واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

«الخزانة» الأميركية تجمد أصول 7 قادة في فصائل عراقية

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

واشنطن ترفع الضغط على بغداد لمنع تشكيل «حكومة خاضعة للفصائل»

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

في غمرة انشغال قوى «الإطار التنسيقي» بتشكيل الحكومة الجديدة، وما يرتبط بذلك من خلافات حادة بين زعمائه حول المرشح المناسب لرئاستها، يأتي إدراج وزارة الخزانة الأميركية 7 من قادة الميليشيات العراقية على قائمة العقوبات ليزيد الأمر تعقيداً، حسب مراقبين، خصوصاً أنها طالت قوى وازنة، مثل «عصائب أهل الحق» التي تمتلك نحو 27 مقعداً برلمانياً، وقد حصلت على منصب نائب رئيس البرلمان الاتحادي.

وجاءت العقوبات الجديدة بعد أقل من أسبوع على قيام وزارة الخارجية الأميركية بعرض مكافأة تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عن أحمد الحميداوي، زعيم «كتائب حزب الله» العراقي. بعد أن حمَّلته واشنطن مسؤولية شن هجمات ضد المنشآت الدبلوماسية الأميركية، وخطف مواطنين أميركيين، وقتل مدنيين عراقيين.

وفي وقت لاحق، أفادت مصادر عراقية بأن رئيس «قوة القدس» التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، وصل إلى بغداد، السبت، والتقى ممثلي جماعات شيعية. ويعتقد على نطاق واسعة أن ملف تشكيل الحكومة الجديدة على رأس أجندة أعماله.

المكافأة التي نشرتها «الخارجية» الأميركية مقابل معلومات عن زعيم «كتائب حزب الله» العراقي

اتهامات أميركية

واتهم مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، في بيان، الجماعات المعاقبة بـ«ضلوعها في التخطيط والتوجيه وتنفيذ هجمات استهدفت أفراداً ومنشآت ومصالح أميركية داخل العراق. ويقود الأفراد المستهدفون في هذا الإجراء عدداً من أكثر الفصائل المسلحة الموالية لإيران عنفاً في العراق، من بينها (كتائب حزب الله)، و(كتائب سيد الشهداء)، و(حركة النجباء)، و(عصائب أهل الحق)».

وتعمل هذه الفصائل، حسب البيان، «بقدر كبير من الإفلات من العقاب؛ حيث تنفذ هجمات ضد أفراد أميركيين ومدنيين عراقيين، وتستنزف ثروات العراق لتمويل أنشطتها الإرهابية، كما تقوّض سيادة العراق وعملياته الديمقراطية».

وانخرطت الفصائل إلى جانب إيران في حربها ضد الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، وقامت بتنفيذ مئات الهجمات الصاروخية وإطلاق المسيَّرات على مواقع دبلوماسية وعسكرية أميركية في العراق، ومن ضمنها أكثر من 600 هجمة ضد أصول مدنية وعسكرية في إقليم كردستان، وهجمات صاروخية ضد بعض الدول الخليجية.

ونقل البيان الأميركي عن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، القول: «لن نسمح للميليشيات الإرهابية في العراق، المدعومة من إيران، بتهديد أرواح الأميركيين أو مصالحهم. وكل مَن يمكّن عنف هذه الميليشيات سيُحاسب».

وتأتي الخطوة، حسب البيان، «استناداً إلى الأمر التنفيذي 13224 المعدل، الذي يستهدف الإرهابيين وداعميهم، وتستكمل سلسلة من الإجراءات السابقة التي اتخذتها وزارة الخزانة ضد شبكة الميليشيات المدعومة من إيران والتي تهدد العراقيين والأميركيين في المنطقة».

وسبق أن صنفت واشنطن «كتائب حزب الله»، و«عصائب أهل الحق»، و«حركة النجباء»، و«كتائب سيد الشهداء» جماعات «إرهابية عالمية ومنظمات إرهابية أجنبية».

