اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

البنك المركزي قدّر الناتج المحلي بنحو 33 مليار دولار

علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)
علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)
TT

اقتصاد لبنان «يتوغّل» في حال عدم اليقين... والتضخم يستعيد زخم الارتفاع

علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)
علم لبناني يرفرف على خيمة نازحين في مخيم مؤقت وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في بيروت (رويترز)

حسم مصرف لبنان المركزي جدليّات التباين الصريح في التقديرات الرقمية لتحديثات حجم الناتج المحلي، ليستقر عند مستوى 33 مليار دولار مطلع العام الحالي، مدفوعاً بنسبة نمو بلغت 3.8 في المائة بنهاية عام 2025، ومعززاً بانخفاض مستويي التضخّم العام والأساسي إلى 12.2 و13.5 في المائة على التوالي، مقارنة مع نسبتي 18.1 و19.2 في المائة للعام الأسبق.

هذه الإحصاءات المحدّثة والواردة ضمن المراجعة الماكرواقتصادية التي عاود البنك المركزي إعدادها سنوياً، تتماشى مع تقديرات متقاربة لصندوق النقد الدولي خلصت إلى توقعات بتحقيق نمو حقيقي بنسبة 4.7 في المائة خلال العام السابق، ليبلغ الناتج المحلي الإجمالي (الاسمي) نحو 34.5 مليار دولار، ممّا يفضي إلى استبعاد استنتاجات مختلفة أشارت إلى تخطّي مستوى 40 مليار دولار.

وإذ لا يزال الرقم على مسافة بعيدة من المستوى الأعلى البالغ 54 مليار دولار قبل الانهيارات المالية والنقدية في خريف عام 2019، يكتسب تحديد المستوى المرجعي للناتج من قبل السلطة النقدية والمؤسسة المالية الدولية، أهمية استثنائية في ظل التوقعات المستجدة باستعادة مسار الانكماش الحاد للناتج اللبناني والمخاوف من انفلاش مرافق لمستويات الغلاء، بفعل العمليات الحربية المستعرة للشهر الثاني رغم تمديد اتفاق وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع جديدة، والتداعيات المتواصلة للنزاع الإقليمي على الجبهة الإيرانية والحصار المزدوج المفروض على حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز الحيوي.

مصرف لبنان المركزي (الوكالة الوطنية للإعلام)

مزيد من الضغوط

وبينما يواصل صندوق النقد حجب ترقباته الخاصة بأداء الاقتصاد المحلي على المديين القريب والمتوسط، لم يتردّد البنك المركزي عن إشهار تحذيره من أن تتراجع الأرقام الإيجابيّة المسجّلة بشكل ملحوظ في العام الحالي، نتيجة للحروب المحليّة والإقليميّة. وبالتنويه، «فإنّه من المتوقّع أن تُؤدّي هذه التوتّرات الأخيرة إلى مزيد من الضغوط على الماليّة العامّة وزيادة تكاليف إعادة الإعمار وتفاقم مَواطن الضعف القائمة في القطاع المالي، مما يُقوّض الاستقرار الماكرواقتصادي وآفاق النمو».

وبالفعل، فقد تسبّب التوغّل المستجد للبلاد في حال «عدم اليقين»، وارتفاع حدة المخاطر السيادية والعامة والتراجع الحاد في مجمل الأنشطة الاقتصادية، بارتفاع حاد في منسوب القلق الداخلي على المستويات كافة، من فقدان زخم النهوض النسبي الذي واكب انطلاق العهد الرئاسي وحكومته الأولى، وسط ترقبات أولية بانكماش محدث للناتج بنسبة لا تقل عن 7 في المائة هذا العام، معززاً بخسائر مادية مباشرة وغير مباشرة تناهز 5 مليارات دولار حتى الساعة، وباندفاع مؤشر أسعار الاستهلاك إلى تسجيل زيادة وازنة تعدّت نسبة 17 في المائة بنهاية الربع الأول من العام الحالي.

