بعد استثمارات بمئات الملايين… تطبيق «نعناع» السعودي للتوصيل أمام اختبار البقاء

رهانه على كسر نموذج «بقالة الحيّ» ينتهي عند أبواب المحكمة

أحد متاجر البقالة التابعة لـ«نعناع» (الشركة)
أحد متاجر البقالة التابعة لـ«نعناع» (الشركة)
TT

بعد استثمارات بمئات الملايين… تطبيق «نعناع» السعودي للتوصيل أمام اختبار البقاء

أحد متاجر البقالة التابعة لـ«نعناع» (الشركة)
أحد متاجر البقالة التابعة لـ«نعناع» (الشركة)

في مشهد يجمع بين صعود سريع، وتمويلات قياسية، ثم دخول مسار إعادة الهيكلة، فتحت المحكمة التجارية في الرياض فصلاً جديداً في قصة شركة «نعناع»، عبر حكم بإعادة التنظيم المالي لشركة المتاجر المركزية لتقنية المعلومات، المالكة والمشغلة لتطبيق توصيل البقالة في السعودية.

وبحسب ما نشرته منصة «إيسار»، أعلن أمين الإفلاس ماجد النمر صدور الحكم عن الدائرة التاسعة في المحكمة التجارية في الرياض، متضمناً فتح إجراءات إعادة التنظيم المالي، مع دعوة الدائنين لتقديم مطالباتهم خلال مهلة لا تتجاوز 90 يوماً من تاريخ الإعلان. فكيف وصل مسار التطبيق إلى هذا المستوى؟

رهان على نهاية «بقالة الحيّ»

تعود قصة «نعناع» إلى عام 2016، حين أسَّسها رائد الأعمال سامي الحلوة مع شريكين آخرين، لتكون واحدة من أوائل تطبيقات توصيل البقالة المحلية في السعودية.

منذ انطلاقتها، لم تكن فكرة «نعناع» مجرد دخول سوق التوصيل، بل قامت على رهان أكبر: أن نموذج البقالة التقليدية في طريقه إلى التراجع، وأن المستهلك سيتجه تدريجياً إلى الطلب الرقمي السريع كخيار أساسي للاستهلاك اليومي.

هذا الرهان دفع الشركة إلى تبني نموذج «التجارة السريعة»، القائم على تقليص زمن التوصيل عبر إنشاء متاجر صغيرة داخل الأحياء بدل الاعتماد الكامل على المتاجر التقليدية.

توسُّع سريع

بدأت الشركة بنموذج يعتمد على مناديب يشترون الطلبات من المتاجر القائمة، قبل أن تتوسع لاحقاً إلى تشغيل متاجرها الخاصة داخل الأحياء لتسريع التوصيل.

ومع هذا التوسُّع، ارتفع عدد الفروع إلى 36 فرعاً، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى 16 فرعاً مع إعادة هيكلة العمليات وإيقاف بعض الخدمات في مواقع مختلفة.

إحدى بقالات «الدارك ستور» التابعة لـ«نعناع» (موقع الشركة)

وفي الوقت نفسه، توسَّعت الشركة جغرافياً لتصل إلى 18 مدينة داخل السعودية، بالإضافة إلى القاهرة، ضمن خطة توسع إقليمي طموحة.

تمويلات ضخمة

بحسب بيانات الشركة والمستثمرين، جمعت «نعناع» منذ تأسيسها نحو 780 مليون ريال (211.9 مليون دولار) عبر 6 جولات تمويلية. وبدأت الرحلة بجولة تأسيسية في 2016 بنحو 2.1 مليون دولار، تلتها جولة دين قابلة للتحويل في 2017 بقيمة 2.2 مليون دولار، ثم جولة في 2019 بقيمة 6.6 مليون دولار، تلتها في 2020 بقيمة 18 مليون دولار بقيادة «إس تي في» وهو صندوق سعودي مخصص لدعم الشركات الناشئة المبنية على الذكاء الاصطناعي في المنطقة.

وفي 2022، حصلت الشركة على 50 مليون دولار، قبل أن تصل إلى أكبر جولة في تاريخها خلال 2023 بقيمة 500 مليون ريال، قادتها «المملكة القابضة» بمشاركة تحالف من المستثمرين.

ويمثل تمويل عامي 2022 و2023 أكثر من 85 في المائة من إجمالي الاستثمارات، ما يوضح تسارعاً كبيراً في ضخ الأموال بالتوازي مع التوسع التشغيلي.

