في جنوب لبنان... البحث عن الذكريات تحت الركام

محمّد علي حجازي يبحث عن تذكارات من عائلته التي قُتل 5 أفراد منها بغارة إسرائيلية في مدينة صور (أ.ف.ب)
محمّد علي حجازي يبحث عن تذكارات من عائلته التي قُتل 5 أفراد منها بغارة إسرائيلية في مدينة صور (أ.ف.ب)
TT

في جنوب لبنان... البحث عن الذكريات تحت الركام

محمّد علي حجازي يبحث عن تذكارات من عائلته التي قُتل 5 أفراد منها بغارة إسرائيلية في مدينة صور (أ.ف.ب)
محمّد علي حجازي يبحث عن تذكارات من عائلته التي قُتل 5 أفراد منها بغارة إسرائيلية في مدينة صور (أ.ف.ب)

بين الركام، يبحث محمّد علي حجازي ممسكاً بألبوم صور يكسوه الغبار، عن تذكارات من عائلته التي قُتل خمسة أفراد منها بغارة إسرائيلية في مدينة صور قبل دقائق من بدء الهدنة بين «حزب الله» وإسرائيل.

ويقول حجازي (48 عاماً) المقيم منذ 16 عاماً في فرنسا، لوكالة الصحافة الفرنسية، بينما لا يقوى على حبس دموعه، «أحاول أن أعثر على فرشاة شعر أمي... أن أجد عبوة العطر التي تحبّها».

ويضيف: «أفتش عن آخر ما أرسلته لها لأحتفظ به إذا بقيت حياً... لم أستوعب هول ما حصل. تدمّرت حياتي. منذ خمسة أيام لم أنم (...) أشعر بأن قلبي سيتوقف عن الخفقان».

قبل دقائق من سريان وقف إطلاق النار في 16 أبريل (نيسان)، شنّت إسرائيل ضربات على ستة أبنية سكنية في مدينة صور الجنوبية قرب الكورنيش البحري سوّتها بالأرض على رؤوس العشرات من قاطنيها، ما أسفر عن مقتل 27 شخصاً على الأقل، وفق السلطات المحلية.

بين هؤلاء خمسة من أفراد عائلة حجازي: شقيقة محمد علي الصغرى غزوى مع طفليها فضل وناتالي، ابن عمه محمّد ووالدته إخلاص التي توفيت في المستشفى متأثرة بجروحها. ونجا والده مع ابن شقيقته.

ويروي والحزن يطغى على وجهه وعلى نبرة صوته المتهدّج كيف «انهار» بعدما علم عبر «فيسبوك» بالغارة.

ويتابع: «حين رأيت الدمار، توقعت أن أعثر عليهم أشلاء، وبالفعل وجدتهم أشلاء. ما من جسم كامل»، مشيراً إلى أن ما عاينه بدا أشبه بـ«فيلم رعب».

رغم مرور أكثر من أسبوع على وقف إطلاق النار، كانت جرافات لا تزال تعمل، الخميس، في موقع الضربات الإسرائيلية على إزالة أكوام من الركام والحجارة، تبعثرت بينها بقايا ستائر ووسائد وفرش.

اللبناني محمّد علي حجازي ممسكاً بصور يكسوها الغبار انتشلها من أنقاض منزله في مدينة صور اللبنانية (أ.ف.ب)

وكان الغبار يتصاعد من المكان بينما تتحرّك الجرافات، فيما لا تتوقف مسيّرة عن التحليق في أجواء المدينة. في البعيد، يمكن رؤية سحب دخان على طول الساحل حيث تواصل القوات الإسرائيلية تنفيذ هجمات وعمليات تفجير وتوغل.

«مواطنون أبرياء»

بتأثر شديد، يقول حجازي بعدما تسلّق أكوام الركام حيث عثر على ألبوم صور عائلي، «ذكرياتي كلها» في هذا المكان الذي اعتاد زيارته في الإجازات مع زوجته الفرنسية وطفلتيه. ويضيف: «كلنا مواطنون أبرياء... لا شيء في المنزل له علاقة بأحزاب».

وأسفرت الضربات التي قتلت عائلة حجازي عن مقتل إجمالي 27 شخصاً وإصابة نحو 75 آخرين بجروح، تم سحب 35 منهم من تحت الأنقاض، وفق ما قال نائب رئيس بلدية صور علوان شرف الدين لوكالة الصحافة الفرنسية. ولا يزال شخص على الأقل في عداد المفقودين.

أمام متجر تحطّم زجاجه، يجلس فضل حجازي (66 عاماً)، والد محمّد علي، مراقباً الجرافات تعمل فوق الركام فيما آثار الجروح على ذراعيه.

ويستعيد الرجل القوي البنية ذو العينين الزرقاوين كيف حاول إضحاك أفراد عائلته قبل دقائق من حدوث الغارات، وكان تحليق طائرات حربية إسرائيلية في الأجواء أصابهم بالذعر. ويروي أنه دخل بعدها إلى غرفته حيث كان حفيده ينام قربه في السرير.

محمّد علي حجازي ممسكاً بصور يكسوها الغبار انتشلها من أنقاض منزله في مدينة صور اللبنانية (أ.ف.ب)

ويقول لوكالة الصحافة الفرنسية: «لم أكن قد أغمضت عيني بعد إلا وشعرت وكأن زلزالاً» حدث، مضيفاً: «انهار السقف على خزانة... ونجونا». بعد نحو ثلاث ساعات، تمكّن رجال الإنقاذ من إخراجه وحفيده من تحت الردم، ليكتشف بعدها حجم خسارته.

