كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

اشتكوا من صعوبات العيش وضعف فُرص العمل

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
TT

كيف تأثر الوافدون بغلاء الأسعار في مصر نتيجة الحرب الإيرانية؟

مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)
مصريون وسودانيون يتجولون في شارع بمنطقة فيصل بالهرم (الشرق الأوسط)

دفعت الحرب الإيرانية إلى طرح عدة تساؤلات حول مدى تأثيرها في الوافدين بمصر في ظل أزمة غلاء متصاعدة، وسط «شكاوى» من وافدين بـ«صعوبات معيشية وضعف فُرص العمل».

العشريني السوداني، راسول عبد المسيح قال لـ«الشرق الأوسط» إن «معضلة بعض اللاجئين والوافدين تأتي مع ارتفاع الأسعار في مصر».

يعمل الشاب السوداني 10 ساعات يومياً في مخزن لنقل البضائع بمدينة العاشر من رمضان (شرق القاهرة) مقابل 8 آلاف جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) شهرياً. يدفع منها 3 آلاف ونصف الألف إيجاراً لشقته، والباقي نفقات للطعام،

وشهدت مصر موجات متتالية من التضخم، سجل معدله على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل تسجيله 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي، مرتفعاً من نسبة 0.2 في المائة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ورغم صعوبة الظروف المعيشية لعبد المسيح وأسرته، التي زاد أفرادها بطفلة جديدة وُلدت في مصر، فإنهم تكيفوا على هذه الظروف، واضطر هو وأسرته إلى التسجيل أخيراً في رحلات «العودة الطوعية المجانية» إلى السودان، ليس هرباً من الأسعار في مصر؛ لكن من «حملة تدقيق الإقامات وترحيل المخالفين»، على حد قوله.

وفاقمت الحرب الإيرانية من ارتفاع الأسعار في مصر، بعد قرار حكومي برفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت من 14 إلى 30 في المائة، بعد 10 أيام فقط من الحرب؛ وانعكس ذلك مباشرة على أسعار السلع والخدمات التي تأثرت برفع سعر المحروقات.

سوريون يعودون طواعية من مصر إلى بلادهم (أرشيفية)

وبينما لجأت كثير من الأسر المصرية إلى جدولة ميزانيتها، وترتيب أولوياتها للتكيف مع الموجة الجديدة من زيادة الأسعار، فإن «مئات من الأسر الوافدة ليس لديها هذه الرفاهية، في ظل ميزانية هشة تعيش على المساعدات»، بحسب مراقبين.

وتُعد مصر من أكثر الدول استقبالاً للوافدين، حتى تجاوزت أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء لدى مفوضية اللاجئين مليوناً و98 ألف شخص من 60 جنسية مختلفة نهاية ديسمبر الماضي، تصدرهم السودانيون بواقع 834 ألفاً و201 طلب، ثم السوريون بواقع 123 ألفاً و383 طلباً، ولا يتضمن ذلك الرقم الفلسطينيين الذين جاؤوا إلى مصر خلال «حرب غزة» للعلاج، والدين قدرتهم الحكومة بـ110 ألف فلسطيني.

الخمسينية الفلسطينية سمر الشيخ جاءت إلى مصر في مارس (آذار) 2024 خلال الحرب على قطاع غزة، ووجدت صعوبة في إيجاد عمل تنفق منه على ابنتها وابنة اختها، وبعد بحث طويل عملت في حضانة أطفال مقابل «راتب زهيد»، وكلما ارتفعت الأسعار في مصر زادت معاناة الشيخ في تدبير مصاريفهن.

تقول سمر لـ«الشرق الأوسط» تعليقاً على الزيادة الأخيرة في المحروقات: «سمعت من صديقة أن سعر اسطوانة الغاز ارتفع إلى لـ350 جنيهاً، وآخر مرة اشتريتها من شهر كانت بـ225 جنيهاً».