حاكم مصرف لبنان كريم سعيد مجتمعاً مع رئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - رئاسة الحكومة)

المخاوف من تفاقم التوترات

ولم يعد خافياً في الأوساط العامة، شيوع المخاوف من تفاقم التوترات الداخلية المؤثرة تلقائياً على الاستقرار النسبي خارج مناطق العمليات العسكرية، فيما تتوالى إشارات الصعوبات الاقتصادية والمالية بفعل الانحدار الحاد في إيرادات الخزينة بنسبة تخطّت 35 في المائة خلال الشهرين الحالي والسابق، والانكفاء الأشد حدة في أنشطة مؤسسات القطاع الخاص، ولا سيما السياحية والفندقية والخدمية، والتي تنذر بموجات صرف للعمالة في قطاعات حيوية، تعقب الإجراءات التحوطية التي شملت فرض إجازات مؤقتة وخفض الرواتب أو «تعليق» دفعها بذريعة انعدام الموارد التشغيلية.

ويخشى فعلياً، وفق مسؤول مالي معني، من تداعيات أكثر إيلاماً تصيب مجمل الشرائح الاجتماعية في حال استمرار الحرب وذيولها، وخصوصاً لجهة الاستقرار النقدي وتراجع تدفقات التحويلات والسيولة وعجز وزارة المال عن الإيفاء بتعهد تحسين مداخيل القطاع العام، بسبب ضغوط الإنفاق المتزايدة والموجهة خصوصاً لمساعدة أكثر من مليون نازح.

سيارة تحمل مراتب مثبتة على سقفها تمر أمام لوحة إعلانية تحمل صورة العلم اللبناني (أ.ف.ب)

وبرز في هذا السياق، تأكيد البنك المركزي على استهداف الحفاظ على الاستقرار النقدي في كل الظروف، والعمل على إعادة ودائع المودعين حسب آليات قانون الانتظام المالي، واستعادة عافية القطاع المصرفي باعتباره شرطاً أساسياً لنمو الاقتصاد، وتعزيز المالية العامة للدولة، بما في ذلك ثبات العملة الوطنية، لتمكين الدولة من الإيفاء بكامل التزاماتها تجاه المواطنين وموظفي القطاع العام.

انتعاش العام الماضي

وكشفت مراجعة البنك المركزي أنّ الاقتصاد المحلي «أظهر بعض بوادر الانتعاش المتواضع في العام الماضي، حيث ساهم التحسّن الطفيف في مستوى الحوكمة المحليّة في تهيئة بيئة عمل أفضل للأنشطة الاقتصاديّة»، منوهاً بتحقّق إشارات إيجابيّة محليّاً ودوليّاً، ارتبطت بوجود «حكومة تتمتّع بصلاحيّات كاملة، مقارنةً بوضعيّة تصريف الأعمال للحكومة السابقة، والإقدام على إنشاء هيئات ناظمة لقطاعيّ الكهرباء والاتّصالات وتعزيز إجراءات الرقابة على الحدود».

وبالإضافة إلى ذلك، فإنّ استئناف المحادثات مع صندوق النقد وتحسّن العلاقات مع دول مجلس التعاون الخليجي، عزّزا التفاؤل، حسب التقرير، وإن بشكل حذر، بشأن زيادة المساعدات الخارجيّة وعودة رؤوس الأموال الدوليّة بشكل تدريجي.

وبالأرقام، تظهر إحصاءات مصرف لبنان زيادة اسميّة بنسبة 17.3 في المائة في واردات السلع الاستهلاكيّة والتي تُعد مؤشّراً للاستهلاك، إلا أنّه حذّر من أنّ هذه المستويات لا تزال أقل بنسبة 16.8 في المائة من متوسّط ​​مستواها المسجّل خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2010 و2019.

الدخان يتصاعد عقب انفجارات في جنوب لبنان قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية (رويترز)

ونتج انتعاش الاستهلاك بشكل جزئي عن تحسن أوضاع السيولة، حيث تمّ رفع حدود السحوبات على دفعتين لصالح المودعين في البنوك بموجب التعميمين 158 و166. في حين انخفضت تدفّقات التحويلات الماليّة الواردة من اللبنانيين في الخارج والتي تشكّل أحد المصادر الرئيسية للاستهلاك بنسبة 2.7 في المائة على أساس سنوي، مع التنويه بالتعويض المرجّح من التدفقات غير المسجلة والزيادة الكبيرة بنسبة 64 في المائة في أعداد الوافدين خلال النصف الثاني من العام الماضي، وتنشيط حركة السياحة.