طرح الشركة

وفي تلك الفترة، كشف المؤسس والرئيس التنفيذي سامي الحلوة أن الشركة تستهدف طرح أسهمها في السوق المالية السعودية خلال عامين أي بحلول العام الحالي، مع توسع إضافي داخل المملكة وخارجها.

استثمارات الأفراد

وقد أثارت التطورات الجارية مخاوف المستثمرين في التطبيق، حيث امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بتساؤلات وانتقادات لما آلت إليه الأمور.

يقول أحد المستثمرين في تعبيره عن استيائه في منصة «إكس»: «استثمرت في شركة (نعناع)عن طريق منصة (ثقة) التابعة لـ(عوائد)، وللأسف منذ الاستثمار وحتى هذه اللحظة لم يتم تحديث ما الذي حصل للاستثمار، ولا يوجد أي تقرير يوضح الوضع... هل تم الاستثمار في الشركة أم لا؟»، وتابع: «من المفترض أن (منصة عوائد) هي المسؤولة عن استثماراتنا نحن وغيرنا في الصندوق، وإذا لم يتم حفظ حقوقنا أو توضيح ما الذي جرى، فهذه مشكلة حقيقية».

ضغط المنافسة

لكن مع التوسُّع السريع، بدأت التحديات التشغيلية بالظهور. إذ اعتمدت الشركة على نموذج «التجارة السريعة»، الذي يهدف إلى تقليص زمن التوصيل لأقصى درجة، لكنه في المقابل يرفع التكاليف التشغيلية بشكل كبير، خصوصاً مع انتشار الفروع وزيادة الطلبات.

ومع اشتداد المنافسة في قطاع التوصيل، دخلت السوق مرحلة ضغط سعري حاد، حيث أصبحت المنافسة تعتمد بشكل كبير على الأسعار وسرعة الخدمة، ما أثر على الهوامش التشغيلية.

سوق لا ترحم

لم تكن «نعناع» وحدها في مواجهة هذا الواقع. ففي عام 2025، ودَّع تطبيق «شقردي» السوق بعد 6 سنوات من التشغيل، رغم نجاحه في تنفيذ أكثر من 7 ملايين طلب وخدمة أكثر من 3 ملايين عميل في 35 مدينة ومحافظة داخل المملكة.

وجاء في بيانه أن قرار الإيقاف يعود إلى «سياسة حرق الأسعار»، في إشارة إلى طبيعة البيئة التشغيلية الصعبة في هذا القطاع.

وهذه السياسة التنافسية تقوم على خفض الأسعار بشكل حاد وأحياناً دون التكلفة، بهدف جذب العملاء بسرعة، والاستحواذ على حصة سوقية، أو إخراج بعض اللاعبين الأضعف من السوق.

ما هو إجراء إعادة التنظيم المالي؟

وفي شرحه لطبيعة إجراء إعادة التنظيم المالي وفق نظام الإفلاس السعودي، أوضح المحامي والمحكّم التجاري محمد المزيّن لـ«الشرق الأوسط» أن نظام الإفلاس السعودي يمثل ركيزة قانونية توازن بين استمرارية النشاط الاقتصادي وحماية حقوق الدائنين. ولفت إلى أن إجراء إعادة التنظيم المالي ليس مجرد إجراء قانوني جاف، بل هو مسار يهدف بالأساس إلى تيسير توصل المدين إلى اتفاق مع دائنيه تحت إشراف قضائي وفني متخصص، بما يضمن تصحيح المسار بدلاً من الخروج من السوق.

وأشار المزيّن إلى أن هذا الإجراء يمنح المنشآت التي تواجه اضطرابات مالية، أو تلك المتعثرة بالفعل، فرصة لإعادة ترتيب أوراقها. وتتجلى مرونة النظام في المادة 69، التي تنص على أن الأصل هو استمرار المدين في إدارة أعماله ونشاطه تحت إشراف «أمين إعادة التنظيم المالي»، ولا يتم غل يده عن الإدارة إلا في حالات استثنائية تتعلق بالإهمال أو سوء الإدارة.

واعتبر المزيّن أن افتتاح هذا الإجراء هو بمثابة «قوة قانونية» تهدف صراحة إلى تمكين المدين من الاستفادة من خيارات الهيكلة لمعاودة نشاطه والإسهام في دعم الاقتصاد، وفقاً لما نصت عليه المادة الخامسة من النظام.