جاءت الفلسطينية إلى مصر مرافقة لابنة أختها التي خرجت لتلقي العلاج خلال «حرب غزة»، واستقرت في ضاحية 6 أكتوبر بمحافظة الجيزة، بعدما وفرت لها متبرعة هذه الشقة، ولا تنوي الفلسطينية العودة قريباً في ظل وضع القطاع المدمر، وظروف الحياة في خيمة؛ لذا ترى أن «التكيف على الأسعار في مصر أفضل».

الناشط السوري بين أبناء الجالية السورية في مصر، سليم سبع الليل، يشير من جهته إلى «صعوبة أوضاع الوافدين الاقتصادية في ظل غلاء الأسعار»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنهم يعانون مثلما يعاني الجميع؛ لكن الأسوأ بالنسبة لهم هو حرمان كثير منهم من المساعدات الأممية، بعد تخفيض دعم منظمات المجتمع المدني لهم، وصعوبة حصولهم على عمل.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، من 62 جنسية مختلفة، وهو ما يكلّف الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

لاجئات سودانيات في القاهرة (مفوضية اللاجئين)

ويوضح سبع الليل أن «غالبية السوريين من أصحاب الدخول الأقل عادوا إلى سوريا، خصوصاً مع حملات الترحيل، ولن يبقى سوى أصحاب المشروعات، ممن لن يجدوا صعوبة في العيش بمصر اقتصادياً».

الخبير الاقتصادي المصري، عاطف ويليام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن «غلاء الأسعار يؤثر في الوافدين مثل تأثيره في المصريين». مبرزاً أن «تأثير الغلاء يظل أكبر على الفئات المهمشة من الوافدين، ليس فقط بسبب الأعباء المعيشية وغلاء الأسعار، بل أيضاً بسبب أوضاعهم في الأعمال التي يقومون بها، وشكاوى البعض من عدم توفر فرص عمل مناسبة».

ومنذ شهور، بدأت مصر حملات لتدقيق إقامات الوافدين وترحيل المُخالفين، ما نتج عنه ترحيل عشرات الآلاف وفق المراقبين. وكانت حملات «سوشيالية» سبقت حملات الترحيل، هاجمت الوافدين، بوصفهم السبب في زيادة الأسعار بالبلاد.

وسبق أن اتخذت الحكومة المصرية إجراءات لتشجيع الوافدين على العودة لبلادهم، بداية من توفير قطارات تتجه أسبوعياً من القاهرة إلى أسوان لنقل آلاف السودانيين الراغبين في العودة الطوعية، مروراً بإعفاء أقرانهم السوريين من غرامات الإقامة خلال الفترة من يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) من العام الماضي؛ كما توجهت للسودانيين المغادرين بقرار مماثل ما زال ممتداً حتى نهاية مارس الحالي.


مقالات ذات صلة

شمال افريقيا طلاب في طابور الصباح بإحدى المدارس المصرية خلال أبريل الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)

تكرار وقائع تحرش بمدارس مصرية يزعج الأسر ويثير تساؤلات عن «الإجراءات»

أثارت واقعة تحرش جديدة داخل مدرسة مصرية قلق أسر من أن يصبح أبناؤها «ضحايا» يوماً ما مع تكرار هذا النوع من الحوادث.

رحاب عليوة (القاهرة)
المشرق العربي مدينة حمص السورية (مجلس المدينة - «فيسبوك»)

عودة اسم عبد المنعم رياض لأحد شوارع حمص السورية... رسالة تقارب مع مصر

أعادت سوريا وضع اسم القائد العسكري المصري الراحل عبد المنعم رياض على أحد شوارع مدينة حمص، بعد أيام من إزالته من شارع آخر حمل اسمه لسنوات في المدينة نفسها.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري مستقبلاً الأمين العام لـ«منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» ماتياس كورمان (صفحة الرئاسة على «فيسبوك»)

السيسي: مصر تتبع «إجراءات استباقية مدروسة» لتجاوز تداعيات «حرب إيران»

أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مصر تعاملت مع الأزمات العالمية المختلفة خلال السنوات الخمس الماضية بـ«إجراءات استباقية مدروسة» حظيت بإشادة المؤسسات الدولية.