مزارع يحمل أوراق تبغ في حقل وسط وقف مؤقت لإطلاق النار بين لبنان وإسرائيل... في قرية رأس العين قرب صور (رويترز)

وعلى صعيد الاستثمار، أشار البنك المركزي إلى أنّه في حين ارتفعت القيمة الاسميّة لواردات الآلات والمعدّات، والتي يمكن اعتبارها مؤشّراً لتكوين رأس المال، بنسبة 31.9 في المائة خلال العام الماضي، إلا أنّ هذه الأرقام لا تزال أقل بنحو 40 في المائة من المتوسّط المسجّل للفترة الممتدّة بين عامي 2010 و2019، مما يوحي بأنّ هذا التحسّن يعود إلى تأثير انخفاض قاعدة المقارنة وليس إلى حلقة استثمار مستدامة.

أما بالنسبة إلى الاستيراد، فقد ارتفع بدوره بنسبة 24.7 في المائة، ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 21.1 مليار دولار، أي ما يمثّل نحو 64 في المائة من الناتج المحلّي الإجمالي، بينما ارتفعت الصادرات بنسبة 34.5 في المائة، لتصل إلى 3.6 مليار دولار، ما نتج عنه عجز تجاري مقداره 17.4 مليار دولار، يمثل عبئاً مؤثراً على نموّ الناتج المحلّي الإجمالي.


مقالات ذات صلة

إنشاء مهمة أوروبية جديدة دعماً للبنان

المشرق العربي مسؤولة السياسة الخارجية والأمنية في الاتحاد الأوروبي ونائبة رئيسة المفوضية الأوروبية كايا كالاس تتحدث إلى الصحافيين خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ يوم 12 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

إنشاء مهمة أوروبية جديدة دعماً للبنان

اعتمد وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، اليوم الاثنين، قراراً بإنشاء مهمة دعم جديدة في لبنان تهدف إلى تقديم المشورة للجيش وقوى الأمن الداخلي في البلاد.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام (أرشيفية-د.ب.أ)

رئيس الحكومة اللبنانية: لن نتساهل مع أي سلاح خارج إطار الشرعية

أكد رئيس الحكومة اللبنانية أن السلطات لن تتهاون في متابعة التحقيق بقضية توقيف شاحنة محمّلة بمئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مبنى متضرر في قرية «زوطر الغربية» بجنوب لبنان بالقرب من «زوطر الشرقية» المجاورة التي تتمركز فيها القوات الإسرائيلية (إ.ب.أ)

قائد الجيش اللبناني: مهماتنا مستمرة على الحدود وبالداخل

أكد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل أن مهمات الجيش مستمرة على الحدود وفي الداخل لمكافحة الإرهاب والاتجار بالأسلحة والمخدرات ومنع التهريب

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي شحنة ضخمة من المواد المخدرة قادمة من الأراضي اللبنانية عبر معبر جديدة يابوس

إحباط تهريب 100 ألف حبة كبتاغون داخل إطار شاحنة متجهة إلى السعودية

أعلنت إدارة مكافحة المخدرات إحباط محاولة تهريب أكثر من ‌‏100 ألف حبة ‌‏كبتاغون، كانت ‏مخبأة داخل الإطار ‏الاحتياطي ‏لشاحنة تبريد متجهة إلى السعودية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أنصار لـ«حزب الله» يلوحون بأعلام الجماعة في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

القضاء اللبناني يتوسّع بالتحقيق في شحنة أسلحة «حزب الله»

توالت المواقف السياسية اللبنانية المطالبة بتسريع تفكيك البنية العسكرية والأمنية لـ«حزب الله».

يوسف دياب (بيروت)

السعودية: الاستثمار الأجنبي في القطاعات الجديدة يتسارع بـ162 %

وزير الاستثمار متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)
وزير الاستثمار متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)
TT

السعودية: الاستثمار الأجنبي في القطاعات الجديدة يتسارع بـ162 %

وزير الاستثمار متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)
وزير الاستثمار متحدثاً للحضور في الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)

قال وزير الاستثمار السعودي فهد آل سيف، إن الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعات الاقتصاد الجديد بالمملكة تسارع بنسبة 162 في المائة خلال السنوات الخمس الماضية، في وقت ارتفع فيه إجمالي تكوين رأس المال الثابت بنسبة 52 في المائة، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تركز على الانتقال من زيادة حجم الاستثمارات إلى تحسين جودتها وإنتاجيتها وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

وأوضح الوزير، خلال جلسة حوارية في مؤتمر البترول العالمي بالرياض، أن المملكة تستهدف استقطاب أنواع مختلفة من المستثمرين، سواء الباحثين عن الموارد أو الأسواق أو الأصول الاستراتيجية أو الكفاءة والمرونة، من خلال بناء منظومات اقتصادية مترابطة وتعزيز ارتباطها بشبكات القيمة العالمية.

