هل أنهى الذكاء الاصطناعي عصر أنظمة كشف الاحتيال الرقمية التقليدية؟

الهويات المصطنعة... التهديد الذي ينمو بصمت

الاحتيال تحوّل من استهداف الأنظمة التقنية إلى التلاعب بالسلوك البشري ما يغيّر طبيعة التهديد بشكل جذري (رويترز)
الاحتيال تحوّل من استهداف الأنظمة التقنية إلى التلاعب بالسلوك البشري ما يغيّر طبيعة التهديد بشكل جذري (رويترز)
TT

هل أنهى الذكاء الاصطناعي عصر أنظمة كشف الاحتيال الرقمية التقليدية؟

الاحتيال تحوّل من استهداف الأنظمة التقنية إلى التلاعب بالسلوك البشري ما يغيّر طبيعة التهديد بشكل جذري (رويترز)
الاحتيال تحوّل من استهداف الأنظمة التقنية إلى التلاعب بالسلوك البشري ما يغيّر طبيعة التهديد بشكل جذري (رويترز)

لم يعد الاحتيال الرقمي يستهدف الأنظمة التقنية بقدر ما يستهدف الإنسان نفسه. هذا التحول لا يقتصر على تطور في الأساليب، بل يعكس تغييراً أعمق في طبيعة الهجوم، حيث أصبحت الثقة البشرية هي نقطة الاختراق الأساسية. وفي ظل تسارع استخدام الذكاء الاصطناعي، يطرح هذا الواقع أسئلة جديدة حول قدرة المؤسسات على مواكبة التهديدات، وحول ما إذا كانت أدوات الحماية الحالية لا تزال صالحة.

يوضح عبد حمَندي كبير مديري قسم الاستشارات لمكافحة الاحتيال والاستخبارات الأمنية في شركة «ساس» (SAS) أن ما نشهده اليوم «ليس تغييراً دورياً، بل هو تغيير هيكلي، لأن وحدة الهجوم قد تغيرت». ويشير حمندي خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن المحتالين لم يعودوا يركزون على استغلال الثغرات التقنية، بل على «التلاعب بالسلوك البشري»، حيث يصبح العميل نفسه جزءاً من تنفيذ عملية الاحتيال.

عبد حمَندي كبير مديري قسم الاستشارات لمكافحة الاحتيال والاستخبارات الأمنية في شركة «ساس» (ساس)

نهاية كفاية الأنظمة التقليدية

على مدى سنوات، استثمرت المؤسسات المالية بشكل كبير في أنظمة مراقبة المعاملات التي تعتمد على اكتشاف الأنماط غير الطبيعية. لكن هذه المقاربة، رغم أهميتها، لم تعد كافية بمفردها. فعمليات الاحتيال الحديثة باتت تُصمَّم لتبدو طبيعية تماماً، من حيث الجهاز المستخدم، وسلوك العميل، وبياناته.

ويشرح حمندي أن هذه الأنظمة «لا تزال لها قيمة، لكنها لا ترى إلا ما ينحرف عن المسار المعتاد»، في حين أن الاحتيال المعاصر يتعمّد الاندماج داخل هذا المسار. وهذا يعني أن المؤسسات قد تبدو كأنها تحسّن أدواتها باستمرار، لكنها في الواقع «تدافع عن جزء محدود من نطاق المعركة»، بينما يتحرك التهديد الحقيقي في مساحة أخرى أكثر تعقيداً تتعلق بالسلوك والنية.

هذا التحول يفرض إعادة تعريف جوهرية لمفهوم الاحتيال نفسه. فبدلاً من التركيز على ما إذا كانت المعاملة صحيحة تقنياً، يصبح السؤال: هل تم اتخاذ القرار بحرية ووعي؟

في كثير من الحالات الحديثة، يصرّح الضحايا بأنهم نفذوا العمليات بأنفسهم، لكن تحت ضغط، أو تضليل. هنا، يشير حمندي إلى ضرورة الانتقال من اعتبار التفويض دليلاً على النية، إلى اعتباره «موافقة مشروطة بالسياق»، حيث قد تكون الموافقة شكلية، لكنها لا تعكس إرادة حقيقية. هذا التغيير لا يتعلق فقط بالتقنية، بل يفتح الباب أمام إعادة النظر في حدود المسؤولية بين المؤسسات والعملاء، ويعزز الحاجة إلى آليات تدخل استباقية بدلاً من الاكتفاء بالتعويض بعد وقوع الضرر.

أساليب كشف الاحتيال التقليدية لم تعد كافية لأن العمليات الحديثة تُصمَّم لتبدو طبيعية تماماً (رويترز)

الهويات المصطنعة المتطورة

من أبرز التحديات التي تعكس هذا التحول، انتشار ما يُعرف بـ«الهويات المصطنعة»، وهي هويات تُبنى تدريجياً لتبدو حقيقية تماماً قبل أن تُستخدم في الاحتيال. في هذا السياق، لم يعد التحقق من الهوية (KYC) عملية تُجرى مرة واحدة عند فتح الحساب، بل يجب أن يتحول إلى عملية مستمرة. ويؤكد حمندي أن الهدف لم يعد التحقق من صحة المستندات فقط، بل تقييم ما إذا كانت الهوية «تُظهر نمطاً سلوكياً يتطور بمرور الوقت كما يفعل شخص حقيقي».

المفارقة هنا أن السلوك «المثالي» قد يكون في حد ذاته مؤشراً على الاحتيال، إذ إن البشر بطبيعتهم غير متسقين تماماً، بينما تميل الأنظمة المصطنعة إلى تقديم صورة أكثر انتظاماً.