وبينما يتوقّف عابرون في الطريق لتعزيته، يوضح الرجل بصوت أجش: «هنا خسرت عائلتي، خسرت الأحباب الذين كنت أتصبّح وأتمسّى بهم في كل يوم». ويتابع: «خسرت كل شيء. خسرت بيتي، خسرت سيارتي. لم أعد أملك شيئاً. أخرجوني حافياً، تصدّق الناس عليّ بثياب وحذاء».

خلال جولة الحرب الأخيرة، وجّه الجيش الإسرائيلي نداءات إخلاء متكررة لسكان مناطق عدة، بينها مدينة صور قبل تنفيذه غارات. لكن تلك التي استهدفت الأبنية الستة حيث منزل عائلة حجازي لم يسبقها أي تحذير.

«أحرقوا قلوبنا»

ويسأل الرجل المكلوم بغضب: «لماذا شنّوا علينا هذه الضربات؟ أحرقوا قلوبنا. هل من مسلحين هنا أو من صواريخ؟»، في إشارة إلى بيانات الجيش الإسرائيلي الذي يقول إن ضرباته في لبنان تطول «حزب الله» وبناه العسكرية.

ويتابع بحرقة: «لم نتوقع أن يحصل ذلك قبل وقف إطلاق النار... أن يبيدوا حيّاً بأكلمه» فضّل قاطنوه الصمود في منازلهم لعدم قدرتهم على النزوح باتجاه مناطق أخرى.

من شرفة منزلها المطلة على ساحة الركام، تستعيد فادية مليجي (53 عاماً)، قريبة عائلة حجازي، يومياتها قبل الحرب مع جيرانها الذين كانوا يبادلونها التحية لدى مرورهم في الشارع المكتظ. وتقول: «لا أقوى اليوم على رؤية هذا المشهد، إنه لأمر صعب للغاية ولا يصدق».

وتتابع: «حيّنا الذي عشنا فيه وترعرعنا به اختفى كله بلحظة مع ناسه ومفروشاته وحجارته».

وتسأل على غرار آخرين من سكان الحي: «لمَ ارتكبوا هذه المجزرة؟ كان الناس نياماً في أسرّتهم»، مضيفة: «لا طائرات لدينا هنا ولا دبابات ولا صواريخ».


مقالات ذات صلة

فصائل تهرّب النفط... وحصة إيران لـ«حماس» و«الحوثي»

المشرق العربي 
صورة وزعها القضاء العراقي للقاضي فائق زيدان (الثاني من اليسار) وهو يعاين سبائك ذهبية تم ضبطها في قضية الموقوف عدنان الجميلي

فصائل تهرّب النفط... وحصة إيران لـ«حماس» و«الحوثي»

يكشف تحقيق لـ«الشرق الأوسط» ما يمكن وصفها بـ«خوارزمية» المكاتب الاقتصادية، وهي كيانات مالية تابعة لأحزاب وفصائل في العراق، وكيف أنشأت جيشاً من المقاولين

علي السراي (لندن)
المشرق العربي جنود لبنانيون يفتشون سيارة قبل دخولها بلدة زوطر الغربية المدرجة ضمن المناطق النموذجية في جنوب لبنان (رويترز)

السكان يدخلون أولى البلدات النموذجية بجنوب لبنان بعد الانسحاب الإسرائيلي

بدأ أهالي بلدة زوطر الغربية، الجمعة، دخول البلدة التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية الثلاثاء الماضي بموجب اتفاق الإطار.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلتقي الرئيس السوري أحمد الشرع في نيويورك على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

هل لأميركا خطابان حيال سوريا؟

صرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الأربعاء، من مانيلا عاصمة الفلبين، أن بلاده تشجع سوريا على التركيز على تحدياتها الداخلية ودعاها إلى تأمين حدودها مع لبنان

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية كوزو أوكاموتو (في الوسط) العضو الوحيد الباقي على قيد الحياة من وحدة الكوماندوز المكونة من ثلاثة رجال «الجيش الأحمر الياباني» التي قتلت 26 شخصاً في هجوم على مطار اللد الإسرائيلي يوم 30 مايو 1972 يحضر حفلاً نظّمه مسلحون فلسطينيون لإحياء الذكرى الخمسين لهجوم اللد في إسرائيل... بيروت 30 مايو 2022 (أ.ف.ب)

وفاة الياباني كوزو أوكاموتو أحد منفّذي هجوم مطار اللد الإسرائيلي عام 1972

توفي في بيروت، الخميس، الياباني كوزو أوكاموتو أحد منفذي الهجوم الانتحاري الدامي على مطار اللد في إسرائيل الذي أودى بحياة 26 شخصاً في عام 1972.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص عناصر قوات الدفاع الوطني الموازية لقوات الأسد أحدهم يحمل علم «الحزب السوري القومي الاجتماعي» في بلدة معلولا شمال شرقي دمشق 13 يونيو 2015 (أ.ف.ب)

خاص فلول «الأسد» و«حزب الله»... لبنان لم يعد آمناً والعودة لسوريا «خيار مطروح»

بدأ أفراد وضباط من نظام الأسد و«حزب الله» من السوريين الفارين للبنان بعد سقوطه البحث عن بدائل أكثر استقراراً بينما يجد آخرون في العودة إلى سوريا خياراً متاحاً

منصور حسين (دمشق)