اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

البنك المركزي قدّر الناتج المحلي بنحو 33 مليار دولار

علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)
علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)
TT

اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)
علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)

حسم مصرف لبنان المركزي جدليّات التباين الصريح في التقديرات الرقمية لتحديثات حجم الناتج المحلي، ليستقر عند مستوى 33 مليار دولار مطلع العام الحالي، مدفوعاً بنسبة نمو بلغت 3.8 في المائة بنهاية عام 2025، ومعززاً بانخفاض مستويي التضخّم العام والأساسي إلى 12.2 و13.5 في المائة على التوالي، مقارنة مع نسبتي 18.1 و19.2 في المائة للعام الأسبق.

هذه الإحصاءات المحدّثة والواردة ضمن المراجعة الماكرواقتصادية التي عاود البنك المركزي إعدادها سنوياً، تتماشى مع تقديرات متقاربة لصندوق النقد الدولي خلصت إلى توقعات بتحقيق نمو حقيقي بنسبة 4.7 في المائة خلال العام السابق، ليبلغ الناتج المحلي الإجمالي (الاسمي) نحو 34.5 مليار دولار، ممّا يفضي إلى استبعاد استنتاجات مختلفة أشارت إلى تخطّي مستوى 40 مليار دولار.

وإذ لا يزال الرقم على مسافة بعيدة من المستوى الأعلى البالغ 54 مليار دولار قبل الانهيارات المالية والنقدية في خريف عام 2019، يكتسب تحديد المستوى المرجعي للناتج من قبل السلطة النقدية والمؤسسة المالية الدولية، أهمية استثنائية في ظل التوقعات المستجدة باستعادة مسار الانكماش الحاد للناتج اللبناني والمخاوف من انفلاش مرافق لمستويات الغلاء، بفعل العمليات الحربية المستعرة للشهر الثاني رغم تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع جديدة، والتداعيات المتواصلة للنزاع الإقليمي على الجبهة الإيرانية والحصار المزدوج المفروض على حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز الحيوي.

مصرف لبنان المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام)

مزيد من الضغوط

وبينما يواصل صندوق النقد حجب ترقباته الخاصة بأداء الاقتصاد المحلي على المديين القريب والمتوسط، لم يتردّد البنك المركزي عن إشهار تحذيره من أن تتراجع الأرقام الإيجابيّة المسجّلة بشكل ملحوظ في العام الحالي، نتيجة للحروب المحليّة والإقليميّة. وبالتنويه، «فإنّه من المتوقّع أن تُؤدّي هذه التوتّرات الأخيرة إلى مزيد من الضغوط على الماليّة العامّة وزيادة تكاليف إعادة الإعمار وتفاقم مَواطن الضعف القائمة في القطاع المالي، مما يُقوّض الاستقرار الماكرواقتصادي وآفاق النمو».

وبالفعل، فقد تسبّب التوغّل المستجد للبلاد في حال «عدم اليقين»، وارتفاع حدة المخاطر السيادية والعامة والتراجع الحاد في مجمل الأنشطة الاقتصادية، بارتفاع حاد في منسوب القلق الداخلي على المستويات كافة، من فقدان زخم النهوض النسبي الذي واكب انطلاق العهد الرئاسي وحكومته الأولى، وسط ترقبات أولية بانكماش محدث للناتج بنسبة لا تقل عن 7 في المائة هذا العام، معززاً بخسائر مادية مباشرة وغير مباشرة تناهز 5 مليارات دولار حتى الساعة، وباندفاع مؤشر أسعار الاستهلاك إلى تسجيل زيادة وازنة تعدّت نسبة 17 في المائة بنهاية الربع الأول من العام الحالي.

