البرلمان الجزائري يقر قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» المعدَّل

بعد جولات نقاش ماراثونية على خلفية التوترات مع باريس

جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)
جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)
TT

البرلمان الجزائري يقر قانون «تجريم الاستعمار الفرنسي» المعدَّل

جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)
جلسة المصادقة على قانون «تجريم الاستعمار» بمجلس الأمة الجزائري (البرلمان)

​في إجراء تشريعي حاسم، صادق «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الأحد، بصفة نهائية، على «مشروع قانون تجريم الاستعمار» بعد إدخال تعديلات عليه، وذلك عقب جولات ماراثونية من النقاشات المستفيضة في أبعاده السياسية والتشريعية والتاريخية.

وبذلك يكون البرلمان الجزائري قد أنهى جدالاً حاداً، استمر بين غرفتيه لأكثر من 4 أشهر، بشأن مواد مثيرة في مشروع القانون الذي طُرح نصه في وقت بلغت فيه الأزمة الدبلوماسية مع باريس ذروتها، ووظفته الجزائر في سياق ردودها على ما عدَّته «استفزازات» من جانب الدولة المستعمِرة سابقاً.

ومن أبرز التعديلات التي اعتمدها أعضاء المجلس؛ إعادة صياغة المادة التاسعة من المشروع عبر حذف عبارة «والاعتذار عن جرائم الاستعمار»؛ في خطوة وصفها مراقبون بأنها فرصة للمناورة القانونية والقضائية، تسعى الجزائر من خلالها لانتزاع اعتراف فرنسي رسمي بجرائم الحقبة الاستعمارية، وتجاوز العقبات التي قد تعترض المسار الدبلوماسي الهادف إلى دفع باريس إلى الإقرار بمسؤوليتها عن احتلال الجزائر (1830 - 1962) بوصفه «جريمة ضد الإنسانية».

النواب الجزائريون يصوتون على قانون «تجريم الاستعمار» في ديسمبر الماضي (البرلمان)

وكان «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى) قد صادق على المشروع في ديسمبر (كانون الأول) 2025، في ظرف شهد تصاعداً في التوترات مع فرنسا، التي تأججت في يوليو (تموز) 2024، إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء. واعتُبر مشروع القانون هذا حلقة من حلقات هذا التوتر.

ويهدف النص التشريعي أساساً إلى التعامل مع الاستعمار بوصفه «جريمة دولة»، وتثبيت ذلك قانونياً، مع توثيق الانتهاكات مثل القتل والتعذيب والتهجير والتجارب النووية الفرنسية في صحراء الجزائر (1960 - 1966).

«خط الرجعة»

في صيغته الأولى، تضمن القانون مطالب واضحة موجهة لفرنسا، أبرزها تقديم اعتذار رسمي عن «جرائم الاستعمار» ودفع تعويضات مادية شاملة للضحايا. لكن لما أحيل إلى الغرفة البرلمانية العليا في مارس (آذار) الماضي، بغرض المناقشة والمصادقة، تم حذف بندي «الاعتذار والتعويض» بعد خلافات داخل البرلمان.

وفُهم من هذه الخطوة أن الجهات العليا في البلاد هي من أمرت بـ«صيغة منقَحة» للنص، للحفاظ على «خط الرجعة» في العلاقة مع فرنسا، بمعنى أن الرئاسة في البلاد ارتأت أنه ما زالت هناك فرصة لتحسين العلاقات مع باريس، وأن «قانون التجريم» كان سيقضي عليها.

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

كما أُعيدت صياغة «البند 28» لضمان تصنيف «الاغتصاب والاستعباد الجنسي» بوصفها جرائم لا تسقط بالتقادم. ويُعد إدراج الاستعباد الجنسي تحديداً سابقة قانونية تملأ فراغاً تشريعياً دام طويلاً، حيث كان التعامل مع هذه التجاوزات يقتصر سابقاً على الطروحات التاريخية والمنشورات الصحافية.

أما فيما يخص تعاون جزائريين مع الجيش الفرنسي، فقد وُصف في المادة السابعة بأنه «خيانة» بدلاً من «خيانة عظمى»، كما ورد في الصيغة الأولية.