وبيّن أن قطاع الطاقة استحوذ على أكثر من 22 في المائة من إجمالي تكوين رأس المال الثابت في المملكة، بينما تجاوزت مشاركة القطاع الخاص 75 في المائة من الاستثمارات خلال السنوات الخمس الماضية.

وأشار إلى أن القطاعات التي شهدت تسارعاً في الاستثمار الأجنبي المباشر تشمل السياحة والسفر والترفيه، والتصنيع المتقدم، والابتكار والخدمات اللوجستية، والصناعة، والطاقة المتجددة، والمياه، لافتاً إلى أن تطوير هذه القطاعات يتطلب تعزيز التكامل بينها وبين الخدمات والبنية التحتية والقطاع المالي.

تجمعات صناعية

وأضاف أن المملكة تعمل على بناء تجمعات صناعية متكاملة، مستشهداً بتطوير تجمع لصناعة السيارات في المنطقة الغربية، إلى جانب منظومة مترابطة في المنطقة الشرقية تشمل بناء السفن والصناعات البتروكيماوية والموانئ وخطوط الأنابيب والخدمات اللوجستية.

وأكد أن رفع الإنتاجية والكفاءة يمثل محوراً رئيسياً في تعزيز قدرة المملكة على المنافسة عالمياً في استقطاب الاستثمارات، موضحاً أن البنية التحتية التي يجري تطويرها ستسهم في تعزيز أداء القطاعين العام والخاص ورفع قدرتهما التنافسية.

وشدد على أهمية استقرار السياسات الاقتصادية واستمرارية التوجهات الحكومية في تعزيز ثقة المستثمرين، مبيناً أن مستهدفات «رؤية 2030» تمثل محطة ضمن مسار اقتصادي طويل الأجل، وليست نهاية للتحول الذي تشهده المملكة.

ولفت إلى أن السياسات المالية المستدامة أسهمت في تعزيز ثقة المستثمرين من خلال توفير بيئة أكثر قابلية للتنبؤ، مع الاحتفاظ بالمرونة اللازمة للتكيف مع المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية واضطرابات التجارة وسلاسل الإمداد.

الأنشطة غير النفطية

من جانبه، ذكر عبد المحسن الخلف، نائب وزير المالية السعودي، أن الأنشطة غير النفطية ارتفعت إلى 55 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة للمرة الأولى في تاريخها، في تحول هيكلي يعكس التقدم المحقق في تنويع الاقتصاد منذ إطلاق «رؤية 2030».

وبحسب الخلف، فإن الإيرادات الحكومية غير النفطية ارتفعت من نحو 166 مليار ريال (44.3 مليار دولار) في عام 2015، إلى نحو 500 مليار ريال (133.3 مليار دولار) حالياً، ما يعزز قدرة الاقتصاد السعودي على مواجهة المتغيرات الاقتصادية والاستجابة للصدمات.

وتابع أن معدل البطالة بين السعوديين انخفض إلى نحو 6 في المائة، بالتزامن مع نمو قطاعات اقتصادية واعدة، تشمل السياحة والترفيه والرياضة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن الإصلاحات المنفذة في إطار «رؤية 2030» عززت مرونة الاقتصاد السعودي، ومنحته قدرة أكبر على التعامل مع الظروف المتغيرة، مع مواصلة تنفيذ الأولويات الوطنية.


أوروبا تقيّد السيارات الصينية باتفاق تجاري جديد

سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تقيّد السيارات الصينية باتفاق تجاري جديد

سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
سيارات صينية مُعدّة للتصدير في ميناء تايسانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

دخلت المنافسة بين شركات السيارات الصينية والأوروبية مرحلة جديدة، بعدما توصل «الاتحاد الأوروبي» والصين إلى اتفاق يضع سقفاً لواردات السيارات الهجين الصينية؛ في خطوة تستهدف الحد من التدفقات المتسارعة إلى الأسواق الأوروبية، وتجنب تصعيد النزاع التجاري بين الجانبين.

