«الفيدرالي» يتمترس خلف تثبيت الفائدة في وداع باول

«مصرفية الشيوخ» منحت كيفن وارش الضوء الأخضر لرئاسة «الاحتياطي»

باول خلال مؤتمر صحافي بعد قرار «لجنة السياسة النقدية» في ديسمبر الماضي (رويترز)
باول خلال مؤتمر صحافي بعد قرار «لجنة السياسة النقدية» في ديسمبر الماضي (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يتمترس خلف تثبيت الفائدة في وداع باول

باول خلال مؤتمر صحافي بعد قرار «لجنة السياسة النقدية» في ديسمبر الماضي (رويترز)
باول خلال مؤتمر صحافي بعد قرار «لجنة السياسة النقدية» في ديسمبر الماضي (رويترز)

في إحدى أشد اللحظات حرجاً في تاريخ السياسة النقدية الأميركية، وجد «الاحتياطي الفيدرالي» نفسه، يوم الأربعاء، محاصراً بين مطرقة التضخم النفطي المشتعل، وسندان التحول السياسي الوشيك.

فبينما قررت «لجنة السوق المفتوحة» تثبيت أسعار الفائدة عند نطاق بين 3.50 و3.75 في المائة لثالث مرة على التوالي، كان هذا القرار بمثابة «الطلقة الأخيرة» في جعبة جيروم باول لحماية ما تبقى من استقلالية المؤسسة، تزامناً مع منح «لجنة الخدمات المصرفية» بمجلس الشيوخ الضوء الأخضر لكيفن وارش؛ المرشح الذي وُعد بأن يكون مهندس «التغيير الجذري» الذي ينشده البيت الأبيض.

تحول مفاجئ

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولًا مفاجئًا. فوسط توقعات بتصويت روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداًُ خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية.

أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

التضخم

المعطى الأبرز الذي هيمن على «اجتماع الوداع» لباول هو الفشل الذريع في إعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي؛ ما دفع بأسعار النفط إلى التحليق فوق 110 دولارات للبرميل، قفزاً من 70 دولاراً قبل بدء الحملة العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي.

ويخشى صانعو السياسة من تحول ارتفاع الطاقة من «صدمة عرض مؤقتة» إلى تضخم هيكلي (تضخم أساسي).

ومع بقاء مقياس التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» أعلى بنسبة واحد في المائة من المستهدف البالغ اثنين في المائة، تبدو البيانات المرتقبة لمارس (آذار) الماضي مرشحة لكسر كل التوقعات صعوداً.

وصرح مايكل فيرولي، كبير الاقتصاديين في «جي بي مورغان»، بأن هذه البيانات تضفي طابعاً «متشدداً» على النقاش؛ مما قد يضطر «البنك» مستقبلاً ليس فقط للتثبيت، بل للتلويح برفع الفائدة إذا استمر نزف الطاقة.

انفراجة تيليس

في أروقة مجلس الشيوخ، تحوّل الجمود إلى انفراجة تاريخية؛ حيث سحب السيناتور الجمهوري توم تيليس معارضته كيفن وارش فور إعلان وزارة العدل يوم الجمعة الماضي إنهاء التحقيق الجنائي مع باول بشأن «تكاليف تجديد مباني (الفيدرالي)».

هذا التحقيق، الذي وصفه باول سابقاً بأنه «تكتيك لترهيب (البنك) ولتآكل استقلاليته»، كان العقدة التي حالت دون تقدم وارش. وبسقوط التحقيق، صوّتت اللجنة بغالبية 13 صوتاً مقابل 11 لمصلحة وارش، وفقاً للانتماءات الحزبية؛ مما يمهد الطريق لتصويت نهائي بمجلس الشيوخ في الأسبوع الذي يبدأ يوم 11 مايو (أيار) المقبل، وتسلم القيادة رسمياً في 15 مايو.

وارش خلال إدلائه بشهادته أمام «لجنة الخدمات المصرفية» في مجلس الشيوخ يوم 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

رهان الأسواق ضد وارش

رغم وعود وارش بـ«تغيير جذري» وسياسة أكبر مرونة تعتمد على فرضية أن «ارتفاع الإنتاجية الأميركية» سيسمح بخفض الفائدة دون إشعال الأسعار، فإن الأسواق المالية تبدي ممانعة شرسة.