وعلى الرغم من تخلي الجزائر عن تفصيل «الاعتذار» في النص القانوني، فإن حدة الأزمة لم تنحسر؛ بل تضاعفت في الأيام الأخيرة إثر اتهام باريس بـ«إرهاب الدولة» من طرف رئيس النيابة الفرنسية المتخصص في قضايا الإرهاب أوليفييه كريستن. وكان يشير ضمناً، خلال حوار صحافي، إلى «قضية خطف واحتجاز اليوتيوبر الجزائري المعارض، أمير بوخرص» المقيم في فرنسا بوصفه لاجئاً سياسياً.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

وتعود وقائع القضية إلى شهر أبريل (نيسان) 2024؛ وقد شهدت تطوراً لافتاً بحبس موظف قنصلي جزائري بباريس بعد اتهامه باختطاف بوخرص الشهير بـ«أمير دي زاد». والأسبوع الماضي، مدَّد القضاء الفرنسي حبسه لسنة أخرى، الأمر الذي أثار سخطاً شديداً لدى الجزائريين.

وبخصوص الاتهام بـ«إرهاب الدولة»، الذي طال أيضاً إيران وروسيا، فقد أفاد رئيس «حركة البناء الوطني» عبد القادر بن قرينة، وهو أحد أبرز الحلفاء السياسيين للرئيس عبد المجيد تبون، في بيان الأحد، بأن تصريحات كريستين «ادعاء خطير يمثل سقطة قانونية وسياسية كبيرة تعكس خلفيات استفزازية حاقدة».

وندد بن قرينة بما وصفه بأنه «تطاول سافر يمس بسيادة مؤسسات الدولة الجزائرية، وموقف عدائي يندرج ضمن سلسلة محاولات يائسة للتشويش على الحركية الدبلوماسية النشطة للجزائر، وعلى انتصاراتها المحققة على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية».

خريطة انتخابية جديدة

من ناحية أخرى، دخلت الجزائر مرحلة العد التنازلي للانتخابات التشريعية المقررة في 2 يوليو (تموز) المقبل، بصدور القانون المحدد للدوائر الانتخابية، وعدد المقاعد البرلمانية في العدد الأخير من الجريدة الرسمية. ويأتي هذا النص التشريعي قبل 3 أشهر من موعد الاقتراع، ليضع القواعد النهائية للتنافس على مقاعد «المجلس الشعبي الوطني» و«مجلس الأمة».

ووفقاً للمادة الثالثة من القانون، اعتمد المشرّع الجزائري مبدأ «التناسب السكاني» قاعدة أساسية لتوزيع المقاعد، استناداً إلى نتائج آخر إحصاء رسمي. وبموجب هذا النظام، يُخصص مقعد برلماني لكل حصة ديمغرافية قوامها 120 ألف نسمة، مع منح مقعد إضافي عن كل فائض عددي يتجاوز 60 ألف نسمة.

تصفيق في البرلمان الجزائري عقب التصويت على قانون «تجريم الاستعمار» قبل إدخال تعديلات عليه (البرلمان)

وفي خطوة لضمان تمثيل المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة، اشترط القانون ألا يقل تمثيل أي ولاية عن مقعدين، وهو إجراء استفادت منه 21 ولاية يقل عدد سكانها عن 200 ألف نسمة، من إجمالي 69 ولاية تشكل الخريطة الإدارية للبلاد. أما الجالية الوطنية بالخارج، فقد حافظت على ثقلها السياسي بتخصيص 12 مقعداً لتمثيلها في الغرفة السفلى.

وأظهر جدول توزيع المقاعد تبايناً يعكس الثقل الديمغرافي للمدن الكبرى، حيث تصدرت العاصمة الجزائر القائمة بـ31 نائباً، تليها ولاية سطيف بـ17 نائباً، ثم وهران بـ16 نائباً. كما برزت ولايات باتنة والبليدة والشلف وتيزي وزو، بوصفها كتلاً انتخابية وازنة، بـ11 مقعداً لكل منها، بينما بلغ تمثيل ولايات كبرى أخرى مثل قسنطينة وتلمسان وبجاية، 9 مقاعد.

