«إلكُنْ»... مشروع مسرحي لزياد نجار في مواجهة الحرب

الممثل اللبناني قال لـ«الشرق الأوسط» إنه مساحة تعبير بلا قيود وأحكام مسبقة

الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)
الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)
TT

 «إلكُنْ»... مشروع مسرحي لزياد نجار في مواجهة الحرب

الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)
الكاتب والممثل المسرحي زياد نجار (زياد نجار)

لم يأتِ ارتباطه بالمسرح وشغفه به من فراغ، بل هو امتداد لإرث عائلي متجذِّر. فالكاتب والممثل المسرحي زياد نجار ورث هذا الحب أباً عن جد، ليواصل بأمانة مسيرة والده الراحل مروان نجار؛ الذي أسَّس مدرسة في المسرح الكوميدي من نوع «الفودفيل»، تاركاً بصمة راسخة تُدرَّس في الجامعات.

مؤخراً، أطلق زياد مشروعه المسرحي الجديد «إلكُنْ»، أي «لكم». وهو ليس مجرد عرض من تأليفه، بل مساحة تعبير مفتوحة للجميع، تتيح للمواهب الجديدة الحضور واعتلاء الخشبة وتقديم أداء تمثيلي بلا قيود.

يصف نجار مشروع «إلكن» بمساحة حرة للتعبير (زياد نجار)

يرتكز المشروع على قصة يرويها زياد أمام الحضور، يصوغ لها حبكة مسرحية ويمنحها شخصيات يختار الجمهور تجسيدها على الخشبة. ويوضح نجار في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «المشروع فضاء مسرحي تفاعلي يوفّر للناس متنفساً بعيداً عن الأجواء القاتمة. هو ليس صفاً لتعليم التمثيل، بل مساحة حرّة للتعبير. خلال أيام الحرب شعرت بضرورة القيام بفعل مقاومة ثقافية، فوجدت في (إلكن) الوسيلة الأنسب لاحتضان محبّي المسرح، ليعبِّروا عن أنفسهم بعيداً عن منطق الصح والخطأ، وبعفوية تامة». ويصف المشروع بأنه أشبه بورشة اختيارية انطلقت على خشبة «مسرح مونو» في بيروت، قبل أن تتوسّع لتشمل مسارح أخرى. ويضيف: «لم يعد المشروع محصوراً بالعاصمة، بل امتد إلى مناطق مختلفة، فننظّم جولات في جونية، وجبيل، ويخرج المشاركون منه بطاقة إيجابية».

تضم غالبية المشاركين خريجي معاهد المسرح والفنون، إلى جانب أشخاص يمتلكون موهبة التمثيل ولم تتح لهم فرصة إبرازها. ويعلّق نجار: «أحياناً تستوقفني موهبة معيّنة، فأستعين بصاحبها في أعمال مسرحية من تأليفي».

ويشير إلى أن فكرة المشروع وُلدت بعد تأجيل عرض مسرحيته «دنيا» بسبب اندلاع الحرب، مضيفاً: «عندما لمست حاجة الناس إلى مساحة يروّحون فيها عن أنفسهم، شعرت بضرورة ابتكار فكرة تجمعني بهم. فالثقافة والفن عنصران أساسيان في نقل الإنسان من حال إلى أخرى، ويساعدانه على التخلّص من القلق والأفكار السوداوية».

«روميو وجوليات» عنوان مشروع «إلكن» في موسمه الثاني (زياد نجار)

ويؤكد أن المشروع يلقى صدى إيجابياً، إذ يكرّر بعض المشاركين التجربة أكثر من مرة. ويقول: «يتردّد البعض في البداية في اعتلاء الخشبة، لكنهم ما إن يختبروا الأثر الإيجابي حتى يتحوّلوا من متفرّجين إلى مشاركين».

ويرى أن هذه المبادرات تلبّي حاجة اللبناني إلى فسحة ثقافية، لذلك يختار موضوعات كوميدية، موضحاً: «نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى الابتسامة، ومع تفاعل الناس تنشأ علاقة مريحة بينهم وبين المسرح».

يحرص نجار على تقديم نصوص تنبذ الحروب وخطاب الكراهية والطائفية، قائلاً: «تمسّكت دائماً بهذا النهج، وقدّمت سابقاً مسرحية (اعذرنا يا وطن) التي دعوت فيها إلى التكاتف، لأننا نردّد (كلنا للوطن) من دون أن نطبّق معناها الحقيقي».