ويرى المتداولون أن فرص خفض الفائدة قبل منتصف عام 2027 ضئيلة جداً، وهو ما يُعدّ مراهنة علنية ضد قدرة وارش على إقناع زملائه في اللجنة بجدوى «التيسير» في ظل نمو الوظائف القوي الذي خفض البطالة إلى 4.3 في المائة.

هذا التناقض يضع وارش أمام واقع مرير: فبينما يطالب ترمب بتخفيضات «تنعش الاقتصاد»، تفرض «سلاسل التوريد الممزقة» و«تضخم الحرب» واقعاً تقييدياً لا مفر منه.

«الرأس المزدوج»

المعركة الحقيقية لم تنتهِ بعبور وارش؛ فالعقبة المقبلة هي قرار باول البقاء عضواً في «مجلس المحافظين» حتى يناير (كانون الثاني) 2028.

هذا التوجه ينذر بوجود «قيادة مزدوجة» غير مسبوقة: وارش الذي يطمح إلى سياسة تيسيرية تلبيةً لرغبات البيت الأبيض، وباول الذي يتمسك بمقعده بوصفه «ثقلاً موازناً» لحماية المؤسسة.

وتزداد الصورة تعقيداً مع وجود قضية منظورة أمام المحكمة العليا تتعلق بمحاولة ترمب إقالة المحافظة ليزا كوك؛ مما يضع «الفيدرالي» في قلب أزمة دستورية.

وبقاء باول، كما يرى غريغوري داكو من مؤسسة «إرنست - يونغ»، محاولة لترسيخ «الاستمرارية المؤسسية» ومنع تسييس القرار النقدي في لحظة انتقالية حرجة.

الطريق المسدودة

يواجه «البنك المركزي» الآن تحدياً في «تفويضه الثنائي»؛ فارتفاع أسعار الطاقة لا يرفع التضخم فحسب، بل يهدد بتباطؤ النشاط الاقتصادي ورفع تكاليف الإنتاج؛ مما قد يؤدي إلى فقدان الوظائف لاحقاً.

وقد أقر صناع السياسة في «لجنة السوق المفتوحة» بأن مخاطر زيادة الأسعار وتباطؤ النمو الاقتصادي قد ازدادت منذ بدء الصراع العسكري.

وأكدت كبيرة الاقتصاديين في شركة الاستشارات «أكسفورد إيكونوميكس»، نانسي فاندن هوتين، أنه لا توجد «أي فرصة تقريباً» لخفض الفائدة في ظل المعطيات الراهنة؛ مما يعني أن «الفيدرالي» سيبقى في «وضعية الانتظار» لفترة قد تكون الأطول في تاريخه الحديث.


مقالات ذات صلة

الذهب يرتفع مع تراجع النفط وترقب قرار «الفيدرالي»

الاقتصاد تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة للذهب والفضة في فيينا (أ.ف.ب)

الذهب يرتفع مع تراجع النفط وترقب قرار «الفيدرالي»

ارتفعت أسعار الذهب قليلاً الاثنين، مدعومة بتراجع أسعار النفط، الذي خفف المخاوف من الضغوط التضخمية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تقرير إخباري وارش مترئساً اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة في يونيو (الاحتياطي)

تقرير إخباري «الفيدرالي» أمام استراحة محتملة... والتضخم يهدد بتجدد رفع الفائدة

يتَّجه «الاحتياطي الفيدرالي» إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماعه المقرر يومَّي الثلاثاء والأربعاء، قبل أيام من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد يعمل موظفون في أحد المصانع بمدينة لوس أنجليس في كاليفورنيا (رويترز)

تباطؤ طفيف للنشاط الاقتصادي الأميركي في أكتوبر وسط تصاعد الضغوط التضخمية

تباطأ النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة بشكل طفيف خلال أكتوبر (تشرين الأول)، رغم استمرار قوة الطلب التي أتاحت للشركات رفع أسعار السلع والخدمات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

استقرار أسواق السندات الأوروبية بعد ارتفاع حاد في العوائد الفرنسية خلال الأسبوع

استهلت أسواق السندات في منطقة اليورو تعاملات الجمعة وسط أجواء أكثر استقراراً، بعد أسبوع شهد تقلبات حادة ومخاوف متزايدة بشأن الأوضاع المالية في فرنسا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سبائك ذهبية في مصفاة الذهب الأفريقية «إي جي آر» في عنتيبي - أوغندا (رويترز)