ورغم التطور التقني، لا تكمن المشكلة فقط في الأدوات أو البيانات، بل في غياب التنسيق بين الجهات المختلفة. فالمؤسسات غالباً ما ترى جزءاً محدوداً من سلوك المستخدم، وهو ما تستغله الهويات المصطنعة.

ويشير حمندي إلى أن التحدي الأكبر يكمن في «تنسيق النظام البيئي»، حيث تحتاج المؤسسات إلى تبادل البيانات بشكل آمن، وتطوير أطر مشتركة للاستخبارات، إضافة إلى وضوح تنظيمي يسمح بتكوين صورة شاملة.

سباق غير متكافئ

مع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة في هذا المجال، يبدو أن المحتالين في كثير من الأحيان يتحركون بسرعة أكبر من المؤسسات. ويرجع ذلك إلى أنهم يعملون خارج القيود التنظيمية، ومن دون إرث تقني معقد، ما يمنحهم مرونة أكبر في التجريب. ومع ذلك، لا يرى حمندي أن المؤسسات في موقع ضعف مطلق، بل يشير إلى أنها تمتلك مزايا مهمة، مثل الثقة، وحجم البيانات، لكن المشكلة تكمن في «بطء التبني، وصعوبة دمج الأنظمة»، وليس في نقص القدرات.

وفي ظل تقنيات مثل استنساخ الصوت، والتزييف العميق، أصبحت وسائل المصادقة التقليدية أكثر عرضة للاختراق. وفي بعض الحالات، يشير حمندي إلى أن هذه التقنيات «قد سبق أن تجاوزت بالفعل» هذه الأساليب.

البديل الذي يبرز هنا هو مفهوم «المصادقة المستمرة»، حيث لا يتم التحقق من هوية المستخدم في نقطة واحدة فقط، بل يتم تقييم مستوى الثقة بشكل ديناميكي بناءً على السلوك والسياق. غير أن تطبيق هذا النموذج يتطلب توازناً دقيقاً بين الحماية وتجربة المستخدم.

التحقق من الهوية لم يعد إجراءً لمرة واحدة بل عملية مستمرة تعتمد على تحليل السلوك مع مرور الوقت (شاترستوك)

بين الحماية والمراقبة

الاعتماد على السلوك كمؤشر رئيس يطرح بدوره تساؤلات أخلاقية، خصوصاً فيما يتعلق بالخصوصية. لكن حمندي يوضح أن المسألة لا تتعلق بالمراقبة، بل بـ«الملاءمة»، حيث يركز التحليل السلوكي على مؤشرات مرتبطة بالمخاطر، مثل التغيرات المفاجئة، أو التردد، وليس على المعتقدات الشخصية. الحد الفاصل هنا، بحسب رأيه، يكمن في النية والمساءلة. فالحماية تكون مشروعة عندما تكون قابلة للتفسير، ومتناسبة مع الهدف، بينما يتحول الأمر إلى تنميط غير أخلاقي إذا أصبح غامضاً، أو تمييزياً.

ورغم إدراك الجهات التنظيمية لطبيعة التهديدات الجديدة، لا تزال بعض الأطر التنظيمية تعكس تصوراً قديماً للاحتيال باعتباره مشكلة تقنية، وليس سلوكاً ديناميكياً. ومع ذلك، هناك مؤشرات على تحول تدريجي نحو نماذج أكثر مرونة تعتمد على الحوار، والتجريب، لكن التحدي يبقى في تسريع التنسيق بين الابتكار والسياسات.

مخاطر تتجاوز المال

إذا لم تتمكن المؤسسات من تحديث أنظمتها، فإن المخاطر لن تقتصر على الخسائر المالية. يحذر حمندي من احتمال «تآكل الثقة في الخدمات المصرفية الرقمية، وأنظمة المدفوعات، بل وحتى في مفهوم الهوية الرقمية ذاته». كما أن الفئات الأكثر ضعفاً ستكون الأكثر تضرراً، ما يضيف بُعداً اجتماعياً للأزمة، ويجعل من مكافحة الاحتيال مسؤولية تتجاوز الجانب التقني لتصبح قضية تتعلق بالثقة، والاستقرار.

يعكس هذا التحول مساراً أوسع في عالم التكنولوجيا، حيث لم يعد التحدي فيما يمكن للأنظمة أن تفعله، بل في كيفية استخدامها، ولصالح من.

ومع انتقال الاحتيال من استهداف الأنظمة إلى استهداف الإنسان، تصبح الحاجة إلى إعادة التفكير في أدوات الحماية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالرهان اليوم لم يعد على اكتشاف الهجمات بعد وقوعها، بل على فهم السلوك البشري قبل أن يتحول إلى نقطة ضعف.


مقالات ذات صلة

من التحديث السنوي إلى الاستجابة السريعة... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي أمن الشبكات؟

خاص أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)

من التحديث السنوي إلى الاستجابة السريعة... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي أمن الشبكات؟

ترى «سيسكو» أن الذكاء الاصطناعي قلّص زمن الهجمات؛ ما يفرض نموذجاً أسرع وأكثر مرونة لحماية الشبكات والبنية التحتية.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تحليل إخباري شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)

تحليل إخباري من «سفاري» إلى «سيري»...هل يعمّق الذكاء الاصطناعي علاقة «أبل» و«غوغل»؟

شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من محرك البحث إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات الذكية.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق أصحاب الأحلام ومَن يواكبون ولادتها (مسابقة فنّ الخطابة)

زافين قيومجيان: قتلُ الفرادة أخطر ما تفعله الخوارزميات

حتى المناسبات الشخصية التي يفترض أن تحمل بصمةَ أصحابها، أصبحت وفق ملاحظة زافين تتشابه في الصياغة واللغة والمقاربة.

