرة على حمل ذخائر موجهة، وصواريخ أرض جو، وأيضاً المسيّرات الانتحارية التي تهاجم الهدف مباشرة وتنفجر عند الاصطدام به.

تغيير طبيعة الحرب

خيام وفّرتها السعودية في مخيم للنازحين بمدينة الأُبيّض 12 يناير 2026 (رويترز)

وأدى استخدام هذه التقنيات إلى تغيير طبيعة الحرب بصورة جوهرية، إذ لم تعد المدن البعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة بمنأى عن العمليات العسكرية، كما أصبحت المنشآت المدنية والبنية التحتية عُرضة للاستهداف بصورة أكبر من أي وقت مضى.

وبينما يتنافس الطرفان على تحقيق مكاسب عسكرية وإعلامية، يجد المدنيون أنفسهم في قلب المواجهة. ويتحدث السكان عن الطائرات التي تحلق فوق رؤوسهم، وأعمدة الدخان التي ترتفع في السماء جراء القصف المتواصل، فضلاً عن أزمات الوقود والمواصلات والخدمات التي تتراجع، والخوف الذي أصبح جزءاً من الحياة اليومية.

ودعا ناشطون في منصات التواصل الاجتماعي الجيش لتعزيز دفاعات المدينة وعدم تركها مستباحة لهجمات المسيرات المتكررة، وطالبوا بإجراءات عاجلة لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية وتأمين خطوط الإمداد.

وأبدوا خشيتهم من أن يؤدي استمرار القصف واستهداف الوقود والخدمات الأساسية إلى إضعاف قدرة مدينة الأُبيّض على الصمود، خصوصاً في ظل استضافتها أعداداً كبيرة من النازحين واعتماد مناطق واسعة من كردفان عليها بوصفها مركزاً رئيسياً للتجارة والخدمات.

وحذّر الناشطون من أن تلقى المدينة مصيراً مشابهاً لمصير مدينة الفاشر، كبرى مدن إقليم دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» بعد حصار استمر نحو 18 شهراً.

ومع استمرار الهجمات وتراجع المؤشرات على قرب انتهاء الحرب، تزداد المخاوف من أن تتحول مدينة الأُبيّض إلى واحدة من أكثر المناطق تأثراً بتداعيات الصراع المستمر في السودان.


كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)
رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)
TT

كيف غيَّر «هجوم محمد صلاح» خطط تأمين الحدود المصرية - الإسرائيلية؟

رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)
رئيس أركان الجيش المصري الفريق أحمد خليفة يتفقد إحدى نقاط تأمين خط الحدود الدولية على الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي (أرشيفية - المتحدث العسكري)

بعد مرور ثلاث سنوات على هجوم الجندي المصري محمد صلاح، الذي قتل فيه ثلاثة جنود إسرائيليين عقب عبوره الحدود، تتحدث تقارير عبرية عن تحولات جذرية في أسلوب تعامل الجيش الإسرائيلي مع الملف الحدودي وسط مخاوف من تكرار مثل هذا الحادث، فيما ذكر عسكريون مصريون سابقون أن الواقعة ربما غيّرت بعض الترتيبات الأمنية اليومية، لكنها لم تغير القواعد العامة في العلاقات الأمنية، التي تحكمها اتفاقية السلام والبروتوكول المنبثق عنها.

ووفق منصة «مكور ريشون» الإخبارية الإسرائيلية، الأحد، فإن الجيش الإسرائيلي أحيا في الأسبوع الماضي الذكرى الثالثة للهجوم الحدودي الذي وقع في الثالث من يونيو (حزيران) 2023.

حينها كان الجندي صلاح يقضي خدمته العسكرية بالقرب من معبر العوجة حين عبر الحدود وتبادل إطلاق النار مع الجنود الإسرائيليين فقتل ثلاثة منهم قبل أن يُقتل هو الآخر خلال اشتباكٍ مسلّحٍ مع جنود آخرين.

«الهاجس الأمني»

قال نائب مدير المخابرات الحربية ورئيس جهاز الاستطلاع السابق بمصر، اللواء أركان حرب أحمد كامل، لـ«الشرق الأوسط»: «الإعلام العبري يتحدث يومياً عن إجراءات إسرائيلية متطورة لتأمين خط الحدود مع مصر من معبر كرم أبو سالم شمالاً حتى العلامة الدولية 91 جنوباً، والمعروفة بمنطقة طابا، حيث توجد القوات الإسرائيلية المسؤولة عن التأمين في المنطقة (د)، وتقابلها قوات الشرطة المدنية المصرية في المنطقة (ج)، عدا الجزء المقابل للحدود مع غزة فتوجد به قوات حرس حدود مصرية طبقاً للاتفاق المبرم عام 2005».