ودعا رئيس حكومة إقليم كردستان، السبت، ما وصفهم بـ«شركائنا الدوليين إلى توفير المعدات اللازمة لحماية مواطني كردستان والبنية التحتية للطاقة من هذه التهديدات المستمرة». في إشارة إلى الهجمات المتكررة التي تنفذها الفصائل المسلحة ضد الإقليم، وقد سقط جراءها 5 قتلى خلال الأيام القليلة الماضية.

أبرز قادة الميليشيات

وذكر البيان الأميركي أن «كتائب حزب الله» تبنّت العديد من الهجمات منذ تأسيسها عام 2006، ليس فقط ضد الولايات المتحدة، بل أيضاً ضد قوات التحالف الدولي. وترتبط الجماعة آيديولوجياً بإيران وتتلقى منها دعماً مالياً وعسكرياً، ومن بين المدرجين على لائحة العقوبات، عمار جاسم كاظم الرماحي، قائد عمليات في «كتائب حزب الله»، يشرف على التخطيط للهجمات وتحديد أهدافها. ورضوان يوسف حميد المحمد وحسن ذياب حمزة، وهما من كبار مسؤولي الكتائب، ويشاركان في تنسيق العمليات، حسب البيان.

كما أشار البيان إلى أن «عصائب أهل الحق» نفذت آلاف الهجمات ضد القوات الأميركية وقوات التحالف، وتتلقى دعماً وتدريباً من إيران، واستخدمت طائرات مسيّرة إيرانية في هجمات شمال العراق حتى مارس (آذار) 2026.

ومن ضمن قادة «العصائب» التي طالتها العقوبات الأميركية، صفاء عدنان جبار سويد، قائد عسكري ومسؤول عمليات في محافظة صلاح الدين.

وذكرت أن «كتائب سيد الشهداء» التي يقودها أبو آلاء الولائي، وهو قيادي في قوى «الإطار التنسيقي» تتلقى دعماً إيرانياً في التدريب والتمويل والتسليح، ومن بين قادتها، خالد جميل عبد البختري وسعيد كاظم مخميس.

كما أدرجت اللائحة الأميركية هشام هاشم جيثوم، مدرب عسكري في «حركة النجباء»، التي أعلنت ولاءها لإيران وهددت باستهداف الأميركيين في العراق والمنطقة.

وأشار البيان الأميركي إلى أنه بموجب هذه الإجراءات «سيتم تجميد جميع الأصول والمصالح المالية للأشخاص المدرجين داخل الولايات المتحدة أو التي تقع تحت سيطرة أشخاص أميركيين، مع إلزام الجهات المعنية بالإبلاغ عنها، كما تُحظر على الأشخاص الأميركيين إجراء أي معاملات مع هؤلاء، ما لم يكن ذلك بموجب ترخيص خاص».

التحالف الحاكم يعجز عن اختيار رئيس حكومة جديد في العراق (موقع «الإطار التنسيقي»)

شحنات الدولار

بالتزامن، تشير تقارير اقتصادية إلى تحديات تتعلق بوصول شحنات الدولار النقدي المقبلة من البنك الفيدرالي الأميركي إلى البنك المركزي العراقي، ولم يصدر عن البنك المركزي أي بيان في هذا الاتجاه، الأمر الذي لا يمكن التأكد من حقيقة هذه التقارير. وقبل نحو شهرين، تحدثت تقارير مشابه عن تعثر وصول الأموال إلى بغداد، خصوصاً عقب غلق الأجواء العراقية نتيجة الحرب. ومعروف أن أموال النفط العراقي توضع في البنك الفيدرالي الأميركي قبل أن يتم شحنها نقداً إلى العراق.

وتشير بعض المصادر الاقتصادية إلى أن البنك الفيدرالي الأميركي يسعى إلى فرض قيود أشد للحد من تهريب الدولار إلى خارج العراق والالتزام بمعايير الامتثال الدولية (غسيل الأموال).