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يستقبل نظيره السوري في القاهرة الأحد (الخارجية المصرية)

زيارة وزير خارجية سوريا إلى مصر... مؤشرات تقارب تتجاوز الجمود

عُقدت مشاورات مصرية - سورية في القاهرة على مستوى وزيرَي الخارجية، تعدُّ الأولى رسمياً، منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024.

محمد محمود (القاهرة)

تكرار وقائع تحرش بمدارس مصرية يزعج الأسر ويثير تساؤلات عن «الإجراءات»

طلاب في طابور الصباح بإحدى المدارس المصرية خلال أبريل الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)
طلاب في طابور الصباح بإحدى المدارس المصرية خلال أبريل الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)
TT

تكرار وقائع تحرش بمدارس مصرية يزعج الأسر ويثير تساؤلات عن «الإجراءات»

طلاب في طابور الصباح بإحدى المدارس المصرية خلال أبريل الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)
طلاب في طابور الصباح بإحدى المدارس المصرية خلال أبريل الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)

أثارت واقعة تحرش جديدة داخل مدرسة مصرية قلق أسر كثيرة من أن يصبح أبناؤها «ضحايا قادمين» مع تكرار هذا النوع من الحوادث، الذي عادة ما يشهد تحركات سريعة من وزارتي التعليم والداخلية لمواجهته، وسط تساؤلات عن إجراءات وقف مثل هذه الجرائم.

الواقعة الجديدة حدثت في مدرسة خاصة بمحافظة الجيزة، وتصاعدت بعد تسريب مقطع مصور يُظهر مدير المدرسة يتحرش بطالبة في مكتبه. وأشارت بعض التعليقات على المقطع إلى أن الواقعة حدثت قبل عام ونصف العام، والتسريب وقع بعد خلافات بين معلمة وإدارة المدرسة.

وتمكنت قوات الأمن من توقيف مدير المدرسة، وقالت في بيان، مساء الأحد، إنه أمكن ضبطه بمحافظة سوهاج، في صعيد مصر، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقه.

وحظر المجلس الأعلى للإعلام، الاثنين، نشر أي بيانات تتعلق بالضحية وأسرتها، أو نشر المقطع محل الواقعة أو صور منه. وكانت وزارة التربية والتعليم قد قررت، الأحد، وضع المدرسة تحت الإشراف المالي والإداري للوزارة «بعد واقعة اعتداء على إحدى الطالبات». كما قررت إحالة جميع المسؤولين في المدرسة للشؤون القانونية.

وأعادت الواقعة إلى الأذهان حوادث مشابهة، بداية من واقعة الاعتداء على طفل من مسؤول مالي في مدرسته، حُكم عليه بالسجن المؤبد (25 عاماً) في مايو (أيار) من العام الماضي، ثم خُفف الحكم إلى السجن المشدد 10 سنوات، مروراً بوقائع تالية بالتعدي على أطفال في المرحلة التمهيدية بمدارس دولية وخاصة في العام نفسه.

وزير التربية والتعليم داخل أحد الفصول بمدرسة في الجيزة الشهر الماضي (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)

وقال وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، إن مثل هذه الوقائع «انتهاك صارخ للقيم التربوية والأخلاقية، ولن يتم التهاون معها تحت أي ظرف».

وتعليقاً على تكرار حوادث التحرش داخل مدارس مصرية، قال مدير التعليم الإعدادي بقطاع التعليم العام في وزارة التربية والتعليم، محمد صلاح، لـ«الشرق الأوسط»: «كل واقعة تحرش تعد كارثة، خصوصاً حين تصدر من معلم أو مدير مدرسة من المفترض أن يتولى حماية الطلاب»، مؤكداً أن الوزارة تتخذ الإجراءات المشددة والمناسبة تجاه مثل هذه الأفعال التي «لم تصل لمرحلة الظاهرة، ولم تصل لإثارة الذُعر».