توازن بين الانتخاب والتعيين

وعلى صعيد الغرفة العليا، حدد القانون آليات تشكيل «مجلس الأمة» الذي يضم 118 عضواً منتخباً يمثلون الولايات التسع والستين.

واعتمدت المادة السابعة معياراً مزدوجاً للتمثيل؛ حيث يُخصص مقعد واحد للولايات التي لا يتجاوز عدد سكانها 250 ألف نسمة، ومقعدان للولايات التي تتخطى هذا النصاب.

وبعيداً عن المسار الانتخابي، يبقى «الثلث الرئاسي» صمام أمان لتعزيز الخبرات داخل البرلمان، حيث يخوّل الدستور لرئيس الجمهورية تعيين الثلث المتبقي من الأعضاء من بين الكفاءات الوطنية والشخصيات العلمية والمهنية، لضمان توازن بين التمثيل الشعبي والخبرة التكنوقراطية في صناعة القرار التشريعي.


مقالات ذات صلة

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

شمال افريقيا الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

رسمت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى الجزائر ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون متسلماً رسائل نظيره الفرنسي من الوزيرة المكلفة شؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

الجزائر ترهن التطبيع مع باريس باعتذار صريح عن جرائم الاستعمار

تعاملت السلطات الجزائرية ببرودة تجاه خطوة باريس اللافتة نحو تطبيع العلاقات بين البلدين، والمتمثلة في إرسال الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزيرة الدولة الفرنسية المكلّفة بالقوات المسلحة وشؤون المحاربين القدامى أليس روفو (إلى اليسار) ومسؤولون يضعون إكليلاً من الزهور وباقات ورد خلال مراسم إحياء ذكرى «مجازر سطيف 1945» في مدينة سطيف شرق الجزائر يوم 8 مايو 2026 (أ.ف.ب)

باريس والجزائر تخطوان نحو تطبيع علاقاتهما

بعد عامين من التباعد، باريس والجزائر تقطعان خطوة جدية نحو تطبيع علاقاتهما، وماكرون أعاد سفير بلاده إلى مركزه وكلف وزيرة شؤون القوات المسلحة بإنجاز مهمة تصالحية.

ميشال أبونجم (باريس)
شمال افريقيا أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي (إعلام حزبي)

الجزائر: مطالب حقوقية بالمحاسبة في «قضية ترتيب لوائح الترشيح للانتخابات»

فجَّر تسجيل صوتي مسرَّب، جرى تداوله على نطاق واسع بداية الشهر الحالي، فضيحةً سياسيةً مدويةً في ولاية قسنطينة، كبرى مدن الشرق الجزائري.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقبال نظيره الجزائري عبد المجيد تبون في أنقرة الخميس (الرئاسة التركية)

إردوغان وتبون ترأسا أول اجتماع لـ«مجلس التعاون الاستراتيجي» بين تركيا والجزائر

ترأس الرئيسان التركي رجب طيب إردوغان والجزائري عبد المجيد تبون الاجتماع الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي بمشاركة وزراء من البلدين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: مسار أميركي جديد لحل نزاع سد النهضة

«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
TT

مصدر مصري لـ«الشرق الأوسط»: مسار أميركي جديد لحل نزاع سد النهضة

«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)
«سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

أكّد مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة تترقب مساراً أميركياً جديداً لحلّ نزاع «السد الإثيوبي»، لافتاً إلى وجود محاولات لإحياء «وثيقة واشنطن» بصيغة معدلة لإيجاد توافق واسع عليها من جديد.

وبحسب المصدر، فإن «المسار الجديد تعدّه واشنطن، ويستند لتعديلات ستجرى على وثيقة سابقة كانت محل تفاوض بين مصر وإثيوبيا برعاية الولايات المتحدة». وأوضح أن «الخارجية الأميركية تركت الملف الآن، وعاد لوزارة الخزانة مجدداً».

وأضاف المصدر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «وزارة الخارجية الأميركية كانت ترى أن المواقف لا تزال بحاجة إلى أن تتكشف، وقد أرسلت في وقت سابق عقب دعوة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مسؤولاً بوزارة الخارجية، إلى مصر، التقى مسؤولين، لكننا فوجئنا بأن الأمر وكأنه سيبدأ من نقطة الصفر من جديد».