حاكم مصرف لبنان كريم سعيد مجتمعاً مع رئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رئاسة الحكومة)

المخاوف من تفاقم التوترات

ولم يعد خافياً في الأوساط العامة، شيوع المخاوف من تفاقم التوترات الداخلية المؤثرة تلقائياً على الاستقرار النسبي خارج مناطق العمليات العسكرية، فيما تتوالى إشارات الصعوبات الاقتصادية والمالية بفعل الانحدار الحاد في إيرادات الخزينة بنسبة تخطّت 35 في المائة خلال الشهرين الحالي والسابق، والانكفاء الأشد حدة في أنشطة مؤسسات القطاع الخاص، ولا سيما السياحية والفندقية والخدمية، والتي تنذر بموجات صرف للعمالة في قطاعات حيوية، تعقب الإجراءات التحوطية التي شملت فرض إجازات مؤقتة وخفض الرواتب أو «تعليق» دفعها بذريعة انعدام الموارد التشغيلية.

ويخشى فعلياً، وفق مسؤول مالي معني، من تداعيات أكثر إيلاماً تصيب مجمل الشرائح الاجتماعية في حال استمرار الحرب وذيولها، وخصوصاً لجهة الاستقرار النقدي وتراجع تدفقات التحويلات والسيولة وعجز وزارة المال عن الإيفاء بتعهد تحسين مداخيل القطاع العام، بسبب ضغوط الإنفاق المتزايدة والموجهة خصوصاً لمساعدة أكثر من مليون نازح.

سيارة تحمل مراتب مثبتة على سقفها تمر أمام لوحة إعلانية تحمل صورة العلم اللبناني (أ.ف.ب)

وبرز في هذا السياق، تأكيد البنك المركزي على استهداف الحفاظ على الاستقرار النقدي في كل الظروف، والعمل على إعادة ودائع المودعين حسب آليات قانون الانتظام المالي، واستعادة عافية القطاع المصرفي باعتباره شرطاً أساسياً لنمو الاقتصاد، وتعزيز المالية العامة للدولة، بما في ذلك ثبات العملة الوطنية، لتمكين الدولة من الإيفاء بكامل التزاماتها تجاه المواطنين وموظفي القطاع العام.

انتعاش العام الماضي

وكشفت مراجعة البنك المركزي أنّ الاقتصاد المحلي «أظهر بعض بوادر الانتعاش المتواضع في العام الماضي، حيث ساهم التحسّن الطفيف في مستوى الحوكمة المحليّة في تهيئة بيئة عمل أفضل للأنشطة الاقتصاديّة»، منوهاً بتحقّق إشارات إيجابيّة محليّاً ودوليّاً، ارتبطت بوجود «حكومة تتمتّع بصلاحيّات كاملة، مقارنةً بوضعيّة تصريف الأعمال للحكومة السابقة، والإقدام على إنشاء هيئات ناظمة لقطاعيّ الكهرباء والاتّصالات وتعزيز إجراءات الرقابة على الحدود».

وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ استئناف المحادثات مع صندوق النقد وتحسّن العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي، عزّزا التفاؤل، حسب التقرير، وإن بشكل حذر، بشأن زيادة المساعدات الخارجيّة وعودة رؤوس الأموال الدوليّة بشكل تدريجي.

وبالأرقام، تظهر إحصاءات مصرف لبنان زيادة اسميّة بنسبة 17.3 في المائة في واردات السلع الاستهلاكيّة والتي تُعد مؤشّراً للاستهلاك، إلا أنّه حذّر من أنّ هذه المستويات لا تزال أقل بنسبة 16.8 في المائة من متوسّط ​​مستواها المسجّل خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2010 و2019.

الدخان يتصاعد عقب انفجارات في جنوب لبنان قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية (رويترز)

ونتج انتعاش الاستهلاك بشكل جزئي عن تحسن أوضاع السيولة، حيث تمّ رفع حدود السحوبات على دفعتين لصالح المودعين في البنوك بموجب التعميمين 158 و166. في حين انخفضت تدفّقات التحويلات الماليّة الواردة من اللبنانيين في الخارج والتي تشكّل أحد المصادر الرئيسية للاستهلاك بنسبة 2.7 في المائة على أساس سنوي، مع التنويه بالتعويض المرجّح من التدفقات غير المسجلة والزيادة الكبيرة بنسبة 64 في المائة في أعداد الوافدين خلال النصف الثاني من العام الماضي، وتنشيط حركة السياحة.