فاطمة عبد الله (بيروت)
تكنولوجيا شعار برنامج «شات جي بي تي» يظهر إلى جانب يد روبوت في صورة مركبة (رويترز)

مبتكر «شات جي بي تي» يدعو لكبح تطوير الذكاء الاصطناعي

وسط التسارع غير المسبوق في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد المخاوف العالمية من تداعيات هذه الطفرة على مستقبل البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص السيادة الرقمية في السعودية لم تعد ترتبط بمكان تخزين البيانات فقط بل بالتحكم في البنية التحتية والنماذج والعمليات (شاترستوك)

خاص «IBM»: سيادة الذكاء الاصطناعي في السعودية لم تعد مسألة موقع البيانات فقط

تربط «IBM» السيادة الرقمية في السعودية بالتحكم في البيانات، والبنية، والوكلاء، والمرونة، لا مجرد مكان تخزين المعلومات.

نسيم رمضان (لندن)

من التحديث السنوي إلى الاستجابة السريعة... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي أمن الشبكات؟

أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)
أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)
TT

من التحديث السنوي إلى الاستجابة السريعة... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي أمن الشبكات؟

أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)
أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)

في عصر الذكاء الاصطناعي، يتغير أمن البنية التحتية من إدارة دورية للتحديثات إلى سباق مستمر مع ثغرات يمكن اكتشافها واستغلالها بسرعة غير مسبوقة. وترى شركة «سيسكو» أن المؤسسات لم تعد قادرة على التعامل مع الشبكات ومراكز البيانات بمنطق الصيانة المتباعدة أو التحديث السنوي. في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «سيسكو لايف 2026» في مدينة لاس فيغاس الأميركية، يقول توم غيليس، نائب الرئيس الأول والمدير العام لمجموعة البنية التحتية والأمن في «سيسكو»، إن الذكاء الاصطناعي لا يسرّع الهجمات فقط، بل يفرض نموذجاً جديداً لتشغيل البنية التحتية وتأمينها. ويضيف أن البيانات التي ترصدها الشركة أصبحت واضحة في إظهار هذا التحول، موضحاً أن الفترة بين اكتشاف الثغرات واستغلالها «انتقلت من أشهر إلى دقائق». ولا تتوقف المشكلة عند سرعة المهاجمين فقط، بل إن النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي، كما يقول، باتت تملك قدرة أعلى بكثير على العثور على الثغرات؛ ما يضع المؤسسات أمام عدد أكبر من نقاط الضعف، وزمن أقصر للتعامل معها، وبنية تحتية لا تزال في كثير من الحالات تُدار بإيقاع بطيء.

توم غيليس نائب الرئيس الأول والمدير العام لمجموعة البنية التحتية والأمن في «سيسكو» (الشركة)

نهاية منطق التحديث السنوي

لعقود، تعاملت المؤسسات مع البنية التحتية بأسلوب يقوم على التصميم ثم التحقق ثم النشر، وبعد ذلك تجنب التغيير لأطول فترة ممكنة. يصف غيليس هذا النموذج بالقول إن الفِرق كانت تبني تصميماً لمركز بيانات أو شبكة، تتحقق منه، تنشره، ثم تحاول «ألا تلمسه لأطول فترة ممكنة». كان هذا المنطق مقبولاً في عالم تظهر فيه بضع ثغرات خلال العام، ويحتاج فيه المهاجمون إلى شهور لاستغلالها.

لكن هذه المعادلة لم تعد قائمة. فإذا كانت المؤسسة تحدّث بنيتها مرة واحدة في السنة، في حين تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي العثور على ثغرات واستغلالها خلال فترة قصيرة، فإن الفجوة بين سرعة الهجوم وسرعة الدفاع تصبح خطرة. المشكلة لا تكمن في وجود الثغرات وحدها، بل في أن نموذج التعامل معها ما زال مبنياً على افتراضات قديمة.

ويدعو غيليس إلى نقل فلسفة التشغيل المعروفة في بيئات السحابة إلى البنية التحتية التقليدية. ففي السحابة، لا تعتمد المؤسسات عادة على تغييرات ضخمة ومتباعدة، بل على تعديلات صغيرة ومتكررة، تُختبر باستمرار ويمكن التراجع عنها بسرعة إذا حدث خلل.

برأي غيليس، يجب ألا يبقى هذا النموذج محصوراً في التطبيقات السحابية؛ لأن الشبكات ومراكز البيانات والفروع والبيئات الموزعة تحتاج إلى المرونة نفسها. ويردف أن التحديث عندما يحدث مرة واحدة في السنة يصبح «خطوة كبيرة» من وضع إلى آخر، وغالباً ما يحمل معه خطر التعطيل. أما التغييرات الصغيرة المتتابعة، فتجعل المؤسسة أكثر قدرة على التكيف، وتسمح بإصلاح أسرع، وتقلل الخوف من التحديثات الكبيرة.