تشكيل الحكومة

لا تبتعد لائحة العقوبات الجديدة كثيراً عن أجواء تشكيل الحكومة الجديدة، غير أنه «ليس من الواضح فاعليتها في التأثير على خيارات القوى الإطارية بالنسبة لرئيس الوزراء المقبل»، حسب مصدر قيادي في القوى الإطارية.

وقال المصدر إن «عقوبات سابقة طالت الفصائل، لكنها لم تؤثر على نفوذها السياسي داخلياً، وأبرز مثال على ذلك (عصائب أهل الحق)».

لكنه لا يرجح «تجاهل قوى الإطار للرسائل الأميركية المباشرة وغير المباشرة لأنها تدرك حجم المخاطر وتكلفة هذا النوع من السلوك، لذلك نجد هذا التعثر الواضح في حسم ملف تشكيل الحكومة».

في المقابل، ترى مصادر أميركية أن العقوبات الجديدة لا تبتعد عن محاولات واشنطن «منع تشكيل حكومة جديدة خاضعة لنفوذ الفصائل المسلحة»؛ حيث تتحكم هذه الفصائل في نحو 100 مقعد برلماني، إلى جانب نفوذها الكبير داخل قوى «الإطار التنسيقي» المسؤولة عن تشكيل الحكومة وطرح مرشح لرئاسة الوزراء. وتُفيد مصادر أميركية مطلعة بأن القائم بالأعمال الأميركي في العراق، جوشوا هاريس، أبلغ بعض قادة الإطار أن لدى إدارته «الكثير من المؤشرات السلبية تجاه جميع صانعي القرار في العراق بخصوص نفوذ الميليشيات».

وتقول المصادر إن هاريس تحدّث عن أن «واشنطن ستتعامل بحزم مع أي حكومة لن تعمل على إيقاف الميليشيات من الاستمرار في زعزعة استقرار العراق والمنطقة وتوقف كل أنواع الدعم عنها».

وأيضاً «ستقوم واشنطن بمعاقبة أي كيان أو مؤسسة عراقية ستستمر بتسهيل حصول إيران على الدولار، سواء أكانت رسمية أم غير رسمية».


مقالات ذات صلة

الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

المشرق العربي من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)

الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

أمر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، الأحد، بتشكيل لجنة تحقيقية لكشف ملابسات التجاوز على علم الولايات المتحدة الأميركية.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي من اجتماع لـ«الإطار التنسيقي» بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (وكالة الأنباء العراقية)

الزيدي يُحذّر «الإطار التنسيقي» من تبعات عدم حصر السلاح بيد الدولة

المتغير في طبيعة رؤية «قوى الإطار التنسيقي» لجهة وضع مدد زمنية بعيدة نسبياً لتسليم السلاح، حصل بعد اللقاء المنفرد الذي جمع الزيدي مع الرئيس دونالد ترمب.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد سفن راسية بالقرب من مضيق هرمز في 2 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

العراق: نقل مليوني برميل من النفط عبر مضيق هرمز

نقلت شركة «ناقلات النفط العراقية» (المملوكة للدولة) مليوني برميل من الخام العراقي على متن ناقلة نفط عملاقة (VLCC) عبر مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
خاص عناصر من الأمن العراقي يقفون للحراسة بالقرب من نصب «قوس النصر» في أثناء التحضيرات لاحتفالات «يوم السيادة»... يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)

خاص «اليوم الوطني» يستعيد جدل الاستقلال في العراق

احتفى مسؤولون كبار في العراق بـ«اليوم الوطني» 3 أكتوبر (تشرين الأول) الذي يصادف استقلال البلاد من الانتداب البريطاني ودخولها عصبة الأمم عام 1932.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية موظف يعمل بمكتب شركة «ماهان» للطيران الإيرانية في أربيل بالعراق في 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

العراق: السماح بتسيير 40 رحلة إيرانية يومياً من وإلى مطار النجف

قال مكتب رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي ​إنه سيُسمح لشركات الطيران الإيرانية بتسيير 40 رحلة يومياً من مطار النجف الدولي وإليه باستثناء شركة «ماهان إير».