وأشار إلى أن «وزارة الخزانة الأميركية قطعت شوطاً كبيراً في هذا الملف، وهي التي ستتولى صياغة المقترحات الجديدة قبل عرضها على إدارة ترمب».

كما لفت إلى أن «هذا المسار الذي تترقبه القاهرة يُبنى على ما يعرف بـ(وثيقة إعلان واشنطن)، وهي الوثيقة التي قدّمها الرئيس ترمب للأطراف الثلاثة خلال ولايته السابقة، ومصر وقّعت على الوثيقة، بينما انسحب الجانب السوداني، ولم تصادق عليها إثيوبيا، ما أدى إلى توقف مسار التفاوض آنذاك».

وأكّد أن «ما يحدث الآن هو إعادة صياغة لبعض الأفكار التي تضمنتها الوثيقة، وسنرى ماذا سيطرح»، آملاً «أن تنحاز هذه الأفكار لموقف مصر العادل لكل الأطراف بوجود اتفاق قانوني ملزم يضمن الحقوق المائية».

وسبق أن رعت واشنطن مفاوضات في 6 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، عبر اجتماع استضافته وزارة الخزانة الأميركية، شارك فيه وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان، بحضور البنك الدولي.

ونصّ بيان مشترك وقتها على عقد 4 جولات فنية على مستوى وزراء المياه، تتبعها اجتماعات في واشنطن، بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل السدّ بحلول 15 يناير (كانون الثاني) 2020.

ترمب يصافح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 21 يناير 2026 (أ.ف.ب)

لكن مدّدت المناقشات لجلسات متواصلة في الفترة ما بين 28 و31 يناير 2020 في واشنطن، باستضافة وزارة الخزانة أيضاً، وخرجت ببيان مشترك تضمن توصل الأطراف إلى تفاهمات في 3 حزم حساسة، شملت جدولاً مرحلياً لملء السد، وآلية للتوافق أثناء الملء في حالات الجفاف، والجفاف الممتد، وفترات السنوات الجافة الطويلة، وآلية للتوافق بشأن التشغيل السنوي وطويل الأمد للسد في الظروف نفسها.

وأعلن آنذاك أنه يجري استكمال عناصر أخرى بقيت قيد الصياغة، بينها آلية التشغيل في الظروف الهيدرولوجية العادية، وآلية للتنسيق، وبنود لتسوية النزاعات وتبادل المعلومات، إضافة إلى التوافق على معالجة سلامة السد والدراسات العالقة بشأن الآثار البيئية والاجتماعية.

وانتهت الجولة بتكليف الفرق الفنية والقانونية بإعداد نص الاتفاق النهائي متضمناً ما تم التوافق عليه، تمهيداً لتوقيعه من الدول الثلاث في نهاية فبراير (شباط) 2020، قبل أن تغيب إثيوبيا عن الاجتماع الختامي، وتوقع مصر بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق، التي جرى إعدادها برعاية وزارة الخزانة الأميركية، وبمدخلات فنية من البنك الدولي.

ويأتي حديث المصدر المصري المطلع بعد أيام من تصريحات كبير مستشاري الرئيس ترمب للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، لـ«الشرق الأوسط» بشأن أزمة السد، التي قال فيها إن الرئيس ترمب «أعرب عن استعداد الولايات المتحدة لاستئناف الوساطة بين مصر وإثيوبيا من أجل التوصل إلى تسوية مسؤولة ونهائية لقضية سد النهضة». وأضاف: «نعتقد أن التوصل إلى اتفاق شامل أمر ممكن، ونحن على استعداد لدعم التفاوض بشأنه وإنجازه».

جانب من «سد النهضة» بمنطقة بني شنقول جوموز (رويترز)

وفي يناير الماضي، أرسل الرئيس الأميركي خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» والتوصل لحل نهائي وعادل للقضية، بعد 3 أحاديث متواصلة في منتصف يونيو (حزيران) و4 و8 يوليو (تموز) 2025، يؤكد على أن «واشنطن موّلت (السد)، ويجب أن يكون هناك حلّ سريع لتلك الأزمة».