وكشف مسؤول في «المفوضية الأوروبية»، الاثنين، عن أن الاتفاق، الذي يمتد 4 سنوات، يحدد واردات السيارات الهجين من الصين عند 350 ألف سيارة سنوياً، مع زيادة الحصة بنسبة 6 في المائة كل عام. ومن المتوقع بدء تطبيق الإجراءات الأوروبية الأولية مطلع ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

ويأتي الاتفاق بعد نمو استثنائي لصادرات السيارات الهجين الصينية إلى أوروبا، مستفيدة من عدم خضوعها للرسوم الإضافية التي فرضها «الاتحاد الأوروبي» على السيارات الكهربائية الصينية بالكامل في أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

ويعكس التفاهم محاولة لتحقيق توازن بين حماية صناعة السيارات الأوروبية والحفاظ على العلاقات التجارية مع الصين، في وقت تواجه فيه الشركات الصينية تباطؤ المبيعات المحلية وتبحث فيه عن فرص للنمو الخارجي.

وارتفعت قيمة صادرات الصين من السيارات الهجين إلى دول «الاتحاد الأوروبي» الـ27 إلى 7.5 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مقارنة بنحو 2.5 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات الجمارك الصينية.

وتعادل هذه القيمة نحو 9 أضعاف صادرات عام 2021 بأكمله، التي بلغت 845 مليون دولار؛ مما يعكس التحول السريع في استراتيجية الشركات الصينية نحو السيارات الهجين القابلة للشحن.

وساعد ضَعف البنية التحتية للشحن في بعض المناطق الأوروبية على زيادة الطلب على هذه السيارات، التي تجمع بين المحركات الكهربائية والوقود التقليدي، وتوفر مدى قيادة أطول مقارنة ببعض السيارات الكهربائية بالكامل.

وبعد فرض الرسوم الأوروبية الإضافية على السيارات الكهربائية الصينية، أصبحت السيارات الهجين قناة رئيسية للحفاظ على نمو الصادرات وتوسيع الحصة السوقية.

ووفق تقديرات «جيفريز» للخدمات المالية والمصرفية والاستثمارية، فقد استحوذت شركات «سايك موتور» و«بي واي دي» و«شيري» على أكثر من 90 في المائة من مبيعات السيارات الهجين الصينية في «الاتحاد الأوروبي»، بينما شكلت هذه الفئة أكثر من نصف مبيعاتها الأوروبية.

ويعني ذلك أن الشركات الثلاث ستكون الأكبر تعرضاً لتداعيات الاتفاق، خصوصاً إذا أدت الحصص الجديدة إلى تقييد نمو الواردات مقارنة بالمستويات الحالية.

بكين تتمسك بمبدأ عدم التمييز

وأكدت وزارة التجارة الصينية، الاثنين، أن الاتفاق جاء بعد مشاورات مكثفة مع «الاتحاد الأوروبي» شملت السيارات الهجين والكهربائية، إلى جانب القضايا التجارية والاقتصادية الأوسع.

وأوضحت أن التفاهم يضمن للصين حصة تصديرية لا تقل عن الحصص الممنوحة لأي مُصدر آخر للواردات الأوروبية، مع التزام الإجراءات الأوروبية عدم استهداف المنتجات الصينية أو التمييز ضد شركاتها.

وأضافت أن الجانبين اتفقا على تعديل حجم صادرات السيارات الهجين بالزيادة مقارنة بأرقام عام 2025، بما يتيح استمرار النمو ويوفر بيئة تجارية واستثمارية مستقرة وقابلة للتنبؤ.

وعدّت الوزارة أن الاتفاق يحمي المصالح العملية للشركات الصينية ويساعد على تجنب تصاعد الاحتكاكات التجارية.

لكن المفوض الأوروبي للتجارة، ماروش شيفتشوفيتش، كان قد أشار، الجمعة، إلى أن الاتفاق قد يخفض واردات السيارات الهجين الصينية بأكثر من النصف، مقارنة بالمسار الذي كانت ستسلكه دون قيود.

وتعكس التصريحات المختلفة تركيز كل طرف على جانب من التفاهم؛ إذ تؤكد بكين ضمان استمرار الصادرات، بينما تبرز «بروكسل» قدرة الاتفاق على احتواء نمو الواردات.

ولا يزال بعض التفاصيل التنفيذية، بما فيها آليات توزيع الحصص والاستثناءات المحتملة والحدود السعرية، خاضعة للمفاوضات الفنية.