وفي زمن الحرب، يضيف: «لا بدَّ من الابتعاد عمّا يزيد تعقيدات الحياة، والتوجُّه نحو ما يخفّف وطأة الواقع ويمنح الناس أملاً». لذلك يميل إلى البساطة والقصص القريبة من الناس، مستمداً نصوصه أحياناً من وقائع حياتية، وأحياناً من أعمال عالمية يضفي عليها طابعاً لبنانياً.

أما عمله الجديد، الذي يستهل به الموسم الثاني من «إلكن»، فيدور أيضاً في إطار كوميدي. ويوضح أنه ابتداءً من 23 أبريل (نيسان) سيقدّم معالجة لمسرحية «روميو وجوليات» بروح لبنانية معاصرة، مع الحرص على تغيير قصص المشروع كل أسبوعين، ما يفتح آفاقاً واسعة أمام الهواة ومحبي المسرح. ويتابع: «في (روميو وجوليات) سيكتشف الحضور شخصيات تشبههم وتمثّل نماذج من المجتمع اللبناني بمناطقه المختلفة».

يكتشف من خلال «إلكن» مواهب تمثيلية جديدة (زياد نجار)

بالنسبة إلى نجار، تقوم تجربته المسرحية على 3 ركائز: «أولها أن الحرية تنبع من الداخل، فلا يجب أن نسجن أنفسنا في قوالب تفرضها الحرب. والثانية أن الضحك هو العلاج الأنجع للتخفيف من أوجاعنا. أما الثالثة فهي ضرورة تقريب الناس من الفن والثقافة لما لهما من دور في بناء وعي إنساني جامع».

ويختم متأثراً بأنه تعلّم من والده مروان نجار عدم الاستسلام لليأس، إذ لم تمنعه الحروب يوماً من تقديم أعماله، وكان يردّد: «لا شيء يوقفني عن عملي إلا إذا سقط صاروخ في صالون منزلي». ويضيف: «أتمسّك اليوم بالعلاقة نفسها مع المسرح والجمهور، إيماناً بأن الخشبة قد تكون طريقنا نحو الأمل وبناء مستقبل أفضل».


مقالات ذات صلة

«غرام في الكرنك»... استعادة لزمن المسرح الغنائي في مصر

يوميات الشرق «غرام في الكرنك» قدَّم رقصات الاستعراضات الشعبية (وزارة الثقافة المصرية)

«غرام في الكرنك»... استعادة لزمن المسرح الغنائي في مصر

تُعدُّ «فرقة رضا» من أقدم فرق الفنون الشعبية في مصر، وقد أسَّسها الشقيقان محمود وعلي رضا عام 1959.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق مسرحية «الوحش» على «مسرح المونو» في بيروت (الشرق الأوسط)

مسرحية «الوحش» تعكس الصدمة التي يتخبَّط فيها اللبناني

تأتي ديكورات المسرحية والإضاءة الخافتة لتغمر العمل بالدفء وتمنحه شعوراً بالراحة والألفة...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق نور محمود (حسابه على «فيسبوك»)

نور محمود: «التياترو» يطمح في استعادة وهج المسرح بمصر

قال الممثل المصري، نور محمود، إنَّ عودته إلى خشبة المسرح من خلال عرض «التياترو» تمثِّل خطوةً مهمةً في مسيرته الفنية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مسرحية «التياترو» ضمن موسم عيد الأضحى (وزارة الثقافة المصرية)

مصر: العروض المسرحية تزاحم أفلام السينما في موسم «عيد الأضحى»

تزاحم العروض المسرحية أفلام السينما بمصر خلال موسم «عيد الأضحى»، إذ يشهد المسرح خلال أيام العيد انتعاشةً فنية لافتة، تنوعت بين العروض المسرحية القديمة والجديدة.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق الضحك يطرق باب مرحلة أثقل من أن تُفتَح بهذه السهولة (الجهة المنظّمة)

«إسعاف» زياد عيتاني... كوميديا تصل إلى الخشبة ولا ترسَخ بعدها

الجمهور المُتعب من الحرب يستحق الضحك، لكنه يستحق ضحكاً يترك داخله أثراً يستمرّ بعد العودة إلى البيت.