وأعلنت مصر توقف مسار التفاوض مع إثيوبيا بشأن السد في 2024 بعد جولات استمرت لسنوات، «نتيجة لغياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات وزارة الري، فيما تؤكد أديس أبابا أن «السدّ بهدف التنمية وليس الضرر لدولتي المصبّ».

في سياق ذلك، قال أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، عباس شراقي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الولايات المتحدة قادرة على حسم القضية في فترة وجيزة، قد لا تتجاوز الأسبوع الواحد، بل ربما في يوم واحد إن أرادت».

ويرى شراقي أن «حلّ الأزمة حالياً أيسر من السنوات الماضية، لأسباب أبرزها أن الخلاف الرئيسي حول سنوات الملء الأول لخزان السد والخوف من حجز المياه انتهى عملياً بملء أديس أبابا للسد منذ 2024 و2025 و2026»، موضحاً أن «العملية صارت الآن مقتصرة على تصريف كميات مياه واستقبال أخرى».


الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر وفرنسا تتفقان على خريطة طريق لترميم العلاقات

الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)
الرئيس الجزائري يتلقى رسالة من نظيره الفرنسي من خلال وزيرة القوات المسلحة الفرنسية أليس روفو (الرئاسة الجزائرية)

رسمت زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة وقدامى المحاربين، أليس روفو، إلى الجزائر ملامح عودة متسارعة للعلاقات الثنائية إلى سابق عهدها؛ وهو ما أكدته رسالة خطية بعث بها رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون إلى نظيره الجزائري عبد المجيد تبون، حاملة مؤشرات قوية على رغبة باريس في إنهاء القطيعة.

وأعلنت روفو، إثر انتهاء محادثاتها مع تبون، السبت، أن حكومة الجزائر أعطت موافقتها على استئناف اجتماعات «اللجنة المشتركة للمؤرخين المعنية بملف الذاكرة»، والتي كانت قد توقفت بسبب التوترات بعد إنجازها أعمالاً وُصفت بـ«المهمة» في «ملف مصالحة الذاكرتين».

الرئيس الجزائري مستقبلاً وزيرة القوات المسلحة الفرنسية وسفير فرنسا لدى الجزائر يوم السبت (الرئاسة الجزائرية)

وإلى جانب التعاون الأمني وملف الهجرة اللذين استؤنفا منذ زيارة وزير الداخلية، لوران نونيز، إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي، أشارت روفو إلى أنها بحثت مع رئيس الدولة ملف التعاون القضائي؛ في إشارة إلى مطالب جزائرية تخص تسليم ملاحقين قضائياً أدانتهم محاكم جزائرية بتهم تتعلق بـ«الفساد» و«المس بالوحدة الوطنية».

وقالت روفو بهذا الخصوص: «أدرك جيداً مدى أهمية هذا الملف بالنسبة للسلطات الجزائرية»، مؤكدة «وجود إرادة مشتركة لجعل الأشهر المقبلة مثمرة في علاقاتنا، مع العمل بهدوء ومثابرة».

انفراجة

أشارت روفو إلى وجودها، يوم الجمعة، في سطيف بشرق الجزائر للمشاركة في الاحتفالات الرسمية بذكرى «مجازر 8 مايو (أيار) 1954» التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي، وقالت إنها تأثرت «تأثراً بالغاً بحفاوة الاستقبال في سطيف»، وهو ما وصفته بأنه كان «استقبالاً دافئاً شعرت به كما شعر به الوفد المرافق لي؛ ونحن ندرك تماماً ما تمثله مأساة 8 مايو 1945 بالنسبة للشعب الجزائري».

وزيرة القوات المسلحة الفرنسية خلال زيارتها الجزائر (وزارة المجاهدين الجزائرية)

وفيما يخص العلاقات الرسمية بين البلدين، قالت: «لقد كلفني الرئيس ماكرون بتبليغ عزمه على إيجاد السبل والوسائل الكفيلة بإعادة إرساء علاقة تتسم بالاحترام بين بلدينا، تقوم على الندّية، وتكون هادئة ومبنية على الثقة».

كما أشارت إلى أنها ناقشت مع الرئيس الجزائري العلاقات الثنائية في ظل «سياق التوترات الدولية، سواء في الشرق الأوسط ومضيق هرمز، أو في منطقة الساحل، أو مع أزمة الطاقة العالمية والتحديات في منطقة البحر المتوسط»، مؤكدة ضرورة وجود حوار مستمر.