وأضاف أن تركيز الإعلام على هذه الحوادث، مع انتشارها على وسائل التواصل الاجتماعي «يضخم الأمر نسبياً، لكن ذلك لا يعني التهوين من أي حالة، ويتم التعامل معها بشدة».

ولم تخفف التصريحات الرسمية من قلق بعض الأسر، وطالبت سمر علي، التي لديها ابنان في المرحلة الإعدادية وثالث في الثانوية، بإجراءات رقابية مشددة في مقدمتها وضع كاميرات في مختلف المناطق بالمدارس، وإتاحة صلاحية لولي الأمر الدخول إلى المدرسة للاطمئنان على وضع أبنائه.

وقالت لـ«الشرق الأوسط» إنها تعاني قلقاً شديداً على أطفالها رغم أنهم في مدارس خاصة ذات سمعة طيبة، تتجاوز مصاريف الطفل الواحد فيها 25 ألف جنيه (نحو 467 دولاراً) سنوياً. واتهمت وزارة التربية والتعليم «بالتخبط» فيما يتعلق بالمناهج والمنظومة التعليمية وفي فرض منظومة حماية كافية للطلاب.

الأمر نفسه أكدته سالي مجدي، ولها ابن في المرحلة الإعدادية بإحدى المدارس الخاصة، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «الأهالي يعيشون حالة خوف، ولا بد من تغليظ العقوبات على المتورطين». كما شددت هي أيضاً على ضرورة وضع كاميرات مراقبة في المدارس.

اصطفاف طلاب في مدرسة مصرية مطلع العام الجاري (صفحة وزارة التربية والتعليم على فيسبوك)

وفرضت وزارة التربية والتعليم في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي على المدارس الخاصة والدولية تطبيق عدة إجراءات تتعلق بمنظومة الكاميرات، والإشراف البشري على الطلاب خلال وجودهم في المدرسة، بالإضافة إلى توعيتهم بخصوصية أجسادهم ومنع أي أحد من لمسها، في إطار خطة لحماية الطلاب.

غير أن الخبير التربوي، عاصم حجازي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الإجراءات التي لا تمنع تكرار مثل هذه الحوادث، «هي إجراءات قاصرة، خصوصاً من حيث التنفيذ»، مشدداً على أن الحاجة تستدعي وجود إشراف أكبر للوزارة على المدارس الخاصة، ووجود زيارات دورية مفاجئة لمسؤولين بهدف الوقوف على طبيعة الأوضاع في هذه المدارس، مع نشر كاميرات في المدارس الحكومية والخاصة على حد سواء.

أما الخبير التربوي، وائل كامل، فأعطى صورة أكثر قتامة، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «ما نراه يعد بمثابة قشور تظهر على السطح من وقت لآخر، لكن الواقع أسوأ»، مضيفاً أنه شخصياً أُبلغ بواقعة في مدرسة خاصة ولم يتم اتخاذ إجراءات بشأنها لتعطل الكاميرات في غرفة المدير، ومن ثم تعذر إثباتها. وانتقد في الوقت ذاته «غياب المعايير والاختبارات النفسية اللازمة عند اختيار المديرين في المدارس».

كما دعت الخبيرة التربوية، داليا الحزاوي، وهي مؤسِّسة جروب «أولياء أمور مصر»، إلى ضرورة ربط كاميرات المراقبة في المدارس بنظام مركزي بالوزارة، تستطيع من خلاله الاطلاع على ما يحدث داخلها.

وطالبت خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط» بأن تكون مكاتب المديرين والمدرسين كافة في المدارس بواجهات زجاجية لمنع حدوث هذه الحوادث.

بينما اقترح حجازي «إتاحة خط ساخن لتلقي الشكاوى من التحرش في المدارس مع الحفاظ على سرية معلومات الشاكي».