درع مؤقت لا بديل عن التصحيح

ضمن هذا التحول، تطرح «سيسكو» تقنية» (Live Protect) بوصفها أداةً لسد الفجوة بين لحظة الإعلان عن ثغرة حرجة ولحظة تطبيق التصحيح الكامل. ويحرص غيليس على توضيح حدود هذه التقنية بدقة، قائلاً إنها «ليست تصحيحاً» ولا تلغي الحاجة إلى التحديث، بل تعمل بوصفها «درعاً مؤقتاً» أو «تحكماً تعويضياً» يمنع استغلال ثغرة معروفة إلى حين تطبيق الحل النهائي.

أهمية هذا المفهوم أنه يتعامل مع مشكلة عملية تواجه معظم المؤسسات؛ لأن بعض الأنظمة لا يمكن إيقافها بسهولة. تعطيل منصة تجارة إلكترونية، أو خدمة مصرفية، أو شبكة اتصالات، أو بنية حكومية، قد يسبب خسائر أو اضطراباً كبيراً. وفي الوقت نفسه، لم يعد ترك ثغرة حرجة مكشوفة إلى حين توافر نافذة صيانة خياراً آمناً.

يشرح غيليس بأن «Live Protect» يمكن نشره على مكونات مثل المفاتيح والموجّهات والجدران النارية من دون الحاجة إلى إعادة تشغيلها. هذه نقطة جوهرية؛ لأنها تنقل الحماية من إجراء ثقيل ينتظر نافذة صيانة إلى استجابة أسرع، تُستخدم كجسر بين الإعلان عن الثغرة وتطبيق التصحيح الكامل.

ويرى أن هذه القدرة «تحولية» بالنسبة إلى المؤسسات التي لا تستطيع تحمل التوقف، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل الثغرات. ففي عالم تتعرض فيه الثغرات للاستغلال بسرعة أكبر، يصبح المطلوب تقليص الزمن بين معرفة الخطر واحتوائه، حتى لو لم يكن التصحيح النهائي قد طُبق بعد.

في البداية، قد يفضّل العملاء نشر هذه الدروع يدوياً لاختبارها وبناء الثقة بها. لكن التصميم الذي تتجه إليه «سيسكو»، كما يوضح، هو أنه عندما تعلن الشركة عن ثغرة يمكن أن تقدم التصحيح، وفي الحالات المناسبة تقدم الدرع المؤقت، بحيث يصبح نشره فورياً عندما يثق العملاء بهذه الآلية.

وكلاء الذكاء الاصطناعي يفتحون تحدياً أمنياً جديداً لأن المؤسسات تحتاج إلى حمايتهم والتحكم فيما يمكنهم فعله داخل الأنظمة (شاترستوك)

من الهجمات على البنية إلى الحماية المستمرة

يشير غيليس إلى أن تفكير «سيسكو» في هذه الضوابط لم يأتِ من فراغ، بل من متابعة هجمات ركزت على البنية التحتية نفسها، ومنها حملات مثل «Volt Typhoon» و«Salt Typhoon». هذه الهجمات، حسب شرحه، استهدفت بيئات مثل مزودي الاتصالات، حيث لا يكون تحديث البنية أمراً سهلاً أو سريعاً.

في مثل هذه الحالات، لا تكون المشكلة فقط في معرفة الثغرة أو امتلاك التصحيح، بل في القدرة على نشره من دون تعطيل خدمات حساسة. لذلك يصبح «التحكم التعويضي» ضرورياً. فهو لا يحل المشكلة من جذورها، لكنه يمنح المؤسسة وقتاً آمناً نسبياً للتحرك. ومع انضغاط الزمن بين اكتشاف الثغرة واستغلالها، يصبح هذا الجسر جزءاً أساسياً من نموذج الدفاع الجديد.

البنية تحتاج إلى مرونة السحابة

اللافت، في طرح غيليس أنه لا يقدم الأمن كطبقة منفصلة تضاف إلى البنية، بل كطريقة جديدة لتشغيلها. فالشبكة أو مركز البيانات لا يمكن أن يبقى نظاماً ثابتاً تخشى المؤسسة لمسه، بينما تتغير التهديدات بسرعة الآلة.

يشير غيليس إلى استخدام «التوأم الرقمي» كنموذج برمجي يراقب سلوك البنية التحتية ويمثلها باستخدام الذكاء الاصطناعي. وعندما تريد المؤسسة تطبيق تغيير في الإعدادات أو تحديث في المكونات التشغيلية، يمكن اختبار هذا التغيير داخل النموذج قبل نقله إلى الواقع.

فكلما زادت ثقة فرق التقنية بأن التغيير سيعمل من دون تعطيل، أصبح التحرك أسرع. ويرى غيليس أن الجمع بين التغييرات الصغيرة، والاختبار المسبق، والتوأم الرقمي، يمكن أن يجعل البنية التحتية «أسهل في الإدارة، وأكثر مرونة، وأكثر ديناميكية»، بما يناسب ما يسميه عالم ما بعد الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يقلّص الوقت بين اكتشاف الثغرات وتحويلها هجماتٍ من أشهر إلى دقائق (شاترستوك)

الوكلاء الأذكياء... مشكلة أمنية باتجاهين

لا يتوقف حديث غيليس عند الثغرات التقليدية، فظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة من التعقيد. هذه الأنظمة لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يمكنها تنفيذ خطوات، والوصول إلى أدوات وبيانات، والتفاعل مع تطبيقات داخل المؤسسة.