وأضافت: «هدفنا هو تحقيق نتائج سريعة؛ لذا ناقشنا مسارات ملموسة لتكون الأشهر المقبلة مفيدة لمصالحنا وللعلاقات بين الجزائر وفرنسا».

كما أوضحت أن المحادثات شملت التعاون في مجالي الأمن والدفاع اللذين قالت إنها كانا محل نقاش طويل مع الفريق أول سعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، واصفة هذا التعاون بأنه «مهم جداً في ظل سياق أفريقي ودولي يتسم بعدم الاستقرار».

ملف الهجرة

ذكرت روفو أن الجانبين تطرقا أيضاً إلى التعاون في مجال الهجرة، مؤكدة أن فرنسا «ترحب باستئناف هذا التعاون عقب زيارة وزير الداخلية لوران نونيز إلى الجزائر».

وتسعى الجزائر إلى تحويل هذا الملف من مجرد عملية ترحيل تقني لقرابة 50 ألف مهاجر غير نظامي، كما تطالب باريس، إلى إدارة مشتركة تحمي حقوق الرعايا الجزائريين، وتلتزم بالضمانات القانونية، بالتوازي مع إحداث فرص تخص التنمية للشباب للحد من دوافع الهجرة من جذورها.

وقالت الوزيرة الفرنسية: «بحثنا كذلك سبل تكثيف التعاون، لا سيما في المجال القضائي ومكافحة تهريب المخدرات»، وهو الجانب الذي عدَّته «حيوياً جداً لكلا البلدين». وشددت على «أهمية مواصلة الأجندة التي اتفقنا عليها، وحددناها معاً، والتي يأمل رئيس الجمهورية تنفيذها في الأشهر المقبلة لجعلها سنة مثمرة».

السفير الفرنسي لدى الجزائر ستيفان روماتيه (السفارة الفرنسية)

وشهدت زيارة روفو حضوراً لافتاً للسفير الفرنسي بالجزائر، ستيفان روماتيه، العائد لممارسة مهامه بعد عام من الفراغ الدبلوماسي الذي أعقب بلوغ التوتر ذروته بين البلدين جراء تداعيات انحياز فرنسا إلى المغرب في نزاع الصحراء في صيف 2024.

وبات جلياً، بحسب مراقبين، أن تصريحات الوزيرة الفرنسية رسمت «خريطة طريق» للمرحلة المقبلة، بعد اتفاق الطرفين على تجاوز حقبة الخلافات».

بناء التقارب

ووفق مصادر جزائرية مطلعة، شكلت محادثات الوزيرة الفرنسية في الجزائر فرصة سانحة لطرح حزمة من الملفات الاستراتيجية التي صاغها خبراء جزائريون وفرنسيون لتكون حجر الزاوية في بناء التقارب.

ففي الملف الأمني، أخذ النقاش، حسب المصادر، حيزاً واسعاً من المحادثات، خصوصاً مع اعتراف باريس الضمني على لسان مسؤوليها بأن «سياسة التوتر مع الجزائر» لم تعد منتجة، وأن الحاجة لاستعادة الحوار الأمني أصبحت ملحة لإحباط التهديدات الإرهابية العابرة للحدود.

الرئيس الجزائري يتسلم رسالة من نظيره الفرنسي (الرئاسة الجزائرية)

وقد ركز الجانب الجزائري على ضرورة تبادل المعلومات الاستخباراتية حول شبكات المتشددين، وتكثيف التنسيق الميداني في منطقة الساحل التي تواجه تدهوراً خصوصاً مع تسارع المواجهات في مالي، وهو ما يجعل التعاون الأمني ضرورة وجودية للطرفين لا مجرد خيار دبلوماسي، حسبما قالت المصادر.

اقتصادياً، تجاوزت المباحثات سياق دعم الشركات الفرنسية في السوق الجزائرية إلى طرح الجانبين رؤية أكثر براغماتية تهدف إلى حماية مصالحهما، وتوسيع الاستثمارات، مع سعي الجزائر لانتزاع دعم فرنسي صريح لإعادة التفاوض حول «اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي» بما يضمن توازناً تجارياً عادلاً.