مصر تتمسك بالتوافق لاستعادة شمولية «مبادرة حوض النيل»

وزير الخارجية المصري ونظيره التنزاني بدار السلام في مارس 2025 (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري ونظيره التنزاني بدار السلام في مارس 2025 (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
TT

مصر تتمسك بالتوافق لاستعادة شمولية «مبادرة حوض النيل»

وزير الخارجية المصري ونظيره التنزاني بدار السلام في مارس 2025 (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)
وزير الخارجية المصري ونظيره التنزاني بدار السلام في مارس 2025 (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

شدد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، على أهمية التعاون والتكامل في نهر النيل لتحقيق المنفعة المشتركة والمصالح المتبادلة بين دول المنطقة، وأكد في اتصال هاتفي مع نظيره التنزاني، محمود ثابت كومبو، يوم الاثنين، رفض بلاده لأي إجراءات أحادية بنهر النيل.

وتستهدف مصر تعزيز تعاونها مع دول حوض النيل، في وقت تواجه فيه خلافاً مع إثيوبيا بسبب النزاع الممتد لنحو 15 عاماً حول «سد النهضة»، الذي أنشأته أديس أبابا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، وتخشى القاهرة أن يؤثر على حصتها المائية.

وفيما يتعلق بالأمن المائي، شدد عبد العاطي على «أهمية التمسك بروح التوافق والأخوة لاستعادة الشمولية لـ(مبادرة حوض النيل)»، ورحب في نفس الوقت بـ«التطورات الإيجابية في العملية التشاورية للمبادرة لاستعادة الشمولية وفقاً للقانون الدولي، وبما يحقق المنفعة المتبادلة لجميع دول حوض النيل».

وترتبط جميع دول حوض نهر النيل في إطار «مبادرة حوض النيل» التي تأسست عام 1999 بهدف «المشاركة في تنمية المصادر المائية، وضمان كفاءة إدارة المياه والاستخدام الأمثل لها، وتحقيق التعاون، وتعزيز التكامل الاقتصادي».

وعلقت مصر والسودان عضويتهما في المبادرة عام 2010 اعتراضاً على توقيع 6 دول منابع على الاتفاقية الإطارية حول نهر النيل المعروفة بـ«عنتيبي».

وزير الخارجية المصري يتفقد موقع سد «جوليوس نيريري» بتنزانيا في مارس 2025 (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

وأشاد عبد العاطي، الاثنين، بزخم العلاقات مع تنزانيا وحرصها على تعزيز التعاون في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصادية والاستثمارية والتجارية والصناعية والتنموية، وأشار إلى أن مشروع سد «جوليوس نيريري» الذي ينفذه تحالف شركات مصرية «يشكل علامة فارقة في تطوير المصالح المشتركة والتكامل بين البلدين».

في حين تحدث كومبو عن دور الشركات المصرية العاملة في تنزانيا، مشيراً إلى «خبراتها المختلفة في تنفيذ المشروعات التنموية الكبرى مثل (نيريري)».

ويقيم تحالف من كبرى الشركات المصرية مشروع بناء سد «جوليوس نيريري» ومحطة توليد كهرومائية بقدرة 2115 ميغاواط في تنزانيا، بهدف توليد 6307 آلاف ميغاواط/ ساعة سنوياً، تكفي استهلاك نحو 17 مليون أسرة تنزانية. ووقعت الحكومة التنزانية عقد إنشاء السد مع الشركات المصرية عام 2018 بتكلفة نحو 3 مليارات دولار.

ووفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، رخا أحمد حسن، فإن مصر «تستهدف حشد توافق بين دول حوض النيل لمواجهة التصرفات الأحادية من الجانب الإثيوبي على حوض نهر النيل الشرقي». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القاهرة تعوّل على مصالح مشتركة مع دول حوض النيل الجنوبي، من بينها التعاون في مجالات المياه والزراعة والبنية التحتية».

ويعتقد حسن أن «تعظيم القاهرة التعاون مع دول حوض النيل، في مجالات التنمية المختلفة، يشكل قاعدة صلبة للعلاقات، تعزز من التعاون والتوافق في مواجهة ممارسات الانفراد بالقرارات كما تفعل إثيوبيا».

ونوّه بأن ما وصفها بـ«ممارسات التعنت والتعسف التي يطبقها الجانب الإثيوبي» في أزمة سد النهضة، تخالف القانون الدولي، وتسعى مصر لمواجهتها بتنويع مسارات التعاون مع باقي دول حوض النيل.