وبيّن أن النظام يفتح أبوابه للمنشآت في ثلاث حالات: إذا كان من المرجح تعثرها بسبب اضطرابات مالية، أو إذا كانت متعثرة بالفعل، أو حتى في حالة الإفلاس التام.

استمرارية التشغيل تحت الرقابة القضائية

وحول الجوانب الإجرائية، أوضح المزيّن أن العملية تمر بمرحلتين زمنيتين؛ تبدأ الأولى من تاريخ قيد طلب افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي وحتى صدور الحكم، وفيها يتم تفعيل المادة 46 بشأن «تعليق المطالبات»، وهي حصانة قانونية فورية تمنع إجراءات التنفيذ وتتيح للمدين التركيز الكامل على إعداد خطة الإصلاح، وذلك بهدف حماية أصول الشركة وضمان استقرارها القانوني خلال فترة التقاضي.

أما المرحلة الثانية، فتبدأ بعد صدور الحكم القضائي بافتتاح الإجراء، حيث حيث تستأنف الشركة نشاطها تحت إشراف «أمين الإجراء» المعين من قبل المحكمة. واستناداً إلى المادة 57، يتولى «أمين الإجراء» التحقق من عدالة الإجراءات وضمان تنفيذ الخطة المالية بما يكفل سرعة الأداء وتوفير الحماية اللازمة لمصالح الدائنين وجميع الأطراف المتأثرة.

هيكلة الديون

فنّد المزيّن الاعتقاد السائد بأن افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي يمثل نهاية لنشاط الشركة، مؤكداً أنه على العكس من ذلك، يعد بمثابة «طوق نجاة» وقوة قانونية تهدف صراحة إلى هيكلة الديون والعودة إلى المسار الصحيح، وليس إعلاناً لنهاية نشاط الشركة. واستشهد بالمادة 5 (الفقرة 1) من النظام التي تهدف إلى تمكين المدين من الاستفادة من إجراءات الإفلاس لمعاودة نشاطه ودعم الاقتصاد.

وأضاف أن النظام يدعم هذه العودة عبر ركيزتين: «الحماية القانونية» التي تمنح فترة سماح من ملاحقات الدائنين، و«استمرار الإدارة» التي تبقي الشركة كياناً حياً ممارساً لأعماله وليست في حالة تصفية، مما يجعل الإعلان بداية لمرحلة «التصحيح» والوصول لاتفاق جماعي يضمن الاستدامة.

الحقوق القانونية لمستثمري الأفراد

وفيما يتعلق بمصير استثمارات الأفراد، لاسيما الذين ضخوا أموالهم عبر منصات التمويل الجماعي مثل منصة «عوائد» بناءً على وعود بعوائد استثمارية مرتفعة تتجاوز 93 في المائة، أكد المزيّن أن نظام الإفلاس السعودي وضع إطاراً قانونياً حازماً يضمن حقوق هؤلاء المستثمرين بصفتهم «دائنين» للشركة. وأوضح أن عملية استرداد الأموال تخضع لقواعد وإجراءات محددة تهدف إلى تحقيق العدالة والمساواة:

  • الإلزام القانوني عبر الخطة: بمجرد تصديق المحكمة على مقترح كيفية سداد الديون وتسوية المستحقات، يصبح خطة ملزمة قانوناً للمدين تجاه جميع الدائنين، بما في ذلك المستثمرون الأفراد.
  • تصنيف الدائنين: تلزم المادة 29 المدين بتصنيف الدائنين إلى فئات وفقاً لطبيعة ديونهم لضمان المعاملة العادلة.
  • التمثيل القانوني: يتيح النظام تشكيل لجنة لتمثيل مصالح المستثمرين ومراقبة أداء الشركة والأمين لضمان تنفيذ بنود السداد.

واختتم المزيّن حديثه بالتحذير من مغبة المخالفات، مؤكداً أن النظام يتيح ملاحقة الشركة في حال تبديد الأصول أو تفضيل دائن على آخر، حيث تصل العقوبات بموجب المادة الثالثة بعد المائتين إلى السجن لمدة تصل إلى 5 سنوات وغرامة تصل إلى 5 ملايين ريال، مما يضمن حماية صارمة لحقوق كافة الأطراف في ظل سيادة القانون.

اليوم، ومع صدور حكم إعادة التنظيم المالي، تنتقل «نعناع» من مرحلة التوسع المدفوع بالتمويل، إلى مرحلة إعادة التنظيم المالي تحت إشراف قضائي.