فاطمة عبد الله (بيروت)

مخرجا «سِفن دوجز»: قدمنا تجربة تعيد تعريف «أفلام الأكشن»

مخرجا الفيلم (الشرق الأوسط)
مخرجا الفيلم (الشرق الأوسط)
TT

مخرجا «سِفن دوجز»: قدمنا تجربة تعيد تعريف «أفلام الأكشن»

مخرجا الفيلم (الشرق الأوسط)
مخرجا الفيلم (الشرق الأوسط)

أكد المخرجان عادل العربي وبلال فلاح أن فيلم «سِفن دوجز» بدأ فكرةً تحمل رغبة عارمة في إعادة تعريف شكل أفلام الأكشن العربية، وتقديم تجربة بروح عالمية دون أن تفقد هويتها المحلية.

وقال الثنائي، وهما مخرجان بلجيكيان من أصول مغربية، في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن البداية الحقيقية للمشروع جاءت بعد لقائهما برئيس هيئة الترفيه السعودية المستشار تركي آل الشيخ في الرياض، حيث تحدث معهما بحماس شديد عن حلمه بصناعة فيلم أكشن عربي يستطيع أن ينافس الإنتاجات العالمية الكبرى من حيث الصورة والطاقة والحجم، لكن مع الاحتفاظ بروح المنطقة وشخصياتها.

وأكد عادل العربي أن أكثر ما لفت انتباهه منذ الجلسة الأولى هو أن المشروع لم يكن قائماً فقط على فكرة «الإبهار» أو تقديم مطاردات وانفجارات ضخمة، بل على محاولة بناء عالم سينمائي كامل، يمتلك شخصياته الخاصة وإيقاعه المختلف.

وأضاف أن «الحماس الذي وجدته لدى تركي آل الشيخ صاحب قصة العمل جعلني أشعر بأن هناك رغبة حقيقية في دفع السينما العربية إلى مساحة جديدة تماماً، وهذا النوع من الطموح نادر؛ لأنه يحتاج إلى جرأة كبيرة وثقة في أن الجمهور العربي مستعد لاستقبال تجربة سينمائية مختلفة بهذا الحجم».

جمع الفيلم نجوماً من مختلف أنحاء العالم (الشركة المنتجة)

ويشير بلال فلاح إلى أن ما شجعه أكثر على خوض التجربة هو أن الفيلم لا يحاول تقليد أفلام هوليوود بشكل أعمى، بل يستفيد من أدوات السينما العالمية ليقدم بها قصة تنتمي إلى المنطقة العربية، عادَّاً أن «التحدي الأكبر بالنسبة لهما بصفتهما مخرجين كان الحفاظ على هذا التوازن، بحيث يشعر المشاهد بأنه يشاهد فيلماً عالمياً من حيث التنفيذ، لكنه في الوقت نفسه قريب من روحه وثقافته وشخصياته».

وأشار عادل العربي إلى أن العمل على الفيلم تطلب فترة تحضيرات ضخمة قبل بدء التصوير؛ لأن أفلام الأكشن لا تُبنى على الارتجال، بل على التخطيط الدقيق لكل تفصيلة مهما بدت صغيرة.

وقال إن الفريق أمضى وقتاً طويلاً في تصميم مشاهد المطاردات والانفجارات، ورسم حركة الكاميرا والإضاءة وتحركات الممثلين، حتى تبدو النتيجة النهائية سلسة وطبيعية على الشاشة، رغم التعقيد الهائل الموجود خلف الكواليس.

وقال بلال فلاح: «إن الجمهور عندما يشاهد مشهد أكشن ناجحاً قد يظن أن الأمر تم بسهولة أو بعفوية، بينما الحقيقة أن كل ثانية داخل هذه المشاهد تكون محسوبة بدقة شديدة».

وأضاف أن «أي لقطة داخل الفيلم كانت تحتاج إلى تنسيق كامل بين المخرجين وفريق التصوير والمجازفات والمؤثرات والممثلين؛ لأن خطأ بسيطاً واحداً قد يعطل المشهد بالكامل أو يفسد الإيقاع الذي نبحث عنه».

وكشف عادل عن أن «من أصعب المشاهد التي جرى تنفيذها داخل الفيلم كان أحد مشاهد المطاردة التي جمعت كريم عبد العزيز وأحمد عز باستخدام كاميرا 360 درجة»، موضحاً أن «المشهد بدا على الشاشة سريعاً وعفوياً، لكنه في الحقيقة احتاج إلى عدد هائل من التدريبات قبل التصوير الفعلي».