مزارع يحمل أوراق تبغ في حقل وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في قرية رأس العين قرب صور (رويترز)

وعلى صعيد الاستثمار، أشار البنك المركزي إلى أنّه في حين ارتفعت القيمة الاسميّة لواردات الآلات والمعدّات، والتي يمكن اعتبارها مؤشّراً لتكوين رأس المال، بنسبة 31.9 في المائة خلال العام الماضي، إلا أنّ هذه الأرقام لا تزال أقل بنحو 40 في المائة من المتوسّط المسجّل للفترة الممتدّة بين عامي 2010 و2019، مما يوحي بأنّ هذا التحسّن يعود إلى تأثير انخفاض قاعدة المقارنة وليس إلى حلقة استثمار مستدامة.

أما بالنسبة إلى الاستيراد، فقد ارتفع بدوره بنسبة 24.7 في المائة، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 21.1 مليار دولار، أي ما يمثّل نحو 64 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، بينما ارتفعت الصادرات بنسبة 34.5 في المائة، لتصل إلى 3.6 مليار دولار، ما نتج عنه عجز تجاري مقداره 17.4 مليار دولار، يمثل عبئاً مؤثراً على نموّ الناتج المحلّي الإجمالي.


مقالات ذات صلة

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال قداس في بلدة إيليج بشمال لبنان (البطريركية المارونية)

البطريرك الماروني: جنوب لبنان ليس ورقة تفاوض

أكد البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، مشدداً على أن حماية لبنان «تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزيف عون يلتقطون صورة قبل اجتماع «مسار العقبة» لدعم القوات المسلحة اللبنانية بمجمع «ليزانفاليد» في باريس (أ.ف.ب)

لبنان يطلب التمديد لـ«يونيفيل» بتعذر التوافق على البديل الأممي

يعلق لبنان أهمية قصوى على الاتصالات الدولية والعربية لمنع حصول فراغ أمني في الجنوب بانتهاء المهمة التي أوكلها مجلس الأمن الدولي لقوات «يونيفيل» لتطبيق «1701».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب انسحابها من لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)

أسهم التكنولوجيا الآسيوية تصعد بدعم من تفاؤل الذكاء الاصطناعي

متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)
متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)
TT

أسهم التكنولوجيا الآسيوية تصعد بدعم من تفاؤل الذكاء الاصطناعي

متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)
متداولون كوريون جنوبيون يعملون أمام شاشات في بنك هانا بسيول (إ.ب.أ)

ارتفعت أسهم الأسواق الناشئة الآسيوية في بداية تعاملات الأسبوع، مدفوعة بمكاسب أسهم التكنولوجيا والرقائق، في وقت يترقب فيه المستثمرون اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في واشنطن هذا الأسبوع، بحثاً عن مؤشرات بشأن مستقبل العلاقات التجارية وآفاق الاقتصاد العالمي.

وقادت أسهم شركات الرقائق المكاسب في كوريا الجنوبية وتايوان، مع تحسن شهية المستثمرين تجاه أسهم الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، بعد مكاسب نظيراتها الأميركية ومؤشرات على استمرار قوة الطلب على التكنولوجيا.

وصعد مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بما يصل إلى 1.7 في المائة، مسجلاً أعلى مستوياته منذ 10 سبتمبر (أيلول)، بينما ارتفعت الأسهم التايوانية 1 في المائة إلى أعلى مستوى لها في نحو ثلاثة أشهر. كما زادت الأسهم في سنغافورة 0.3 في المائة، والفلبين 0.2 في المائة.

وتأتي مكاسب أسهم التكنولوجيا الآسيوية في أعقاب موجة صعود لأسهم الرقائق الأميركية، ما عزز رهانات المستثمرين على استمرار الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

قمة ترمب وشي في الواجهة

تتجه أنظار الأسواق إلى اجتماع ترمب وشي في واشنطن في 24 سبتمبر، وسط آمال بالحفاظ على الهدنة التجارية القائمة بين أكبر اقتصادين في العالم بعد أشهر من التوترات التجارية والجيوسياسية.