من بقي من حلفاء «حزب الله» في الداخل اللبناني؟

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)
TT

من بقي من حلفاء «حزب الله» في الداخل اللبناني؟

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)
مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

كشفت الذكرى الثانية لاغتيال الأمينين العامين السابقين لـ«حزب الله» حسن نصر الله وهاشم صفي الدين، عن واقع مرير يعانيه «حزب الله» في الداخل اللبناني؛ إذ أظهرت أن الحزب خسر شبكة حلفائه في الداخل، بدليل غياب شخصيات كانت قبل حرب عام 2024 حليفة للحزب، للمرة الأولى منذ عقدين.

فبعد عامين على عملية الاغتيال، يرى مواكبون عن كثب لوضعية الحزب أنه لا يواجه فقط تحدي إعادة بناء قدراته وتنظيم صفوفه، وإنما أيضاً تآكل شبكة التحالفات التي راكمها على مدى سنوات؛ إذ بدا أن عدداً من القوى السياسية أعادت النظر في جدوى استمرار الارتباط به، في ظل تبدل موازين القوة داخلياً وإقليمياً.

نجل حسن نصر الله محمد مهدي يتوسط اثنين من المدعوين إلى الذكرى السنوية الثانية لاغتيال والده في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

ولم يظهر من أبرز حلفائه السابقين في إحياء ذكرى نصر الله، إلا رئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية، الذي كان مرشح الحزب للرئاسة قبل انتخاب الرئيس جوزيف عون، إلى جانب قيادات تمثل «حركة أمل»، شريكه في «الثنائي الشيعي».

تفكك الغطاء السياسي

كان الحزب نجح في بناء شبكة واسعة من التحالفات السياسية امتدت إلى معظم الطوائف والمذاهب اللبنانية، منذ توقيعه ورقة التفاهم مع «التيار الوطني الحر» عام 2006، ما أتاح له، حسب معارضيه، توفير «غطاء سياسي» لاحتفاظه بسلاحه وتعزيز نفوذه، وصولاً إلى تكريس واقعٍ موازٍ لمؤسسات الدولة.

لكن هذه الشبكة بدأت، بعد حرب «إسناد غزة»، بالتفكك تدريجياً، بالتوازي مع التراجع العسكري الكبير الذي أصاب «حزب الله» وتبدّل موقعه في المعادلة اللبنانية. وكان من أبرز مظاهر هذا التفكك ابتعاد حلفاء أساسيين عنه، وفي مقدّمهم «التيار الوطني الحر» على الساحة المسيحية، إلى جانب تراجع حضور حلفائه من القوى السنية والدرزية.

ولا يرتبط ابتعاد حلفاء الحزب عنه فقط بتبدّل موازين القوة بعد الحرب، بل أيضاً بالمخاطر السياسية والمالية التي باتت تترتب على القرب من «حزب الله»، في ظل العقوبات الأميركية التي طالت بالفعل شخصيات وكيانات مرتبطة به أو متهمة بتقديم الدعم له، إلى جانب التهديد بتوسيع دائرة العقوبات لتشمل حلفاء وشخصيات سياسية أخرى. وقد دفع ذلك بعض حلفاء الحزب إلى إعادة حساباتهم، خشية أن تتحول العلاقة معه من مصدر نفوذ سياسي إلى مصدر كلفة وعقوبات.

تحالفات نفعية

يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت الدكتور هلال خشان أن «الشبكة العابرة للطوائف» التي حاول الحزب بناءها منذ دخوله العمل السياسي كانت، في الأساس، «هامشية»، مشيراً إلى أن «الحزب استفاد طويلاً من قوته العسكرية في بناء نفوذ سياسي واسع، ومن تقديم نفسه باعتباره قوة قادرة على فرض توازن مع إسرائيل».