كريم عبد العزيز على الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأضاف: «بطلا العمل كان عليهما تنفيذ الحركة نفسها مرات كثيرة جداً؛ حتى تصبح متناسقة تماماً مع حركة الكاميرا والسيارات والانفجارات»، مؤكداً أن المشهد أُعيد التدريب عليه أكثر من 20 مرة حتى خرج بالشكل المطلوب.

وقال بلال فلاح إن هذا النوع من المشاهد يوضح حجم المجهود الحقيقي الذي يبذله الممثلون داخل أفلام الأكشن؛ لأن الأمر لا يتعلق فقط بالوقوف أمام الكاميرا، بل بتحمل ضغط بدني ونفسي هائل طوال الوقت.

وأكد أن أكثر ما أعجبه في كريم عبد العزيز وأحمد عز هو احترافيتهما الكبيرة واستعدادهما لخوض أصعب المشاهد بأنفسهما، موضحاً أن «الاثنين يمتلكان خبرة طويلة جعلتهما قادرَين على التعامل مع تعقيدات التصوير بسهولة وثقة».

وأضاف عادل العربي أن تصوير الفيلم شهد حالة من «الفوضى المنظمة»؛ لأن موقع التصوير كان مليئاً بالحركة المستمرة، من سيارات تنفجر، وكاميرات تتحرك بسرعة، ومجاميع، ومؤثرات، ومطاردات، لكن خلف هذه الفوضى كانت هناك خطة دقيقة جداً لكل شيء.

وأوضح أن «أصعب ما في أفلام الأكشن هو أن تجعل المشاهد يشعر بأن كل شيء يحدث بشكل طبيعي وعفوي، في حين الحقيقة أن وراء كل ثانية على الشاشة ساعات طويلة من التحضير والعمل».

وعن الدعم الكبير الذي حصل عليه الفيلم، سواء على مستوى الإمكانات أو فرق العمل أو مواقع التصوير، قال فلاح: «إن هذا النوع من المشاريع يحتاج إلى بيئة إنتاجية تؤمن بالفكرة بشكل كامل حتى يخرج بالصورة المطلوبة».

وأكد أنهما شعرا طوال الوقت بأن الجميع داخل المشروع يعمل بهدف واحد، وهو تقديم فيلم يمكنه أن يغيّر نظرة الجمهور إلى أفلام الأكشن العربية.

تم تصوير عدد كبير من مشاهد الأكشن (الشركة المنتجة)

وعن اختيار فريق العمل، أوضح عادل العربي أن المشروع منذ البداية كان قائماً على فكرة الجمع بين نجوم عرب يمتلكون جماهيرية ضخمة وأسماء عالمية تضيف للفيلم بعداً دولياً؛ لذلك كان وجود النجمة مونيكا بيلوتشي جزءاً من رؤية الفيلم نفسه، وليس مجرد محاولة لإضافة اسم عالمي. عادَّاً أن تنوع الجنسيات والثقافات داخل العمل منح الفيلم طاقة مختلفة وجعل عالمه أكثر ثراءً واتساعاً.

أما بلال فلاح، فأكد أن «وجود كريم عبد العزيز وأحمد عز كان عاملاً أساسياً في منح المشروع ثقله الحقيقي، فهما بالنسبة للجمهور العربي يمتلكان مكانة تشبه نجوم هوليوود الكبار مثل جورج كلوني وبراد بيت».

وأضاف أن «الاثنين لا يملكان فقط النجومية، بل أيضاً الخبرة والانضباط والقدرة على قيادة فيلم بهذا الحجم؛ وهو ما جعل التعامل معهما ممتعاً للغاية على المستوى الفني».

واختتم عادل العربي حديثه بالتأكيد على أن «سِفن دوجز» بالنسبة له ليس مجرد فيلم أكشن ضخم، بل محاولة حقيقية لصناعة تجربة سينمائية عربية جديدة تستطيع أن تصل إلى العالم كله، في حين شدد بلال فلاح على أن الفيلم يمثل خطوة مهمة لإثبات أن المنطقة العربية قادرة على إنتاج أعمال تضاهي أكبر الإنتاجات العالمية.