يرى غيليس أن المشكلة تسير في اتجاهين، الأول يتعلق بحماية الوكلاء من العالم الخارجي، أي منع التلاعب بهم أو تسميمهم أو دفعهم إلى تنفيذ أوامر خبيثة. ويشرح أن الوكلاء «قطع برمجية معقدة وذكية»، لكنها لا تمتلك حكماً بشرياً. لذلك؛ يجب حمايتها في مراحل مختلفة: أثناء البناء، وقبل الإطلاق عبر الاختبارات والهجمات التجريبية، وأثناء التشغيل من خلال مراقبة المدخلات والوصول إلى الأدوات والموارد.

ويشبّه غيليس الوكلاء الأذكياء بـ«المراهقين» الذين لديهم نوايا جيدة، لكنهم قد يرتكبون «أخطاء غبية» إذا لم تُوضع حولهم الضوابط المناسبة. هذا التشبيه يوضح طبيعة الخطر، حيث إن الوكيل قد لا يكون خبيثاً، لكنه قد يتصرف بطريقة غير متوقعة أو يسيء فهم الهدف أو يتجاوز حدود المهمة.

أما الاتجاه الآخر والأصعب، فيتعلق بحماية المؤسسة من الوكلاء أنفسهم. فالمؤسسة قد ترغب في أن يصل وكيل ذكي إلى أنظمة داخلية لإنجاز مهمة محددة، لكنها لا تريد منحه صلاحيات مفتوحة. يضرب غيليس مثالاً بوكيل يعالج تقارير المصروفات ويحتاج إلى الوصول إلى نظام السفر، والتقويم، وربما صور الفواتير أو بيانات بطاقة الائتمان لمطابقة النفقات. هذه مهمة مفيدة ومحددة، لكن المؤسسة لا تريد أن يتحول هذا الوصول قدرةً على شراء أشياء لا علاقة لها بالمهمة.

ولتوضيح الفكرة، يستخدم غيليس مثالاً بسيطاً كوكيل طُلب منه ألا يشتري سيارة «بورشه»، قد يختار «فيراري»، وإذا منعته من ذلك قد يبحث عن خيار آخر. المشكلة، كما يوضح، ليست في اسم الشيء المحظور، بل في نية التصرف. لذلك؛ لا تكفي القواعد الثابتة وحدها. تحتاج المؤسسة إلى أنظمة تفهم السياق والنية، وتستطيع التمييز بين وكيل ينهي تقرير مصروفات وآخر يخرج عن غرضه الأصلي.

لماذا يصبح الإنسان أسهل من الوكيل؟

وفي رد على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عما يُعدّ أسهل في التحكم به، يعد غيليس أن التحكم في البشر «أسهل بكثير» من التحكم في وكلاء الذكاء الاصطناعي. فالإنسان يملك حكماً وسياقاً وإدراكاً للعواقب. قد يستطيع موظف ما إساءة استخدام بطاقة أو نظام، لكنه يعرف أن هناك مساءلة وأن شخصاً سيدفع الثمن. أما الوكيل، كما يقول غيليس، «لا يهتم» بهذه العواقب بالطريقة نفسها.

فالتحدي داخل المؤسسات لم يعد منح صلاحية لمستخدم بشري فقط، بل إدارة كيانات برمجية قادرة على الحركة داخل الأنظمة، واتخاذ خطوات متعددة بسرعة عالية. لذلك؛ تحتاج المؤسسات إلى نموذج جديد للهوية والحوكمة والمراقبة، يتعامل مع الوكلاء كفاعلين داخل البيئة الرقمية، لا كأدوات بسيطة.

ويشير غيليس إلى أن مراقبة الوكلاء ستحتاج بدورها إلى ذكاء اصطناعي من حيث التفاعل بين الوكيل والتطبيق، أو بين الوكيل ونموذج لغوي آخر والذي قد يكون معقداً وسريعاً. لذلك؛ تحتاج المؤسسات إلى أنظمة قادرة على تحليل السلوك، ورصد الخروج عن النمط، وتقييم النية، لا مجرد البحث عن كلمات أو أوامر محددة.

نموذج التحديث السنوي لم يعد كافياً لحماية الشبكات ومراكز البيانات في بيئة تهديدات سريعة (شاتوستوك)

الجاهزية الكمية قبل وضوح الخطر بالكامل

يتناول غيليس مسألة الحوسبة الكمية وما يعرف بمخاطر «احصد الآن وافك التشفير لاحقاً». الفكرة هنا أن جهات قد تجمع اليوم بيانات مشفرة لا تستطيع فكها حالياً، لكنها تراهن على أن تطور الحوسبة الكمية مستقبلاً قد يجعل فك بعض أنظمة التشفير ممكناً.

لا يقدم غيليس موعداً قاطعاً لحدوث هذا التحول، بل يقول إن الجميع يدرك القلق، لكن «لا أحد يعرف الإطار الزمني» بدقة. قد يكون الخطر قريباً، أو قد يحتاج إلى جيل أو جيلين تقنيين إضافيين. لكن موقف «سيسكو»، كما يشرحه، هو أن المؤسسات لا ينبغي أن تنتظر اليقين الكامل قبل التحرك.

ويضيف أن الشركة تعمل على إدخال خوارزميات آمنة في مواجهة التهديدات الكمية داخل البنية التحتية، بحيث تصبح هذه الحماية جزءاً مدمجاً وخفيفاً من الأنظمة. ويشير إلى أن «سيسكو» تستهدف أن تكون هذه الخوارزميات مدمجة في بنية مراكز البيانات بنهاية العام، مع توسع تدريجي لاحقاً.