مؤيدون لـ«حزب الله» يرددون شعارات خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتيال حسن نصر الله (د.ب.أ)

وحسب خشان، عمل الحزب طوال سنوات على «تكريس سردية تقوم على نقل المعركة إلى الجليل وإظهار وجود توازن عسكري مع إسرائيل»، وهي سردية «صدقها جزء كبير من البيئة الشيعية». لكن القوة العسكرية التي بلغها الحزب، والتي كانت تُعد من أبرز مصادر نفوذه في المنطقة، «تعرضت لضربة غير مسبوقة خلال الحرب، ما انعكس حكماً على موقعه السياسي».

ويقول خشان لـ«الشرق الأوسط» إن الحزب، طوال الفترة الماضية، «وفّر غطاءً سياسياً لأحزاب وقوى في مقابل حصوله على غطاء لسياساته وسلاحه، ما جعل كثيراً من التحالفات أقرب إلى تحالفات نفعية وتبادل مصالح منها إلى شراكات سياسية أو عقائدية راسخة».

ويعتقد خشان أن «انهيار موازين القوى التي كانت تسمح للحزب بإدارة هذه العلاقة سيجعل إعادة بناء شبكة التحالفات السابقة أمراً بالغ الصعوبة، خصوصاً أن القوى السياسية التي كانت ترى في أن التحالف معه يحمل مكاسب وحماية سياسية، باتت أمام واقع مختلف»، مرجحاً أن تتسلم «حركة أمل» من خلال وجوه جديدة قيادة الطائفة الشيعية في المرحلة المقبلة.

النفور مرشح للازدياد

من جهته، يرى الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، أن حزب الله الذي كان «محور استقطاب جاذب للحلفاء والزبائنية السياسية خلال سنوات طويلة، لم يعد كذلك اليوم بعد مرور ثلاث سنوات على بدء حرب الإسناد، فهو يفتقد راهناً الحلفاء ويعاني من حصار داخلي وخارجي، وهذا واقع يمكن تلمسه بشكل تلقائي»، وأضاف الأمين: «برز ذلك جلياً في ذكرى اغتيال أمينيه العامين السابقين؛ إذ غاب عن المشهد أكثرية الذين كانوا يتزاحمون على الجلوس في الصف الأول».

مصاب في تفجيرات البيجر يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

ويعتبر الأمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا النفور منه مرشح للازدياد»، لافتاً إلى أن «ملف السلاح شأن آخر يرتبط بدور (حزب الله) وموقعه، الذي لا يبدو أنه قرأ ما أصابه وما أصاب الشيعة ولبنان من نكبة كبرى، فهو لا يزال متمسكاً بوظيفته كأداة إيرانية تخضع للحسابات التي يرسمها الولي الفقيه من داخل إيران».

ويختم الأمين: «في ظل المعطيات السياسية والأمنية الحالية، وفي ظل استمرار الحزب في خطاب يجافي الواقع وحقائقه الجديدة، لن يجد له صدى خارج محازبيه... والزيارات التي يقوم بها إلى بعض الجهات السياسية، لم ينتج عنها ما يمكن وصفه بأنه استعادة لتحالفاته أو صداقاته، وبالتالي هو عملياً يحاول الخروج من الحفرة التي سقط بها بالوقوع في مزيد من الحفر، ما سيعمق مأزقه ويكشف عجزه عن أن يعيد صياغة وجوده على قواعد الدولة». ويضيف: «إزاء ذلك كله لا يمكن توقع أن يرمم الحزب تحالفاته المتصدعة بل أن يزيد من انهيارها وتلاشيها».


الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)
من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)
TT

الزيدي يُحقق في تجاوزات على العلم الأميركي خلال احتفالات «يوم السيادة»

من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)
من صور الإساءة للعلم الأميركي في «ساحة التحرير» وسط بغداد (مواقع التواصل)

أمر رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، الأحد، بتشكيل لجنة تحقيقية لكشف ملابسات التجاوز على علم الولايات المتحدة الأميركية من قِبل فصائل في «الحشد الشعبي»، خلال استعراض عسكري في «ساحة التحرير» وسط بغداد، ضمن فعاليات واحتفالات «يوم السيادة» الذي أطلقته الحكومة على يوم 30 سبتمبر (أيلول) الماضي، بمناسبة انسحاب قوات «التحالف الدولي».

وأثارت الحادثة غضب شخصيات أميركية بارزة من دون صدور موقف رسمي من واشنطن.

وقال الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة، صباح النعمان، في بيان، إن «القائد العام للقوات المسلحة أدان هذا الفعل، مؤكداً ضرورة الالتزام بالقوانين والأعراف الدبلوماسية، ووجّه باتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المتجاوزين، وإنجاز التحقيق، ورفع نتائجه في أسرع وقت ممكن».

ولم يصدر عن هيئة «الحشد الشعبي» أي تفسير بشأن ما حدث، فيما قالت مصادر مقربة من الحكومة لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما حدث يتسبب في إحراج شديد للحكومة، وهو تصرف غير مقبول أو مسؤول، ويعرض البلاد بشكل عام، لمشكلات كبيرة».

آليات تعود لـ«الحشد الشعبي» خلال الإساءة للعلم الأميركي (مواقع التواصل)

وأضاف المصدر، الذي فضل عدم الإشارة إلى اسمه، أن «هناك معرفة مؤكدة باختراق (الحرس الثوري) لقيادات كثيرة في (الحشد الشعبي)، وهي من وقفت وراء هذا السلوك المستهجن».

ويرى المصدر أن «بعض الاتجاهات الحكومية تفكر جدياً في إبعاد تلك القيادات والاستغناء عنها بضباط من الجيش النظامي، لكن هذه الرغبة تواجَه بضغوط فصائلية وإيرانية شديدة».

غضب أميركي

وفيما لم يصدر أي تعليق رسمي عن واشنطن بشأن ما حدث، عبّرت فكتوريا تايلور، المسؤولة السياسية والأمنية السابقة، والتي تشغل حالياً منصب مديرة «مبادرة العراق ومشروع سوريا» في «برنامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي»، عن امتعاض شديد من الإساءة للعلم الأميركي.

وقالت تايلور في تدوينة عبر منصة «إكس»، إنه «عندما أعلن العراق (أيام السيادة) احتفالاً برحيل القوات الأميركية وانتهاء عملية العزم الصلب، شعرتُ بالضيق. كانت مهمة عملية العزم الصلب موجودة في العراق بناءً على طلب الحكومة العراقية لمحاربة (داعش)».

وأضافت: «كنت أعلمُ مسبقاً أنه سيحدث أمر ما يظهر الناس وهم يسيرون أو يقودون سياراتهم فوق العلم، وها هو ذا، وهذه المرة من قبل (قوات الحشد الشعبي)، وليس فقط الميليشيات».

وتابعت: «أعلمُ أن هذا لا يُمثل جميع العراقيين، ولكن كان ينبغي على الحكومة العراقية أن تحسن التصرف وتتجنب هذا النوع من العداء الصريح لأميركا من قبل القوات الرسمية».

وطالب النائب الأميركي جو ويلسن بـ«تحرير العراق من إيران» على خلفية الإساءة لعلم بلاده. وقال في تدوينة مماثلة إن «(الصور) تظهر (قوات الحشد الشعبي)، وهو تشكيل رسمي ضمن الأجهزة الأمنية للحكومة العراقية، وهي تدنس العلم الأميركي تعبيراً عن عدم الاحترام، وتشيد بالنظام الإيراني القاتل».