«المدينة»... معرض فوتوغرافي ينعى دفء الحياة الشعبية بلغة سريالية

معرض المدينة يتسم بالحس السريالي (الشرق الأوسط)
معرض المدينة يتسم بالحس السريالي (الشرق الأوسط)
TT

«المدينة»... معرض فوتوغرافي ينعى دفء الحياة الشعبية بلغة سريالية

معرض المدينة يتسم بالحس السريالي (الشرق الأوسط)
معرض المدينة يتسم بالحس السريالي (الشرق الأوسط)

«لقد أصبحتُ منسياً في شوارع مدينتي، لا لأنني رحلت عنها، بل لأن ملامحها التي عرفتني... لم تعد هنا»، بهذه الجمل القصيرة المعبرة عن الفقدان والاغتراب، يصدر الفنان المصري أيمن لطفي معرضه «المدينة» الذي يضم أعمالاً تحمل طابعاً سريالياً، يتداخل فيه البشر مع البنايات والصحراء ليصنعوا حالة خاصة، تتجلى منها مشاعر الألم والحسرة أحياناً والصخب والبهجة في أحيان أخرى، فيما تتبدى مساحات الخيال شاسعة ممتدة في أعمال الفنان.

معرض المدينة يقدم حالة فانتازية تربط الواقع بالخيال (الشرق الأوسط)

المعرض الذي يقام في «قاعة الزمالك للفن» بوسط القاهرة، حتى 4 يونيو (حزيران) الجاري، يحمل فلسفة خاصة يفسرها لطفي قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تتحول المدن اليوم إلى مساحات من النمطية المفرطة، حيث تحل الكتل الخرسانية الصامتة والواجهات الزجاجية الباردة محل الأحياء التي كانت يوماً تتنفس قصصاً وحكايات. نعيش اللحظة التي يفقد فيها المكان هويته، ويصبح مجرد أرقام ووظائف هندسية تفتقر إلى الحس الفني والتاريخي».

لوحات المعرض حملت طابعاً فنياً خاصاً (الشرق الأوسط)

من هنا جاءت فكرة المعرض، وفق الفنان، الذي يؤكد أنه «عندما يتغير المشهد البصري بسرعة مذهلة، لا يتغير العمران وحده، بل يتغير سلوكنا البشري. ويتحول الإيقاع الإنساني إلى حدة تفتقر للمشاعر، فأصبح الفرد يشعر بالغربة داخل وطنه وبيته». وفي لوحات معرضه يبحث لطفي في الفراغ الذي تركه غياب العناصر الجمالية القديمة. «تلك التفاصيل الدقيقة التي كانت تمنح المباني روحاً، والآن تم التضحية بها كأنها قربان»، على حد تعبيره.

المدينة تحمل عديداً من الرموز (الشرق الأوسط)

ويورد جملة من رواية «قصر الشوق» للأديب نجيب محفوظ قال فيها «إن البيوت التي تموت أرواحها، لا تظل إلا هياكل فارغة تثير في النفس وحشة الغربة». وهو المنطق نفسه الذي يستدعيه الفنان في معرضه.

يستخدم أيمن لطفي في لوحات المعرض تقنيات متعددة ومتداخلة ومتشابكة بطريقة معينة لتمنح المتلقي معنى جمالياً نابعاً من عمق العمل الفني، وفي الوقت نفسه تقدم له فكرة المعرض وفلسفته بطريقة عفوية من خلال التكوينات الغريبة والمدهشة.

هنا مهرِّج أو «جوكر» يرقص في صحراء المدينة وفي خلفيته بيوت منفردة، وهنا فتاة تخرج من باب المدينة إلى الصحراء الممتدة لتعطي المتلقي ملمس الحلم، والتكوين نفسه يتكرر ولكن مع تعدد الفتيات بزيٍّ واحد، فيما يُظهر أحد الأعمال الرأس البشري لشخصية واحدة تتكرر في تماثل يمنح العمل زخماً وعمقاً.

من أعمال الفنان أيمن لطفي (الشرق الأوسط)

ووفق رؤية الفنان فإن «العمارة تعد المرآة الصافية لروح الأمة وذاكرتها الحجرية التي تسرد عظمة الماضي بوقار وصمت، إلا أننا اليوم، وفي غمار السباق نحو التطور، نواجه تحولاً يثير القلق؛ حيث يُهدم القديم الأصيل ليترك مكانه لنمطية حديثة تتجسد في أبراج زجاجية وكتل خرسانية باردة». إن هذه الموجة من الإعمار المفرط تتجاوز كونها تغييراً بصرياً لتدخل في نطاق المحو الممنهج للهوية، فالمباني القديمة ليست مجرد هياكل مادية، بل هي وثائق تاريخية لا تُعوض، ونقاط ارتكاز تحفظ الذاكرة الجمعية للسكان من الاقتلاع، فكل حجر أو نقش يعكس ثقافة وتقنيات زمن مضى».