أهمية هذا الملف أنه يرتبط بالبيانات طويلة الأمد، خاصة فيما يخص المعلومات الحكومية أو المالية أو الصحية أو الصناعية التي قد تبقى حساسة لسنوات طويلة. وإذا جُمعت اليوم وهي مشفرة بطرق قد تصبح قابلة للكسر مستقبلاً، فإن الخطر لا يتعلق باليوم فقط، بل بعمر البيانات نفسها.

الأمن بوصفه طريقة تشغيل لا طبقة إضافية

ما يقدّمه غيليس في حديثه لـ«الشرق الأوسط» هو تصور أوسع لأمن البنية التحتية في مرحلة ما بعد الذكاء الاصطناعي. لم تعد القضية مجرد شراء أدوات أمنية إضافية، بل تغيير طريقة تشغيل الأنظمة نفسها. فالهجمات أسرع، والثغرات أكثر، والوكلاء الأذكياء يدخلون بيئات العمل، والحوسبة الكمية تفرض استعداداً مبكراً.

في هذا السياق، يصبح الأمن عملية مستمرة، لا مشروعاً دورياً. والتحديثات يجب أن تكون أصغر وأكثر تكراراً. أما الحماية المؤقتة فيجب أن تسد فجوة الخطر من دون تعطيل. والتوأم الرقمي يجب أن يقلل الخوف من التغيير، والوكلاء يجب أن يخضعوا لحوكمة تفهم النية والسلوك، لا الأوامر المباشرة فقط.

لا يغير الذكاء الاصطناعي شكل الهجوم فقط، بل يغيّر إيقاع الدفاع. والمؤسسات التي تواصل إدارة بنيتها بمنطق الثبات الطويل قد تجد نفسها أمام تهديدات تتحرك أسرع من قدرتها على الاستجابة. أما المؤسسات التي تتجه إلى نموذج أكثر ديناميكية، قائم على التغيير المستمر والاختبار المسبق والحماية المؤقتة والحوكمة الذكية، فقد تكون أقرب إلى متطلبات المرحلة المقبلة.

بهذا المعنى، لا يبدو مستقبل أمن البنية التحتية مرتبطاً بتحديث أكبر أو أداة واحدة أكثر تقدماً، بل بنموذج تشغيل جديد يعامل الشبكات ومراكز البيانات والأنظمة الموزعة كبيئات حية تتغير باستمرار، وتحتاج إلى دفاع قادر على الحركة بالسرعة نفسها.


من «سفاري» إلى «سيري»...هل يعمّق الذكاء الاصطناعي علاقة «أبل» و«غوغل»؟

شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)
شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)
TT

من «سفاري» إلى «سيري»...هل يعمّق الذكاء الاصطناعي علاقة «أبل» و«غوغل»؟

شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)
شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)

تفتح تحديثات «أبل» الأخيرة في الذكاء الاصطناعي باباً جديداً للنقاش حول طبيعة علاقتها مع «غوغل». فالشركتان اللتان ارتبطت أسماؤهما لسنوات طويلة بصفقات البحث الافتراضي على أجهزة «أبل»، تدخلان الآن مرحلة أكثر حساسية تتعلق بنماذج الذكاء الاصطناعي والبنية السحابية التي ستدعم الجيل المقبل من مزايا «ذكاء أبل» (Apple Intelligence) و«سيري» الأكثر تخصيصاً.

لكن قراءة هذه العلاقة باعتبارها تحالفاً كاملاً ستكون مبالغة. كما أن تصويرها على أنها تراجع من «أبل» عن استقلالها التقني لا يبدو دقيقاً. الأقرب أنها شراكة انتقائية تعكس طبيعة المرحلة الحالية في سوق الذكاء الاصطناعي. فحتى أكبر شركات التكنولوجيا لم تعد تبني كل شيء وحدها، بل تختار أين تعتمد على شركاء، وأين تحتفظ بالسيطرة المباشرة على تجربة المستخدم والخصوصية والنظام التشغيلي.

من البحث إلى الذكاء الاصطناعي

لسنوات، كانت العلاقة بين «أبل» و«غوغل» تُفهم غالباً من خلال البحث. «غوغل» تستفيد من الوصول إلى قاعدة مستخدمي «أبل» الواسعة، و«أبل» تستفيد من عائدات كبيرة ومنح مستخدميها محرك بحث مألوفاً. أما الآن، فالمسألة تنتقل إلى طبقة أعمق من التقنية.

في البيان المشترك بين الشركتين، أعلنت «أبل» و«غوغل» تعاوناً متعدد السنوات، يقوم على أن الجيل المقبل من «Apple Foundation Models» سيستند إلى نماذج «جميناي» (Gemini) وتقنيات «غوغل» السحابية، لدعم مزايا مستقبلية في «ذكاء أبل»، من بينها نسخة أكثر تخصيصاً من «سيري». هذه النقطة هي ما يجعل العلاقة مختلفة عن شراكة توزيع أو تكامل خدمات. نحن هنا أمام دور محتمل لـ«غوغل» داخل طبقة الذكاء نفسها، حتى لو بقيت التجربة المعروضة للمستخدم باسم «أبل».

تعتمد «أبل» على قدرات «غوغل» في النماذج لكنها تحافظ على التحكم في تجربة المستخدم والخصوصية والنظام التشغيلي (شاترستوك)

لماذا تحتاج «أبل» إلى هذه الشراكة؟

تدخل «أبل» هذه المرحلة وهي تدرك أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من المنافسة بين أنظمة التشغيل والأجهزة. لم يعد السؤال عن جودة الكاميرا أو سرعة المعالج فقط، بل عن قدرة الهاتف أو الحاسوب على فهم السياق، تنفيذ المهام عبر التطبيقات، تلخيص المعلومات، التعامل مع الصور والنصوص، ومساعدة المستخدم بطريقة أكثر شخصية.