وبينما كانت الشركة تُصنف في 2023 كأحد أبرز قصص النمو في قطاع التجارة السريعة، فإنها اليوم تدخل اختباراً مختلفاً تماماً يتمثل في اختبار الاستدامة.

وتبقى المرحلة المقبلة مرهونة بخطة إعادة التنظيم، وقدرة الشركة على إعادة بناء نموذجها التشغيلي والمالي في سوق لا تزال شديدة التنافسية، وتعيد تعريف قواعدها باستمرار.


مقالات ذات صلة

الصادرات الصينية تقفز 36.3 % وتدفع الفائض التجاري نحو مستوى قياسي

الاقتصاد امرأة تتسوق في مركز تسوق في بكين (إ.ب.أ)

الصادرات الصينية تقفز 36.3 % وتدفع الفائض التجاري نحو مستوى قياسي

قفزت الصادرات الصينية في سبتمبر (أيلول) بأكثر من المتوقع، لتضع البلاد على مسار تسجيل فائض تجاري سنوي قياسي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
أوروبا مشهد لممر الأغذية المجمدة المغلق في متجر كبير بالقرب من نانت وذلك عقب هجوم سيبراني استهدف أنظمة التبريد في سلاسل متاجر فرنسية مما تسبب في تلف الأغذية واندلاع حرائق في عدة متاجر (رويترز)

هجوم سيبراني يطال مئات المتاجر بفرنسا... ويتلف أغذية بملايين اليوروات

تعرضت مئات المتاجر الكبرى (سوبر ماركت) في فرنسا لهجوم سيبراني أدى إلى ارتفاع درجات حرارة الثلاجات، وأجهزة التجميد، ما تسبب في تلف أغذية طازجة، ومجمدة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد يعد طريق القطب الشمالي أقصر في المدة الزمنية التي تحتاجها السفن للمرور عبر قناة السويس غير أنه محفوفا بالمخاطر (إكس)

كوريا الجنوبية تُكمل رحلة تجارية لأوروبا عبر القطب الشمالي بعيداً عن قناة السويس

أكملت سفينة حاويات كورية جنوبية، اليوم (الأحد)، أول رحلة تجارية ذهاباً وإياباً بين كوريا الجنوبية وأوروبا عبر القطب الشمالي.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد آلاف الحاويات المُعدة للتصدير في ميناء قينغداو شرق الصين (أ.ف.ب)

دعوات ألمانية لتطبيق أدوات مكافحة الإغراق والدعم غير العادل ضد الصين

أوصت لجنة خبراء بتكليف من البرلمان الألماني، بإعداد تدابير تجارية أكثر صرامة ضد الصين على المستوى الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم متسوقون في أحد ممرات متجر للبقالة في هاميلتون بمقاطعة أونتاريو الكندية يوم 2 فبراير 2025 (رويترز)

استطلاع: أكثر من نصف الكنديين يتجنّبون شراء المنتجات الأميركية

أظهر استطلاع أن 51 في المائة من الكنديين يتجنبون المنتجات الأميركية وسط التوترات التجارية مع إدارة ترمب، مع مطالب بتوفير بدائل محلية ووضع علامات واضحة عليها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الأسهم الصينية تقترب من أدنى مستوياتها خلال عام

شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
TT

الأسهم الصينية تقترب من أدنى مستوياتها خلال عام

شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)
شاشة إلكترونية تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (إ.ب.أ)

واصلت الأسهم الصينية تراجعها خلال تعاملات الأربعاء، مقتربة من أدنى مستوياتها في نحو عام، مع تعمق موجة البيع في الشركات المرتبطة بسلاسل توريد الذكاء الاصطناعي، بينما أظهرت بيانات التضخم تبايناً بين ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف الطلب الاستهلاكي. وفي المقابل، سجل اليوان ارتفاعاً طفيفاً أمام الدولار، وسط ترقب بيانات التضخم الأميركية وتوجهات مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وتراجع مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية بنسبة 0.3 في المائة بحلول استراحة منتصف الجلسة، بينما استقر مؤشر شنغهاي المركب دون تغير يُذكر، وارتفع مؤشر «هانغ سنغ» في هونغ كونغ بنسبة 0.2 في المائة.