الحس السريالي يتضح في أعمال الفنان (إدارة الغاليري)

ويتحدث الفنان من خلال أعماله وعن الحداثة في التكوينات المعمارية، وكذلك عن الأصالة والعمارة التقليدية وما تمثله من طابع حميمي بالنسبة للنفس البشرية، وكيف افتقدنا هذا الدف والحضور الطاغي للعمارة والأحياء الشعبية وأصبحنا في مواجهة ناطحات سحاب وكتل خرسانية وزجاجية تسحق الروح.

الفنان أيمن لطفي خلال افتتاح المعرض (إدارة الغاليري)

ويؤكد الفنان على فكرته القائمة على التضحية بالجمال بوصفه قيمة إنسانية عليا لصالح الوظيفة الحيوية للعمارة الأسمنتية، وهو ما ينعكس على الروح وعلى كثير من تفاصيل اليومية الحية، ويظهر ذلك جلياً في الألوان التي يستخدمها الفنان ويغلب عليها الطابع الساخن والروح الجنائزية، والانسيابية الخيالية الكامنة في الأحلام، ليعبر بطريقة فنية وجمالية عن فكرته الأساسية وهي «كيف يرى المدينة؟» كيف كانت المدينة ذات الطابع الإنساني وكيف أصبحت تحت عجلات قطار الحداثة.

Your Premium trial has ended


بين «مهرجان الأفلام» وأعمال الصيف... خريطة السينما السعودية في يونيو

‎⁨سارة طيبة في مشهد من فيلم «مسألة حياة أو موت» الذي يعرض الشهر الحالي (الشرق الأوسط)⁩
‎⁨سارة طيبة في مشهد من فيلم «مسألة حياة أو موت» الذي يعرض الشهر الحالي (الشرق الأوسط)⁩
TT

بين «مهرجان الأفلام» وأعمال الصيف... خريطة السينما السعودية في يونيو

‎⁨سارة طيبة في مشهد من فيلم «مسألة حياة أو موت» الذي يعرض الشهر الحالي (الشرق الأوسط)⁩
‎⁨سارة طيبة في مشهد من فيلم «مسألة حياة أو موت» الذي يعرض الشهر الحالي (الشرق الأوسط)⁩

بعد موسم شهد إقبالاً واسعاً على دور السينما خلال إجازة عيد الأضحى، يدخل القطاع السينمائي السعودي شهر يونيو (حزيران) بإيقاع مختلف، يجمع بين استمرار زخم شباك التذاكر، ووصول أعمال جديدة إلى الصالات، واستعداد الوسط السينمائي لواحد من أبرز أحداثه السنوية، وهو مهرجان أفلام السعودية، الذي تنطلق دورته الثانية عشرة في الظهران نهاية الشهر الحالي.

ويأتي الشهر الجديد وسط حراك متواصل تشهده صناعة السينما في المملكة، حيث تتقاطع العروض التجارية مع المشروعات المحلية الجديدة، بينما يواصل الجمهور متابعة عدد من الأفلام التي بدأت رحلتها خلال الأسابيع الماضية، بالتزامن مع الإعلان عن أعمال سعودية مرتقبة واستعدادات مكثفة لفعاليات سينمائية ينتظرها العاملون في القطاع والجمهور على حد سواء.

مهرجان أفلام السعودية يعد الحدث الأهم للسينمائيين المحليين في السعودية (المهرجان)

مهرجان أفلام السعودية... الحدث الأبرز

يتجه جزء كبير من اهتمام الوسط السينمائي هذا الشهر إلى الظهران، حيث تستعد جمعية السينما بالشراكة مع مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء) وبدعم من هيئة الأفلام لإطلاق الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية، الذي يقام خلال الفترة من 26 يونيو إلى 2 يوليو (تموز)، حاملاً هذا العام محور «سينما الرحلة»، وهو المحور الذي ينعكس على عدد من البرامج والعروض والأنشطة المصاحبة للدورة الجديدة.

وخلال أكثر من عقد؛ تحوَّل المهرجان إلى واحدة من أهم المنصات السينمائية المحلية، حيث يجتمع المخرجون والمنتجون والكتاب والنقاد والجمهور في مساحة واحدة، إلى جانب احتضانه مسابقات الأفلام القصيرة والطويلة والسيناريو وسوق الإنتاج السينمائي والورش المتخصصة. ويترقب كثير من المهتمين بالسينما ما ستكشف عنه الدورة الجديدة من أفلام ومشروعات وتجارب شبابية، خاصة في ظل الحضور المتزايد للأفلام السعودية داخل المهرجانات الإقليمية والدولية خلال الأعوام الأخيرة.