وأضاف: «إذا كنت بحاجة إلى مزيد من الأدلة على أن العراق بات مقاطعة إيرانية، يا زيدي، هل هذا هو رأيك في أميركا؟».


اجتماع فلوريدا... ومخاوف لبنانية من تمرير الوقت بانتظار الانتخابات الإسرائيلية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)
TT

اجتماع فلوريدا... ومخاوف لبنانية من تمرير الوقت بانتظار الانتخابات الإسرائيلية

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في وزارة الخارجية في واشنطن الأسبوع الماضي (رويترز)

يخشى لبنان أن يشكّل الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي، برعاية أميركية في فلوريدا في 20 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، محطة لتمرير الوقت ريثما تجرى انتخابات الكنيست في إسرائيل في 27 منه، و«النصفية الأميركية» في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، معوّلاً على التدخّل الأميركي لتفعيل تطبيق «اتفاق الإطار».

فلبنان يتخوّف من إقحامه بإدارة الأزمة لملء الفراغ، ويسعى من خلال وفده العسكري إلى مفاوضات فلوريدا لإحداث خرق يفتح الباب أمام المضي في تطبيق «اتفاق الإطار»، الذي هو نقطة تقاطع بين رئيس الحكومة نواف سلام، ووزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو في اجتماعهما في واشنطن، بدلاً من أن يشكّل الاجتماع محطة تتطلع إليها واشنطن لتمرير رسالة بأنها ماضية في رعايتها للمفاوضات بصرف النظر عن النتائج التي يمكن أن يتوصل إليها المتفاوضون.

ملء الفراغ بأقل الأضرار

في هذا السياق، قال مصدر لبناني معني بالمفاوضات إن ملء الفراغ بالوقت الضائع بأقل الأضرار يتطلب خفض منسوب التوتر الداخلي، ومنع إسرائيل من توسعة المنطقة الأمنية ليكون في وسع لبنان الصمود حيال إبقاء المفاوضات معلّقة على نتائج الانتخابات في إسرائيل. وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن الاتصالات جارية بين بيروت وواشنطن لتثبيت الموعد النهائي لعقد الاجتماع العسكري الذي يرأسه من الجانب اللبناني رئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم، بحضور السفيرة ندى حمادة معوض، ومدير العمليات في قيادة الجيش العميد الركن جورج رزق الله، الذي يرأس الفريق العسكري.

ولفت المصدر إلى أن وفد لبنان إلى فلوريدا يراهن على التدخّل الأميركي لإخراج المفاوضات في جولتها الثامنة من المراوحة، وهو يقترح إدراج إطلاق الأسرى اللبنانيين لدى إسرائيل، وحسم الجدل الدائر حول تشكيل «آلية التحقق» من انتشار الجيش اللبناني في «المنطقة التجريبية»، بعد توسيعها والتأكد من خلوها من سلاح «حزب الله» ومقاتليه، وتثبيت وقف النار، على جدول أعمال الاجتماع.

الدخان يتصاعد جراء تفجيرات إسرائيلية تستهدف منازل ومنشآت مدنية في بلدة المنصوري بجنوب لبنان (رويترز)

ورأى أن إخراج «آلية التحقق» من التجاذبات يستدعي التوافق على دورها وعلى مَنْ يرأسها، بالإضافة إلى توفير الضمانات بعدم التعرض لفريق المراقبين المنبثق عنها. وهذا هو المطلوب من إسرائيل و«حزب الله»، الذي يواصل حملته على المفاوضات المباشرة ويصر على الاحتفاظ بسلاحه ويطالب بإسقاط «اتفاق الإطار» وربط المسار اللبناني بإيران برهانه على «مذكرة التفاهم» الإيرانية - الأميركية باعتبارها بديلاً عن الاتفاق رغم رفض واشنطن ذلك.