وجاءت الضغوط على السوق بعدما أظهرت البيانات ارتفاع أسعار المنتجين في الصين خلال سبتمبر (أيلول) بأسرع وتيرة منذ أكثر من أربع سنوات، مدفوعة بصعود أسعار النفط والسلع الأساسية، في حين جاء تضخم أسعار المستهلكين دون توقعات المحللين.

ويعكس هذا التباين تحدياً للاقتصاد الصيني، إذ تواجه الشركات ارتفاعاً في تكاليف المواد الخام والطاقة، بينما يحد ضعف الطلب المحلي من قدرتها على تمرير تلك الزيادات إلى المستهلكين، ما قد يضغط على هوامش الأرباح.

وكانت أسهم التكنولوجيا الأكثر تأثراً بموجة البيع، مع استمرار تراجع شهية المستثمرين تجاه الشركات المستفيدة من طفرة الذكاء الاصطناعي.

وانخفض مؤشر اتصالات الجيل الخامس بنسبة 1.5 في المائة، فيما تراجع مؤشر «ستار 50»، الذي يضم شركات التكنولوجيا المتقدمة، بنسبة 1.1 في المائة، كما خسر سهم «تشونغجي إنولايت»، إحدى الشركات البارزة في تصنيع أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية المستخدمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، نحو 2.6 في المائة.

وتشير هذه التحركات إلى استمرار عمليات إعادة تقييم أسهم التكنولوجيا، بعد موجة صعود سابقة رفعت أسعار عدد من الشركات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، استفادت أسهم الطاقة من ارتفاع أسعار النفط والمخاوف المتعلقة بإمدادات السعودية، إذ صعد مؤشر الفحم بنسبة 1.2 في المائة، وارتفع مؤشر الطاقة بنحو 2 في المائة، كما زادت أسهم السلع الاستهلاكية الأساسية بنسبة 0.7 في المائة، في إشارة إلى انتقال بعض المستثمرين نحو القطاعات الأقل ارتباطاً بتقلبات النمو التكنولوجي.

وفي هونغ كونغ، تعافت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى بنسبة 1.6 في المائة، رغم بقاء المؤشر التكنولوجي قرب أدنى مستوياته خلال عامين.

وتقترب المؤشرات الصينية حالياً من مستويات شهدتها قبل نحو عامين، عندما أطلقت بكين حزمة تحفيز واسعة عززت أسعار الأسهم وأثارت الآمال ببداية موجة صعود طويلة، قبل أن تدخل السوق في اتجاه هبوطي امتد ثلاثة أشهر.

وفي ضوء هذه التطورات، خفض محللو بنك «إتش إس بي سي» مستهدفاتهم لنهاية عام 2026 لمؤشرات شنغهاي المركب و«سي إس آي 300» وشنتشن المركب بنسب تراوحت بين 9 و15 في المائة.

وحدد البنك مستهدفاته الجديدة عند 4100 نقطة لمؤشر شنغهاي، و4800 نقطة لـ«سي إس آي 300»، و14500 نقطة لمؤشر شنتشن، وهي مستويات تشير إلى إمكانية ارتفاع تتراوح بين 8 و15 في المائة مقارنة بالمستويات الحالية.

ورغم تفوق أسهم القيمة على أسهم النمو منذ يوليو (تموز)، يرى محللو البنك أن هذا الاتجاه قد يكون مؤقتاً، في ظل انخفاض تقييمات أسهم النمو وتحسن توقعات أرباحها.

وفي سوق العملات، ارتفع اليوان الصيني قليلاً أمام الدولار، مدعوماً بتراجع العملة الأميركية من أعلى مستوياتها خلال 18 شهراً.

وافتتح اليوان التداولات عند 6.6935 للدولار، قبل أن يرتفع إلى 6.6919 بحلول الساعة 03:04 بتوقيت غرينتش، محققاً مكاسب طفيفة مقارنة بإغلاق الجلسة السابقة.

وكان بنك الشعب الصيني قد حدد السعر المرجعي اليومي عند 6.7249 يوان للدولار، وهو أقوى مستوى منذ الثاني من فبراير (شباط) 2023، رغم أنه جاء أضعف بمقدار 327 نقطة من تقديرات «رويترز».

ويسمح نظام التداول الصيني بتحرك اليوان ضمن نطاق يبلغ 2 في المائة صعوداً أو هبوطاً حول السعر المرجعي اليومي.

وارتفعت العملة الصينية بنسبة 0.2 في المائة منذ بداية أكتوبر (تشرين الأول)، وبنحو 4.5 في المائة منذ بداية العام، بينما جرى تداول اليوان في الأسواق الخارجية عند 6.6923 للدولار.