الذهب يتراجع ويتجه لتسجيل أكبر خسارة أسبوعية منذ يونيو

تراجعت أسعار الذهب يوم الجمعة، متجهةً نحو تسجيل أكبر خسارة أسبوعية لها منذ أكثر من أربعة أشهر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«المركزي الصيني» يطلق آلية لتوفير السيولة الطارئة للمؤسسات المالية غير المصرفية

مقر البنك المركزي الصيني في بكين (رويترز)
مقر البنك المركزي الصيني في بكين (رويترز)
TT

«المركزي الصيني» يطلق آلية لتوفير السيولة الطارئة للمؤسسات المالية غير المصرفية

مقر البنك المركزي الصيني في بكين (رويترز)
مقر البنك المركزي الصيني في بكين (رويترز)

أعلن البنك المركزي الصيني، الاثنين، قراره إنشاء آلية لمبادلة الأصول بهدف توفير السيولة الطارئة للمؤسسات المالية غير المصرفية التي تواجه عمليات استرداد واسعة النطاق، في إطار جهود الحفاظ على استقرار سوق السندات في البلاد.

وقال البنك الصيني إن الآلية ستُفعَّل في حالات، من بينها مواجهة شركات إدارة الأصول مخاطر سيولة جماعية، أو تعرَّض سوق السندات لضغوط نظامية، وفق «رويترز».

وبموجب الآلية، ستتمكن وحدات إدارة الثروات وصناديق الاستثمار المشتركة ذات الأهمية النظامية، إلى جانب الشركات الأم التابعة لها، من اقتراض أذون يصدرها البنك المركزي واستخدامها للحصول على تمويل من خلال اتفاقيات إعادة الشراء (الريبو) في السوق.

ويمكن لهذه المؤسسات بعد ذلك استخدام الأموال لشراء سندات مؤهلة أو وحدات من منتجات صناديق الاستثمار المشتركة التابعة لها والتي تواجه طلبات استرداد، على أن ترهن تلك الأصول لدى البنك المركزي الصيني.

وتأتي هذه الخطوة بعد إعلان محافظ «بنك الشعب» الصيني، بان غونغ شنغ، الأسبوع الماضي، أن بلاده ستطلق أداة لدعم السيولة في مواجهة عمليات الاسترداد واسعة النطاق لدى المؤسسات المالية غير المصرفية، بالتنسيق مع الإدارة الوطنية للتنظيم المالي واللجنة الصينية لتنظيم الأوراق المالية.


السعودية وسنغافورة ترتبان لتخزين النفط الخام في كهوف جورونغ بدءاً من 2027

الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال إلقائه كلمة رئيسية في أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة (إكس)
الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال إلقائه كلمة رئيسية في أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة (إكس)
TT

السعودية وسنغافورة ترتبان لتخزين النفط الخام في كهوف جورونغ بدءاً من 2027

الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال إلقائه كلمة رئيسية في أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة (إكس)
الأمير عبد العزيز بن سلمان خلال إلقائه كلمة رئيسية في أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة (إكس)

تعتزم السعودية تخزين النفط الخام في سنغافورة اعتباراً من النصف الثاني من عام 2027، في خطوة تعزز حضورها التخزيني في آسيا وتوفر مرونة إضافية لإدارة إمداداتها إلى الأسواق الرئيسية، في وقت تدفع فيه الاضطرابات الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط الدول إلى تعزيز أمن الطاقة وحماية مسارات الإمداد.

وقال وزير الطاقة، وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان، إن تقريب الإمدادات من الأسواق الآسيوية الرئيسية من شأنه تعزيز مرونة شبكة الإمداد السعودية ودعم أمن الإمدادات في سنغافورة واستعدادها لمواجهة الاضطرابات.

جاء تصريح الوزير في رسالة ألقاها عبر الفيديو خلال كلمته الرئيسية في أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة، بالتزامن مع الإعلان عن ترتيبات التخزين بين البلدين والتي تتيح لـ«أرامكو السعودية» الاستفادة من منشأة كهوف جورونغ الصخرية الواقعة تحت جزيرة جورونغ قبالة الساحل الجنوبي للبلاد.