ويبقى ملف «السيادة والذاكرة» المظلة الكبرى لتحركات الجزائر في اتجاه تطبيع العلاقات؛ إذ تصر على احترام قرارها السيادي وعدم التدخل في شؤونها، مع ضرورة إحداث اختراق حقيقي في قضايا الذاكرة العالقة و«الممتلكات المنهوبة» في عهد الاستعمار (1830-1962)، وحسم ملف المعارضين المقيمين في فرنسا والمطلوبين لدى القضاء الجزائري، ويأتي على رأسهم اليوتيوبر أمير بوخرص.


ماكرون يركض في شوارع الإسكندرية... رسائل ودّ خارج القاعات الرسمية

السيسي وماكرون خلال التقاط مواطنين مصريين لصور بكاميرات هواتفهم المحمولة في الإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)
السيسي وماكرون خلال التقاط مواطنين مصريين لصور بكاميرات هواتفهم المحمولة في الإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)
TT

ماكرون يركض في شوارع الإسكندرية... رسائل ودّ خارج القاعات الرسمية

السيسي وماكرون خلال التقاط مواطنين مصريين لصور بكاميرات هواتفهم المحمولة في الإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)
السيسي وماكرون خلال التقاط مواطنين مصريين لصور بكاميرات هواتفهم المحمولة في الإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)

تلقى مصريون رسائل فرنسية بدت من منظورهم «ودية»، مع حرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على إضفاء طابع غير رسمي على زيارته إلى مصر، صباح الأحد، عبر الركض في شوارع الإسكندرية (شمال)، والتقاط صور مع عمال مطاعم، غداة جولة أخرى في قلعة قايتباي التاريخية.

أجواء زيارة ماكرون وأنشطته غير التقليدية في مصر حظيت بصدى واسع على المستويات البرلمانية والدبلوماسية والإعلامية، وامتد أثرها إلى منصات التواصل الاجتماعي، فاتحةً مجالاً واسعاً لتفسير الرسائل والدلالات القادمة من قصر الإليزيه، خصوصاً أنها جاءت بعد عام من زيارة مماثلة شملت جولة وعشاء مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في حي خان الخليلي بالقاهرة الفاطمية.

ويرى دبلوماسيون، من بينهم السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، أن تحركات الرئيس الفرنسي «تمثل رسالة ودّية تعكس مستوى متقدماً من الدبلوماسية الرئاسية الحديثة»، معتبرين أنها «تحمل دلالات سياسية إيجابية، وتُسهم في الترويج لصورة مصر واستقرارها»، وفق ما قال لـ«الشرق الأوسط».

وتوقع بيومي أن تنعكس هذه المؤشرات الإيجابية على مسار العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي، بوصفه الشريك التجاري الأكبر للقاهرة في مجالي الاستيراد والتصدير، وذلك في إطار اتفاقية الشراكة المصرية - الأوروبية، مبرزاً أن باريس تحتل موقعاً محورياً داخل دوائر صنع القرار في القارة الأوروبية، بما يعزز أهمية التنسيق السياسي والاقتصادي بين الجانبين.

ورغم أن ملفات إقليمية مهمة احتلت جانباً من مباحثات السيسي وماكرون، السبت، على هامش افتتاح جامعة سنجور، فإن الزيارة تحررت جزئياً من قيود القاعات الرسمية، سواء خلال اصطحاب الرئيس المصري لضيفه الفرنسي في جولة على الممشى السياحي بكورنيش الإسكندرية، وصولاً إلى قلعة قايتباي التاريخية، حيث استمعا إلى شرح حول تاريخ إنشائها وما تم استخراجه من كنوز أثرية وتاريخية من مختلف العصور.

السيسي وماكرون في قلعة قايتباي التاريخية بمدينة الإسكندرية (الرئاسة المصرية)

وتُعد قلعة قايتباي من أبرز الحصون الدفاعية على ساحل البحر المتوسط، وقد شيدها السلطان المملوكي الأشرف قايتباي بين عامي 1477 و1479 فوق أنقاض فنار الإسكندرية القديم، بهدف تحصين المدينة، وحمايتها من الغزوات البحرية.