ويتوقع محللو «تشاينا سيكيوريتيز» استمرار الارتفاع التدريجي لليوان خلال ما تبقى من عام 2026، مرجحين وصوله إلى نطاق يتراوح بين 6.6 و6.7 للدولار بنهاية العام.

ويرى المحللون أن الفائض التجاري الصيني وإدارة السياسة النقدية بحذر يوفران دعماً للعملة، رغم استمرار تأثير تحركات الدولار وتدفقات رؤوس الأموال عبر الحدود.

في المقابل، حذر محللو بنك «أو سي بي سي» من احتمال دخول اليوان مرحلة تماسك فني على المدى القريب، خصوصاً إذا توقفت وتيرة تعزيز السعر المرجعي اليومي.

وتترقب الأسواق صدور بيانات أسعار المستهلكين الأميركية، إلى جانب تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، للحصول على مؤشرات جديدة بشأن مسار الفائدة الأميركية وتأثيره في الدولار والعملات الآسيوية.

وكان مؤشر الدولار قد تراجع بنسبة 0.08 في المائة إلى 102.10 نقطة، مع إعادة المستثمرين تقييم قوة العملة الأميركية بعد صعودها الأخير.

وتكشف تحركات الأربعاء عن تباين واضح في الأسواق الصينية؛ فبينما تتعرض الأسهم لضغوط ناجمة عن ضعف الطلب المحلي وتصحيح تقييمات التكنولوجيا، يستفيد اليوان من الفائض التجاري وتراجع الدولار.

وسيظل اتجاه الأسواق خلال الفترة المقبلة مرهوناً بقدرة الشركات على الحفاظ على نمو أرباحها، ومدى تحسن الطلب الداخلي، إلى جانب تطورات أسعار الطاقة والسياسة النقدية الأميركية.


مديرة صندوق النقد تدعو واشنطن والدول الغنية إلى التحرك العاجل لمواجهة الديون

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا خلال فعاليات بانكوك (رويترز)
المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا خلال فعاليات بانكوك (رويترز)
TT

مديرة صندوق النقد تدعو واشنطن والدول الغنية إلى التحرك العاجل لمواجهة الديون

المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا خلال فعاليات بانكوك (رويترز)
المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا خلال فعاليات بانكوك (رويترز)

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، الأربعاء، إن على الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغنية التحرك بصورة عاجلة لمعالجة الارتفاع المتزايد في مستويات الدين العالمي الذي يثقل كاهل البلدان منخفضة الدخل بصورة أكبر، ويزيد الضغوط على النظام المالي العالمي.

وأوضحت غورغييفا أن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ومسؤولين أميركيين آخرين يدركون أن عجز الموازنة الفيدرالية والدين العام بلغا مستويات مرتفعة للغاية، ولكنها حذَّرت من أن محاولة تجاوز الدين الأميركي الذي يزيد على 40 تريليون دولار، من خلال تحقيق النمو الاقتصادي وحده لن تكون كافية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وقالت غورغييفا خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك: «نعتقد في الصندوق أن النمو يساعد بالطبع، ولكنه لا يستطيع تحقيق التعديلات الضرورية بالسرعة الكافية».

وأضافت: «لا يوجد حل سحري»، مشيرة إلى ضرورة اتخاذ تدابير إضافية، تشمل التوجه نحو تشديد السياسات المالية وخفض مستويات الدين والعجز.

تحديات أمام ضبط المالية العامة

أدى ارتفاع مستويات الدين والتضخم العالمي، الناجم جزئياً عن ارتفاع تكاليف الطاقة بسبب الحرب مع إيران، إلى دفع أسعار الفائدة إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، ما زاد الأعباء على أفقر دول العالم.

وتعرضت الجهود الرامية إلى السيطرة على الدين من خلال ما تسميه غورغييفا وخبراء آخرون «ضبط أوضاع المالية العامة» لانتكاسات بسبب الإنفاق الضخم خلال جائحة «كوفيد-19» وما أعقبها.

وقال رودريغو فالديس، مدير إدارة شؤون المالية العامة في صندوق النقد الدولي: «تزداد المخاطر المالية، بينما يغيب الرد المناسب إلى حد بعيد في كثير من البلدان. وفي الاقتصادات المتقدمة الكبرى، لا تتوقف آثار الانضباط المالي الضعيف عند الحدود؛ بل تمتد إلى بقية العالم».