نقطة تأمين بالحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

وأضاف: «مع زيادة الهاجس الأمني الإسرائيلي عقب هجمات (حماس) في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شددت إسرائيل إجراءاتها لتأمين الحدود مع مصر بوضع دوريات ومراقبة إلكترونية وموانع مركبة ومدقات ودوريات سيارة مزودة بقصاصي الأثر، بالإضافة لرادارات أرضية وطائرات مسيرة؛ وفي المقابل توجد قوات شرطة مدنية مصرية ووسائل مراقبة وتأمين».

تطالب مصر، من جانبها، بزيادة الإجراءات الخاصة بالتأمين من أجهزة وردارات متقدمة لضمان عدم تكرار حادثة محمد صلاح، لكن «إسرائيل تتهرب وتماطل في الموافقة على الطلب المصري لرفع كفاءة وقدرات قوات الشرطة المصرية لتأمين الحدود»، وفقاً لكامل.

«نقطة فاصلة»

وحسب منصة «مكور ريشون»، فإن القيادة الجنوبية بالجيش الإسرائيلي استخلصت دروساً من الواقعة، «ما أدى إلى تحسينات كبيرة في الجاهزية وتغييرات عميقة في المفهوم العملياتي».

وقالت المنصة إن الحادثة أصبحت «نقطة فاصلة»، ونقلت عن مسؤول كبير في القيادة الجنوبية قوله إن الجانب الإسرائيلي «يفعل كل شيء للحفاظ على الحدود هادئة وبناء علاقات جيدة مع الدول المجاورة، لكنه لا ينخدع ويدرك أن الهجمات يمكن أن تأتي من كل الاتجاهات».

رئيس أركان الجيش المصري يتفقد عدداً من الارتكازات الأمنية بمدينة رفح (المتحدث العسكري)

خبير الأمن القومي المصري اللواء محمد عبد الواحد قال: «على الرغم من عدم صدور تصريحات رسمية مصرية في هذا الشأن، فإن هذا الحادث أدى قطعاً لتغيير في الترتيبات الأمنية، من حيث المراقبة ودوريات المرور والتفقد الأمني على الحدود، وتغييرات أيضاً في ترتيبات اختيار الجنود نفسياً مع الحرص على ألا تكون لهم توجهات سياسية».

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «رغم ذلك، لم يغير الحادث من القواعد العامة في العلاقات الأمنية بين البلدين، التي تظل تحكمها بنود اتفاقية السلام والبروتوكول المنبثق عنها».

واستطرد: «هناك وفد أمني زار مصر عقب الحادث، وتم التأكيد على أنه فردي لا يعبر عن سياسات القوات على الحدود. ثم جاءت حرب غزة وارتفع التنسيق الأمني بين البلدين، وكان مُنصبّاً على ضبط الحدود المشتركة وخصوصاً الحدود المصرية - الفلسطينية ومحور فيلادلفيا».

ونوه إلى أن الحادث زاد أيضاً «من حالة الاستنفار الأمني من الجانبين، وجعل هناك التزاماً بمسافات معينة بحيث لا يقترب الجنود من بعضهم البعض؛ فهي ترتيبات تتعلق بالوضع الأمني اليومي وليس تغييراً جوهرياً في البنود الأمنية المتفق عليها بين البلدين بشكل عام».

«اختلاق مشكلات»

وخلال العامين الماضيين، دأبت أصوات إسرائيلية على التحذير مما تَعُدُّه بناء مصر قوة عسكرية كبيرة بالقرب من الحدود مما قد يمثل «تهديدات حقيقية»، ويخالف اتفاقية السلام الموقعة بين البلدين في 1979، حسب وصفها.

لكن في رأي كامل، «دأب الجانب الإسرائيلي على اختلاق بعض المشكلات الحدودية مع مصر من وقت لآخر للضغط عليها للقيام بالمزيد من الإجراءات لتأمين خط الحدود الدولية».

وهو نفس ما ذهب إليه عبد الواحد الذي قال: «إسرائيل كعادتها تحاول استغلال الحادث كما تفعل عادة لتصوير نفسها مهددة، وتمارس عمليات ابتزاز عاطفي لتصور للمجتمع الدولي أن كل خروقاتها على الحدود بدافع حماية نفسها؛ لكن مصر تنتبه لذلك جيداً».