«مسألة حياة أو موت» يعلن حضوره

كما شهد الأسبوع الأخير من مايو (أيار) الكشف عن الإعلان الرسمي لفيلم «مسألة حياة أو موت»، وهو أحد المشروعات السعودية الجديدة المقرر عرضه في 25 من الشهر الحالي في جميع دور السينما في السعودية والدول العربية. ويجمع الفيلم بين المخرج أنس باطهف والكاتبة والممثلة سارة طيبة، إلى جانب يعقوب الفرحان في أول تجربة رومانسية له على الشاشة السينمائية، ضمن عمل تدور أحداثه في مدينة جدة وتمزج قصته بين الكوميديا السوداء والفانتازيا والدراما الإنسانية.

وتنطلق الأحداث من شخصية «حياة»، الشابة التي تعيش تحت تأثير اعتقاد راسخ بأن لعنة متوارثة داخل عائلتها عبر الأجيال تنتظرها عند بلوغها الثلاثين، تماماً كما حدث لوالدتها وجدتها. وعلى الجانب الآخر يظهر الدكتور يوسف، جرَّاح القلب الذي يعيش حالة من الحذر المفرط نتيجة أزمة صحية غامضة أثَّرت على علاقته بالحياة والناس.

ويقود هذا التقاطع الشخصيتين إلى رحلة تجمع الخوف والحب والقدر والرغبة في التحكم بالمصير، ضمن معالجة تمزج بين الواقع والعناصر الفانتازية، وتستند إلى شخصيات تواجه أسئلة وجودية داخل إطار يجمع الكوميديا السوداء والدراما. ويشارك في بطولة الفيلم عدد من الفنانين السعوديين من بينهم حسام الحارثي، وفيّ فؤاد، ورهف إبراهيم، ونجلاء العبد الله، وأسامة القس، وأماني الجميل، وغادة عبود، ومي حكيم. بينما تتولى إنتاجه شركات «فيلم كلينيك» و«فرونت رو برودكشنز» و«إرابيا بيكتشرز»، بدعم من الصندوق الثقافي وصندوق مهرجان البحر الأحمر.

⁨فيلم «سفن دوجز» يكتسح شباك التذاكر العربي (الشركة المنتجة)⁩

«سفن دوجز» يواصل زخم العيد

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى المشروعات الجديدة، يواصل فيلم «سفن دوجز» حضوره داخل الصالات بعد انطلاقته القوية خلال موسم عيد الأضحى، حيث حقق الفيلم إيرادات تجاوزت 7.8 مليون دولار في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال عطلة نهاية أسبوع الافتتاحية، من خلال بيع أكثر من 1.1 مليون تذكرة، بينما تصدرت السعودية قائمة الأسواق من حيث الإيرادات.

ويجمع العمل بين أحمد عز وكريم عبد العزيز ضمن مشروع إنتاجي ضخم يضم أسماء عربية وعالمية متعددة، في تجربة تعكس اتجاهاً متزايداً نحو الأفلام ذات الطموح التجاري الواسع والإنتاج العابر للحدود. كما سجل الفيلم حضوراً لافتاً على شاشات «آيماكس»، في مؤشر على استمرار الإقبال على الأعمال التي تعتمد على الإنتاج الكبير والمشاهد البصرية الواسعة، خصوصاً خلال مواسم الإجازات. ويمنح استمرار عروض الفيلم خلال يونيو امتداداً لزخم العيد داخل الصالات، في وقت تستعد فيه أفلام جديدة لدخول المنافسة في الأسابيع المقبلة.

⁨فيلم الرعب الأميركي «أوبسيشن» يحظى باهتمام جماهيري في دور السينما (تصوير: إيمان الخطاف)⁩

موجة الرعب تصل إلى السينما السعودية

على مستوى العروض العالمية، يواصل فيلم الرعب «أوبسيشن» «Obsession» جذب الاهتمام بعد تحوله إلى واحدة من أبرز مفاجآت شباك التذاكر خلال العام الحالي، وحقق العمل نجاحاً لافتاً مقارنة بميزانيته المحدودة، حيث تجاوزت إيراداته العالمية حاجز 100 مليون دولار خلال فترة قصيرة، ليتحول إلى أحد أكبر نجاحات الرعب المستقلة خلال العام الحالي، كما أصبح حديث عشّاق السينما في السعودية الذين حرصوا على حضوره.