وفي فبراير (شباط) 2025 عقد المجلس الوزاري لـ«مبادرة حوض النيل» اجتماعاً استثنائياً في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وخلال الاجتماع أكد وزير الري المصري هاني سويلم التزام بلاده بمبادئ «مبادرة حوض النيل»، وضرورة الحفاظ على مبدأ الإجماع بين أعضائها كـ«ضرورة حتمية لضمان استمرار المبادرة وتحقيق الاستفادة التبادلية، بما يعزز الاستقرار الإقليمي».

وقال السفير حسن إن دعم مصر لبناء مشروع سد «جوليوس نيريري» في تنزانيا «نموذج للتعاون» مع دول حوض النيل، وأشار إلى أن المشروع يضاف إلى مشروعات سدود مماثلة دعمتها القاهرة في دول مثل أوغندا، وتريد التأكيد من خلالها على أنها «ليست ضد التنمية في دول حوض النيل»، إلى جانب التأكيد على ضرورة «التمسك بقواعد قانون الأنهار الدولية الخاصة بالتوافق والتنسيق والتعاون في حوكمة أحواض الأنهار الدولية المشتركة».

وزير الري المصري خلال مشاركته بالاجتماع الوزاري لـ«مبادرة حوض النيل» بأديس أبابا في فبراير 2025 (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)

أستاذ الموارد المائية في جامعة القاهرة، عباس شراقي، قال إن مصر تتمسك باستعادة التشاور والتوافق تحت مظلة «مبادرة حوض النيل» لمواجهة الخلاف القائم بشأن الاتفاق الإطاري المعروف بـ«اتفاقية عنتيبي».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن مصر والسودان «يرفضان التوقيع على (عنتيبي)؛ لكونها لا تحترم الاستخدامات الحالية لدولتَي المصب لمياه النيل، والحصة السنوية المقررة لكل منهما في اتفاقيات مشتركة».

و«عنتيبي» هي الاتفاق الإطاري الذي قدمته إثيوبيا عام 2010 لدول حوض النيل للموافقة عليه، وهي تُنهي الحصص التاريخية لمصر والسودان المقررة في اتفاقيات المياه مع دول حوض النيل. وقد أعلنت أديس أبابا دخولها حيز التنفيذ بعد مصادقة 6 دول عليها، هي إثيوبيا وأوغندا وكينيا وتنزانيا ورواندا وجنوب السودان، وسط رفض مصري وسوداني.

ويقول شراقي إن مصر تعوّل على علاقاتها مع دول حوض النيل الجنوبي، وبينها تنزانيا، في إعادة الحوار مرة أخرى حول الاتفاقية الخلافية.


هدوء حذر في الخرطوم وانتشار أمني مكثف عقب هجمات بالمسيّرات

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)
TT

هدوء حذر في الخرطوم وانتشار أمني مكثف عقب هجمات بالمسيّرات

الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)
الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (أرشيفية - رويترز)

تسود حالة من الهدوء الحذر في العاصمة السودانية الخرطوم، فيما انتشرت قوات الأمن بكثافة في عدد من مناطقها، في أعقاب هجمات بالطائرات المسيرة، استهدفت عدة مناطق عسكرية ومدنية، بما فيها مطار الخرطوم الذي عاد للعمل خلال الأشهر الماضية، بعد توقف دام أكثر من عامين.

وقال بيان للحكومة السودانية إن الأوضاع «مستقرة» في مطار الخرطوم، بعد أن استهدفت طائرة مسيّرة موقعاً في ساحته، دون خسائر في الأرواح والممتلكات، بينما قال شهود إنهم سمعوا أصوات انفجارات ضخمة في عدة مواقع بالعاصمة الخرطوم، وشاهدوا ألسنة الدخان تتصاعد قرب مطار الخرطوم ومباني القيادة العامة للجيش القريبة.