الشركات الصينية تعيد حساباتها

استقبل المستثمرون الاتفاق بوصفه تخفيفاً لمخاطر فرض رسوم جمركية إضافية على السيارات الهجين الصينية، لكنه في المقابل أدخل قيوداً كمية على الصادرات.

وتراجع سهم «بي واي دي» بنسبة 1.8 في المائة، بينما ارتفع سهما «شيري» و«سايك» بنسبتَي 0.25 و0.4 في المائة على التوالي.

ووصف محللو «جيفريز» التحول بأنه انتقال من مخاطر الرسوم الجمركية إلى مخاطر الحصص التصديرية، مع احتمال دفع الشركات نحو بيع طرازات أعلى سعراً لتعويض محدودية الكميات.

وقد يزيد ذلك المنافسة مع العلامات الألمانية الفاخرة، خصوصاً إذا ركزت الشركات الصينية على السيارات ذات الهوامش الربحية الأعلى.

ويرى محللو «سيتي» أن الاتفاق يخفف بعض المخاطر التجارية، لكن أثره النهائي سيعتمد على القواعد التنفيذية المتعلقة بحجم الواردات والأسعار والاستثناءات.

وفي المقابل، يتوقع خبراء تسارع استثمارات الشركات الصينية في مصانع السيارات الأوروبية، لتقليل اعتمادها على الصادرات المباشرة.

وقال بيل روسو، مؤسس شركة «أوتوموبيليتي» للاستشارات في شنغهاي، إن تقييد الوصول إلى السوق عبر الواردات يجعل الإنتاج بالقرب من المستهلك الأوروبي أعلى جاذبية.

لكنه حذر بأن التصنيع المحلي يتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة؛ مما قد يدفع بالشركات الصينية الصغرى إلى إعادة تقييم خطط توسعها الأوروبي.

«معرض باريس» يكشف عن شدة المنافسة

يتزامن الاتفاق مع انطلاق «معرض باريس للسيارات»، الاثنين، حيث تستعد الشركات الأوروبية والصينية للكشف عن نحو 60 طرازاً جديداً، في إحدى أبرز جولات المنافسة على المستهلِك الأوروبي.

وتشارك نحو 20 علامة صينية في المعرض، بينها «بي واي دي» و«شيري»، أي ضعف عدد المشاركين الصينيين في نسخة عام 2024.

وتشمل المشاركة علامات جديدة مثل «آيتو»، بينما تستعد «تشانغان» لتقديم علامتي «نيفو» و«أفاتر»، في مؤشر على استمرار اهتمام الشركات الصينية بالسوق الأوروبية رغم القيود التجارية.

وفي المقابل، تكثف الشركات الأوروبية جهودها لاستعادة حصصها السوقية.

وتطرح مجموعة «ستيلانتيس» 6 طرز جديدة عبر علاماتها الأوروبية، إلى جانب 9 سيارات اختبارية، في تحول ملحوظ عن مشاركاتها المحدودة خلال السنوات الماضية.

وأكد رئيسها التنفيذي، أنطونيو فيلوسا، أن المجموعة تعمل على إعادة ابتكار علاماتها التاريخية، بما في ذلك تطوير نسخة كهربائية يسيرة التكلفة مستوحاة من سيارة «سيتروين2CV» الشهيرة.

أما الرئيس التنفيذي لمجموعة «فولكسفاغن»، أوليفر بلومه، فرحب بالتقدم في المحادثات التجارية، لكنه شدد على ضرورة ضمان المنافسة العادلة داخل الأسواق الأوروبية.

وأكد أن الشركات التي تبيع سياراتها في أوروبا ينبغي أن تتنافس وفق شروط متكافئة، وأن تسهم في خلق الوظائف والقيمة الاقتصادية محلياً.

التصنيع المحلي يصبح أولوية

تتجه الشركات الصينية بالفعل إلى توسيع حضورها الصناعي داخل أوروبا، تحسباً للقيود التجارية والتشريعات المرتقبة المتعلقة بالمحتوى المحلي.

وتعمل «المفوضية الأوروبية» على إعداد قواعد تتضمن متطلبات «صنع في أوروبا»، وقد تشترط نسباً محددة من المكونات والإنتاج المحلي للحصول على فرص أوسع لدخول السوق.