من جهته، قال وزير الطاقة والتجارة والصناعة السنغافوري، تان سي لينغ، إن الترتيبات المقترحة ستعزز مرونة سلسلة إمدادات النفط الخام السعودي إلى جنوب شرقي آسيا، كما ستدعم أمن الطاقة في سنغافورة وقدرتها على مواجهة أي اضطرابات محتملة في الإمدادات.

وجرى في هذا الإطار، تبادل مذكرة تفاهم بين هيئة سوق الطاقة السنغافورية ومؤسسة «جي تي سي» و«أرامكو»، في خطوة أولى نحو استكمال الاتفاقات والإجراءات اللازمة.

وتبرز أهمية الترتيبات في وقت تواجه فيه سنغافورة تحديات متزايدة في تأمين احتياجاتها من الطاقة، في ظل اضطرابات الإمدادات الإقليمية. وتعتمد الدولة المدينة على الغاز الطبيعي في توليد نحو 95 في المائة من الكهرباء، فيما أعلنت إندونيسيا، في 24 أكتوبر (تشرين الأول)، خفض صادراتها من الغاز عبر الأنابيب إلى سنغافورة بنحو 31 مليون قدم مكعبة يومياً، لإعطاء الأولوية للاحتياجات المحلية.

ويندرج اتفاق التخزين ضمن توجه أوسع لدى «أرامكو السعودية» لتوسيع قدراتها التخزينية خارج المملكة. وكان الرئيس التنفيذي للشركة، أمين الناصر، قد قال قبل أيام إن «أرامكو» تمتلك أكبر طاقة تخزينية خارجية مقارنةً بشركات الطاقة الأخرى، موزَّعة بين كوريا الجنوبية واليابان وهولندا وميناء سيدي كرير في مصر. وأضاف أن الشركة تعمل مع شركائها على زيادة كميات النفط المخزنة خارج المملكة ومضاعفتها، مشيراً إلى محادثات مع حكومات أجنبية بشأن الاستفادة من مرافق التخزين الاستراتيجية.

وأكد الأمير عبد العزيز بن سلمان أن السعودية واصلت، رغم الظروف الصعبة في المنطقة، توفير إمدادات الطاقة للأسواق العالمية بموثوقية، مستندةً إلى استثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية ومرافق التخزين وسلاسل الإمداد.

كهوف جورونغ

تقع كهوف جورونغ الصخرية على عمق نحو 150 متراً تحت الأرض في جزيرة جورونغ بسنغافورة، وتُعد أول منشأة تجارية لتخزين الهيدروكربونات السائلة تحت الأرض في جنوب شرقي آسيا. وتضم المنشأة خمسة كهوف تصل سعتها الإجمالية إلى 1.47 مليون متر مكعب، بما يعادل نحو 9 ملايين برميل من النفط الخام والمكثفات. ولم يُكشف بعد عن حجم الكميات السعودية التي ستُخزن فيها بموجب الترتيبات الجديدة.

وبموجب الترتيبات المقترحة، ستعمل وزارتا الطاقة في السعودية والتجارة والصناعة والطاقة في سنغافورة على استكمال الإجراءات والاتفاقات اللازمة لتخزين الخام السعودي في المنشأة. وتهدف الخطوة، وفق إعلان مشترك، إلى تعزيز موثوقية سلسلة إمدادات الخام السعودي إلى جنوب شرقي آسيا، مع إتاحة الاستفادة من النفط المخزن لتلبية احتياجات سنغافورة في حال تعرض الإمدادات لاضطرابات.

وتعزز هذه الترتيبات خيارات السعودية في إدارة إمداداتها إلى إحدى أسواقها الرئيسية، فيما تتيح لسنغافورة الاستفادة من موقع تخزين إضافي قريب من مراكز الاستهلاك والتجارة في آسيا.

توقيع مذكرة تفاهم بين هيئة سوق الطاقة السنغافورية ومؤسسة «جي تي سي» و«أرامكو» (إكس)

الاستعداد للاضطرابات

في كلمته، أشار الأمير عبد العزيز بن سلمان إلى أن تداعيات الأزمات في المنطقة لا تتوقف عند حدودها، إذ تطول اضطرابات البنية التحتية للطاقة ومسارات الإمداد الأفراد والشركات والاقتصادات في أنحاء العالم. وقال إن الدرس المستفاد هو ضرورة بناء القدرة على الصمود قبل الحاجة إليها، بما يتيح مواصلة العمليات وإعادة توجيه الإمدادات والتعافي سريعاً تحت الضغط، وهي أمور تتطلب استثمارات مستدامة وكفاءات مؤهلة وشركاء مستعدين للتحرك معاً.