ويراقب المستثمرون الاجتماع بحثاً عن إشارات إلى إمكانية تحسن العلاقات بين واشنطن وبكين، بعدما أدت المواجهة التجارية خلال الأشهر الماضية إلى زيادة حالة عدم اليقين بشأن التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

وقال محللون إن نتيجة بناءة للاجتماع قد تدعم معنويات المستثمرين في الأسواق الآسيوية، في حين أن تجدد التوترات التجارية قد يضغط على شهية المخاطرة.

ويأتي ذلك بعد أسبوع شهد ارتفاع مؤشر الدولار بأكثر من 1 في المائة، عقب رفع مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة، مع إشارته إلى إمكانية إجراء زيادات أخرى، ما أبقى أوضاع التمويل العالمية تحت المراقبة.

قرار إندونيسيا

وفي أسواق العملات، تراجع الروبية الإندونيسية 0.4 في المائة إلى أدنى مستوى لها في شهر، لتبقى من بين أضعف عملات المنطقة أداءً منذ بداية العام.

ويراقب المستثمرون اجتماع بنك إندونيسيا هذا الأسبوع للحصول على مؤشرات بشأن مسار أسعار الفائدة، في ظل موازنة البنك بين دعم النمو والحفاظ على استقرار العملة.

وقال اقتصاديون إن التضخم لا يزال ضمن النطاق المستهدف للبنك المركزي، وهو ما قد يقلل الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية بصورة عاجلة، رغم ارتفاع تكاليف التمويل العالمية بعد رفع «الفيدرالي» الأميركي للفائدة.

وكانت استقالة محافظ بنك إندونيسيا بيري وارجييو المفاجئة في يوليو (تموز) قد أثارت قلق المستثمرين، قبل أن يساعد تعيين نائبة المحافظ الأولى دِستري دامايانتي، كأول امرأة تتولى قيادة البنك المركزي، على تهدئة المخاوف ودعم تعافي الروبية جزئياً.

وكانت العملة الإندونيسية قد ارتفعت بأكثر من 2 في المائة منذ تسجيلها مستوى قياسياً منخفضاً في 8 يونيو (حزيران)، لكنها لا تزال منخفضة بنحو 6.4 في المائة منذ بداية العام.

وفي بقية أسواق العملات الآسيوية، ارتفع الوون الكوري 0.4 في المائة والدولار التايواني 0.2 في المائة.

وفي فيتنام، ارتفع مؤشر الأسهم بما يصل إلى 0.8 في المائة، بالتزامن مع إدراج الأسهم الفيتنامية في مؤشرات الأسواق الناشئة التابعة لـ«فوتسي راسل»، في خطوة تعكس سنوات من الإصلاحات الرامية إلى جذب الاستثمارات الأجنبية.


لماذا تتزايد مخاطر الدين الفرنسي؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله إلى قصر الإليزيه الرئاسي في باريس لإلقاء كلمة أمام الحضور (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله إلى قصر الإليزيه الرئاسي في باريس لإلقاء كلمة أمام الحضور (رويترز)
TT

لماذا تتزايد مخاطر الدين الفرنسي؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله إلى قصر الإليزيه الرئاسي في باريس لإلقاء كلمة أمام الحضور (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدى وصوله إلى قصر الإليزيه الرئاسي في باريس لإلقاء كلمة أمام الحضور (رويترز)

دخلت السندات الفرنسية منطقة من المخاطر لم تشهدها منذ أزمة ديون منطقة اليورو، بعدما تجاوز الفارق بين عوائدها وعوائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات حاجز 100 نقطة أساس، في انعكاس لتزايد قلق المستثمرين بشأن عجز الموازنة المرتفع، وتكاليف خدمة الدين، وصعوبة تمرير إجراءات خفض الإنفاق في ظل انقسام سياسي متزايد.

فلماذا ارتفعت علاوة المخاطر الفرنسية إلى هذا المستوى؟ وما الذي يعنيه ذلك للمالية العامة والأسواق؟ وهل يمكن أن يتسع الفارق أكثر؟

1 - لماذا ارتفعت علاوة المخاطر؟

بلغ الفارق بين عائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل 10 سنوات 104 نقاط أساس، وهو أعلى مستوى منذ 2012، بعدما تضاعف تقريباً منذ الانتخابات التشريعية المبكرة في 2024 التي أفرزت برلماناً منقسماً وجعلت تمرير إجراءات خفض العجز أكثر صعوبة.