وفي يوليو (تموز) الماضي، أعلنت «جيلي أوتو» خططاً لإنتاج سيارات رياضية متعددة الاستخدامات كهربائية في مصنع تابع لشركة «فورد» بإسبانيا.

كما أكد رئيسها التنفيذي، أليكس نان، التزام الشركة تعزيز وجودها الأوروبي وتوسيع شراكتها مع «رينو» الفرنسية.

وتكتسب هذه الاستثمارات أهمية متنامية بعدما تراجعت مبيعات السيارات في الصين بنسبة 20 في المائة خلال النصف الأول من عام 2026، وسط منافسة سعرية حادة وضغوط على أرباح الشركات.

ومع صعوبة دخول السوق الأميركية، أصبحت أوروبا الوجهة الخارجية الرئيسية لصانعي السيارات الصينيين.

مرحلة جديدة لصناعة السيارات

يفتح الاتفاق الأوروبي - الصيني مرحلة مختلفة من المنافسة، تنتقل فيها الشركات من الاعتماد على زيادة الصادرات إلى البحث عن التوازن بين الحصص التجارية، والتصنيع المحلي، وتطوير الطرازات الأعلى قيمة.

وبينما تسعى «بروكسل» إلى حماية الصناعة والوظائف الأوروبية، تحاول بكين ضمان استمرار وصول شركاتها إلى إحدى أهم الأسواق العالمية.

وقد يخفف الاتفاق احتمالات اندلاع مواجهة جمركية أوسع، لكنه لن ينهي المنافسة المتصاعدة بين الجانبين.

وستحدد التفاصيل التنفيذية المنتظرة، إلى جانب قدرة الشركات الصينية على توسيع إنتاجها داخل أوروبا، حجم التأثير الفعلي للحصص الجديدة في الأسعار والمبيعات والاستثمارات.

وفي ظل التحولات المتسارعة لصناعة السيارات العالمية، يبدو أن مستقبل المنافسة لن يتحدد فقط بالتكنولوجيا والأسعار، بل أيضاً بمواقع المصانع، وقواعد التجارة، والقدرة على التكيف مع السياسات الصناعية الأوروبية.


محافظة «المركزي الإندونيسي» تؤكد استقلالية قرار الفائدة رغم التعاون الوثيق مع الحكومة

محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا (رويترز)
محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا (رويترز)
TT

محافظة «المركزي الإندونيسي» تؤكد استقلالية قرار الفائدة رغم التعاون الوثيق مع الحكومة

محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا (رويترز)
محافظة البنك المركزي الإندونيسي ديستري دامايانتي خلال مؤتمر صحافي في جاكرتا (رويترز)

قالت ديستري دامايانتي، المحافظة الجديدة للبنك المركزي الإندونيسي، في مقابلة مع «رويترز»، الاثنين، إن البنك يتمتع باستقلالية كاملة في تحديد أسعار الفائدة، رغم تعاونه بصورة أوثق مع الحكومة في إطار ما وصفته بـ«التكامل» في السياسات.

وتولت دامايانتي منصب محافظة بنك إندونيسيا الشهر الماضي، عقب الاستقالة المفاجئة لسلفها في أواخر يوليو (تموز).

وقالت إن التنسيق بين صانعي السياسات المالية والنقدية، لضمان تحركهم في الاتجاه نفسه، من شأنه أن ينعكس إيجاباً على الاقتصاد.

وأوضحت أن الحكومة دُعيت إلى حضور جزء من الاجتماعات الشهرية لمراجعة السياسة النقدية، كما أنها تشارك في اجتماعات مع الرئيس برابوو سوبيانتو، لكن ذلك لا يمنحها سلطة اتخاذ القرار بشأن أسعار الفائدة.

وأضافت: «عندما نكون بصدد اتخاذ قرار بشأن السياسة النقدية، سواء برفع أسعار الفائدة أو خفضها أو استخدام حوافز أخرى، فإن لدينا كامل الصلاحية لاتخاذ هذا القرار».

وتُعد المخاوف من التدخل السياسي في البنك المركزي أحد العوامل التي أسهمت في تصاعد قلق المستثمرين بشأن إندونيسيا، كما أنها من الأسباب التي جعلت الروبية الإندونيسية العملة الأسوأ أداءً في الأسواق الآسيوية الناشئة.