وأوضح أن السعودية استثمرت على مدى عقود في الاستعداد لمواجهة الاضطرابات، مشيراً إلى أن خط أنابيب «شرق - غرب»، ومرافق التخزين، وسلاسل الإمداد المحلية، إلى جانب خبرات العاملين والعاملات في قطاع الطاقة وتفانيهم، أسهمت في تعزيز قدرة المملكة على الاستجابة. وأضاف: «في ظل هذه الظروف الصعبة، واصلت السعودية الوفاء بالتزاماتها وتوفير إمدادات الطاقة للأسواق حول العالم بموثوقية. وهذا هو الصمود في الممارسة العملية».

وأكد وزير الطاقة السعودي أن المملكة تواصل الاستثمار في الحفاظ على قدرتها الإنتاجية من النفط وتوسيعها، بالتوازي مع التوسع في الغاز والطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء، لتلبية الطلب المتزايد وتعزيز موثوقية منظومة الطاقة. وقال إن موضوع أسبوع سنغافورة الدولي للطاقة هذا العام، تحت عنوان «ربط منظومة الطاقة لتشغيل المستقبل»، يأتي في توقيت مناسب للغاية، في ظل ما تشهده أسواق الطاقة من تحديات.

وشدد الأمير عبد العزيز بن سلمان على أن أمن الطاقة يعتمد على قدرة المنظومة بأكملها على الصمود، وعلى وجود شراكات يمكن الاعتماد عليها في أوقات الضغوط. وأشار إلى أن إمدادات الطاقة الموثوقة تدعم التنمية الصناعية في الاقتصادات الآسيوية، وتعزز ثقة المستثمرين، وتساعد على استدامة الازدهار.

ووصف سنغافورة بأنها شريك طبيعي في هذا الجهد، نظراً إلى مكانتها في مجالات التكرير والتجارة والشحن والخدمات اللوجستية، التي تضعها في قلب تدفقات الطاقة الآسيوية. وأعرب عن تقدير المملكة لشراكتها المتنامية مع سنغافورة، والفرصة المتاحة لتحويل الأولويات المشتركة إلى تعاون عملي، مشيراً إلى أن المناقشات بشأن تخزين النفط الخام السعودي في كهوف جورونغ الصخرية تمثل إحدى هذه الفرص.

وقال إن تقريب الإمدادات من الأسواق الآسيوية من شأنه أن يعزز مرونة شبكة الإمداد السعودية، ويدعم أمن الإمدادات في سنغافورة واستعدادها لمواجهة الاضطرابات. وأضاف أن هناك إمكانات لتوسيع التعاون مستقبلاً في إطار الشراكة المستدامة بين البلدين، لافتاً إلى أن هذا التوجه ينسجم مع الجهود الإقليمية الأوسع، بما فيها مبادرة «باور آسيا»، الرامية إلى تعزيز القدرة على الصمود في قطاع الطاقة وسلاسل الإمداد.

وأكد أن أي دولة، مهما بلغت مواردها، لا تستطيع تحقيق أمن الطاقة بمفردها، إذ يتشارك المنتجون والمستهلكون مسؤولية حماية البنية التحتية ومسارات الإمداد التي يعتمد عليها الجميع. وشدد على أن فوائد الاستعداد المسبق تتجاوز حدود الدولة التي تنفذ الاستثمارات، داعياً إلى استثمار اللحظة الراهنة لتعزيز الروابط التي تساعد على تجاوز الأزمة والتحديات المقبلة.

واختتم الأمير عبد العزيز بن سلمان بالتأكيد على تطلع المملكة إلى العمل مع سنغافورة وشركائها في آسيا والعالم، على تعزيز القدرة على الصمود ودعم الازدهار المشترك، قائلاً: «وهكذا نربط منظومة الطاقة اليوم، ونوفر الطاقة لمستقبل الغد».