من هذه الزاوية، تمنح شراكة «غوغل» «أبل» طريقاً أسرع لتقوية قدراتها في النماذج التوليدية، من دون أن تضطر إلى انتظار اكتمال كل مكونات بنيتها الداخلية. فـ«غوغل» تملك خبرة واسعة في النماذج الكبيرة، والبحث، والسحابة، ومعالجة اللغة، بينما تملك «أبل» سيطرة عميقة على الأجهزة، ونظام التشغيل، والتجربة اليومية للمستخدم.

هذه ليست معادلة غريبة في عالم التقنية. الشركات الكبرى تتنافس في مجالات وتتعاون في أخرى. الفارق هنا أن التعاون يأتي في لحظة أصبح فيها الذكاء الاصطناعي عنصراً مركزياً في مستقبل الأجهزة الشخصية.

سيطرة «أبل» على التجربة

رغم أهمية «غوغل» في هذه المعادلة، لا يبدو أن «أبل» تريد تقديم التجربة باعتبارها «جميناي على آيفون». العلامة التي ستراها الغالبية هي «Apple Intelligence» و«سيري». هذا مهم، لأن «أبل» لا تنافس بقوة النموذج فقط، بل بطريقة دمجه في الجهاز.

تاريخياً، تفضّل «أبل» أن تجعل التقنية غير مرئية قدر الإمكان. المستخدم لا يحتاج إلى معرفة كل طبقة تعمل في الخلفية، بل يهتم بما إذا كان الجهاز يفهمه، ويحفظ خصوصيته، وينفذ المهمة بسلاسة. لذلك، حتى إذا اعتمدت بعض النماذج على تقنيات «غوغل»، ستبقى «أبل» حريصة على التحكم في الواجهة، وفي حدود الوصول إلى بيانات المستخدم، وفي كيفية انتقال الطلبات بين الجهاز والسحابة.

وتؤكد «أبل» أن المعالجة على الجهاز تمثل ركناً أساسياً في نهجها، وأن الطلبات الأكثر تعقيداً يمكن أن تستخدم «Private Cloud Compute» مع التركيز على حماية البيانات وعدم الاحتفاظ بها أو كشفها. بهذا المعنى، تحاول الشركة وضع التعاون مع «غوغل» داخل بنية خصوصية تتحكم هي في قواعدها، لا داخل تجربة مفتوحة على مزود خارجي بصورة مباشرة.

تمنح الشراكة «أبل» طريقاً أسرع لتعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي من دون التخلي عن هويتها التقنية

ما الذي تكسبه «غوغل»؟

بالنسبة إلى «غوغل»، يبدو أن هذه الشراكة تمثل فرصة مختلفة عن المنافسة التقليدية بين «أندرويد» و«iOS». فحتى إذا لم تظهر «جميناي» كعلامة مستقلة أمام مستخدم «آيفون»، فإن وجود تقنياتها في أساس بعض مزايا «ذكاء أبل» قد يمنحها حضوراً مؤثراً داخل واحدة من أهم قواعد المستخدمين في العالم.

هذا لا يعني أن «غوغل» ستحصل تلقائياً على العلاقة المباشرة مع مستخدم «أبل»، فهذه العلاقة ستبقى في يد «أبل». لكنه يعني أن نماذج «غوغل» قد تصبح جزءاً من البنية التي تشغل تجارب ذكية واسعة الانتشار، حتى إن كانت غير مرئية للمستخدم النهائي. في الذكاء الاصطناعي، قد يكون هذا النوع من الحضور مهماً بقدر ظهور العلامة نفسها، لأن المنافسة لا تدور على التطبيقات فقط، بل على النماذج والبنية التي تعتمد عليها التطبيقات.

اعتماد أم براغماتية؟

السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الخطوة تعني اعتماداً استراتيجياً أكبر من «أبل» على «غوغل». الإجابة الأقرب أنها اعتماد محسوب، لا تفويض كامل. «أبل» تستخدم قدرات خارجية في مجال تحتاج إلى تسريعه، لكنها تحاول في الوقت نفسه حماية نقاط قوتها الأساسية من حيث تكامل العتاد والبرمجيات والتحكم في النظام والخصوصية وتجربة المستخدم.

في المقابل، لا تخلو الشراكة من أسئلة. فكلما تعمق دور طرف خارجي في طبقة الذكاء الاصطناعي، زادت أهمية الشفافية حول حدود البيانات، وآليات المعالجة، والضوابط التنظيمية، ومدى قدرة «أبل» على تغيير المورد أو تطوير بدائل داخلية مستقبلاً. كما أن العلاقة بين الشركتين ستبقى تحت نظر الجهات التنظيمية، خصوصاً أن علاقتهما التجارية في البحث كانت أصلاً موضع تدقيق في أكثر من سوق.

لكن من زاوية المستخدم، قد لا تظهر هذه الأسئلة مباشرة إذا جاءت التجربة أكثر سلاسة وفائدة، وبقيت الضمانات المتعلقة بالخصوصية واضحة. ما سيهم المستخدم هو ما إذا كان «سيري» أصبح أكثر قدرة على فهم الطلبات، والعمل عبر التطبيقات، وحفظ السياق، وإنجاز مهام يومية بطريقة لا تشعره بأن بياناته خرجت عن سيطرته.