وكان برابوو قد عيّن هذا العام أحد أقاربه، وهو ابن شقيقه، في منصب رفيع بالبنك المركزي، بينما وسّع البرلمان صلاحيات البنك لتشمل التركيز بصورة أكبر على دوره في دعم النمو الاقتصادي.

ويشعر المستثمرون أيضاً بالقلق إزاء الأوضاع المالية العامة في إندونيسيا، والتغييرات في سياسات التصدير، وقضايا الشفافية في سوق الأسهم.

وقالت دامايانتي إن الحكومة والبنك المركزي يناقشان بانتظام استراتيجية إصدار السندات بالروبية والعملات الأجنبية، وإدارة الاحتياطيات النقدية، والآليات المستخدمة لتحفيز الطلب على القروض.

وأضافت: «في إندونيسيا، الرئيس هو رئيس الحكومة ورئيس الدولة في الوقت نفسه. وبما أن البنك المركزي يتبع دولة إندونيسيا، فمن الطبيعي، في رأيي، أن يرغب الرئيس في الاطلاع على التطورات».

الالتزامات المستقبلية بالعملات الأجنبية ستُجدَّد

رفع بنك إندونيسيا أسعار الفائدة بإجمالي 100 نقطة أساس خلال مايو (أيار) ويونيو (حزيران)، بهدف دعم الروبية التي تراجعت إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق في يونيو. وكانت دامايانتي آنذاك عضواً في مجلس إدارة البنك، وتشغل ثاني أعلى منصب فيه.

وأبقى البنك أسعار الفائدة من دون تغيير منذ ذلك الحين، لكنه قدّم خصماً على أدوات التحوط من تقلبات أسعار الصرف. ووصفت دامايانتي هذه الخطوة بأنها «مبتكرة»، مشيرة إلى أنها قد تزيد عوائد المستثمرين الأجانب من الأصول المقوّمة بالروبية بما يعادل 40 نقطة أساس، من دون الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة.

ورداً على سؤال بشأن احتمال استئناف دورة التشديد النقدي، قالت إن قرارات أسعار الفائدة ستظل مرتبطة بالبيانات الاقتصادية، مؤكدة استعداد البنك للتحرك عند الضرورة.

ووصفت حالة عدم اليقين العالمية والصراع في الشرق الأوسط بأنهما «ماراثون» يصعب التنبؤ بمساره، مشددة على ضرورة تعزيز قدرة البنك المركزي على تحمّل هذه الظروف ومواجهتها.

وبلغت احتياطيات إندونيسيا من العملات الأجنبية 146.3 مليار دولار في نهاية سبتمبر (أيلول)، وهو مستوى قالت دامايانتي إنه كافٍ للمساعدة في استقرار الروبية، رغم أن جزءاً من هذه الاحتياطيات يتكون من ودائع بالدولار الأميركي تضعها البنوك التجارية لدى البنك المركزي.

وتقدّر بعض الجهات في السوق الالتزامات المستقبلية المرتبطة بالاحتياطيات الأجنبية بنحو 30 مليار دولار.

وقالت دامايانتي إن معظم البنوك توظف أموالها في أدوات تستحق بعد عام واحد، وإن هذه التوظيفات تُجدَّد عادة عند الاستحقاق.

وأضافت: «لديهم عادة ما يُعرف بالمخزون الاحتياطي الثابت، وهو مركز مضمون الوجود باستمرار»، مشيرة إلى أن تحسن الصادرات من شأنه أن يعزز احتياطيات النقد الأجنبي بصورة أكبر.

تسويات بالعملات المحلية لتقليل الاعتماد على الدولار

يواصل بنك إندونيسيا إبرام اتفاقات مع شركائه التجاريين، ومن بينهم الصين واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، لاستخدام العملات المحلية في تسوية المعاملات التجارية والاستثمارية، بهدف تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي.

وقالت دامايانتي إن قيمة المعاملات التي جرت تسويتها بالعملات المحلية ارتفعت بقوة، لتصل إلى 49.42 مليار دولار خلال الفترة الممتدة حتى أغسطس (آب) من العام الحالي، مقارنة مع 25.74 مليار دولار خلال العام الماضي بأكمله.

وأضافت أن اليوان الصيني استحوذ على نحو ثلاثة أرباع إجمالي هذه المعاملات.

وأشارت إلى أن إندونيسيا تعمل أيضاً على إبرام اتفاق لتسوية المعاملات بالعملات المحلية مع الهند.