مخاوف توسعة الحرب

أكد المصدر أن لبنان يتخوّف من لجوء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لتوسيع المنطقة الأمنية باستهدافه المرتفعات الواقعة بين إقليم التفاح وجبل الريحان، ويأمل من واشنطن التدخل لضبط أداء الجيش الإسرائيلي، مع أن سحب تل أبيب للوحدات المقاتلة، والمقصود بها تلك التابعة للواء «غولاني»، يعني من وجهة النظر العسكرية أن لا نية لديها للهجوم بهدف التوسُّع بمقدار ما أنها تواصل إطباقها على المنطقة الأمنية بتجريفها للبلدات وتدميرها لما تبقى فيها من منازل، وهي الآن في موقع دفاعي لمنع مقاتلي «حزب الله» من التسلّل إليها، في مقابل سيطرتها على البلدات الواقعة على الحافة الأمامية شمال نهر الليطاني المطلة على جنوبه وتحويلها إلى أرض محروقة، أسوة بما حل بالبلدات الواقعة ضمن الخط الأصفر.

لكن المصدر لا يطمئن لعدم جنوح نتنياهو في حال اضطر لرفع منسوب التأييد له في الانتخابات لضمان عودته لرئاسة الحكومة.

مناصرون لـ«حزب الله» يحملون صور أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله في الضاحية الجنوبية لبيروت (د.ب.أ)

نتنياهو يرفض التجاوب

إلى ذلك، كشف مصدر دبلوماسي غربي في بيروت، مواكب لأجواء التحضيرات للقاء العسكري، أن نتنياهو ليس في وارد تقديم التسهيلات، فعلاً لا قولاً، للبدء بتطبيق «اتفاق الإطار» قبل اجتيازه الاستحقاق الانتخابي، وبالتالي يرفض التجاوب مع طلب لبنان بتوسعة «المنطقة التجريبية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن نتنياهو يوافق على توسعتها بشرط أن تقتصر على البلدات الواقعة على الحافة الأمامية لشمال نهر الليطاني التي يسيطر جيشه بالنار على بعضها ويحتل بعضها الآخر.

وأكد المصدر أن تطبيق التلازم بالخطوات، كما يطالب لبنان، يعني من وجهة نظر المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأميركية، التوافق على جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي، في مقابل وضع خطة لنزع سلاح «حزب الله» على دفعات. وقال إنه لا يؤيد الحملة على الجيش اللبناني واتهامه بالتقصير وتحميله المسؤولية بذريعة تردد قيادته بتطبيق حصرية السلاح بيد الدولة، مضيفاً أن «القرار في هذا الخصوص هو بعهدة مجلس الوزراء مجتمعاً وأن المؤسسة العسكرية تنفّذ ما يتخذه من قرارات، خصوصاً أن لا عودة عن حصرية السلاح بيد الدولة، وهذا ما يؤكده عون في لقاءاته ما بين لبنان والخارج، وهو يحظى بتقدير أممي لموقفه ودعمٍ من غالبية اللبنانيين».

تحذيرات من إدارة الأزمة

وعليه؛ فإن الأنظار تبقى مشدودة لاجتماع فلوريدا في ضوء استكشاف مدى استعداد واشنطن للتدخل بإحداث خرق يفتح الباب أمام المضي بتطبيق «اتفاق الإطار» لئلا يقتصر على ملء الفراغ، مع أن تحقيق تقدم ملموس سيؤدي حكماً إلى تقوية موقف الدولة في رهانها على «اتفاق الإطار» وإضعاف موقف «حزب الله» الذي لن يكف عن تهديده لرئيسي الجهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام. لكن الحزب يحاذر أيضاً اللجوء إلى الشارع للضغط على الحكومة، لأن حليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، يقف بشدة ضد استخدام الشارع لتصفية الحسابات، ولا يرى من مبرر لإسقاط الحكومة، واضعاً خطوطاً حمراء لـ«تحصين السلم الأهلي».