واستيقظ سكان الإسكندرية، صباح الأحد، على مشهد غير معتاد لرئيس فرنسي يمارس رياضة الركض في حي خالد بن الوليد الشعبي، قبل أن يحرص على التقاط صور تذكارية مع شباب وعمال مطاعم مصريين على كورنيش المدينة.

وعدّ البرلماني والإعلامي المصري مصطفى بكري هذه المشاهد رسالة تؤكد «مصر الآمنة المستقرة»، بينما رأى الإعلامي أحمد موسى وآخرون أنها تمثل دعاية رئاسية تعزز صورة مصر دولياً.

وقرأ آخرون المشهد من زاوية مختلفة؛ إذ قارن المدون والناشط لؤي الخطيب الزيارة بمرحلة سابقة شهدت تبايناً في المواقف بين القاهرة وباريس بشأن حقوق الإنسان، معزياً هذا التحول إلى «تفهم فرنسي لطبيعة التحديات في مصر»، إلى جانب «الذكاء الاجتماعي للقيادة المصرية».

ويلاحظ السفير بيومي أن «العلاقات الخارجية المصرية شهدت تطورات ملحوظة في نمط إدارتها خلال السنوات الأخيرة مقارنة ببعض المراحل السابقة التي عمل خلالها داخل الجهاز الدبلوماسي»، لافتاً إلى أن الأداء الحالي بات أكثر حيوية وسرعة في الحركة والتفاعل مع المتغيرات الدولية.

ماكرون في لقطة جماعية مع عاملين مصريين في أحد المطاعم بمدينة الإسكندرية الأحد (مقطع من فيديو متداول)

وسبق أن اصطحب الرئيس المصري نظيره الفرنسي، في أبريل (نيسان) 2025، في جولة بالقاهرة شملت مسجد الإمام الحسين وخان الخليلي، تخللتها زيارة تراثية وعشاء ودي، وقد لقيت أصداءً واسعة أيضاً ضمن زيارة رسمية.

وفي هذا السياق، تبدو زيارتا ماكرون إلى مصر شكلاً من «الدبلوماسية الشعبية» ذات الطابع الإنساني القريب من الناس، وفق رؤية رئيس المجلس الاستشاري للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية وعضو مجلس الشيوخ المصري السابق، الدكتور عبد المنعم سعيد.

وأوضح سعيد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه المشاهد تعكس جانباً من «شخصية ماكرون التي تميل إلى الحيوية والتواصل المباشر وبناء العلاقات خارج الأطر الرسمية التقليدية»، مشيراً إلى أن «هذا النوع من الحضور يعزز مناخ التفاعل الإيجابي بين القيادات والشعوب».

وكان ماكرون قد نشر تسجيلاً مصوراً يوثق جولة له برفقة الرئيس المصري، وسط تفاعل لافت من مواطنين تجمعوا لالتقاط صور «سيلفي» معه، على خلفية أغنية أحسن ناس للمطربة الفرنسية المولودة في مصر داليدا. وكتب عبر حسابه على منصة «إكس»: «شكراً للإسكندرية على حسن الاستقبال والكلام الشيق بالفرنسية!».

السيسي وماكرون خلال مباحثات في الإسكندرية السبت (الرئاسة المصرية)

ولا تغيب حسابات الإقليم عن هذه الزيارة؛ إذ يرى سعيد أن هذه الأجواء تمثل بيئة مساعدة للتنسيق السياسي في ملفات إقليمية حساسة، خصوصاً في ظل انخراط فرنسا في جهود الوساطة المتعلقة بلبنان، إلى جانب الدور المصري المحوري في ملف غزة، معتبراً أن هذا التقاطع في الأدوار يجعل من تعزيز قنوات التواصل غير الرسمية عنصراً مهماً في دعم مسارات التفاهم السياسي بالمنطقة.

وبحث الرئيسان المصري والفرنسي، السبت، خلال لقائهما في برج العرب على هامش افتتاح مقر جامعة سنجور، تطورات الأزمات الإقليمية والقضية الفلسطينية ولبنان، مع التأكيد على دعم الاستقرار الإقليمي، ووقف الحرب في غزة، وتعزيز التعاون بين دول المتوسط.