وأشار أحدث تقرير للصندوق عن مراقبة المالية العامة إلى أن مدفوعات الفائدة في أفقر دول العالم بلغت مستويات قياسية مقارنة بالإيرادات، بينما أدى تراجع المساعدات إلى ظهور فجوات تمويلية عجزت بعض الدول عن سدها.

ويجبر ذلك الحكومات على اتخاذ خيارات صعبة بين دعم الفئات الأكثر ضعفاً، والوفاء بالتزامات سداد الديون.

الدول بحاجة إلى دعم لخلق الوظائف وجذب الاستثمارات

وقال ألكسندر دي كرو، رئيس الوزراء البلجيكي السابق، ومدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس»، إن الدولة النامية المتوسطة تدفع حالياً فوائد على ديونها تعادل ثلاثة أضعاف ما تدفعه الدول المتقدمة.

وأضاف أن نحو 10 في المائة من الإنفاق الحكومي يذهب -في المتوسط- إلى سداد الديون. كما أدى اجتماع ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والاحتياجات الأساسية الأخرى، وتأثير ظاهرة «إل نينيو» المناخية، وارتفاع تكاليف الاقتراض، إلى تقليص فرص التعافي أمام كثير من البلدان منخفضة الدخل.

وقال دي كرو: «بصراحة، لا نرى ضوءاً في نهاية النفق».

ويشكل توفير فرص العمل، ولا سيما في وقت يهدد فيه التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي بجعل كثير من الوظائف التقليدية غير ملائمة لسوق العمل، أولوية أخرى. ومن المتوقع أن يدخل أكثر من 1.2 مليار شاب إلى سوق العمل العالمية خلال العقد المقبل أو نحو ذلك، في حين تشير التوقعات إلى أن صافي الوظائف الجديدة التي ستُستحدث لن يتجاوز 400 مليون وظيفة.

وأعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذا الأسبوع مبادرة «وظائف من أجل الازدهار»، التي ستعمل مع الحكومات وبنوك التنمية، ومنها البنك الدولي، والشركات الخاصة، لتشجيع الاستثمار في قطاعات رئيسية قادرة على توفير الوظائف، مثل السياحة والرعاية الصحية وتصنيع الأغذية.

وقال دي كرو إن المبادرة وغيرها من الجهود ستركز على مساعدة البلدان في جذب الاستثمارات من خلال تحسين الحوكمة والسياسات، إلى جانب إعداد مجموعة من «المشروعات القابلة للاستثمار» والجاهزة لاستقطاب التمويل.

وأضاف: «هذه أمور قابلة للتنفيذ، وقد ثبتت إمكانية تطبيقها في مناطق كثيرة من العالم».


الأسهم اليابانية تتراجع بضغط من شركات الرقائق

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

الأسهم اليابانية تتراجع بضغط من شركات الرقائق

مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
مشاة يمرون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

أنهت الأسهم اليابانية تعاملات الأربعاء على تراجع طفيف، بعدما تلاشت مكاسبها المبكرة تحت ضغط أسهم شركات أشباه الموصلات، عقب إعلان نتائج شركة «إيه إس إم إل» الهولندية لمعدات صناعة الرقائق.

وفي المقابل، أظهرت سوق السندات الحكومية اليابانية طلباً قوياً على إصدارات الخمس سنوات، وسط إعادة تقييم المستثمرين لمسار أسعار الفائدة.

وأغلق مؤشر «نيكي» منخفضاً بنسبة 0.05 في المائة عند 67744.29 نقطة، بعدما ارتفع خلال الجلسة بما يصل إلى 0.93 في المائة، بينما تراجع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.34 في المائة إلى 4096.78 نقطة.

وقال كازواكي شيمادا، كبير الاستراتيجيين في شركة «إيواي كوزمو» للأوراق المالية، إن السوق تخلت عن مكاسبها بعدما أظهرت أنظمة التداول البديلة انخفاضاً في أسهم «إيه إس إم إل» عقب إعلان نتائجها المالية.

وجاء تراجع السهم الهولندي في التعاملات على منصة «تريدغيت»، رغم توقع الشركة، أكبر مورد عالمي لمعدات تصنيع الرقائق، تحقيق مبيعات في الربع الرابع تتجاوز تقديرات المحللين.