وتحاول الحكومة خفض عجز الموازنة من 5.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام إلى 5 في المائة في العام المقبل، عبر إجراءات لخفض الإنفاق بقيمة 54 مليار يورو.

لكن تحقيق هذا الهدف يواجه عقبات سياسية، إذ تعارض أحزاب المعارضة أجزاء من خطة التقشف، فيما قد يؤدي فشل الحكومة في تمرير الموازنة إلى أزمة سياسية جديدة.

وزادت الضغوط مع ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، الأمر الذي قد يضعف النمو ويزيد التضخم، بينما تدفع الأسواق نحو توقعات برفع أسعار الفائدة الأوروبية مجدداً.

مبنى وزارة الاقتصاد والمالية الفرنسية المعروف أيضاً باسم بيرسي في باريس (رويترز)

2 - ماذا يعني ذلك للمالية العامة؟

ارتفاع علاوة المخاطر يعني أن الحكومة الفرنسية ستدفع تكلفة أكبر عند إصدار ديون جديدة وإعادة تمويل الديون القائمة.

وتأتي المشكلة في وقت أصبحت فيه خدمة الدين أكبر بند في الموازنة، بعدما بدأت فرنسا إعادة تمويل مئات المليارات من الديون التي أصدرتها خلال جائحة «كوفيد-19» عندما كانت أسعار الفائدة منخفضة للغاية.

وتتوقع الحكومة أن تزيد تكلفة خدمة الدين بنحو 4.5 مليار يورو عن التقديرات السابقة هذا العام، وأن ترتفع بنحو 10 مليارات يورو إضافية العام المقبل.

ويحذر اقتصاديون من خطر الدخول في حلقة متصاعدة: نمو ضعيف، وفائدة مرتفعة، وتكاليف خدمة دين أكبر، ثم حاجة إلى مزيد من الاقتراض، ما لم تتمكن الحكومة من تحقيق فائض أولي.

3 - لماذا يراقب المستثمرون الأمر من كثب؟

تكمن أهمية التطور في حجم سوق الدين الفرنسي ومكانته في منطقة اليورو. فالسندات الفرنسية كانت تُعد تقليدياً من الأصول الآمنة نسبياً، ولذلك فإن دفع باريس علاوة تتجاوز نقطة مئوية كاملة فوق ألمانيا يمثل تحولاً لافتاً.

وكانت آخر مرة تجاوز فيها الفارق حاجز 100 نقطة أساس في ذروة أزمة ديون منطقة اليورو عام 2012، عندما كانت المخاوف تتعلق بمستقبل العملة الأوروبية نفسها.

كما أصبحت فرنسا تدفع علاوة أعلى من إيطاليا، رغم ارتفاع الدين الإيطالي وانخفاض تصنيفها الائتماني، في مؤشر على أن الأسواق باتت تولي أهمية متزايدة للمخاطر السياسية والمالية الفرنسية.

4 - هل يمكن أن يتسع الفارق أكثر؟

يرى بعض المحللين أن الارتفاع الكبير الذي شهده الفارق بالفعل قد يحد من احتمالات اتساعه كثيراً على المدى القصير، إذ أصبحت العوائد الفرنسية توفر للمستثمرين تعويضاً أكبر عن المخاطر.

لكن حالة عدم اليقين السياسي لا تزال تشكل مصدراً رئيسياً للضغط. فقد يؤدي سقوط الحكومة أو عدم إقرار الموازنة إلى زيادة علاوة المخاطر، كما قد ترفع الانتخابات الرئاسية المقبلة درجة القلق بشأن مسار المالية العامة.

ولم يستبعد بنك «سوسيتيه جنرال» اتساع الفارق إلى 120 نقطة أساس، في حال تصاعدت الضغوط السياسية والمالية.