وجذب الفيلم اهتمام الجمهور بسبب الخلفية المهنية لمخرجه كوري باركر، الذي انتقل من صناعة المحتوى الرقمي على «يوتيوب» إلى الإخراج السينمائي، في تجربة تعكس التحولات التي تشهدها صناعة الترفيه عالمياً، حيث باتت المنصات الرقمية تشكل بوابة عبور لعدد متزايد من المخرجين الشباب.

وفي الاتجاه نفسه، يواصل فيلم الرعب «باكرومز» «Backrooms» صناعة واحدة من أبرز قصص النجاح المرتبطة بالأفكار القادمة من الإنترنت، حيث انطلقت فكرته من ظاهرة رقمية انتشرت عبر منصات الفيديو، قبل أن تتحول إلى سلسلة من المقاطع التي جذبت ملايين المشاهدات حول العالم، خصوصاً بين جمهور الشباب.

واستثمر الفيلم هذا الإرث الرقمي في بناء تجربة سينمائية اعتمدت على الإحساس بالعزلة والضياع والخوف من الأماكن المجهولة، وهي عناصر شكلت جزءاً أساسياً من شعبية الفكرة الأصلية. وحقق العمل افتتاحية عالمية ضخمة تجاوزت 118 مليون دولار، بينما سجل أرقاماً قياسية لشركة A24، ليصبح أحد أبرز أفلام الرعب في العام الحالي.

ويعكس النجاح المتزامن للفيلمين استمرار الحضور القوي لأفلام الرعب داخل السوق المحلية والعالمية، خصوصاً تلك التي تعتمد على أفكار جديدة أو تستند إلى ظواهر رقمية نجحت في بناء قاعدة جماهيرية قبل وصولها إلى الشاشة الكبيرة.

ما الذي ينتظر الجمهور في يونيو؟

في الوقت الذي تواصل فيه أفلام العيد حضورها داخل الصالات، تتجه الأنظار تدريجياً إلى قائمة طويلة من الأعمال العالمية التي تستعد للوصول إلى دور العرض خلال الشهر الحالي، ويأتي في مقدمتها الجزء الخامس من سلسلة «حكاية لعبة» «Toy Story 5»، الذي يمثل عودة واحدة من أنجح سلاسل الرسوم المتحركة في تاريخ السينما، حيث يعود وودي وباز لايتيير في مغامرة جديدة تتناول علاقة الأطفال بالتقنيات الحديثة والشاشات الرقمية.

أما جمهور أفلام الأبطال الخارقين، فيترقب وصول «سوبر غيرل» «Supergirl»، الذي يشكل خطوة جديدة في مشروع إعادة بناء عالم DC السينمائي، بينما يستعد فيلم «Masters of the Universe» لإعادة إحياء شخصية «هي-مان» الشهيرة التي ارتبطت بثقافة الثمانينات.

كما يعود فيلم «سكيري موفي» «Scary Movie 6» لإحياء واحدة من أشهر سلاسل الكوميديا الساخرة في هوليوود، مستفيداً من الشعبية المتزايدة التي تحظى بها أفلام الرعب خلال السنوات الأخيرة.

وفي المقابل، يقدم فيلم «ذا دث أوف روبن هود» «The Death of Robin Hood» معالجة مختلفة لأسطورة روبن هود، حيث يظهر البطل الشعبي بصورة أكثر قتامة وتعقيداً مقارنة بالمعالجات التقليدية التي قدمتها السينما لعقود طويلة.

وتكشف هذه القائمة المتنوعة عن موسم سينمائي مزدحم بالأجزاء الجديدة وإحياء الشخصيات الكلاسيكية والأفلام ذات الطموح الإنتاجي الكبير، إلى جانب استمرار الحضور القوي لأفلام الرعب والخيال العلمي والأبطال الخارقين.

ومع دخول يونيو، تبدو الصالات السينمائية أمام شهر يحمل مزيجاً من العروض الجديدة والفعاليات المهنية والمشاريع المنتظرة، في مشهد يعكس اتساع الحضور السينمائي داخل المملكة وتنامي دوره بوصفه جزءاً من المشهد الثقافي والترفيهي العالمي.