ورأى شيمادا أن نتائج الشركة لم تكن سيئة، مشيراً إلى احتمال أن يعيد المستثمرون تقييمها خلال جلسة التداول التالية.

وانعكست هذه التطورات على أسهم شركات معدات أشباه الموصلات اليابانية، إذ تراجع سهم «طوكيو إلكترون» بنسبة 2.73 في المائة، بعدما تخلى عن مكاسبه المبكرة، بينما أنهى سهم «أدفانتست»، المتخصصة في معدات اختبار الرقائق، الجلسة منخفضاً بنسبة 0.05 في المائة.

وتعكس هذه التحركات حساسية الأسهم اليابانية المرتبطة بالتكنولوجيا تجاه نتائج الشركات العالمية العاملة في سلسلة توريد أشباه الموصلات، خصوصاً مع تنامي الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

لكن أداء القطاع لم يكن سلبياً بالكامل؛ فقد ارتفع سهم «فوجيكورا»، المصنعة لكابلات الألياف الضوئية، بنسبة 2.56 في المائة، كما صعد سهم «تايو يودن» بنسبة 3.59 في المائة، متصدراً مكاسب «نيكي»، بدعم من اهتمام المستثمرين بمكونات المكثفات الإلكترونية المستخدمة في تنظيم الطاقة داخل خوادم الذكاء الاصطناعي.

وفي القطاع المالي، تعرضت الأسهم المصرفية لضغوط ملحوظة، لتصبح من أبرز العوامل التي أثقلت مؤشر «توبكس».

وانخفض سهم مجموعة «ميتسوبيشي يو إف جي» المالية بنسبة 1.94 في المائة، بينما تراجع «ميزوهو» بنسبة 2.87 في المائة، و«سوميتومو ميتسوي» بنسبة 1.85 في المائة.

وجاء ضعف البنوك اليابانية بعد تراجع أسهم مؤسسات مالية أميركية كبرى في الجلسة السابقة، إذ انخفض سهم «سيتي غروب» بنسبة 5.6 في المائة، و«غولدمان ساكس» بنسبة 0.2 في المائة، رغم تجاوز الشركتين توقعات الأرباح.

وأظهرت حركة السوق اتساع نطاق التراجع، إذ انخفضت أسهم 57 في المائة من الشركات المتداولة في السوق الرئيسية لبورصة طوكيو، مقابل ارتفاع 38 في المائة واستقرار نحو 3 في المائة.

وفي سوق السندات، استقر عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل خمس سنوات قرب 2.34 في المائة، بعدما بلغ 2.35 في المائة خلال الجلسة، قبل أن يسجل لاحقاً 2.345 في المائة.

وجاء ذلك عقب مزاد أجرته وزارة المالية اليابانية، تلقى طلبات شراء تعادل 3.56 مرة حجم السندات المعروضة، متجاوزاً متوسط العام الماضي البالغ 3.36 مرة.

وقال تاكاشي فوجيوارا، مدير الصناديق الرئيسي في «ريسونا لإدارة الأصول»، إن قوة الطلب تأثرت جزئياً بانخفاض عوائد السندات الفرنسية، إلى جانب تغير توقعات المستثمرين بشأن المسار المستقبلي للفائدة اليابانية.

وأوضح أن الأسواق بدأت تستوعب احتمال اقتراب دورة رفع أسعار الفائدة لدى بنك اليابان من نهايتها، وهو ما عزز الإقبال على السندات متوسطة الأجل.

وأضاف أن المستثمرين يتوقعون وصول سعر الفائدة النهائي إلى نطاق يتراوح بين 1.75 و2 في المائة بحلول يونيو (حزيران) المقبل، مشيراً إلى أن محدودية المخاطر الصعودية لتوقعات التضخم تدعم هذه الرؤية.

وتراجع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات بمقدار نصف نقطة أساس إلى 2.995 في المائة عقب المزاد.

وتكشف تعاملات (الأربعاء)، عن تباين اتجاهات المستثمرين في اليابان؛ فبينما تثير نتائج شركات الرقائق العالمية تقلبات في الأسهم التكنولوجية، تستفيد السندات من توقعات اقتراب السياسة النقدية من مستويات أكثر استقراراً.

وستظل نتائج شركات التكنولوجيا الكبرى، إلى جانب مؤشرات التضخم وقرارات بنك اليابان المقبلة، عوامل حاسمة في تحديد اتجاه الأسهم والسندات خلال الفترة المقبلة.