أسعار الغاز الأوروبية تسجل أعلى مستوياتها منذ 2022

السفينة «نيبتون» في محطة عائمة للغاز الطبيعي المسال بميناء لوبمين بألمانيا (رويترز)
السفينة «نيبتون» في محطة عائمة للغاز الطبيعي المسال بميناء لوبمين بألمانيا (رويترز)
TT

أسعار الغاز الأوروبية تسجل أعلى مستوياتها منذ 2022

السفينة «نيبتون» في محطة عائمة للغاز الطبيعي المسال بميناء لوبمين بألمانيا (رويترز)
السفينة «نيبتون» في محطة عائمة للغاز الطبيعي المسال بميناء لوبمين بألمانيا (رويترز)

ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي بالجملة في هولندا وبريطانيا، الاثنين، إلى أعلى مستوياتها منذ أواخر عام 2022، مدفوعةً بتوقعات انخفاض درجات الحرارة وتراجع الثقة في استئناف حركة شحن الغاز الطبيعي المُسال عبر مضيق هرمز بصورة منتظمة وفي الوقت المناسب، في ظل استمرار الاضطرابات الناجمة عن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

وأظهرت بيانات بورصة «آي سي إي» ارتفاع العقد الهولندي القياسي لأقرب استحقاق، المتداول في مركز «تي تي إف»، بمقدار 3.54 يورو إلى 97.39 يورو للميغاواط/ساعة، بحلول الساعة 08:56 بتوقيت غرينتش. كما صعد العقد البريطاني لأقرب استحقاق بمقدار 9.90 بنس إلى 240.74 بنس لكل وحدة حرارية بريطانية، وفق «رويترز».

ويتداول العقدان عند أعلى مستوياتهما منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022.

قال محللون في شركة «مايند إنرجي» إن الهجمات على السفن في مضيق هرمز، إلى جانب تدني مستويات مخزونات الغاز في أوروبا إلى مستويات شديدة الانخفاض، لا تزال تضغط على السوق، في حين تحولت توقعات الطقس، خلال عطلة نهاية الأسبوع، إلى أجواء أكثر برودة.

ووفق بيانات تتبُّع حوادث الأمن البحري، كان أكتوبر (تشرين الأول) الشهر الأكثر خطورة من حيث الهجمات على السفن التجارية في مضيق هرمز والممرات المائية القريبة منه.

وقالت شركة «ريستاد إنرجي» للتحليلات إن الاضطرابات دفعت، بالفعل، مشتري الغاز الطبيعي المُسال إلى البحث عن إمدادات بديلة بأسعار أعلى.

وقدّرت الشركة تكاليف محافظ الغاز الطبيعي المسال العالمية لعام 2026 بنحو 256 مليار دولار، بزيادة قدرها 18 في المائة، مقارنة بالتقديرات السابقة للحرب.

وأضاف محللو الشركة أن «أوروبا تواجه أكبر زيادة، إذ سترتفع فاتورة وارداتها من الغاز الطبيعي المسال بما لا يقل عن 12 مليار دولار، أو 18 في المائة، رغم انخفاض الطلب بمقدار 24 مليون طن».

من جهته، قال رئيس وكالة الطاقة الدولية، الاثنين، إن أسواق الطاقة ستظل أكثر تشدداً مما كانت عليه قبل الحرب حتى عام 2027.

وأشار واين برايان، المحلل في مجموعة بورصات لندن، إلى أن انخفاض درجات الحرارة المتوقع الأسبوع المقبل سيعزز الطلب على التدفئة، في وقت تحدُّ فيه أعمال الصيانة والتوقفات التشغيلية بالنرويج من صادرات الغاز، ما يرجّح الحاجة إلى سحب كميات كبيرة من المخزونات بعد فترة الزيادة الأخيرة في مستويات التخزين.

وأظهرت بيانات منظمة «البنية التحتية للغاز في أوروبا» أن عمليات ملء مخزونات الغاز الأوروبية يبدو أنها بلغت ذروتها عند نحو 74.6 في المائة، وهو مستوى استقرت عنده منذ أسبوع.

ووفق بيانات شركة «غاسكو» المُشغّلة للبنية التحتية للغاز في النرويج، بلغت كميات صادرات الغاز النرويجية المقررة الاثنين 324 مليون متر مكعب يومياً، دون تغير يُذكَر، مقارنة بيوم الأحد.

وفي سوق الكربون الأوروبية، ارتفع العقد القياسي بمقدار 1.36 يورو إلى 87.52 يورو للطن المتري.