يتضمن التعاون بين «أبل» و«غوغل» دعماً لتطوير قدرات «سيري» (شاترستوك)

مرحلة جديدة للعلاقة

على الأرجح، شراكة الذكاء الاصطناعي هذه لا تلغي المنافسة بين «أبل» و«غوغل»، بل تعيد توزيعها. «غوغل» ستبقى منافساً رئيسياً في أنظمة التشغيل والخدمات والذكاء الاصطناعي. و«أبل» ستبقى حريصة على تقديم تجربة مغلقة ومحكومة بشروطها. لكن بين هذين الطرفين، تظهر مساحة جديدة للتعاون، لأن بناء الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع يتطلب نماذج قوية وبنية حوسبة وبيانات تشغيلية وتكاملاً عميقاً مع الأجهزة.

لذلك، فإن السؤال ليس ما إذا كانت «أبل» قد أصبحت تابعة لـ«غوغل»، ولا ما إذا كانت «غوغل» ستسيطر على تجربة «آيفون». السؤال الأدق هو: هل نشهد انتقال العلاقة من صفقة بحث مربحة إلى شراكة بنيوية في الذكاء الاصطناعي؟

الإجابة تبدو نعم، ولكن بشروط «أبل»: «غوغل» تساعد في طبقة الذكاء، و«أبل» تحتفظ بطبقة التجربة. وبين الطبقتين، تتشكل علاقة جديدة قد تحدد كيف ستدخل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى حياة مئات الملايين من المستخدمين، من دون أن يدرك كثيرون بالضرورة من يعمل في الخلفية.


لتجنب «مخاطر كارثية»... مبتكر «شات جي بي تي» يدعو لكبح تطوير الذكاء الاصطناعي

شعار برنامج «شات جي بي تي» يظهر إلى جانب يد روبوت في صورة مركبة (رويترز)
شعار برنامج «شات جي بي تي» يظهر إلى جانب يد روبوت في صورة مركبة (رويترز)
TT

لتجنب «مخاطر كارثية»... مبتكر «شات جي بي تي» يدعو لكبح تطوير الذكاء الاصطناعي

شعار برنامج «شات جي بي تي» يظهر إلى جانب يد روبوت في صورة مركبة (رويترز)
شعار برنامج «شات جي بي تي» يظهر إلى جانب يد روبوت في صورة مركبة (رويترز)

وسط التسارع غير المسبوق في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتزايد المخاوف العالمية من تداعيات هذه الطفرة على مستقبل البشرية. وبينما تتنافس الشركات الكبرى على إطلاق نماذج أكثر تقدماً، يبرز في المقابل اتجاه يدعو إلى التريث وفرض ضوابط أكثر صرامة، تفادياً لمخاطر قد تكون واسعة النطاق.

في هذا السياق، صرّح سام ألتمان، مبتكر برنامج «شات جي بي تي»، بأنه ينبغي للدول أن تمتلك القدرة على المطالبة بإبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي، بهدف تجنب ما وصفه بـ«المخاطر الكارثية» التي قد تهدد البشرية، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «التليغراف».

ودعا الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» إلى إنشاء منظمة دولية تُعنى بمراقبة تطورات الذكاء الاصطناعي، والعمل على التصدي للتهديدات المحتملة التي قد تنجم عن هذه التقنية.

وفي تدوينة له، أوضح ألتمان أن أحد الأهداف الرئيسية لهذه المنظمة يتمثل في تمكين العالم من اتخاذ إجراءات منسقة، بما في ذلك إبطاء وتيرة التطوير في مراحله المبكرة عند الحاجة، بما يضمن قدرة المجتمعات على مواكبة هذه التقنيات من حيث السلامة والمرونة والتوافق.

وأشار أيضاً إلى أن إنشاء هيئة رقابية دولية من شأنه أن يسهم في «الحد من المخاطر الكارثية» المرتبطة بتطور الذكاء الاصطناعي.

وفي السياق ذاته، كانت شركة «أنثروبيك»، المنافس الرئيسي لشركة «أوبن إيه آي»، قد دعت في وقت سابق إلى تجميد عالمي لأبحاث الذكاء الاصطناعي المتطورة، لإتاحة الوقت الكافي لتطوير تقنيات السلامة وتمكين المجتمعات من الاستجابة لهذه التحولات.

سام ألتمان مبتكر برنامج «شات جي بي تي» (رويترز)

وصرّح مسؤولون تنفيذيون في الشركة الأسبوع الماضي قائلين: «نعتقد أنه من مصلحة العالم أن يمتلك خيار إبطاء أو حتى إيقاف تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الرائدة مؤقتاً».

وقد حذر رواد هذا المجال مراراً من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي، رغم إمكاناتها الكبيرة، قد تشكل تهديداً محتملاً للحضارة الإنسانية، لا سيما مع قدرتها على إحداث اضطرابات في الاقتصاد العالمي والتسبب في فقدان مئات الملايين من الوظائف.

ورغم هذه التحذيرات، تواصل الشركات ضخ استثمارات تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر قوة.

وفي هذا الإطار، تسعى كل من «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» إلى طرح أسهمهما للاكتتاب العام خلال العام الحالي، في خطوة قد ترفع تقييم كل منهما إلى أكثر من تريليون دولار (نحو 750 مليار جنيه إسترليني)، ما يعكس حجم الرهانات الاقتصادية المرتبطة بمستقبل هذه التقنية.

عاجل وزير الحرب الأميركي: ضرباتنا على إيران الليلة ستكون واضحة وقوية