قبل قمة ترمب وشي... واشنطن تقترح آلية لمخاطر الذكاء الاصطناعي

بيسنت يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ (رويترز)
بيسنت يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ (رويترز)
TT

قبل قمة ترمب وشي... واشنطن تقترح آلية لمخاطر الذكاء الاصطناعي

بيسنت يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ (رويترز)
بيسنت يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ (رويترز)

اقترحت الولايات المتحدة إنشاء آلية أميركية–صينية للإخطار بالحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي قد ترقى إلى مستوى تهديد للأمن القومي، في خطوة تستهدف تعزيز الحوار بين أكبر قوتين في هذا المجال، قبل القمة المرتقبة بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جينبينغ في واشنطن هذا الأسبوع.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، عقب محادثات مع نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ في نيويورك، إن الجانبين ناقشا إنشاء حوار جديد حول الذكاء الاصطناعي، يركز بصورة خاصة على قضايا الأمن القومي، بما في ذلك نظام للإخطار بالحوادث التي تمثل تهديدات مشتركة أو تتصل بأهداف مشتركة.

وقال بيسنت إن زيادة الشفافية بين الولايات المتحدة والصين، باعتبارهما القوتين الأولى والثانية عالمياً في الذكاء الاصطناعي، مهمة في ظل الطابع العابر للحدود لهذا النشاط.

وكان ترمب وشي قد ناقشا في مايو (أيار) الماضي إمكانية إجراء مشاورات حول تطوير الذكاء الاصطناعي خلال قمتهما في بكين، لكن ذلك الحوار لم يتحول إلى إطار رسمي.

ولم يتضح موقف بكين من المقترح الأميركي، إذ اكتفى بيان لوكالة «شينخوا» بالإشارة بصورة مقتضبة إلى أن الجانبين بحثا الذكاء الاصطناعي، فيما وصف المحادثات الاقتصادية والتجارية بأنها «صريحة ومعمقة وبناءة».

الرسوم والسلع غير الاستراتيجية

وتناولت المحادثات أيضاً تنفيذ تفاهمات سابقة بشأن التجارة والاستثمار، في إطار التحضير لقمة ترمب وشي المقررة الخميس والجمعة المقبلين.

وقال الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير إن واشنطن وبكين تعملان على تفعيل آلية متفق عليها في مايو لتحديد سلع غير استراتيجية يمكن أن تشملها تخفيضات جمركية، ضمن ما يسمى «مجلس التجارة».

وأوضح غرير أن القائمة المحتملة قد تشمل بعض السلع الاستهلاكية والمنتجات الصينية منخفضة التقنية، في مقابل الطاقة والمنتجات الزراعية والأجهزة الطبية الأميركية.

وأكد أن ضوابط التصدير الأميركية على رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة ومعدات تصنيع أشباه الموصلات لم تكن مطروحة ضمن محادثات آلية الذكاء الاصطناعي.

وقال جورج تشن، الشريك ورئيس ممارسة الاقتصاد الرقمي في شركة «ذا آسيا غروب» الاستشارية، إن استمرار الحوار يمثل تطوراً مهماً، لكنه أشار إلى أن التعاون في الذكاء الاصطناعي يظل محدوداً بسبب انخفاض مستوى الثقة بين البلدين، وبسبب اعتقاد بكين بأن واشنطن تسعى إلى احتواء تطور قطاع الذكاء الاصطناعي الصيني.

وقد تتناول الجولات المقبلة موضوعات أكثر حساسية، بينها استخدام الذكاء الاصطناعي في الأسلحة، ومبادئ السلامة، وحماية البنية التحتية الحيوية، ومنع الهجمات السيبرانية.

وتأتي هذه المحادثات فيما تستعد الولايات المتحدة والصين لقمة جديدة، بينما تقترب الهدنة التجارية الحالية من موعد انتهائها في 10 نوفمبر (تشرين الثاني)، ولا تزال ملفات أخرى عالقة، بينها تعهدات صينية بزيادة مشتريات المنتجات الزراعية الأميركية بنحو 17 مليار دولار سنوياً وشراء أكثر من 200 طائرة من «بوينغ».