ووفقاً للمكتب الصحافي في وزارة الإعلام، تعاملت الجهات الأمنية والعسكرية مع الحادثة فور وقوعها، وشرعت في إجراءات فنية وأمنية وفقاً للبروتوكولات المعتمدة، بما في ذلك عمليات التقييم لضمان السلامة، تمهيداً لاستئناف حركة الطيران التي توقفت مؤقتاً، وينتظر أن تُستأنف بصورة طبيعية فور استكمال الإجراءات الروتينية.

ودعا البيان المواطنين ووسائل الإعلام لتحري الدقة، واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية، مؤكداً أن الأوضاع تحت السيطرة مع استمرار التنسيق بين الجهات المختصة.

وأفادت مصادر ميدانية بأن القصف استهدف مدرج الطائرات وبرج المراقبة، ما أدى إلى إلغاء رحلة مجدولة كانت متجهة إلى مدينة بورتسودان.

وذكرت مصادر ميدانية أخرى أن عدداً من المواقع في الخرطوم وولايات أخرى تعرضت لهجمات بمسيّرات شملت، إلى جانب مطار الخرطوم ومحيطه، القيادة العامة للجيش، ومعسكر المرخيات جنوب أم درمان، ومواقع في ولايات النيل الأبيض وشمال كردفان والنيل الأزرق.

وأضافت أن قصفاً آخر بطائرة مسيّرة أصاب مصنع الإيثانول التابع لمصنع سكر كنانة، وأسفر عن دمار واسع في عدد من المنشآت الحيوية بالمجمع الصناعي ومستودعات الوقود.

عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد السيطرة على مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

وقال شاهد إن مسيّرات استهدفت سيارة وقود في مدينة تندلتي بولاية النيل الأبيض، ما أثار حالة من الرعب بين المواطنين، فضلاً عن استهداف مدينة الرهد بولاية شمال كردفان.

وسمع مواطنون دوي انفجارات قوية في محيط مطار الخرطوم، وذكر شاهد أن النيران ظلت مشتعلة، مشيراً إلى سماع أصوات انفجارات بعيدة تأتي من منطقة شمال غربي أم درمان، حيث تقع واحدة من أكبر القواعد العسكرية التابعة للجيش.

وأفاد شهود آخرون، مساء الاثنين، بسماع دوي انفجارات في منطقة الجريف شرق، بشرق مدينة الخرطوم بحري، دون اتضاح طبيعتها أو الجهة المسؤولة عنها.

وقالت جماعة «محامو الطوارئ» في بيان، إن طائرة مسيّرة لـ«قوات الدعم السريع» استهدفت، صباح الاثنين، عربة مدنية جنوب أم درمان، وأدى القصف لمقتل جميع ركابها وعددهم خمسة مدنيين.

من جهتها، قللت المنصات الموالية للجيش من شأن هجمات المسيّرات، وذكرت أن الدفاعات الأرضية تصدت لعدد منها وأسقطت بعضها، أو أنها أخطأت أهدافها، فيما لم يصدر تأكيد رسمي من الجيش.

في المقابل، ذكرت مصادر محلية أن مسيّرات نفذت ضربات خلال اليومين الماضيين على مواقع في مناطق مدن جبرة الشيخ، وبلدة أم قرفة، ومواقع أخرى واقعة على طول «طريق الصادرات» الذي يربط مدينة أم درمان بمدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، وهي مواقع تحت سيطرة «قوات الدعم السريع».

وتأتي هذه التطورات بعد يومين من استهداف مسيّرات لمنزل قائد «قوات درع السودان»، أبو عاقلة كيكل، في قريته شرق ولاية الجزيرة، ما أدى إلى مقتل عدد من أفراد أسرته، بينهم شقيقه ونائبه عزام كيكل.

وتوجه رئيس «مجلس السيادة» وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى بلدة كيكل لتقديم العزاء، فيما لم تصدر اتهامات رسمية من ذوي القتلى بشأن الجهة المنفذة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى اعتماد كبير لطرفي النزاع على الطائرات المسيّرة في العمليات القتالية، لأغراض الاستطلاع أو الاستهداف المباشر.